تواضع الحبيب صلى الله عليه وسلم _12904

تواضع الحبيب صلى الله عليه وسلم


تواضع رسول الله ص

]

كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أشدّ النّاس تواضعا، وأسكنهم من غير كبر، وأبلغهم من غير تطويل، وأحسنهم بشرا، لا يهوله شيء من أمر الدّنيا.

وكان صلّى الله عليه وسلّم متواضعا في غير مذلّة.

وعن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تطروني كما أطرت النّصارى ابن مريم، إنّما أنا عبد فقولوا: (عبد الله ورسوله) » .

و (الإطراء) : هو مجاوزة الحدّ في المدح.

وكان صلّى الله عليه وسلّم لا يدفع عنه النّاس، ولا يضربوا عنه.

وكان صلّى الله عليه وسلّم لا يأتيه أحد من حرّ ولا عبد، ولا أمة ولا مسكين.. إلّا قام معه في حاجته.

وكان صلّى الله عليه وسلّم لا يستكبر عن إجابة الأمة والمسكين.

وكان صلّى الله عليه وسلّم يكثر الذّكر ويقلّ اللّغو، ويطيل الصّلاة

ويقصر الخطبة، وكان لا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين والعبد حتّى يقضي له حاجته.

وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فتنطلق به حيث شاءت.

وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: أنّ امرأة جاءت إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقالت له: إنّ لي إليك حاجة، فقال: «اجلسي في أيّ طرق المدينة شئت أجلس إليك» .

وكان صلّى الله عليه وسلّم إذا صلّى بالنّاس الغداة أقبل عليهم بوجهه فقال: «هل فيكم مريض أعوده؟» ، فإن قالوا: لا.. قال: «فهل فيكم جنازة أتبعها؟» ، فإن قالوا: لا.. قال: «من رأى منكم رؤيا يقصّها علينا» .

وكان صلّى الله عليه وسلّم يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعتقل الشّاة، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشّعير.

وكان صلّى الله عليه وسلّم يعود مرضى المساكين الّذين لا يؤبه لهم، ويخدمهم بنفسه صلّى الله عليه وسلّم، وكان صلّى الله عليه وسلّم يجيب من دعاه؛ من غنيّ أو فقير أو شريف، ولا يحتقر أحدا.

وكان صلّى الله عليه وسلّم يجيب إلى الوليمة، ويشهد الجنائز.

وكان صلّى الله عليه وسلّم يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم.

وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلّى الله عليه

وسلّم يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد.

وكان يوم نبي قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف وعليه إكاف.

و (الخطام) : الزّمام.

و (الإكاف) : البرذعة «1» .

وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يدعى إلى خبز الشّعير والإهالة السّنخة، فيجيب، ولقد كان له درع عند يهوديّ فما وجد ما يفكّها حتّى مات.

و (الإهالة السّنخة) وفي رواية: الزّنخة؛ هي: الدّهن المتغيّر الرّيح من طول المكث.

وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لو أهدي إليّ كراع.. لقبلت، ولو دعيت عليه..

لأجبت» .

وعنه أيضا [رضي الله تعالى عنه] قال: حجّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على رحل رثّ، وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم، فقال:

«اللهمّ؛ اجعله حجّا لا رياء فيه ولا سمعة» .

و (القطيفة) : كساء له خمل.

هذا.. وقد فتحت عليه الأرض، وأهدى في حجّه ذلك مئة بدنة.

__________

(1) أي: ما يوضع على الحمار ليركب عليه، كالسرج للفرس.

ولمّا فتحت عليه مكّة ودخلها بجيوش المسلمين.. طأطأ على رحله رأسه حتّى كاد يمسّ قادمته «1» ؛ تواضعا لله تعالى.

وكان صلّى الله عليه وسلّم يركب ما يمكنه، فمرّة فرسا، ومرّة بعيرا، ومرّة بغلة، ومرّة حمارا، ومرّة يمشي راجلا حافيا، بلا رداء ولا قلنسوة، ليعود المرضى في أقصى المدينة.

وكان صلّى الله عليه وسلّم يركب الحمار عريا، ليس عليه شيء.

وركب صلّى الله عليه وسلّم الفرس مسرجة تارة، وعريانة أخرى، وكان يجري بها في بعض الأحيان.

وكان صلّى الله عليه وسلّم يخرج إلى العيد ماشيا، ويرجع ماشيا.

وكان صلّى الله عليه وسلّم يتوكّأ إذا مشى.

وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: جاءني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليس براكب بغل ولا برذون «2» .

وكان صلّى الله عليه وسلّم يردف خلفه عبده أو غيره، وتارة يردف خلفه وقدّامه، وهو في الوسط.

ولمّا قدم صلّى الله عليه وسلّم مكّة استقبله أغيلمة بني عبد المطّلب، فحمل واحدا بين يديه، واخر خلفه.

وعن قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهما قال: زارنا

__________

(1) أي: مقدمة رحله.

(2) البرذون: الفرس الأعجمي.

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا أراد الانصراف.. قرّب له سعد حمارا وطّأ عليه بقطيفة، فركب صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ قال سعد: يا قيس؛ اصحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال قيس: فقال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اركب» ، فأبيت، فقال: «إمّا أن تركب، وإمّا أن تنصرف» ، فانصرفت. وفي رواية أخرى: «اركب أمامي؛ فصاحب الدّابّة أولى بمقدّمها» .

وفي «المواهب» : (عن المحبّ الطّبريّ: أنّه صلّى الله عليه وسلّم ركب حمارا عريا إلى قباء «1» ، وأبو هريرة معه، قال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟» ، قال: ما شئت يا رسول الله، قال: «اركب» ، فوثب أبو هريرة ليركب فلم يقدر، فاستمسك برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فوقعا [جميعا] ، ثمّ ركب صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ قال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟» ، قال: ما شئت يا رسول الله، فقال: «اركب» ، فلم يقدر أبو هريرة على ذلك، فتعلّق برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فوقعا جميعا، فقال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟» ، فقال: لا، والّذي بعثك بالحقّ لا رميتك ثالثا.

وذكر الطّبريّ أيضا: أنّه عليه الصّلاة والسّلام كان في سفر وأمر أصحابه بإصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول الله؛ عليّ ذبحها، وقال اخر: يا رسول الله؛ عليّ سلخها، وقال اخر: يا رسول الله؛ عليّ

__________

(1) يؤنث ويذكر، ويمدّ ويقصر، ويصرف ويمنع، والأفصح: التذكير والصرف مع المدّ.

طبخها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «عليّ جمع الحطب» ، فقالوا: يا رسول الله؛ نكفيك العمل، فقال: «قد علمت أنّكم تكفوني، ولكن أكره أن أتميّز عليكم، فإنّ الله سبحانه وتعالى يكره من عبده أن يراه متميّزا بين أصحابه» ) .

وقال في «الشّفا» : (عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه [قال] : وفد وفد النّجاشيّ، فقام النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يخدمهم، فقال له أصحابه: نكفيك، قال: «إنّهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأنا أحبّ أن أكافئهم» .

ولمّا جيء بأخته من الرّضاعة الشّيماء في سبايا هوازن، وتعرّفت له.. بسط لها رداءه، وقال لها: «إن أحببت أقمت عندي مكرمة محبّة، أو متّعتك ورجعت إلى قومك» ، فاختارت قومها، فمتّعها «1» .

وقال أبو الطّفيل رضي الله تعالى عنه «2» : رأيت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأنا غلام، إذ أقبلت امرأة حتّى دنت منه، فبسط لها رداءه، فجلست عليه، فقلت: من هذه؟ قالوا: أمّه الّتي أرضعته.

وعن عمرو بن السّائب: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان جالسا يوما، فأقبل أبوه من الرّضاعة «3» ، فوضع له بعض ثوبه، فقعد

__________

(1) أي: أعطاها زادا ومالا.

(2) عامر بن واثلة الكناني.

(3) وهو: الحارث بن عبد العزى رضي الله عنه.

عليه. ثمّ أقبلت أمّه «1» ، فوضع لها شقّ ثوبه من جانبه الاخر، فجلست عليه. ثمّ أقبل أخوه من الرّضاعة «2» ، فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأجلسه بين يديه.

وكان صلّى الله عليه وسلّم يبعث إلى ثوبية- مولاة أبي لهب- مرضعته بصلة وكسوة، فلمّا ماتت.. سأل: «من بقي من قرابتها؟» ، فقيل: لا أحد) .

وكان صلّى الله عليه وسلّم يستفتح ويستنصر بصعاليك المسلمين «3» .

وكان له صلّى الله عليه وسلّم عبيد وإماء، وكان لا يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس.

وكان صلّى الله عليه وسلّم يأكل مع خدمه.

وكان صلّى الله عليه وسلّم يجلس مع الفقراء.

وكان صلّى الله عليه وسلّم يواكل الفقراء والمساكين، ويفلي ثيابهم «4» .

وكان صلّى الله عليه وسلّم يخيط ثوبه، ويخصف نعله «5» ، ويعمل ما يعمل الرّجال في بيوتهم «6» .

__________

(1) أي: حليمة السعدية رضي الله عنها.

(2) وهو: عبد الله بن الحارث بن عبد العزى رضي الله عنهما.

(3) أي: بدعاء فقرائهم لقربه من الإجابة.

(4) أي: يزيل ما فيها من القمل.

(5) أي: يخرز طاقا على طاق.

(6) من الاشتغال بمهنة الأهل والنفس؛ إرشادا للتواضع وترك التكبّر.

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّه قيل لها: ماذا كان يعمل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في بيته؟ قالت: كان بشرا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه.

وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أوسع النّاس خلقا، وكان إذا دخل بيته يكون أكثر عمله فيه الخياطة، وكان يصنع كما يصنع احاد النّاس، يشيل هذا، ويحطّ هذا، ويقمّ البيت، ويقطّع اللّحم، ويعين الخادم.

وكان صلّى الله عليه وسلّم يركب الحمار، ويخصف النّعل، ويرقع القميص، ويلبس الصّوف، ويقول: «من رغب عن سنّتي.. فليس منّي» .

وكان صلّى الله عليه وسلّم يعقل البعير، ويعلف ناضحه، ويأكل مع الخادم، ويعجن معها، ويحمل بضاعته من السّوق.

و (النّاضح) : البعير يستقى عليه، ثمّ استعمل في كلّ بعير.

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: دخلت السّوق مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فاشترى سراويل وأخذه، فذهبت لأحمله، فقال: «صاحب الشّيء أحقّ بشيئه أن يحمله» .

وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لم يكن شخص أحبّ إليهم من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: وكانوا إذا رأوه.. لم يقوموا؛ لما يعلمون من كراهته لذلك.

[جلوس رسول الله ص]

وأمّا



كلمات دليلية: