تمهيد_360

تمهيد


تمهيد

:

وفيه:

1ـ تعريف السيرة لغة واصطلاحاً.

2ـ مدلول كلمة السيرة النبوية.

3ـ خصوصية السيرة النبوية.

التمهيد:

1- تعريف السيرة لغة واصطلاحاً

فالسيرة لغة: السُّنَّة، وقد سارت وسِرْ تُها، قال الشاعر:

فلا تَجْزَعَن من سُنَّة أنت سرْتهَا

فأول راضٍ سنّةً مَنْ يسيرُها (1)

والسيرة: الطريقة، يُقال: سار بهم سيرة حسنةً.

والسيرة: الهيئة، وفي التنزيل: {سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى} [طه:21] .

والسيرة: الضرب من السَّيْر (2) .

ويلاحظ أنّ من معاني السيرة لغة: السُّنَّة.

والسيرة النبوية اصطلاحاً: هي الترجمة المأثورة لحياة النبي صلى الله عليه وسلم (3) .

أو هي: ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقية أو خُلُقية أو سيرة، سواء كان قبل البعثة أو بعدها (4) .

وهذا التعريف ذكره المحدِّثون للسنة، وهو تعريف للسيرة أيضاً؛ لأنّ من معاني السيرة في اللغة: السُّنّة، ولأنّ التعريف اشتمل على ذكر حياة النبي صلى الله عليه وسلم كلها قبل البعثة أي: من ولادته وبعدها حتى وفاته.

__________

(1) البيت: لخالد بن زهير، ابن أخت أبي ذؤيب، انظر: لسان العرب، مادة: سير.

(2) لسان العرب، مادة: سير، والقاموس المحيط، مادة: سير.

(3) دائرة المعارف الإسلامية (2/152) .

(4) قواعد التحديث، للقاسمي ص (35-38) .

2- مدلول كلمة: السيرة النبوية

إذا قيل السيرة النبوية، فإنما يراد بها سيرة نبي الله ورسوله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، والتي تشتمل على ذكر أدق التفاصيل عن حياة سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية والمدنية، وعلى هذا درج المؤلفون عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم بتسمية مؤلفاتهم بالسيرة النبوية، كالسيرة النبوية لابن إسحاق، وتهذيب ابن هشام (1) ، والسيرة النبوية لابن حزم (ت: 456?) ، والسيرة النبوية لعبد الغني المقدسي (ت: 600?) ، والسيرة النبوية لابن عساكر، المطبوعة ضمن تاريخه الشهير بتاريخ ابن عساكر (ت:571?) وغيرها (2) .

والملاحظ أنّ هذه المصنفات الموسومة بالسيرة النبوية، جميعها تتحدث عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية والمرحلة المدنية، إلا أن بعضها أكثر تفصيلاً عن حياته عليه الصلاة والسلام من بعض (3) .

3ـ خصوصية السيرة النبوية

تمتاز السيرة النبوية بخصائص عدة لا يمكن حصرها منها:

كونها ربانية المصدر، بمعنى أنّ صاحبها وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مرسل من ربه إلى الناس كافة: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ

__________

(1) وفيات الأعيان، لابن خلكان (3/177) .

(2) هناك مؤلفات أخرى كثيرة تحمل عناوين أخرى، مثل: تسمية البعض لسيرة ابن إسحاق بالمغازي والسير، انظر: فهرسة ابن خير الإشبيلي ص (232) ، ومغازي عروة بن الزبير (ت: 94?) ، ومغازي موسى بن عقبة (ت: 141?) وهي تتحدث عن حياة النبي (في المرحلة المكية والمدنية، انظر: مرويات عروة بن الزبير ص (46-47) ، لعادل عبد الغفور، ومغازي موسى بن عقبة ص (19) جمع ودراسة وتخريج محمد باقشيش.

(3) كالسيرة النبوية لابن إسحاق، تهذيب ابن هشام، والسيرة النبوية لابن عساكر.

جَمِيعاً} ويتلقى تعاليمه من الله سبحانه وتعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3، 4] ، ولا يقول شيئاً من ذات نفسه فيما يتعلق بأوامر النبوة والرسالة أبداً {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوِيَتنَ} [الحاقة:44-46] .

وهذه الخصوصية وإن كان يشاركه الأنبياء في بعضها إلا أن نبينا انفرد بكونه صلى الله عليه وسلم مرسلاً إلى الناس كافة، فأوامره ونواهيه ملزمة ومقررة للناس جميعاً.

2- ثبوتها وصحة ما جاء فيها: فقد أورد القرآن الكريم صوراً من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الإجمال، حيث أشار إلى الحالة التي نشأ عليها صلى الله عليه وسلم في أول حياته: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [الضحى:6-8] ، ثم نزول الوحي عليه: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:1-5] .

وبداية دعوته: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214] ، ثم بعض أخلاقه وشمائله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4] ، {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران:159] ، ثم في جهاده وغزواته، ففي بدر: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} [الأنفال:5] .

وفي أحد: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران:121] .

وفي الخندق: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} [الأحزاب:10-11] .

وفي حنين: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25] .

فالقرآن الكريم مليء بمثل هذه الإشارات المقتضبة، وعلى هذا فالقرآن الكريم يعدُّ المصدر الأول لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكفاك به صدقاً وعدلاً {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:42] .

كما أنّ كتب السنة قد نقلت لنا معظم سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وبأصح ما جاء فيها، حيث أورد البخاري ومسلم في صحيحيهما جملة كبيرة من السيرة النبوية، وكذا بقية كتب السنة.

3- شمولها وكمالها: فلا تكاد تجد سيرة لنبي من أنبياء الله السابقين وصفت وصفاً دقيقاً ابتداء من ولادته حتى وفاته وبقيت بعده، فضلاً عن غيرهم من البشر، لكن سيرة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم شملت جميع مراحل حياته، بل وقبل ولادته حتى وفاته عليه الصلاة والسلام، بل وفي بعض أحداثها ذكر اليوم والشهر والسنة، وشاملة لجميع مناحي الحياة الإنسانية، فتجد فيها الوسطية، والعدل والمساواة والحرية، والرفق بالإنسان والحيوان

وغيرها.

4- وسطيتها ويسرها: فدين الإسلام عموماً جاء بالوسطية {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة: 143] .

وقال عليه الصلاة والسلام: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا" (1) .

وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثتم مُيَسِّرين ولم تبعثوا معسِّرين" (2) .

وقال لمعاذ عندما بلغه إطالة صلاته بالناس: "يا معاذ أفتّان أنت، أو أفاتن أنت؟ ثلاث مرات، فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى" (3) .

فأمّة الإسلام أمة وسطية معتدلة، قال أبو جعفر الطبري: "فلا هم أهل غُلُوٍّ فيه، غُلُوَّ النصارى الذين غَلَوا بالترهب، وقِيلِهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه، تقصير اليهود الذين أبدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا ربهم، وكفروا به، ولكنهم أهل وسط واعتدال فيه فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها" (4) .

إلى غير ذلك من خصائص السيرة النبوية.

__________

(1) البخاري، رقم (69) عن أنس، ومسلم، رقم (1732) عن أبي موسى بلفظ ((بشرو ولا تنفروا …)) .

(2) البخاري، رقم (220) .

(3) البخاري رقم (705) ، ومسلم، رقم (465) .

(4) تفسير الطبري (3/142) ، تحقيق، أحمد شاكر.



كلمات دليلية: