تمهيد من كتاب السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

تمهيد من كتاب السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

اسم الكتاب:
السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي
المؤلف:
احمداحمدغلوش

تمهيد

:

تمهيد: العالم هو أمة الدعوة، فإليه بُعث محمد صلى الله عليه وسلم، وأُمر بتبليغ الإسلام إلى الناس أجمعين.

فمن أجاب ودخل في دين الله تعالى صار من أمة الإجابة التي عرفت الحق، وآمنت به، واستقامت على الصراط المستقيم.

والتعريف بهذا العالم ضرورة مهمة؛ لأنه يبين واقعه، وما ساده من انحراف وضلال، ويُظهر المناهج التي دعا بها الرسول صلى الله عليه وسلم الأمم كلها على اختلافهم وتنوعهم، ويوضح طريقة المواجهة بين الإسلام ومعارضيه في هذا الزمان السحيق.. وبذلك تستفيد الدعوة، ويأخذ الدعاة الدروس والعبر..

لقد انقسم العالم في هذا الزمان إلى أمم كبرى هي: الفرس، والروم، والعرب، والهنود، وكان لكل منها وضعه ونظامه ودينه، وانضوت بقية الأقاليم تحت سلطان إحدى هذه الأمم، كولايات تابعة لها، تعيش بنظمها، وتتمذهب بمذهبها ... وهكذا.

وفي هذا الفصل سأتناول هذه الأمم بالدراسة، وأُعرِّف بواقعها، وأهم نظمها، وأديانها، وأخلاقها، وسأعقد لكل أمة مبحثا على أن أعقد مبحثا أخيرا أبين فيه مدى حاجة العالم يومذاك لحمل الإسلام، وكيف تهيأت الظروف العالمية لاستقباله، وبذلك سيكون هذا الفصل مكونا من خمسة مباحث هي:

* المبحث الأول: "واقع العرب".

* المبحث الثاني: "واقع الرومان".

* المبحث الثالث: "واقع الفرس".

* المبحث الرابع: "واقع الهنود".

* المبحث الخامس: "ملاءمة الواقع العالمي للحركة بالإسلام".

وبذلك ينتهي الفصل بتوفيق الله تعالى،،،

المبحث الأول: "العرب":

1- جغرافية بلاد العرب:

العرب هم أبناء إسماعيل عليه السلام، نشئوا في مكة أولا، وبعدها انتشروا في شبه جزيرة العرب1، وهاجروا إلى البلدان المجاورة.

وتنقسم الجزيرة العربية إلى خمسة أقاليم تبعا لجغرافية الأرض وطبيعة المكان؛ ذلك أن جبل السراة بدأ من ثغر اليمن جنوبا، وامتد حتى بلغ أطراف الشام شمالا، فسمي بإقليم "الحجاز" لأنه يحجز إقليم "تهامة" الواقع في غربه على ساحل البحر الأحمر، عن إقليم "نجد" الواقع شرقه.. وتسمى المنطقة الواقعة جنوب جبل السراة بإقليم "اليمن"، والمنطقة الواقعة شرق نجد بإقليم "العروض".

وهذه الأقاليم تتمايز عن بعضها على النحو التالي:

1- تهامة: يشمل الأرض المنخفضة، الساحلية، المحاذية للبحر الأحمر بدءا من ينبع في الشمال، إلى نجران في جنوب السعودية، وسميت تهامة بتهامة لشدة حرها وركود ريحها، كما تسمى "الغور" لانخفاض أرضها بالنسبة لغيرها.

2- الحجاز: ويتكون من عدد من الوديان التي تتخلل جبال السراة المتدة من الشام شمالا إلى نجران جنوبا، وسميت بالحجاز لأنها تحجز تهامة عن نجد، وفي هذا الإقليم تقع مدينتا "مكة" "والمدينة"، ويرتبط هذه الإقليم بالبحر الأحمر بعدة طرق عرضية كما يرتبط بسائر الجهات.

__________

1 يسمي العرب بلادهم بـ"جزيرة العرب" على سبيل التجوز؛ لأن المياه تحيط بها من ثلاث جهات فقط هي: الشرق، والجنوب، والغرب، ويحدها من الشمال بلاد الشام، والعرب يُدخلون في جزيرتهم برية سيناء، وفلسطين، وسوريا.

3- نجد: ويمتد من اليمن جنوبا، وبادية السماوة والعروض والعراق شمالا، والخليج العربي شرقا، والحجاز غربا، وسمي "نجد" لارتفاع أرضه.

4- اليمن: ويمتد من نجد شمالا، إلى المحيط الهندي جنوبا، والبحر الأحمر غربا إلى حضرموت والشمر وعمار شرقا، وقد أقيم باليمن سد مأرب وقصر غمدان.

5- العروض: ويشمل: اليمامة، وعمان، والبحرين، والإمارات العربية، وقطر، وسمي بـ"العروض" لاعتراضه بين اليمن، ونجد، والعراق.

وبلاد العرب صحراوية، شحيحة المياه، نادرة الزرع، إلا في بعض المناطق كالطائف واليمن؛ ولذلك اتجه الناس إلى الرعي والتنقل والتجارة؛ طلبا للرزق والمعاش، وساعدهم على ذلك تعدد الطرق المهددة التي تربط الشمال بالجنوب، والشرق بالغرب، بطرق ومسالك عديدة، وكانت الجزيرة قبيل البعثة معبر التجارات المختلفة الآتية: من وإلى الهند، وروما، والحبشة، ومصر، وغيرها.

وتعد مدينة "مكة" حاضرة الجزيرة العربية؛ لوجود الحرم بها، وقد حفظ العرب لمكة حقها، وصانوا حرمتها، وتعارفوا على الأشهر الحرم؛ لينتشر السلام في الحرم ويحج الناس إليه آمنين.

وكان العرب على اختلاف قبائلهم وأديانهم يؤمنون بأن دعوة إبراهيم -عليه السلام- الواردة في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} 1 قد استجيبت، حتى صارت مكة التي دعا لها إبراهيم -عليه السلام- بلدا يأمن فيه الخائف، ويشبع الجائع، وتأتيها الثمرات من كل الآفاق، ويخيب فيها الظالم، ويهلك المعتدي، وقد رأوا

__________

1 سورة البقرة الآية 126.

"أبرهة" يهلك أمامهم بجيشه وفيله1، عندما جاء لهدم الكعبة، وصرف الحجيج عنها إلى الـ"قليس" الذين بناه في اليمن ليقصده الناس بدل الكعبة.

وقد سمى العرب مكة بـ"ناسة" لأنها تطرد مَن يظلم فيها، كما سموها "بكة" لأنها تبك أعناق الجبابرة2.

يقول جصاص بن عمرو بن الحارث لقومه الجراهمة: "لا تستخفوا بحق الحرم، وحرمة البيت، ولا تظلموا مَن دخله، وجاء معظما لحرمته، أو آخر جاء بايعا لسلعته، أو راغبا في جواركم، فإن فعلتم ذلك تخوفت أن تخرجوا منها خروج ذل وصغار"3.

ومن أقوال سبيعة بنت الأحب بن عيلان توصي ولدها باحترام مكة، وبأهمية تجنب الظلم في الحرم، تقول:

ابني لا تظلم بمكـ ... ـة لا الصغير ولا الكبير

واحفظ محارمها بنـ ... ـي ولا يغرنك الغرور

ابني من يظلم بمكـ ... ـة يلقَ أطراف الشرور

ابني يضرب وجهه ... ويلح بخديه السعير

ابني قد جربتها ... فوجدت ظالمها يبور

الله أمنها وما ... بنيت بعرصتها قصور

والله آمن طيرها ... والعصم تأمن في ثبير

ولقد غزاها تبع ... فكسا بنيتها الحبير

وأذل ربي ملكه ... فيها فأوفى بالنذور

والفيل أهلك جيشه ... يرمون فيها الصخور

__________

1 أخبار مكة للأزرقي ج1 ص113.

2 سيرة النبي لابن هشام ج1 ص126.

3 عبقرية خالد ص17.

فاسمع إذا حدثت وافـ ... ـهم كيف عاقبة الأمور1

إن هذه المرأة العربية تشير في نصيحتها تلك إلى مقام مكة في ضمير أبنائها، والعرب جميعا منذ القديم.

وقد اعتبر العرب مكة حاضرتهم ومقصدهم؛ ولذلك سموها بأم القرى.

وقد ازدادت أهمية "مكة" بعد الإسلام بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم فيها، وشروق الإسلام من بين جنباتها، وتَوَجُّهِ المسلمين في كافة أنحاء الكون إليها، قاصدين الكعبة في صلواتهم وحجهم.

__________

1 السيرة النبوية لابن هشام ج1 ص26، يبور: يهلك، وثبير: اسم جبل بمكة، بنيتها: الكعبة.

2- الأوضاع السياسية والاجتماعية والأخلاقية عند العرب:

اختلفت الأقاليم العربية في أنظمتها السياسية، وأوضاعها الاجتماعية والأخلاقية.

ففي إقليم اليمن قامت مملكة "حمير الثانية" التي ضمت إلى سلطانها مناطق كثيرة، وكان مكلها يسمى بملك "سبأ، وذي ريدان، وحضرموت، ويمنات، وعربهم في الجبال، وفي تهامة"1.

وكان هذا الإقليم محل صراع وتنافس بين الفرس والروم خلال القرن السادس الميلادي..

حكمهم "ذونواس" الحميري وكان يهوديا متعصبا، حاول فرض يهوديته على أهل نجران النصارى، فلما أبوا خد لهم أخدودا، وأحرقهم بالنار، وأعمل فيهم السيوف، فاستنجدوا بإمبراطور الروم، فأعانهم بجيش نصراني حبشي بقيادة "أبرهة" قوامه سبعون ألف جندي، فقضى على دولة "حمير" الثانية2 وسار في اليمنيين بجبروته وطغيانه حتى ملوا من ظلمة وعدوانيته، وبخاصة بعدما بني "القليس" ليصرف العرب إليها، ويهجروا الكعبة الموجودة بمكة، فاستعان اليمنيون بالفرس الذين أسسوا دولة لهم بقيادة "وهرز" الفارسي، وقد استمرت هذه الدولة حتى ظهور الإسلام.

وقد سار ملوك اليمن التابعين للفرس أو للروم على نظام سياسي واحد، قائم على وراثة الحكم بين الأبناء والإخوة، وكان يساعد الملك مجلس من شيوخ

__________

1 عصر ما قبل الإسلام ص79.

2 سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لابن هشام ج1 ص36.

القبائل، يتولون شئون الأقاليم؛ حيث يرأس كل قبيلة شيخها على أن يقدم الأموال التي يكلف بجمعها إلى حاكم اليمن.

وكان المجتمع في اليمن ينقسم إلى طبقات أربع هي:

1- طبقة الجند: وتتكون في أغلبها من جنود الفرس أو الروم.

2- طبقة الفلاحين: وهم الذين يقومون بالزراعة والرعي.

3- طبقة الصناع: وهؤلاء يقومون بالصناعات المطلوبة التي يحتاجها الناس.

4- طبقة التجار: وهم جماعات في المدن والقبائل كثيرو السفر والتنقل.

وقد أدى الثراء المادي في إقليم اليمن إلى تعاون الناس، وإلى قيام حضارة مزدهرة، وإلى بعدهم عن الشحناء والتحارب، كما ساعدهم على الحركة وركوب البحر، والانتقال إلى أقاليم العالم المختلفة، وكانوا دائما حلقة وصل بين العرب وسائر الأمم في الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب، وكان لهم نشاطهم الواسع من أقاليم الجزيرة الغربية، وقبيل ظهور الإسلام تأثر اليمنيون بحادثة محاولة أبرهة هدم الكعبة وبناء القليس، وشعروا بأن هذا يتعارض مع مشاعرهم القومية، ويتناقض مع توجه عرب الجزيرة جميعا إلى الكعبة بيت الله تعالى الذي بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

وقد تبدلت أوضاعهم الاقتصادية بهدم سد مأرب؛ بسبب بغيهم، وظلمهم، وإعراضهم عن الحق والصواب، يقول الله تعالى: {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} 1 وهكذا انقلبت أوضاعهم، وعاشوا في اضطراب وضجر حتى جاء الإسلام.

__________

1 سورة سبأ الآية 16، 17.

وفي شمال الجزيرة العربية؛ حيث قرب قبائلها من الفرس والروم، تأسست مملكتان، هما: مملكة الحيرة في الشرق تابعة للفرس، ويحكمها المناذرة، ومملكة الغساسنة في الغرب تابعة للروم.

وقد اتخذ الفرس والروم هاتين المملكتين حائلا بشريا لكل منهما، يتقي به هجوم الدولة الأخرى.

وقد تشبه ملوك العرب في كل دولة بأسيادهم، وساند كلا منهم جيش كبير مدعوم من الفرس أو من الروم.

وكثيرا ما قامت الحروب بين الغساسنة والمناذرة، وبذلك تحقق للدول الكبرى ما أرادت؛ حيث كان الصدام بين العرب والعرب، ولم يقع صدام بين الفرس والروم بصورة مباشرة.

إلا أن هذا الحال أدى في الوقت نفسه إلى عدم العدوان على داخل الجزيرة العربية؛ حيث لا مطمع لأحد من الفرس أو من الروم فيها؛ لأنها بدت في نظرهم أماكن صحراوية، متباعدة، خالية من الخير والنفع، وتحتاج لجهد كبير من أجل السيطرة عليها.

وأما أقاليم نجد والعروض والحجاز وتهامة، فقد عاشت حياة بدوية، تعتمد على الرحلة والتنقل ما عدا أهل مكة والمدينة والطائف، فقد سكنها أهلها وعاشوا حياتهم بين الحضارة والبداوة، فقد أخذوا الحضارة من الحجاج والزوار والتجار، وتمسكوا ببداوتهم التي ورثوها، وعاشوا نظامهم عليها.

ومن هنا كان لهم شيء من الحضارة، ففي مكة أنشأ "قصي بن كلاب" نظاما سياسيا، فأسس دارا سماها "دار الندوة" وجعل بابها يؤدي إلى الكعبة، وخصصها لاجتماع كل من بلغ أربعين سنة، متمتعا بالحكمة، والفصحاة، وتدبر الأمور من أهل مكة، ولا يستثنى من شرط السن فقط إلا أبناء قصي1.

__________

1 أخبار مكة ج1 ص61.

حمل قصي قومه على دفع ضربية سنوية تسمى بـ"الرفادة".. ينفق منها على الحجيج، ضيوف الله، فهم أحق الناس بالكرم.

وقد اتفق القرشيون فيما بينهم -منذ عهد قصي- على توزيع مناصب المسئولية العامة، على مختلف القبائل، مع استقلال كل قبيلة بشئونها1.

استمر هذا النظام إلى ظهور الإسلام؛ حيث كانت توزع المناصب على النحو التالي:

1- الحجابة والسدانة: والمقصود بها حراسة مفاتيح الكعبة، وكانت في بيت "عبد الدار".

2- السقاية: وهي الإشراف على بئر زمزم، وكانت في بيت هاشم.

3- الديات: وتسمى الأشناق، وكانت في بيت "تيم".

4- السفارة: وتختص بالبت في الصلح، وكانت في بيت "الخطاب".

5- اللواء: وحامله هو كبير القواد إذا هوجمت مكة، وكان في بني أمية.

6- الرفادة: وهي الإشراف على جمع الأموال، وكانت لـ"عبد المطلب".

7- الندوة: وهي الإشراف على دار الندوة، وكانت لأبناء عبد العزى.

8- الخيمة: وهي حراسة دار الندوة وتولاها بنو مخروم.

9- الخازنة: وهي إدارة أموال الكعبة وكانت لبني كعب.

10- الأزلام: وهي الاستخارة لمعرفة رأي الآلهة في القضايا العامة، وكانت في بني أمية2.

وقد أرضى هذا التقسيم قبائل مكة، فعاشوا في استقرار وتعاون، واستقلت كل قبيلة بشئونها ونشاطها وحركتها.

__________

1 سيرة النبي لابن هشام ج1 ص138.

2 عصر ما قبل الإسلام ص178.

وظهرت في الجزيرة طبقات اجتماعية متعددة أهمها:

1- الصرحاء: وهؤلاء يتكونون من أبناء القبائل المعروفين بانتسابهم إلى آبائهم الموالين لهم ولقبيلتهم.

2- العبيد والموالي: وهم الأسرى الذين ملكتهم القبائل، أو الرقيق المشترون، أو الموالي الذين لجئوا إلى القبيلة، أو المحرر من العبيد.

3- الصعاليك: وهم الأحرار الذين فروا من قبائلهم، واجتمعوا في الصحارى، وكوَّنوا مجتمعات جديدة معارضة لقبائلهم الأولى، وتعتمد على السلب والنهب1.

وأغلب نشاط العرب قائم على الرعي والتجارة، وبخاصة بعد أن نظم هاشم بن عبد مناف رحلتي الشتاء والصيف، وعقد محالفات عدة، ضمنت الأمن للتجار، كما أخذ الأمن "الإيلاف" من القبائل المنتشرة على الطرق في مختلف أرجاء الجزيرة.

وقد استفاد أهل مكة من الحركة التجارية كثيرا؛ لأن التجارة مدرسة تعلم السياسة، والكياسة، وحسن الجوار، وعمق الفهم، فتعلموا من الحيرة القراءة والكتابة، وأخذوا من الروم السياسة، ونقلوا من الفرس ما للسلطة من سيادة وطاعة.

وفي يثرب كثرت الآبار، والأشجار، واعتدل ريحها عن مكة، سكنها اليهود منذ القرون الأولى بعد الميلاد، ونزل عليهم الأوس والخزرج، وكان لكل من اليهود والأوس والخزرج وضع خاص ونظام معين، فاليهود انطووا على أنفسهم واهتموا بالزراعة والتجارة وتحصين المساكن، خاصة وأنهم رأوا قبيلتي الأوس والخزرج في قتال دائم جعلهما يقدمان شبابهما وأموالهما للحروب الطويلة المستمرة بينهما، وأغلب أيام العرب كانت في يثرب.

__________

1 الشعراء الصعاليك ص103-106 بتصرف.

وقد أدت هذه الحروب إلى اضطراب الحياة في المدينة، فاقتصادهم مهلهل، وأفراد القبائل كلهم محاربون، ورؤساء القبائل لا يعدون إلا للحرب، وطالت الأيام بين الأوس والخزرج مما جعلهم ينتظرون الخلاص من هذا التنافس، وقد حاولوا أن يتوجوا "عبد الله بن أبي الخزرجي" ملِكا عليهم يخضع له الجميع، لكنهم فوجئوا بالبعثة المحمدية في مكة فوجهوا أملهم إليها.

وأما الطائف فإنها تتمتع بخصوبة التربة، وجودة المناخ، وحسن الثمر1، وجمال الموقع؛ حيث يمر بها الطريق التجاري القادم من الجنوب، وترتبط بمكة وبالمدينة بأكثر من طريق، وقد نشأت بها صناعات عديدة وإن كانت بدائية، كل هذا جعل أبناء الطائف يتمتعون بما فيها، فعاشوا في رغد ورفاهية، مع تمسكهم ببداوتهم فكانوا يرعون الإبل والغنم ويهتمون بالزراعة، وكانت القبيلة هي النظام السائد فيها؛ حيث يدير شئونها رؤساء القبائل بالتشاور فيما بينهم، وقد قام بالطائف نظام يشبه المزارعة في العصر الحديث؛ إذ تنازل "بنو عامر" وهم البدو المجاورون للطائف عن أرضهم، وسلموها لمن يعمرها ويحييها بالغرس والزراعة، على أن تنقسم الثمار بينهم نصفين2، وقد اكتسبت الطائف شهرة عظيمة عند ظهور الإسلام.

وأما سكان المناطق الصحراوية في وسط الجزيرة، فهم مجموعة من القبائل الرُّحَل يتولى شئونهم مشايخهم بلا دولة أو جند أو حصون3.

وعاشت هذه المناطق الجدب والحر وقلة المطر، وكان أهلها دائما في تنقل وراء رعيهم ومعايشهم4.

وعاش أهل هذه البوادي حياة فقيرة؛ لبعدهم عن رحلات التجارة، وخلو

__________

1 مراصد الاطلاع ص265.

2 معجم ما استعجم، البكري ج1 ص65، 66.

3 العرب قبل الإسلام ص240.

4 الشعراء الصعاليك ص62.

مواطنهم من المياه، وقد أدى الفقر الشنيع بهم إلى قتل أولادهم أو بيعهم؛ ليستعينوا بأثمانهم على مطالب الحياة1.

وكان مجال العمل أمام البدو ضيقا جدا؛ لأن الخير فوق رمال الصحراء القاحلة نادر، ومن هنا لم يكن أمامهم إلا أن يعملوا للأغنياء في رعي الإبل، أو في خدمتهم، فإن أبت ذلك نفوسهم تحولوا للغزو والإغارة2.

وقد وقعت بين قبائل البدو المتناثرة في الجزيرة حروب ومنازعات هي أيامهم، ورغم كثرتها فإن الدم لم يرق فيها كثيرا؛ لأن البدوي لم يكن يرمي إلى سفك الدماء بلا مبرر3، وكثيرا ما كانت هذه المنازعات بسبب دفاع البدوي عن خلق كريم، أو رد لظلم واضح، وتعتبر "حرب البسوس" وهي أطول حروبهم صورة رائعة لاحترام البدوي لواجب الضيافة المقدس4 عند العرب ودفاعه عن الأضياف، وقد اشتهر البدوي بالشجاعة والكبرياء منذ القديم، وقد أكسبتهم الصحراء بما فيها من مخاطر صفات جعلتهم أشجع من الحضر5، وعوَّدتهم الاعتماد على أنفسهم.

وكان لعرب الجزيرة تصرفات أخلاقية راقية، فالوفاء بالوعد صفة بارزة لا تنقض؛ حيث يرون أن الغدر من كبائر الأمور، ذكروا أن الحارث بن عباد مر على عدي بن ربيعة، وهو قاتل أبيه في يوم "قضه" وكان يبحث عنه ليثأر منه لأبيه فلما لقيه وهو لا يعرفه قال له: "دلني على عدي بن ربيعة.

فأجابه عدي: إن دللتك عليه أتؤمنني؟!

قال الحارث: نعم.

__________

1 الكامل للمبرد ج2 ص278، 279.

2 الشعراء الصعاليك ص147.

3 الدولة الإسلامية وإمبراطورية الروم ص18.

4 سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لابن هشام ج1 ص200.

5 ابن خلدون المقدمة ج1 ص125.

فقال له عدي: أنا عدي بن ربيعة. فخلاه"1؛ احتراما لكلمته، ووفاء بوعده.

وكانوا أهل حِلْم ولين، ويكفيهم عند الغضب كلمة يقولونها فتهدأ تاثرتهم وهي: "إذا ملكت فاسجح"، وما حروبهم إلا لحماية المنزلة، والمحافظة على المجد والشرف، وكانوا يتحرزون عن سفك الدم بقدر إمكانهم؛ ولذلك ندر عدد القتلى في معاركهم، ففي يوم "شمطة" وهو أول أيام الفجار لم يقتل أحد من قريش، كذلك لم يقتل أحد من بني بكر بن عبد مناف، وفي يوم "الشعب" وكان أهله ثلاثين ألفا، وكان أعداؤهم أضعاف ذلك، في هذا اليوم لا يقتل إلا رجل من كل طرف2، ولم تكن الحرب تقوم أو تتوقف، إلا بعد أن يجتمع أهل الحل والعقد من القبائل؛ ليقرروا ما يستقر عليه الأمر3.

وأما سخاؤهم وكرمهم فهو مضرب الأمثال، ويكفي أنهم كانوا يوقدون نارا تسمى "نار القِرَى" توقد لاستدلال الأضياف بها على المنزل، وكانوا يوقدونها على الأماكن المرتفعة لتكون أشهر، وكثيرا ما أوقدوا معها عطرا يطير مع الريح ليهتدي إليها العميان4.

وقد اشتملت أخلاقهم على صرامة وجدية، والناظر لأسباب حرب الفجار وقيام حلف الفضول، يدرك ذلك.

إن سبب حرب الفجار كان قتل رجل في الحرم5، الأمر الذي أدى إلى ثورة القبائل وتجمعها في مواجهة من فجر في الأشهر الحرم؛ لتنتقم للقتيل، ولتبقى درسا بعدها لكل من يفكر في هتك حرمة مكة أو التعدي في الأشهر الحرم، وحتى لا يفجر

__________

1 بلوغ الأرب ج1 ص136.

2 بلوغ الأرب ج1 ص70، 268.

3 بلوغ الأرب ج1 ص271.

4 سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لابن هشام ج1 ص199.

5 سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لابن هشام ج1 ص199.

أحد بعد ذلك في الحرم ويظلم غيره.

وأيضًا فإن قيام حلف الفضول كان لصيانة حقوق المظلومين الضعفاء وضرورة الانتصار لمن وقع عليه عدوان من أهل مكة، أو من يقصدها من العمار والزوار.

إن حلف الفضول يتميز بنُبْل الهدف، وروعة الطريقة، والتجرد الكريم من الأنانية والذاتية؛ ولذلك مدحه النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، وقال عنه: "لو دُعيت إليه في الإسلام لأجبت" 1؛ لأنه يلتقي مع غايات الإسلام ومراميه.

__________

1 سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لابن هشام ج1 ص144.

3- أوضاع العرب الدينية:

يشير ذلك الحشد الهائل للأصنام التي شيدها العرب وأقاموها حول الكعبة وفي جوفها إلى وجود عقيدة دينية، وانتشار أفكار مقدسة عند العرب جميعا، فلقد وُجد يوم فتح مكة حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما1.

يمثل هذا العدد بكثرته آلهة القرشيين الثابتة عند الكعبة وفي جوفها؛ حيث كان يأتيها أصحابها للطواف حولها بين الحين والحين، وكانت كل قبيلة تعرف صنمها الذي تعبده عند الكعبة، أما ما وراء هذا العدد فهو كثير بعضه أقيم في البيت وبعضه في مكان العمل، والبعض الآخر ينتقل مع قوافل السفر، وكان لأهل كل بيت صنم يعبدونه2 وينحتون على صورته أصناما صغيرة يصطحبونها معهم في الرحلة والسفر، ويلازمونها حتى يعودوا إلى مكة3.

وقد اشتهر العرب بتقديسهم لما اتخذ من حجر، أيا كان شكله، فمنهم من اتخذ بيتا، ومنهم من اتخذ صنما، ومن كان يعجز منهم على بناء البيت واتخاذ الصنم ينصب حجرا في مكان يستحسنه، ثم يطوف به ويسميه النُّصُب4، ومن بيوت العرب المقدسة "يرئام" وكان بيتا لأهل اليمن يعظمونه وينحرون عنده5، ومنها "رضاء" وكان بيتا لبني ربيعة بن كعب6.

ومن أصنامهم "هبل" وهو أول صنم أقيم في الكعبة بعد أن أحضره عمرو

__________

1 أخبار مكة ج1 ص70.

2 الأصنام ص33.

3 الأصنام ص6.

4 الأصنام ص7.

5 ابن هشام ج1 ص24.

6 ابن هشام ج1 ص92.

ابن لحي من "مآب" ونصبه على البئر الذي حفره إبراهيم -عليه السلام- في جوف الكعبة، وأمر الناس بعبادته فعبدوه، وكانوا ينادونه "يا إلهنا"1، وكان من تقديس أهل مكة لـ"هبل" أن أظهروه في المشاكل الكبرى، حتى أنهم هتفوا باسمه لما رأوا أنفسهم انتصروا على المسلمين في يوم أُحُد2.

ومع أن "هبل" هو أقدم الأصنام فإن قريشا ومَن سكن مكة كانت تعظم "العزى" أكثر من "هبل" وبعدهما "مناة".

وقد أشار الكلبي إلى أن "مناة" أقدم الثلاثة، وهي المنصوبة ناحية البحر عند المشلل والمتمتعة بتعظيم العرب جميعا، وكان الأوس والخرزج أكثر تعظيما له واختصاصا به.

وذكر الكلبي أيضا أن "اللات" أخذت من مناة، وكان تعظيمه عند أهل الطائف أكثر، و"العزى" أحدث الثلاثة، وهي شجرة بوادي نخلة قرب مكة، ولها منزلة خاصة وفريدة عند أهلها؛ فهي أعظم الأصنام عند قريش جميعا، يزورونها، ويهدون إليها، ويذبحون عندها3.

وقد تقسمت القبائل أصناما عدة، واختصت كل قبيلة بصنم، وعلى سبيل المثال نرى أن هذيلا اتخذت سواعا، وكلبا اتخذت ودا، وأنعم وأهل جرش اتخذت يغوث، وحيوان اتخذت يعوق، وحمير اتخذت نسرا، وطيئ اتخذت الفلس، وبنو الحارث اتخذت ذا الشرى4.

وهكذا توزعت الأصنام على القبائل، وليس المجال هنا لحصرها، فما هي إلا نماذج نعرف منها دين العرب، ومعتقدها قبل الإسلام.

__________

1 أخبار مكة ج1 ص68.

2 سيرة ابن هشام ج2 ص37.

3 الأصنام ص13-27.

4 سيرة النبي ج1 ص83-91، الملل والنحل ج2 ص247.

وقد عظَّم العرب أصنامهم بأشكال متعددة، فكانوا يسمون أولادهم باسمها فباسم "مناة" سمى تميم بن مر ابنه "زيد مناة بن تميم"، وباسم اللات سمى ثعلبة بن عكابة ابنه "تيم اللات"، وباسم العزى سمى كعب بن سعد ابنه "عبد العزى"، وحمل عوف بن عذرة "ودا" معه إلى دومة الجندول وسمى ابنه "عبد ود".

وكانوا يذبحون ذبائحهم عندها، ويهدون لحومها مَن حضر عند الصنم، ويأتونها بالهدية والزيارة1.

وكانوا يهتمون بالتمسح بها، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح بالصنم، وإذا رجع كان تمسحه بالصنم أول ما يفعله، وكانت الحائض لا تقربه، ولا تتمسح به، بل تقف بعيدا عنه حتى ينتهي حيضها2.

وكانوا يحلقون رءوسهم عنده، ويلقون حوله شعرهم، ومعه كمية من دقيق.

وكانوا يحلفون به، يقول عبد العزى بن وديعة المزني:

إني حلفت يمين صدق برة ... بمناة عند محل آل الخزرج

ويقول أوس بن حجر:

وباللات والعزى ومن دان دونها ... وبالله إن الله منهن أكبر3

وكانوا يصطحبون أصنامهم معهم في الحروب، فنرى العربي في يوم "أحد" يستغيث ويستنصر بـ"هبل"4، وكان أبو سفيان في هذه الغزوة يحمل اللات والعزى، وكانوا يستهمون عند الصنم، ويضربون الأقداح لديه في شئون كثيرة كالعقل إذا اختلفوا فيمن يتحمله، ولعمل ما: أيفعل أم يترك؟ يقول ابن هشام5: كانوا إذا

__________

1 الأصنام ص18، 55، 13، 16، 34، 59.

2 أخبار مكة ج1 ص66.

3 الأصنام ص48، 14، 17.

4 تاريخ الرسل والملوك ج1 ص1395.

5 سيرة النبي لابن هشام ج1 ص165.

أرادو أن يختنوا غلاما، أو ينكحوا منكحا، أو يدفنوا ميتا، أو شكوا في نسب أحدهم ذهبوا به إلى هبل، وأجروا القداح، ونفذوا المراد.

ولقد أشار الأزرقي إلى أن عباة الحجر نشأت في بني إسماعيل بسبب تعلقهم الشديد بالحرم وبمكة، لدرجة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه من حجارة الحرم تعظيما للحرم، وصبابة بمكة، وبالكعبة، وحيث ما حلوا وضعوا هذا الحجر أمامهم؛ ليبقى رمزا لبيت الله في غيبتهم عن مكة، ويطوفون به كطوافهم بالكعبة، وظلوا على ذلك حتى عبدوا ما استحسنوا من الحجارة1.

ولعل هذه البداية سهلت للعرب تقدير الرمز نيابة عن أصله، وجعلوا ذلك مبدأ ينطبق على كل الأصنام مهما كانت بدايتها، وهو الذي جعلهم يتقبلون ما أتى به عمرو بن لحي من أصنام، حين أحضرها من بلاد الشام لقومه، ونصبها عند الكعبة، وذكر لهم أنها تنزل المطر، وتنصر في الحروب، وأمرهم بعبادتها فعبدوها2، وهو الذي أمرهم كذلك بعبادة إساف ونائلة، هذين الصنمين اللذين كانا في الأصل رجلا وامرأة فجرا في الكعبة فمسخا حجرين للازدجار والعظة، ولكنهما بتقادم العهد صارا صنمين، فلما أمر "عمرو بن لحي" بعبادتهما عُبدا3.

وقد كان العرب لهذا المبدأ يستحسون بعض أصنامهم مع علمهم أنها في الأصل صورة لقوم صالحين، معظمين من قومهم السابقين؛ لكنهم مع طول العهد تأولوا وقالوا: ما عظم الأولون هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله، فعبدوا صورهم، وعظموا أمرهم، واشتد كفرهم4 وما عبدوا الصورة إلا لاعتقادهم أنها رمز يستشفعون به نيابة عن صاحبه.

__________

1 أخبار مكة ج1 ص67.

2 الأصنام ص8، أخبار مكة ج1 ص125.

3 أخبار مكة ج1 ص44، 69.

4 الأصنام ص51، 52.

وكان تعلق العربي الشديد بصنمه يشير إلى ارتباط عجيب معه، وتحمس من أجل دوام عبادته، فلقد دخل أبو لهب على أبي أحيحة "وهو سعيد بن العاص بن عبد شمس" وهو في مرضه الذي مات فيه فوجده يبكي فقال له: ما يبكيك؟ أمن الموت تبكي ولا بد منه؟!

قال: لا، ولكني أخاف أن لا تُعبد العزى بعدي.

فقال أبو لهب: والله ما عبدت حياتك لأجلك، ولا تترك عبادتها بعدك لموتك.

فقال أبو أحيحة: الآن علمت أن لي خليفة1.

ويبدو أن العرب كانت تعتقد أن لهذه الأصنام أثرا جعلهم يتمسحون بها ويطلبون نصرها ويرحلون بها، ويرون أن الاصنام احتوت روحها التي صورت في الأصل على شاكلتها، ولولا الروح التي احتوت ما كانت تستحق شيئا2.

من ذلك ما عرف من "اللات" فإنها كانت في الأصل صخرة يجلس عليها رجل يلت السويق، فلما مات اعتقدوا أن روحه تقمصت الحجر وسكنته، فاتخذوه إلها هو اللات، ومنه ما عرف عن "العزى" فإنها ثلاث شجرات اعتقد العرب أن الجن سكنتها، وأن التأثير فيها للجن الساكن فيها3.

وعلى الجملة كانت العرب تعتقد أن لكل صنم شيطانا، فمن عبد الصنم قضى الشيطان حوائجه بأمر الله الأكبر، وإلا أصابه الشيطان بنكبة عظيمة4، وأكد لهم هذا الاعتقاد ما كانت تصدره بيوتهم المقدسة بفعل الريح، أو بفعل الكهنة من أصوات خفية، جعلتهم يصدقون أن الأرواح والشياطين تكلمهم5.

__________

1 الأصنام ص23.

2 أخبار مكة ج1 ص44، 69.

3 تاريخ العرب قبل الإسلام ج5 ص34.

4 بلوغ الأرب ج2 ص197، 198.

5 الأصنام ص12.

ورغم صور تعظيم الأصنام السابقة، وعقيدة العرب فيها، رغم ذلك لم تنشأ طبقة كهنوتية لها مميزاتها وخصائصها، كما حدث في البلاد الأخرى، بل بقي كهنة العرب بين الناس كأحدهم، يقومون بسائر الأعمال، ويشتركون في الحروب.

كذلك لم يحدث صراع من أجل الأصنام رغم تعددها، ولم تحاول قبيلة ما ضم أخرى لتعبد صنمها، بل وجدنا العكس، فالقبيلة تقدس صنمها، وفي نفس الوقت تحترم أصنام الآخرين، ولكنها لا تتقرب إلا إلى صنمها.

كذلك لم تنشأ لدى العرب عاطفة دينية تربطهم بالأصنام ربطا نفسيا، فيه الحماس والاندفاع، ومعه الغيرة والانفعال؛ ولذلك نراهم يتركون أصنامهم في الكعبة يوم قدوم أبرهة، ولا يفكرون إلا في البيت وحده دون معبوداتهم.

ولعل تفسير ذلك هو اعتقادهم أن كل هذه المقدسات من بيوت وأصنام ونُصُب ما هي إلا آلهة صغرى فوقها إله أكبر هو الخالق للجميع، وما عبادة المظاهر الطبيعة المادية إلا لتكون قُربى لله الأكبر؛ لأنه هو المالك لكل الآلهة الصغرى، وهو رب الحرم وحاميه، كانت التلبية السائدة عندهم تشير إلى أن الله هو المالك للأصنام، فهم يقولون فيها: "لبيك الله لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك"، وهكذا كانوا يوحدون الله في التلبية، ويدخلون معه آلهتهم، ويجعلون ملكها بيده1.

وأيضا فإنهم يوم قدوم "أبرهة" تركوا مكة، ورحلوا عنها إلى شعاب الجبل المحيطة بها، على أمل أن ينقذ رب الحرم حرمه، ولم ينتظروا معونة من هبل، أو اللات، أو غيرهما، ولم يفكروا في إنقاذها هي نفسها من الهدم والتكسير، يروي ابن هشام أن عبد المطلب لما أمر قريشا بالخروج من مكة أخذ بحلقة باب الكعبة وهو يقول:

__________

1 الأصنام ص7.

لا هم إن العبد يمنع ... رحلة فامنع حلا لك

لا يغلبن صليبهم ... ومجالهم عدوا مجالك

إن كنت تاركهم وقبلـ ... ـتنا فأمر ما بدا لك

ولما حدثت المناقشات بين أبرهة وعبد المطلب، وقال أبرهة متسائلا: تسألني عن الإبل، وتترك البيت الذي هو دينك ودين آبائك، أجاب عبد المطلب: أما الإبل فهي لي، وأما البيت فله رب يحميه1، ولم يرد ذكر للأصنام في حوار عبد المطلب وأبرهة.

وقد كان العرب يذبحون وينحرون ويتقربون إلى الأصنام، وهم مع ذلك عارفون بفضل الكعبة ورب الكعبة، يقول أوس بن حجر:

وباللات والعزى ومَن دان دونها ... وبالله إن الله منهن أكبر2

يرى "ورنركاس" أن الله هو الإله الذي كان فوق آلهة القبائل جميعا؛ ولهذا ذكره شعراء مختلف القبائل؛ لأنه لا يختص بقبيلة واحدة3، فهذا أمرؤ القيس في معلقته يقسم بالله فيقول:

فقالت يمين الله ما لك حيلة ... وما أن أرى عنك الغواية تنجلي

ونراه يذكر الله بالحمد فيقول:

أرى إبلي والحمد لله أصبحت ... ثقالا إذا ما استلهمتها صعودها

ويقول عبيد بن الأبرص:

حلفت بالله أن الله ذو نعم ... لمن يشاء وذو عفو وتصفاح4

ويقول زهير بن أبي سلمى:

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب

__________

1 سيرة النبي ج1 ص51.

2 الأصنام ص17.

3 الشعراء الصعاليك ص305.

4 نفس المرجع ص197، 298.

وهكذا نراهم يعرفون الله بأنه الخالق، القادر، المدبر، الحكيم، المسخر لكل شيء في الوجود، وقد سجل القرآن الكريم لهم هذه المعرفة بقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} 1، وبقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} 2، وبقوله: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} 3، وبقوله: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} 4، وبقوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} 5، فهم يعرفون أن الخالق هو الله، ومسخر الفلك هو الله، ومنزل المطر ومحيي الأرض هو الله، وهو المالك لكل شيء.

وهذه النظرة إلى الله بما فيها من قداسة وسمو، لم تصل إلى التوحيد الخالص بسبب انعدام التعاليم الثابتة، الأمر الذي جعلهم يبحثون عن واسطة تربطهم بهذا الإله الأعلى، ويبدو أن "ابن لحي" كان يتمتع بعقلية فذة استغل بها الوضع القائم، فقدم العرب الأصنام كرمز على شيء آخر عظيم، ولتكون واسطتهم إلى الله فعبدوها وقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} ، لدرجة أن بعض الجاهلين كانت أصنامهم على صورة تخيلوها للملائكة؛ لاعتقادهم أن الملائكة ذو منزلة عند الله، فهم أَوْلَى أن يكونوا واسطتهم إليه6.

__________

1 سورة العنكبوت آية 61.

2 سورة العنكبوت آية 63.

3 سورة المؤمنون الآيتان 84، 85.

4 سورة المؤمنون الآيتان 86، 87.

5 سورة لقمان آية 25.

6 بلوغ الأرب ج2 ص197.

ومما زاد من ضلال نظرة العرب في الواسطة ما كانوا يسمعون من أصوات تصدر من الأصنام والبيوت، ومن رؤيتهم لخيالات الجن قرب معبوداتهم؛ وبذلك تأكدت فكرتهم عن الواسطة، وبمرور الأيام أصبحت هذه الفكرة عقيدة أساسية وما استبعدوا أن يكون الرسول بشرا إلا لاستحالة اتصال البشر بالله من غير واسطة في نظرهم، وكأنهم كانوا يريدون واسطة بين الرسول والله، من نوع معبوداتهم الموضوعة عند الكعبة وحولها، رغم صغر مساحتها لتكون في رعاية الله الأكبر، وعلى مقربة منه.

وكانت هذه العقيدة وذاك الخلط يعيشان عادة عند العرب، فهم يحجون الكعبة، ويطوفون بها، وبعدها يختمون حجهم بالتقرب للصنم، فيحلقون رءوسهم عنده، ويذبحون عتائرهم أمامه1، ويبدو أن سبب ذلك هو بقايا من مناسك دين إبراهيم -عليه السلام- تقادم بها الزمن فشابتها بعض العبادات المبتدعة، هذه البقايا جعلتهم يعظمون البيت، ويطوفون به، ويحجون، ويعتمرون، ويقفون بعرفة، ويهلون بالحج والعمرة2.

ولعل في تسمية مكة "أم القرى" على الرغم من وقوعها في وادٍ غير ذي زرع إشارة إلى اهتمام العرب بقداسة الكعبة، أول بيت وضع للناس، وأحد مواريث إبراهيم عليه السلام.

وقد سخر بعض عقلاء العرب من هذا الخلط فنظروا إلى مسلك أقوامهم مع الأصنام فوجدوه لهوا لا يفيد، وعبثا من غير فكر دقيق، وعندئذ أخذوا يلتمسون الصواب في الدين.

ولقد حكى ابن هشام عن أربعة منهم هم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل، وأنهم اجتمعوا في عيد لهم

__________

1 أخبار مكة ج1 ص73.

2 الأصنام ص6.

عند صنم من أصنامهم، فقال بعضهم لبعض: تعلموا والله ما قومكم على شيء، لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف به لا يسمع، ولا يبصر، ولا يضر، ولا ينفع، ويا قوم التمسوا لأنفسكم، فإنكم والله ما أنتم على شيء1.

وقد وقف "قس بن ساعدة الإيادي" قبيل البعثة بسوق عكاظ، وقال: "أيها الناس، اسمعوا وعوا، فإذا وعيتم فانتفعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لن تغور، ليل داج، وسماء ذات أبراج، أقسم قسما، حقا حتما، لئن كان في الأرض ليكونن بعده سخطا، وأن الله عزت قدرته دينا أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه"2.

وهكذا وصل فكر هؤلاء النفر إلى أن ما عليه قومهم ليس شيئًا يذكر، وأن دين الله الحق هو من نوع ما جاء به إبراهيم فبحثوا عنه، وانتظروا في الوقت نفسه رسولًا يبعثه الله إليهم، وقد انتشر هذا الفكر بين عدد من العرب3 مع اختلاف طرقهم التي سلكوها بعد ذلك، فمنهم من لم يهتد إلى شيء محدد حتى مات كـ"زيد بن نفيل"، ومنهم من تنصر وقرأ كتب النصرانية كـ"ورقة بن نوفل"، ومنهم من بقي على فكره حتى جاء الإسلام وأسلم كـ"عبيد الله بن جحش"4.. ومن هؤلاء المفكرين كانت طائفة "الحنفاء" التي عبدت الله على ما بقي من دين إبراهيم، وبحثوا عن كل ما غاب عنها، وهكذا لم يقتصر نشاط العرب الديني على الأصنام والأوثان فقط، بل اتجه مفكروهم إلى الإله الحق كما بدا من الحنفاء.

__________

1 سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ج1 ص242.

2 بلوغ الأرب ج2 ص245.

3 الملل والنحل ج2 ص250-253.

4 ابن هشام ج1 ص243-250.

وكذلك ظهر في العرب عدد من "الحكماء" الذين امتازوا بالخبرة والتجربة، وكانوا مرجع القوم فيما يعرض لهم من مشاكل يقضون لهم فيها، وقد تنوقلت عنهم كلمات قصيرة موجزة، لكنها تحمل المعنى الكبير مما جعلها تخلد بين الناس، ومن أمثالهم:

"مقتل الرجل بين فكيه".

"إن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى".

يقول الشهرستاني عنهم: "ومنهم الحكماء، وهم شرذمة قليلون؛ لأن أكثر حكمهم فلتات الطبع، وخطرات الفكر"1.

وقد اتجه الحكماء أيضا إلى فكرة ضرورة الخالق، وربط المعلول بعلته، ورأوا استحالة وجود هذا الكون بلا موجد له قدير، يقول عامر بن الطرب الحكيم مفكرا في سبب الخلق: "إني ما رأيت شيئا قط خلق نفسه، ولا رأيت موضوعا إلا مصنوعا، ولا جائيا إلا ذاهبا، ولو كان يميت الناس الداء لأحياهم الدواء"2.

ومن حكماء العرب كذلك "عبد المطلب" جد النبي صلى الله عليه وسلم، الذي وصلت به الحكمة إلى سن أمور أقرها الإسلام بعد، فقد منع نكاح المحارم، وقطع يد السارق، ونهى عن قتل الموءودة، وجعل دية القتيل مائة من الإبل، إلا أن الحكمة مهما دقت، فإنها لا تصل إلى الحقيقة بكمالها وأصولها؛ ولذلك كانت حاجة الحكماء وغيرهم إلى وحي يقنعهم ويأخذهم إلى دين الله تعالى ضرورة لا بد منها.

ويبدو أن الفرق بين الحنفاء والحكماء أن الحنفاء بذلوا الجهد كله لمعرفة الدين الحق، الذي كان عليه إبراهيم -عليه السلام- وأهملوا عبادة الأصنام، أما الحكماء فكان تفكيرهم في الخلق والخالق عارضا، وكانوا بمثابة قضاة مجتمعهم، ومع ذلك عبد بعضهم الأصنام مثل أقوامهم..

__________

1 الملل والنحل ج2 ص64.

2 تمهيد لتاريخ الفلسفة ص110.

وقد وصل الاضطراب الديني عند بعضهم إلى ابتداع رأي الحمس، وهو اتجاه مبتدع، سببه حماسة العرب تجاه حرمة البيت، ووجوب إبراز هذه الحرمة في منهج عملي، وكان هذا المنهج شديدا، ويحتاج إلى مال كثير، فلقد كانوا يلتزمون بإطعام الحجيج وكسائهم، فلا يأكل من طعام الحمس، ولا يلبس إلا أثوابهم، فإذا لم يجد من ثيابهم طاف عريانا، ولو طاف بثوبه فإنه يخلعه مباشرة ولا يستعمله أبدا؛ وذلك لظنهم أن الحجيج عصوا الله في أثوابهم؛ ولذلك لا يصح الطواف بها.

هذا وقد وجدت عند العرب عقائد أخرى وردت إليهم من أقاليم العالم التي اتصلوا بها خلال التجارة أو الهجرة، ومن هذه العقائد:

المجوسية:

أخذ العرب المجوسية من بلاد فارس، فجعلوا النور والظلمة آلهة تُعبد، وكانوا يتخذون لهما رموزا تقدس، يقول الألوسي: كانت المجوسية في تميم، ومنهم الأقرع بن حابس، كان مجوسيا، وأبو الأسود جد وكيع بن حسان كان مجوسيا1، ويقول في مكان آخر: كانت الزندقة في قريش أخذوها عن الحيرة2.

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر3، ويذكر أبو عبيدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قَبِلَ الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوسا4.

ومنها أيضا: "عبادة الكواكب": وكانت موجودة في العالم على ندرة أصحابها، وهم الصابئة، وقد نقلها بعض العرب عنهم فعبدت "طيئ" الثريا5، وعبد لخم وجذام "المشترى"، وعبد أسد "عطارد"، وعبد كنانة "القمر"6.

__________

1 بلوغ الأرب ج2 ص235.

2 المصدر السابق ج2 ص228.

3 نيل الأوطار ج8 ص63.

4 بلوغ الأرب ج2 ص239.

5 الأموال ص33.

6 التاريخ الإسلامي العام ص177.

ومنها: عبادة الحيوان والطيور: وهذه العبادة أتت من قبل الهند، وقد اتخذ بعض العرب أصنامهم على صورة الحيوان والطير.

فصنمهم "نسر" كان على صورة النسر.

وصنمهم "يغوث" كان على صورة الأسد.

ويعوق كان على هيئة الفرس1.

ومن عبادات العرب عبادة الشجر، فلقد رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى حنين وقومه حديثو عهد بجاهلية، فلما رأى بعض أصحابه شجرة في الطريق، يقال لها: ذات أنواط، كانت العرب تقدسها، فنادوا وقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى لموسى عليه السلام: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم" 2.

ومن العرب ظهر بعض الدهريين الذين أنكروا الخالق ويوم القيامة، وقالوا ب,

تمهيد

:

محمد صلى الله عليه وسلم هو رسول الإسلام، وهو المبعوث بدين الله الخاتم إلى الناس أجمعين..

ولد بمكة، ونشأ وتربَّى في بادية العرب، وجاءه الوحي من الله على رأس الأربعين، وعاش رسالته داعيا إلى الله تعالى بمكة قبل الهجرة، وبالمدينة بعدها، وبلَّغ ما كلف به إلى العالم كله، ولم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، وكمل الدين، وتمت نعمة الله للعالمين.

وتعد سيرته صلى الله عليه وسلم دراسة لنموذج الإنسان الكامل الذي يجب أن يُحتذى، وأن يكون أسوة وقدوة لمن أراد الفوز والفلاح.

واتباعا للمنهج الذي رسمتُه في دراسة تاريخ الدعوة، فإني أعقد هذا الفصل في التعريف بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن جعلت الفصل الأول في التعريف بالعالم الذي بُعث له رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن الرسالة اختيار إلهي محض، لا دخل فيه لأمنيات بشر، ولا لطلب مخلوق، ويوم أن تمنى كفار مكة النبوة لبعضهم {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} 1، متمنين بذلك أن تكون الرسالة في أحد رجال القريتين -مكة أو الطائف- ليقوم بها رجل عظيم مشهور فيهم بغناه، أو بجاهه، أو بغير ذلك، يريدونه الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم من مكة، وهو ابن عم أبي جهل، وكان يُعرف بريحانة قريش، أو أبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي من الطائف2.

__________

1 سورة الزخرف آية 31.

2 هذا ما قاله قتادة، ويذكر مجاهد أن الرجلين هما: عتبة بن ربيعة من مكة، وعمير بن عبد ياليل الثقفي من الطائف، ويذكر ابن عباس أن عظيم الطائف هو حبيب بن عمرو الثقفي، ويذكر السدي أن عظيم مكة هو كنانة بن عبد عمرو "تفسير القرطبي ج16 ص83".

يوم طلب كفار مكة ذلك قال الله تعالى عنهم: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} 1، وبذلك أبطل الله أمنيات هؤلاء القوم وأمثالهم، ووضح لهم أن الرسالة والنبوة لا تكون لمن شاءه الناس، وإنما لمن أراده الله واختاره، ولا دخل لبشر في هذا الاختيار.

وبيَّن سبحانه في هذه الآية أيضًا أن أوضاع الناس المعيشية قسمة إلهية، تسير وفق إرادة الله وقدرته، لأسباب لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى، وليس لها ارتباط بالعظمة أو بالحقارة، وليست نتاجًا لمجرد العمل، وعلى الناس أن يعلموا أن النبوة خير ما يعطاه إنسان في الدنيا، بل هي أعظم من كل الخير إذا اجتمع، فإذا ما آتاها الله إنسانًا فإنه يعظم، ويعلو باختيار الله إياه، وقد اختار الله لرسالته الخاتمة العالمية محمدًا صلى الله عليه وسلم، وهو سبحانه {أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} 2، ولذلك قال الله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} 3، ويقول سبحانه: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} 4، وعلى ذلك فهو صلى الله عليه وسلم أعظم العرب قاطبة، وأعظم البشر أجمعين.

وإني لموقن بأن حكمة الله في اختيار رسوله محمد صلى الله عليه وسلم للرسالة لا يمكن لبشر أن يدركها إدراكًا كليًّا، وأرى في نفس الوقت أن في مقدور البشر أن يعلموا شيئًا من هذه الحكمة، وبخاصة بعد انكشاف شيء من أسرارها خلال الحركة بالرسالة والإسلام.

__________

1 سورة الزخرف آية 32.

2 سورة الأنعام آية 124.

3 سورة القصص آية 68.

4 سورة الحج آية 75.

إن الخصائص التي تَميَّز بها رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وظهرت خلال قيامه بالدعوة عديدة، وشاملة لكافة جوانب شخصيته، ومتأصلة في أصوله وجذوره، وملازمة له في تربيته ونشأته، وملموسة في سائر أعماله، وأقواله، وأمانيه، وأمانته، وسلوكه مع نفسه، ومع أسرته، ومع الناس أجمعين.

ولولا أن الرسالة والنبوة اصطفاء وإحسان من الله لقلنا: إن محمدا صلى الله عليه وسلم اكتسبها بخصائصه، ونالها بأعماله وجهاده، لكن جمهور علماء المسلمين -ونحن معهم- يجمعون على أن الرسالة لا تكتسب، وإنما يخلق الله الناس، ويختار منهم رسوله، ويهبه من لدنه استعدادا خاصا، يجعله أهلا لهذا الاختيار، قادرا على تحمل أمانة التبليغ والدعوة.

والاختيار بهذه الكيفية رحمة من الله بالناس؛ إذ به جرت الأمور بين الخلق على وفق سننه في الكون، فلم يفاجئهم بشخص سيئ، ولم يدعهم إلى أمر شاذ لا يتصور ولا يعقل.

وبمتابعة خصائص الشخصية المحمدية نبدأ من الأصول والجذور، لنرى كيف أودع الله فيه يجعلنا نؤمن بحكمة الله في هذا الاختيار، و {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} 1.

وفي هذا الفصل سأتناول الحديث عن سيرته صلى الله عليه وسلم من مولده، ومرورا بنشأته، وزواجه، ومبعثه، وتكريم الله له، ومعونته إياه، في مباحث متتابعة حتى نصل إلى الهجرة إلى المدينة المنورة نهاية المرحلة المكية.

وسوف أعتمد -بإذن الله تعالى- على ما رواه المؤرخون، وعلماء السير، وبخاصة ما صح منها.

وسوف تكون الأحداث ممثلة للسيرة النبوية بكمالها في عدد من المباحث، وذلك فيما يلي:

__________

1 سورة الأنعام آية 124.

المبحث الأول: النسب الشريف

,

تمهيد

:

نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا تعليما وتهيئة، وبعد مرور سنة أشهر نزل جبريل عليه السلام بأول سورة المدثر لنقل محمد صلى الله عليه وسلم من مرحلة النبوة إلى مرحلة الرسالة، كما هو واضح من قوله تعالى: {قُمْ فَأَنْذِرْ} فهو أمر بالقيام بأمر الدعوة بما يعنيه من الثبات، والإخلاص، والملازمة، والاستقامة، والشمول، وحسن الطلب والتوجيه؛ لأن القيام يشمل ذلك كله1.

وبهذا الأمر "قُمْ" أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يتحرك بالدعوة؛ لإيصالها إلى البشر أجمعين، بطريقة منهجية تراعي أحوال الناس، وبالحركة الممكنة، وبقدر ما تسمح به الأحوال.

وقد اقتضت منهجية الحركة بالدعوة أن تمر بعدد من المراحل في مكة؛ حيث تغاير التوجيه والبلاغ في صورته وأسلوبه، في كل مرحلة عن سابقتها، وعن ما يلحق بها.

وهذا التغاير بين مراحل الدعوة ضرورة واقعية ليتعامل الرسول صلى الله عليه وسلم والدعاة معه، ومن بعده، مع الواقع بما يناسبه، وبما يحقق الغاية المقصودة منه.

إن هدف الدعوة معروف منذ اللحظة الأولى، لكن تحقيق هذا الهدف يحتاج إلى وسائل عديدة تتعامل مع واقع الحياة والأحياء، ويحتاج كذلك إلى أسلوب يلتقي مع أفهام المخاطبين، ويتلاءم مع أفكارهم وثقافاتهم..

إن ثبات الغاية وتغيير الأسلوب والوسيلة مسألة تعطي الدعوة الحيوية والمرونة والتجديد.

ومن المعلوم أن جمود الوسيلة لا يتفق مع تطور الحياة، وتقدم المدنية، وطبائع الناس، كما أن جمود الأسلوب تخلف يؤدي إلى وضع الأفكار في قوالب غامضة تضر الفكرة، وتعجز عن إيصالها إلى عديد من الناس.

__________

1 بصائر ذوي التمييز ص307-313 بتصرف.

وقد تحرك الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الإسلام بوسائل متعددة وأساليب كثيرة، من خلال تعامله مع عديد من البشر، في بيئات مختلفة، وبين أُطُر مذهبية كثيرة.

وفي هذا الفصل سيكون الحديث عن حركة النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة في الفترة المكية؛ ولذلك رأيت أن أقسمه على عدد من المراحل؛ لتميز كل منها بخصائص معينة، لا توجد في غيرها.

ومن خلال تناولي للفترة المكية بمراحلها أجدني أتعامل مع مصطلحات عديدة من أهمها مصطلحات المنهج والوسيلة والأسلوب.

وحتى لاتتدخل المعاني، أرى أهمية تحديد مفاهيم هذه المصطلحات، وبعدها سأتناول مراحل الدعوة في الفترة المكية ليشمل الحديث كل مرحلة بمنهجها ووسائلها وأساليبها، وبذلك يتضح الأمر، ويفهم المقصود.

وبذلك سيتكون هذا الفصل من المباحث التالية:

المبحث الأول: تحديد مفاهيم الحركة بالدعوة.

المبحث الثاني: حركة الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة في المرحلة السرية.

المبحث الثالث: الوسائل والأساليب خلال المرحلة السرية.

المبحث الرابع: المسلمون خلال المرحلة السرية.

المبحث الخامس: المرحلة الأولى للجهر بالدعوة.

المبحث السادس: مرحلة الجهر العام بالدعوة.

المبحث السابع: الحركة بالدعوة خلال مرحلة الجهر العام.

المبحث الثامن: توافق الأسلوب مع الموضوع.

المبحث التاسع: مواجهة عدوان الكفار.

المبحث العاشر: استمرار الحركة بالدعوة.

المبحث الحادي عشر: المسلمون في نهاية المرحلة المكية.

وذلك فيما يلي..

المبحث الأول: تحديد مفاهيم الحركة بالدعوة

,

تمهيد

:

لقد امتدت المرحلة المكية حتى الهجرة إلى المدينة المنورة، ووقعت خلالها أحداث عظام، تقدم أضواء عالية في حركة الدعوة إلى الله تعالى، تظهر العبر والدروس، وتكشف الطبائع والنفوس، وتبين ما في كل موقف من ركيزة ومبدأ مدروس، وتعود أهمية معرفة هذه المرحلة للدعوة إلى أنها تعيش مع المسلمين في مرحلة قلتهم وضعفهم، وتصور كيف عاش المسلمون بالإسلام صادقين مما أدى إلى انتقالهم من الضعف إلى القوة، ومن الهوان إلى العزة والانتصار، وهي أمور يحتاجها المسلمون المعاصرون.

كما أن أحوال الدعوة، ومدى ارتباط المسلمين بالإسلام، يحتاج إلى مراجعة ضرورية لقياس الأحوال على عصر التأسيس الأول؛ ليُعرف الداء، ويظهر الدواء.

وفي المرحلة المكية حدد النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام بجلاء، ودعا إليه بوضوح، وتلقاه الصحابة منه نقيا صافيا، وعاشوا به، وعملوا له، وتحركوا من أجله؛ لأنهم تحملوه أمانة ومسئولية وحاجة شخصية.

إن المسلمين في كل زمان ومكان عليهم أن يرتبطوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقوالهم، وأعمالهم، وأحوالهم، وكافة شئونهم، وهذا يحتم عليهم ضرورة العودة إلى السيرة النبوية وأحداثها، فهي الصورة العملية التطبيقية لتعاليم الله تعالى، وهي القرآن متحركا في السلوك والطاعة.

إن السيرة النبوية هي الوحي المنزل في صورة تطبيقية؛ ولذا كانت مدارستها تصويرا حيا للإسلام، وكان فهمها هو البداية الصحيحة للعمل بالإسلام.

والمسلم الصادق يدرك تماما أن السيرة النبوية ثقافة روحية، وفهم للدين، وإحاطة بالإسلام ناصعا جميلا.

لهذا ولغيره عقدت هذا الفصل لأطوف مع السيرة، وأتأمل في حركة الدعوة خلال المرحلة المكية لأبرز أهم الركائز المستفادة منها، وذلك فيما يلي:


ملف pdf

كلمات دليلية: