تمهيد_866

تمهيد


تمهيد

:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد:

فقد مر جمع السيرة النبوية وتدوينها بمراحل، في كل مرحلة برز مجموعة من الرواة والكتاب والمصنفين الذين تصدوا للتأليف في هذا الفن ذي الصلة بذات المصطفى صلى الله عليه وسلم وتاريخ حياته.

لقد كانت السيرة النبوية محط أنظار المسلمين في القرن الأول، وجاء تدوين أخبارها بصورة أولية على يد مجموعة من علماء التابعين، كعروة ابن الزبير (ت:94هـ) والزهري (ت:124هـ) ثم جاء ابن إسحاق (ت:151هـ) ليُخْرِج عملاً تاريخياً يشمل السِّيَرْ والمغازي، ويعني ذلك فترة الرسالة بأكملها. وجاء من بعد ابن إسحاق من عني بالمغازي كالواقدي (ت:207هـ) .

وشهدت المراحل التي تلت التدوين الأَوَّلي وعَمَلَي ابن إسحاق والواقدي تنوعاً في مجالات التأليف في السيرة واتجاهاً نحو الكتابة في موضوعات جديدة في محيط السيرة أبرزها دلائل النبوة وأعلامها. ولعل من أبرز المصنفين في تلك الموضوعات الحافظ المشرقي أبا بكر البيهقي (458هـ) صاحب كتاب "دلائل النبوة ومعرفة أحوال الشريعة" وهو

كتاب جامع لا يقتصر على الدلائل كما قد يوحي بذلك العنوان حيث شمل المبعث والمغازي واستوعب مراحل السيرة كافة.

وإلى جانب البيهقي برز مجموعة من العلماء في القرنين الخامس والسادس تناولوا جوانب من السيرة بإفراد كأبي نعيم الأصبهاني والبغوي والتيمي الأصبهاني ثم ابن الجوزي، وفي الأندلس ظهرت مؤلفات لعدد من العلماء في السيرة النبوية بمراحلها التاريخية أو في جوانب منها كجوامع السيرة لابن حزم، والدرر لابن عبد البر، والشفا "وهو في الشمائل" للقاضي عياض (ت:544هـ) .

وإن قراءة سريعة لما أُلِّف عن السيرة النبوية في القرنين الخامس والسادس الهجريين عصر البيهقي والبغوي وابن الجوزي في المشرق والقاضي عياض وابن المقري الغرناطي في المغرب والأندلس، لتقودنا إلى مجموعة من الملحوظات منها: أن معظم مَنْ ألَّف فيها هم من كبار علماء عصرهم وممن عرفوا بجمع الآثار والسنن، كما نلحظ ذلك التنوع في مجالات التأليف في السيرة حيث نجد المؤلف الشامل إلى جانب المؤلف المتخصص في أحد الموضوعات، كما نجد المؤلف المختصر الموجز، إلى جانب المؤلف المتبسط، كما اتسم معظم تلك المؤلفات بالجمع بين مرويات أهل المغازي والسير وبين الروايات والأخبار المنتشرة في دواوين السنة وغيرها من المجامع والأجزاء الحديثية.

وقد تلا أولئك العلماء الحُفَّاظ مجموعة من العلماء المحققين الموسوعيين في القرن الثامن الهجري، كالذهبي وابن القيم وابن كثير،

وقد تميزوا بقدرتهم العلمية القوية وعنايتهم بالحديث والأثر، وامتلاك الأدوات المنهجية والوعي النقدي مما هيأهم للقيام بجهد يتجاوز مجرد الجمع والتدوين إلى غربلة ما جمع من روايات وأخبار ومراجعتها وبناء فقه مستنبط من وقائع السيرة العطرة، وغير ذلك من سمات الإسهام النوعي المتميز في مجال كتابة السيرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأتمّ التسليم.

ويلفت نظر الباحث في هذا الواقع الجهد الذي قام به ابن كثير في كتابه "السيرة النبوية"، حيث نرى عناية بجمع الروايات من مصادرها وعناية بالأسانيد ونقدها، واستيعاباً لجهد من سبقه من العلماء، هذا الجهد الجمعي اللافت للنظر في مراجعة ونقد متون المرويات التي يوردها في السيرة، هذا ما سوف تحاول هذه الدراسة الإجابة عنه.

ومن الله نستمد العون والتوفيق.



كلمات دليلية: