حكمة الإسراء:

حكمة الإسراء:


الإسراء والمعراج

يقصد بالإسراء الرحلة العجيبة التي بدأت من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالقدس، ويقصد بالمعراج ما عقب هذه الرحلة من ارتفاع في طباق السموات حتى الوصول إلى مستوى تنقطع عنده علوم الخلائق، ولا يعرف كنهه أحد، ثم الأوبة- بعد ذلك- إلى المسجد الحرام بمكة. وقد أشار القران الكريم إلى كلتا الرحلتين في سورتين مختلفتين، وذكر قصة الإسراء وحكمته بقوله:

سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) [الإسراء] .

وذكر قصة المعراج وثمرته بقوله:

وَلَقَدْ رَآهُ يعني: جبريل نَزْلَةً أُخْرى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (14) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (16) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (17) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (18) [النجم] .

فتعليل الإسراء- كما نصّت الاية- أنّ الله يريد أن يري عبده بعض آياته.

ثم أوضحت ايات المعراج أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام شهد- بالفعل- بعض هذه الايات الكبرى.

وقد اختلف العلماء من قديم: أكان هذا السّرى الخارق بالروح واحده، أم بالروح والجسد جميعا؟ والجمهور على القول الأخير.

وللدكتور هيكل رأي غريب، فقد اعتبره استجماعا ذهنيا ونفسيا لواحدة الوجود من الأزل إلى الأبد، في فترة من فترات التألّق النفساني الفذّ، الذي اختص به بشر نقيّ جليل مثل محمد صلى الله عليه وسلم، وفي إبّان هذا التألّق، الذي استعالى به على كلّ شيء استعرض حقائق الدين والدنيا، وشاهد صور الثواب والعقاب ...

إلخ.

فالإسراء حقّ.. وهو- عنده- روحيّ لا مادي، ولكنه في اليقظة لا في المنام، فليس رؤيا صادقة كما يرى البعض، بل هو حقيقة واقعة على النحو الذي صوّره، ثم قال فيه بعدئذ: «وليس يستطيع هذا السمو إلا قوة فوق ما تعرف الطبائع الإنسانية» .

والحق أن الحدود بين القوى الروحية والقوى المادية أخذت تضمحلّ وتزول، وأن ما يراه الإنسان ميسورا في عالم الروح ليس بمستوعر في عالم المادة.

وأحسب أنه بعد ما مزّق العلم من أستار عن أسرار الوجود؛ فإنّ أمر المادة أضحى كأمر الروح، لا يعرف مداه إلا قيوم السموات والأرض.

وإنّ الإنسان ليقف مشدوها، عند ما يعلم أنّ الذرة تمثل في داخلها نظام المجموعة الشمسية الدوّارة في الفلك، وأنها- وهي هباءة تافهة- تكمن فيها حرارة هائلة عند ما أطلقت أحرقت الأخضر واليابس.

إنّ الرسول صلى الله عليه وسلم أسري به وعرج؛ كيف؟ هل ركب الة تسير بأقصى من سرعة الصوت كما اخترع الناس أخيرا؟.

لقد امتطى البراق، وهو كائن يضع خطوه عند أقصى طرفه، كأنّه يمشي بسرعة الضوء، وكلمة (براق) يشير اشتقاقها إلى البرق، أي أنّ قوة الكهرباء سخّرت في هذه الرحلة.

لكنّ الجسم- في حالته المعتادة- يتعذّر عليه التنقّل في الافاق بسرعة البرق الخاطف، لا بدّ من إعداد خاصّ، يحصّن أجهزته ومسامّه لهذا السفر البعيد.

وأحسب أنّ ما روي عن شقّ الصدر، وغسل القلب وحشوه، إنّما هو رمز هذا الإعداد المحتوم.. وقصة الإسراء مشحونة بهذه الرموز، ذات الدلالة التي تدقّ على السّذّج.

إنّ الإسراء والمعراج وقعا للرسول عليه الصلاة والسلام بشخصه في طور بلغت الروح فيه قمة الإشراق، وخفّت فيه كثافة الجسد حتى تفصّى من أغلب القوانين التي تحكمه.

واستكناه حقيقة هذه الرحلة، وتتبّع مراحلها بالوصف الدقيق، مرتبط بإدراك العقل الإنساني لحقيقة المادة والروح، وما أودع الله فيهما من قوى وخصائص.

ولذلك سنتجاوز هذا البحث «1» إلى ما هو أيسر وأجدى، أي إلى تسجيل المعالم المتصلة بالإسلام باعتباره رسالة عامة وتشاريع محددة.

وقصة الإسراء والمعراج تهمّنا من هذه الناحية.

ألم تر أنّ (علم النفس) لم يستبحر وينطلق إلا يوم تحرّر من البحث في الروح والخبط في مدلولها؟!.

,

حكمة الإسراء:

ذلك والله عز وجلّ يتيح لرسله فرص الاطّلاع على المظاهر الكبرى لقدرته، حتى يملأ قلوبهم ثقة فيه، واستنادا إليه، إذ يواجهون قوى الكفار المتألّبة، ويهاجمون سلطانهم القائم.

فقبل أن يرسل الله موسى شاء أن يريه عجائب قدرته، فأمره أن يلقي عصاه، قال: أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (20) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ

__________

(1) حديث ضعيف، أخرجه الترمذي: 3/ 18، من طريق حنان عن أبي عثمان النهدي مرسلا، وهذا مع إرساله فيه جهالة حنان هذا، ولم يوثقه غير ابن حبان، ولو صح الحديث لكان اللائق حمله على ظاهره وهو أن الريحان أصله من الجنة، ولا يلزم منه أن ما نقطفه منه من الحقول هو من الجنة أيضا كما ظن المؤلف. ألا ترى أنه إذا قال إنسان لماء في كأس: هذا من السماء؛ لكان صادقا، وكان قصده معروفا؟ فليتأمل. ونحو هذا يقال فيما صح عنه صلى الله عليه وسلم: «إن أربعة أنهار من الجنة» أي: أصلها من الجنة، لا أنها تنبع الان منها. قلت: ألا ترى أنا نقول: إن الإنسان خلق من طين، وإن الذي خلق من طين هو أصل الإنسان (آدم) ، أما أفراد هذا الجنس فقد توالدوا من ماء مهين. (ن) .

سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (23) [طه] .

فلمّا ملأ قلبه إعجابا بمشاهد هذه الايات الكبرى، قال له بعد: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (17) ... [النازعات] .

وقد علمت أنّ ثمرة الإسراء والمعراج إطلاع الله نبيّه على هذه الايات الكبرى، وربّما تقول: إنّ ذلك حدث بعد الإرسال إليه بقريب من اثني عشر عاما، على عكس ما وقع لموسى! وهذا حق، وسرّه ما أسلفنا بيانه من أنّ الخوارق في سير المرسلين الأولين قصد بها قهر الأمم على الاقتناع بصدق النبوة؛ فهي تدعيم لجانبهم أمام اتّهام الخصوم لهم بالادّعاء، وسيرة محمد صلى الله عليه وسلم فوق هذا المستوى.

فقد تكفّل القران الكريم بإقناع أولي النهى من أول يوم، وجاءت الخوارق في طريق الرسول صلى الله عليه وسلم ضربا من التكريم لشخصه، والإيناس له، غير معكرة، ولا معطلة للمنهج العقلي العادي الذي اشترعه القران «1» .

وقد اقترح المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم أن يرقى في السماء، فجاء الجواب من عند الله: قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [الإسراء: 63] .

فلمّا رقي في السماء بعد، لم يذكر قط أن ذلك ردّ على التحدي، أو إجابة على الاقتراح السابق؛ بل كان الأمر- كما قلنا- محض تكريم، ومزيد إعلام من الله لعبده.

,

فرض الصلاة:

وفي المعراج شرعت الصلوات الخمس، شرعت في السماء؛ لتكون معراجا يرقى بالناس كلّما تدلّت بهم شهوات النفوس وأعراض الدنيا.

والصلوات التي شرع الله غير الصلوات التي يؤدّيها- الان- كثير من الناس.

__________

(1) حديث صحيح، وهو قطعة من حديث صعصعة بن مالك الطويل في الإسراء، وقد مضى تخريجه (ص 65) ، ورواه ابن حبان في صحيحه أيضا، ص 192- 198، وأخرجه ثلاثتهم من حديث أبي هريرة أيضا.

(2) انظر: خلق المسلم، ص 7، الطبعة الثالثة عشرة، دار القلم- دمشق. والإسلام والمناهج الاشتراكية، للمؤلف.

وعلامة صدق الصلاة أن تعصم صاحبها من الدنايا، وأن تخجله من البقاء عليها إن ألمّ بشيء منها.

فإذا كانت الصلاة- مع تكرارها- لا ترفع صاحبها إلى هذه الدرجة؛ فهي صلاة كاذبة.

«الصلاة طهور» «1» ، كما جاء في السنّة: إلا أنّها طهور للإنسان الحيّ، لا للجثة العفنة.

إنّ التطهير يزيل ما يعلق بالقلب الحيّ من غبار عارض، والأعراض التي تلحق المرء في الحياة فتصدئ قلبه كثيرة، ومطهّراتها أكثر!.

وفي الحديث: «فتنة الرّجل في أهله وماله وولده ونفسه وجاره، يكفّرها الصيام، والصّلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» «2» .

أمّا أصحاب القلوب الميتة فالصلاة لا تجديهم فتيلا.. ولن يزالوا كذلك حتى تحيا قلوبهم أو يواريها الثرى..

,

قريش والإسراء:

فلمّا كانت صبيحة هذه الليلة المشهودة حدّث رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بما تمّ له، وما شهد من ايات ربّه الكبرى.

والذين كذّبوا أن يقع وحي على الأرض أتراهم يصدّقون به في السماء؟!.

لقد طاروا يجمع بعضهم بعضا؛ ليسمعوا هذه الأعجوبة، فيزدادوا إنكارا لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وريبة من أمره، وتحدّاه بعضهم أن يصف بيت المقدس، إن كان راه هذه الليلة حقا!.

عن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لمّا كذّبتني قريش، قمت في الحجر، فجلّى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه» !! «1» .

ويقول الدكتور هيكل: «أحسبك لو سألت الذين يقولون بالإسراء بالروح في هذا؛ لما رأوا فيه عجبا، بعد الذي عرف العلم في وقتنا الحاضر من إمكان التنويم المغناطيسي للتحدّث عن أشياء واقعة في جهات نائية ...

فما بالك بروح يجمع واحدة الحياة الروحية في الكون كله؟! ويستطيع- بما وهب الله له من قوة- أن يتّصل بسر الحياة من أزل الكون إلى أبده!» .

ونحن لا نعلّق كبير اهتمام لمعرفة الطريق التي تمّ بها الإسراء والمعراج، كلا الأمرين حق ترك ثماره في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم، فاستراح إلى حمد الخالق، وقلّ اكتراثه لذمّ الهمل من الجاحدين والجاهلين، ثم نشط إلى متابعة الدعوة، موقنا أنّ كلّ يوم يمرّ بها هو خطوة إلى النصر القريب..

ويزعم بعض الكتّاب أنّ فريقا من المسلمين ارتدّ عقب الإسراء والمعراج

__________

- وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» أخرجه أحمد: 3/ 224؛ وأبو داود: 2/ 298، وسنده صحيح، وقد روي مرسلا. ولكن المسند أصح كما قال العراقي في تخريج الإحياء: 3/ 123، ولأنس حديث اخر في رؤيته صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء الخطباء الذين يقولون ما لا يفعلون، أخرجه ابن حبان في صحيحه، رقم (52) ، وغيره، وفي الباب أحاديث أخرى عن جماعة من الصحابة ذكر بعضها ابن كثير في تفسير سورة الإسراء، فليراجعها من شاء.

(1) حديث صحيح، أخرجه البخاري: 7/ 157- 159؛ ومسلم: 1/ 108؛ وابن حبان، رقم (54) وغيرهم، وله شاهد مفصل من حديث ابن عباس أخرجه أحمد، رقم (2820) ، بسند صحيح.

إنكارا لهما، بل يزيد الدكتور هيكل أنّ المسلمين تضعضعوا على أثر انتشار القصة على الأفواه، واستبعاد المشركين لوقوعها، وهذا كلّه خطأ، فلا الاثار التاريخية تدلّ «1» عليه، ولا الاستنتاج الحصيف ينتهي به، ولا ندري كيف يقال هذا؟!.



كلمات دليلية: