حصار وادي القرى _13051

حصار وادي القرى


فتح وادي القرى

:

"ثم فتح وادي القرى" بضم القاف وفتح الراء مقصور موضع بقرب المدينة "في جمادى الآخرة" سنة سبع، كما اقتصر عليه اليعمري، ومغلطاي فتبعهما المصنف وكأنه, والله أعلم مبني على ما ذكره الحاكم، وابن سعد عن الواقدي أن خيبر كانت في جمادى الأولى، وقد تعقب ذلك الحافظ كما مر عنه بأن الذي في مغازي الواقدي أنها كانت في صفر، وقيل: في ربيع الأول، والذي قاله ابن إسحاق، والواقدي والبلاذري بأسانيده لما انصرف صلى الله عليه وسلم عن خيبر أتى الصهباء، سلك على برمة حتى انتهى إلى وادي القرى يريد من بها من يهود.

وقد روى مالك ومن طريقه البخاري، ومسلم عن أبي هريرة: افتتحنا خيبر ثم انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى، وأخرجه البيهقي من وجه آخر بلفظ: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى وبين هذا وكونها في جمادى تباين ظاهر؛ لأن خيبر كانت في المحرم سنة سبع أو في آخر سنة ست وحاصرها بضع عشرة ليلة حتى فتحها في صفر، ثم خرج إلى الصهباء وأقام حين بنى بصفية ثلاثة أيام بلياليها ومدة الذهاب والإياب ثمانية أيام فغاية المدة نحو شهر، فلا يكون وادي القرى في جمادى الآخرة غاية ما يفيده كلام الجماعة المعتضد بحديث أبي هريرة أنها في آخر صفر أو أول ربيع الأول.

نعم روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم أقام بخيبر ستة أشهر يجمع الصلاة،

بعد أن قام أربعا يحاصرهم، ويقال: أكثر من ذلك.

وأصاب "مدعما" مولاه سهم

__________

وهذا لو صح لرفع الإشكال يحمل قوله ستة على التقريب سيما على أنها في آخر سنة ست، أو على أن المراد بها وبما يتعلق بها من وادي القرى لكن سنده ضعيف، وعارضه رواية البيهقي بسند ضعيف عن ابن عباس أنه أقام بها أربعين يوما.

روى ابن إسحاق عن أبي هريرة: لما انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خيبر إلى وادي القرى نزلناها أصيلا مع غروب الشمس "بعد ما أقام بها أربعا" من الأيام "يحاصرهم ويقال: أكثر من ذلك".

قال الواقدي: عبَّى صلى الله عليه وسلم أصحابه للقتال وصفهم ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر وراية إلى سهل بن حنيف وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحصنوا دماءهم وحسابهم على الله فبرز رجل منهم فقتله الزبير، ثم آخر فقتله الزبير، ثم آخر فقتله علي، ثم آخر فقتله أبو دجانة، ثم آخر فقتله أبو دجانة، حتى قتل منهم أحد عشر، كلما قتل رجلا دعا من بقي إلى الإسلام ولقد كانت الصلاة تحضر يومئذ فيصلي بأصحابه، ثم يعود فيدعوهم إلى الله ورسوله, فقاتلهم حتى أمسوا وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس حتى أعطوا ما بأيديهم وفتحها صلى الله عليه وسلم عنوة، وغنمه الله أموالهم وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا وأقام بها أربعة أيام وقسم ما أصاب على أصحابه بوادي القرى، وترك الأرض والنخيل بأيدي يهود وعاملهم عليها.

قال البلاذري: وولاها صلى الله عليه وسلم عمرو بن سعيد بن العاصي وأقطع جمرة بجيم ابن هوذة بفتح الهاء والمعجمة العذري رمية سوط من وادي القرى "وأصاب مدعما" بكسر الميم وسكون الدال وفتح العين المهملتين آخره ميم عبد أسود، كما في رواية الموطأ صحابي رضي الله عنه "مولاه" صلى الله عليه وسلم أهداه له رفاعة بن زيد أحد بني الضبيب كما في مسلم وهو بضم المعجة بصيغة التصغير.

وفي رواية ابن إسحاق رفاعة بن زيد الجذامي، ثم الضبني بضم المعجمة وفتح الموحدة بعدها نون وقيل: بفتح المعجمة، وكسر الموحدة نسبة إلى بطن من جذام.

قال الواقدي: كان رفاعة وفد على النبي صلى الله عليه وسلم في ناس من قومه قبل خروجه إلى خيبر فأسلموا وعقد له على قومه جاءه "سهم" فقتله.

روى مالك والشيخان من طريقه عن أبي هريرة: افتتحنا خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة إنما غنمنا البقر، والإبل, والمتاع, والحوائط، ثم انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى ومعه عبد

فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الشملة التي غلها من خيبر تشتعل عليه نارا".

وصالحه أهل تيماء على الجزية، قاله الحافظ مغلطاي.

__________

له أسود يقال له: مدعم أهداه له أحد بني الضباب، فبينما هو يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر حتى أصاب ذلك البعد، فقال الناس: هنيئا له الشهادة، فقال صلى الله عليه وسلم: "كلا". هكذا في الموطأ، ومسلم, وفي البخاري: "بل". وللكشميهني: "بل" وهو تصحيف، والذي نفسي بيده "إن الشملة" كساء يلتف فيه وقيل إنما تسمى شملة إذا كان لها هدب وتقييد بعض بالغلظ إن ثبت أنه الواقع هنا وإلا فاللغة الإطلاق "التي غلها من خيبر".

وفي رواية التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم "تشتعل عليه نارا" قال الحافظ: يحتمل أن ذلك حقيقة بأن تصير الشملة نفسها نارا فيعذب بها ويحتمل أن المراد أنها سبب لعذاب النار وكذا القول في الشراك، يعني المذكور في بقية الحديث وهو: فجاء رجل حين سمع ذلك بشراك أو شراكين، فقال صلى الله عليه وسلم: "شراك -أو شراكان- من نار". وفيه تعظيم أمر الغلول، ونقل النووي الإجماع على حرمته وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر، وقال: كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له: كركرة. فقال صلى الله عليه وسلم: "هو في النار في عباءة غلها"، وكلام عياض يشعر باتحاد قصته مع قصة مدعم والذي يظهر من عدة أوجه تغايرهم فإن قصة مدعم كانت بوادي القرى ومات بسهم وغل شملة، والذي أهداه للنبي صلى الله عليه وسلم رفاعة بخلاف كركرة، فأهداه هوذة بن علي أي: وغل عباءة ولم يمت بسهم فافترقا.

نعم روى مسلم عن عمر لما كان يوم خيبر.

قالوا: فلان شهيد, فقال صلى الله عليه وسلم: "كلا إني رأيته في النار في بردة غلها -أو عباءة-". فهذا يمكن تفسيره بكركرة "وصالحه" صلى الله عليه وسلم كما عند البيهقي في حديث أبي هريرة "أهل تيماء" لما بلغهم فتح وادي القرى "على الجزية".

زاد البلاذري فأقاموا ببلادهم وأرضهم في أيديهم وولاها صلى الله عليه وسلم يزيد بن أبي سفيان وكان إسلامه يوم فتحها، وروي أن عمر أجلى أهل فدك وخيبر، وتيماء وهو بفتح الفوقية وإسكان التحتية، والمد بلدة معروفة بين الشام والمدينة على نحو سبع مراحل أو ثمان من المدينة، قال: في المطالع من أمهات القرى على البحر من بلاط طيئ ومنها يخرج إلى الشام. "قاله الحافظ مغلطاي" تلخيصا للروايات كما ترى وصالحه أهل فدك حين أوقع بأهل خيبر على أن لهم نصفها وله صلى الله عليه وسلم نصفها فأقرهم على ذلك ولم يأتهم.

قال ابن إسحاق: فكانت له خالصة لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. وقيل: صالحوه على حقن دمائهم والجلاء ويخلو بينه وبين الأموال ففعل.

.........................

__________

قال الواقدي: والأول أثبت القولين، وقول الشارح قصة فدك في شعبان وهم, فالتي في شعبان إنما هي سرية بشير إلى بني مرة بفدك أي بقربها كما يأتي لا لنفس أهل فدك، وقد ذكر الشامي مصالحة أهل فدك عقب فتح خيبر قبل قصة وادي القرى وترجم ابن إسحاق أمر فدك في خيبر، ثم رجع صلى الله عليه وسلم إلى المدينة منصورا مؤيدا.

روى الشيخان وأصحاب السنن عن أبي موسى: قال أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله فقال صلى الله عليه وسلم: "أربعوا على أنفسكم, إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا, إنكم لتدعون سميعا قريبا وهو معكم". وأنا خلف دابته فسمعني أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال: "يا عبد الله بن قيس". قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة". قلت: بلى. قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله". أربعوا بكسر الهمزة وفتح الموحدة أي: أرفقوا وأمسكوا عن الجهر واعطفوا على أنفسكم بالرفق وكفوا عن الشدة, والله تعالى أعلم.

"ذكر خمس سرايا بين خيبر والعمرة":

"الأولى: سرية عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى تربة":

ثم سرية عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى تربة في شعبان سنة سبع، ومعه ثلاثون رجلا، فخرج معه دليل من بني هلال، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فأتى الخبر إلى هوازن فهربوا، وجاء عمر إلى محالهم فلم يلق منهم أحدًا، فانصرف راجعا إلى المدينة.

__________



كلمات دليلية: