تمهيد_13864

تمهيد


تمهيد

:

قال بعض علماء الإسلام ومنهم (عبد الرحمن ابن مهدي) الذي كان من الملازمين للإمام مالك، كما كان من أعلم الناس بالحديث ينبغي لمن أراد أن يصنف كتابا - دينيا - أن يبدأه بالحديث الصحيح الذي رواه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو قوله: سمعت رسول الله صل الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه) أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحهما ففي هذا الحديث تنبيه لطالب العلم الديني إلى تصحيح نيته لأن الجزاء على الأعمال إنما يكون على حسب نية العامل إذ لا يصح وضوء ولا صلاة ولا صوم ولا جهاد ولا أى شيء من جميع الطاعات إلا لمن نوى وقصد أنه أراد بعمله طاعة الله عز وجل، أما إذا تجرد العمل من النية فإنه يكون لغوا لا ثواب عليه ولا جزاء فيه إذ بالنية والقصد تتميز الأعمال الدينية عن غيرها من سائر الأعمال، فالنية عنصر أساسي في

صحة الأعمال وبطلانها، فليس عمل المنافق الذي يحضر مصلى المسلمين ويصلي معهم من غير وضوء - وهو غير مؤمن بها - كمن يصليها بنية فعل الواجب الذي أوجبه الله عليه لأنه مؤمن بوجوبها عليه وإلى هذا تشير الآية الكريمة وهي قوله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء).

وقد جرى بعض العلماء على هذا العمل من تقديم هذا الحديث على غيره، منهم الإمام البخاري في صحيحه، حيث ابتدأه بالحديث المذكور وقد ذكره في سبعة مواضع من صحيحه للمناسبة.

ونظرا لكثرة فوائد هذا الحديث وصحته فقد قال فيه الإمام الشافعي - رحمه الله - وغيره هو ثلث الإسلام، كما قال أنه يدخل في سبعين بابا من أبواب الفقه وقال آخرون من العلماء هو ربع الإسلام لما رأوا فيه من أن أصول الإسلام التي بنيت عليها أحكامه ترجع إلى أربعة أحاديث نبوية أولها حديث عمر هذا (إنما الأعمال بالنيات)، وثانيها حديث أبى هريرة رض الله عنه (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، وثالثها حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه (إن الحلال بين وإن الحرام بين)، ورابعها حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه (إزهد في الدنيا يحبك الله الخ).

وقيل غير هذه الأربعة وقد جمعها الحافظ أبو الحسن طاهر بن معوذ المعافري الإشبيلي الأندلسي فقال:

عمدة الدين عندنا كلمات…أربع من كلام خير البرية

إتق الشبهات وازهد ودع ما…ليس يعنيك واعملن بنية

وقيل قائلها الإمام الشافعي وحديث إنما الأعمال بالنيات المذكور حديث صحيح - كما مر - فهو من الأحاديث التي يدور عليها التكليف الديني، تعددت طرق رواياته وكلها تتصل بمن سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلم يصح إلا من روايته هو عن النبي صلى الله عليه وسلم واتفق العلماء على صحته لثقة رواته وتلقوه بالقبول واستخرجوا منه أنواعا شتى من أصول الأحكام والتوجيه وبه صدر الإمام البخاري صحيحه - كما تقدم قريبا - وأقامه مقام الخطبة لصحيحه حسبما أشار إليه من كتب عليه وشرحه وهذا العمل منه - رحمه الله - إشارة إلى أن كل عمل أو قول لا يراد به وجه الله فهو لغو وباطل لا ثمرة له ولا فائدة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة مثل الذى يصلي رياء وسمعة من حيث لم يقصد بصلاته طاعة الله بفعل ما أوجبه عليه فإن صلاته لا تنفعه ولا تنهاه عن الفحشاء والمنكر لأن هذا من ثمرتها - وإن تردد فاعلها عن المساجد - وكمن يريد - باسم المجاهد وببطاقته - أن يكون مجاهدا له من الحقوق ما للمجاهدين في سبيل الله، ولم تكن له نية الجهاد في سيل الله، أو لم يجاهد

أصلا فحشر نفسه في زمرة المجاهدين بالرغم مما وضحه القرآن وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بفصيح العبارة فهو مجاهد - بالسيف - وبالرغم على الإسلام والقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم وفي الوقت نفسه رأيناه لم يستجب لما طلبه منه الإسلام بفعل ما فرضه عليه وترك ما نهاه عنه من الاستقامة على شرعه بتحليل حلاله وتحريم حرامه، والقيام بواجباته والكف عن منهياته فهو تارك للواجبات - كالصلاة مثلا - منتهك للمحرمات - كشرب الخمر مثلا - فكيف يعقل أو يتصور متصور أنه من المجاهدين في سبيل الله، وهذا محال تصوره في الإسلام، ومن قال غير هذا فهو جاهل بالإسلام، ولم يفهم أحكام الإسلام أو سولت له نفسه الافتراء على الله الكذب إذ شتان بين الجهاد والقتال! و ((إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون)).

هذا هو الحق والصواب حب من حب وكره وكره، وما سواه غش في الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم قال (من غشنا فليس منا) ولا ينبغي لمن لا يفهم أحكام الإسلام أن يقحم نفسه بين العلماء - ولو لقبه العامة بالشيخ - لأنه يكتسب بذلك إثما، ويكون سبة وعارا على الشريعة الإسلامية وكارثة تنزل بها وعرضة لمسخ الله إلى شر مخلوقاته، فقد كثر أدعياء العلم حتى صاروا يتكلمون في كل شيء، ولو فيما لا يعرفون، كما سمعناهم يتكلمون فيما ليس لهم به علم قال جرير:

وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القعانيس

ولمنزلة حديث عمر المتقدم (إنما الأعمال بالنيات الخ) ولمكانته عند من عرفوا منزلته في التشريع الإسلامي قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي - المتقدم الذكر - لو صنفت كتابا فيه أبواب لجعلت حديث عمر هذا في كل باب من أبوابه.

أما الإمام مسلم - رحمه الله - فقد أورده في كتاب الجهاد من صحيحه، وكأنه أراد بعمله هذا أن يشير إلى أن البعض ممن يدعون الجهاد - ولم تكن لهم نية فيه - لا نصيب لهم في ثمراته ولهذا نبههم إلى أن النية في العمل هي روحه ومخه، وبدونها فهو جسد ميت بلا روح.

وكلمة - إنما - تفيد الحصر كما قال جمهور علماء العربية والأصول وغيرهم حيث قالوا أن لفظة إنما موضوعة للحصر فتثبت المذكور هنا - وهو قبول الأعمال والجزاء عليها إذا عملت مصحوبة بالنية، وتنفي ما سواها، فكأنه قال إن الأعمال تحسب وتقبل ويجازى عليها فاعلها إذا كانت بنية ولا تحسب ولا تقبل ولا جزاء عليها إذا تجردت منها، مثل سائر العبادات والطاعات جميعها كما مر، وتفصيل هذا في كتب الفقه والحديث.

وبناء على ما جاء في هذا الحديث فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بين لأمته أنواعا ثلاثة ممن هاجروا من مكة إلى المدينة تاركين مكة أرض الشرك - في ذلك الوقت - إلى المدينة أرض الإسلام وهم:

أ - مهاجر هاجر بنية وقصد تقوية حزب الله ونصره

وتأييد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذه النية غالب الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين.

ب - ومهاجر هاجر بنية وقصد كسب الدنيا والمال، لأن من كان يتعامل معهم من المؤمنين في مكة هاجروا إلى المدينة فلحق بهم من أجل فائدته الدنيوية، فلم يسعه المقام بعدهم في مكة فلحق بهم لنيل مكاسب دنيوية لا تعود فائدتها إلا عليه وكان يغزو معهم لينال نصيبه من الغنيمة.

ج - ومهاجر آخر خطب امرأة ليتزوج بها تدعى (أم قيس) فأبت أن تتزوجه ما دام في مكة، إلا إذا هاجر إلى المدينة فأجابها إلى شرطها وهاجر إلى المدينة من أجل الزواج بها وجاء في الروايات عن الصحابة أن هذا المهاجر كان يعرف باسم (مهاجر أم قيس) فهذان الصنفان الأخيران من المهاجرين لم يكونا من المهاجرين لله لما بينا من انعدام النية في هجرتهما فلم يفوزا بثواب الهجرة إذ الهجرة في الشرع هي الخروج من أرض الكفر إلى أرض الإسلام وفي وقتنا الحاضر انعكست هذه المعاني فصارت الهجرة تطلق على من هاجر من أرض الإسلام إلى أرض الكفر لمقاصد سياسية وغيرها.

جاء في الحكم المأثورة (لو نفع علم بلا عمل لما ذم الله سبحانه أحبار وعلماء أهل الكتاب) و (لو نفع عمل بلا إخلاص لما ذم الله سبحانه المنافقين).

نسأل الله العالم بالنيات أن يجعل نياتنا في أعمالنا وأقوالنا خالصة له من كل شائبة تفسدها وتحبطها، ونرجوه أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم آمين.

تقديم:

العقيدة

العقيدة هي قوة عظيمة تحتل مكان الإحساس من الإنسان فتهب لصاحبها الإيمان بما يعتقده وشدة المقاومة لكل ما لا يتفق مع ما مالت إليه تلك العقيدة وارتضته لنفسها وهذا لتأييد ما عقد عليه صاحبها عزمه واختياره وتحول بينه وبين الضعف والخور والذوبان في كل طارئء جديد، وهذه الصفة إحدى مميزاتها قال الشاعر المفلق الحطيئة:

أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البناء…وإن عاهدوا أوفوا وإن عاقدوا شدوا

فالعقيدة مأخوذة من العقد بمعنى اللي يقول القائل عقدت الحبل فهو معقود فهذا في الحسيات وأما في المعنويات فمعناها التعهد والالتزام ومن هذا جاءت عقدة النكاح والبيع والشراء وغير ذلك من العهود والعقود والالتزامات والعقد - بالكسر - هو الخيط ينظم فيه الخرز واللؤلؤ وغيرهما.

قال علماء اللغة العربية - في مادتها - عقد يعقد - بالكسر - عقدا وعقودا معناه التزم بالعهد والعقد فيجب عليه الوفاء بما التزمه وعقده وتقول تعاقد القوم على كذا بمعني تعاهدوا والتزموا به، ومنه قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود). قيل في تفسيرها هي العهود، وقيل هي الفرائض التي التزموها وتحملوها بعقيدة التوحيد والإسلام.

والعقيدة هي الحكم الذي لا يقبل الشك في نظر معتقده كما قال الجوهري.

وفى الدين ما يتصف به الاعتقاد دون العمل، كعقيدة وجود الله عز وجل، واعتقد كذا بقلبه آمن به وصدق، واعتقد الأمر صدقه وعقد عليه قلبه وضميره وتدين به واتخذه دينا فأصحاب العقيدة هم من كانت لهم عقيدة عقدوا عليها قلوبهم فصارت أرواحهم ونفوسهم وحياتهم مبذولة بسخاء في سبيل عقيدتهم فهم قد اشتروا بها - العقيدة - ما اعتقدوه - ودفعوها فداء وثمنا لها - وهي الغالية - في سبيل بقائهم على عقيدتهم التي اعتقدوها وعقدوا عليها حياتهم ورضوا بما دفعوه فيها، وذلك بثباتهم عليها وتمسكهم بها من غير أن يلزمهم بها أحد أو يجبرهم عليها مجبر، وهذا هو الإيمان بالعقيدة.

وهذه فصول جمعتها من ملف حياة أبطال العقيدة الإسلامية الذين ظهروا مع ظهور دين الله الإسلام الخالد

تصلح لتربية النفوس وتوطينها عليها لكي تخوض معركة الحياة التي تجري بين الإيمان والإلحاد، فهي معارك ضارية من قديم الزمان إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم ويلزم مقاومة الإلحاد بالعقيدة القوية، فهي سلاح الانتصار الذي لا يغلب صاحبه جمعتها من قصص القرآن وكتب السيرة التي اهتمت بحياة أولئك الأبطال وما نالهم من خصوم الإسلام وأسميتها (في سبيل العقيدة الإسلامية) فهي تتناول مواقف شجاعة وقفها أولئك الأبطال في وجوه أعداء الله والأديان السماوية، مثلهم مثل كفار قريش الذين وقفوا في وجه العقيدة الإسلامية والدعوة المحمدية وحاولوا بكل قواهم صد الناس عنها وصرفهم عن الاهتداء بهديها غير أن الله مكن لها في الأرض وثبتها بثبات أولئك المؤمنين على عقيدتهم التي آمنوا بها فلم يرهبهم وعيد ولم يؤثر فيهم عذاب شديد بل صمدوا لكل ذلك صمود الجبال العظام ومنهم الرسل الكرام الذين اختارهم الله لتحمل الرسالة وتبليغ دين الله إلى البشر أجمعين وتطهير العقائد من كل ما يخل بعلو مرتبة الإنسان على سائر المخلوقات وقد ميزه خالقه بالعقل والإدراك للأشياء والموجودات على حقيقتها ومن غير اللائق به أن يخضع لمخلوق قد يكون أقل منه إدراكا وأحرى به إذا كان جمادا أو نباتا فإن في هذا الخضوع والطاعة لغير الخلاق العليم إهدارا لكرامة الإنسان التي أكرمه بها خالقه الحكيم ورفع منزلته على منازل غيره، وجعله هو

المتصرف فيها فقد ضل هذا الإنسان عن الصراط المستقيم - ولا زال في ضلاله إلى الآن - بالرغم من المراحل التي قطعها الإنسان في ميادين شتى من علوم وغيرها فجاءت دعوة الرسل والشرائع السماوية لتعود به إلى الطريق المستقيم التي حاد عنها بضلاله فآمن بها طائفة من هذا النوع هديت إليها فآمنوا بتلك الدعوة وهي تدعوهم إلى توحيد الله الخلاق العليم فأيدوها وكانوا من أنصارها بالرغم مما حاط بهم من مخاطر وأهوال تتفتت منها الجبال الصخرية ويذوب منها صلب الحديد من شدة فظاعتها وأهوالها لتكون لنا نعم العون على ما نلاقيه من أتعاب في سبيل حياتنا الإسلامية من خصوم الإسلام في بلد الإسلام سواء كانوا من الخارجين عنه بالأصالة أو المنتسبين إليه بالوراثة فقد كثر منهم التهجم والعدوان على العقيدة الإسلامية وعلى حامليها فنحن في حاجة ماسة إلى أمثلة بطولية صادقة، مما ضربه للعالم أولو العزم والثبات على العقيدة والمبدإ من أولئك الأبطال الذين هم من الرعيل الأول في بداية انبثاق نور الإسلام وعقيدة التوحيد، ففي ماضينا وتاريخنا - والفضل والحمد لله - أمثلة رائعة تصلح لتربية أنفسنا وأبناء زماننا عليها.

فنذكرهم بهذه الأمثلة النادرة في غير ماضي الأمة الإسلامية لقد صرنا نخشى - والله - دروسها واندثارها بل ونسيانها حيث أننا شاهدنا ولمسنا وسمعنا بما يجرى في الأوطان الإسلامية من صدود

وإعراض ونكران لعقيدة الأسلاف، ولما أتت به هذه العقيدة - حيث لا أفضل منها في الوجود - ولقلة الدعاة لهذه العقيدة وتفرقهم وليست لهم أسلحة الدفاع العصرية فقد هجمت عليها عقيدة الإلحاد والكفر والذبذبة بوسائل العصر وهي تنادي وتقول أنها جاءت لمحاربة عقيدة الإسلام الموروثة عن الآباء والأجداد فالسكوت عن هذا الهجوم يعتبر من العقوق الفاضح الذي تلبس به أبناء هذا الجيل بل صرنا نخشى ضياعها حتى من أوساط من يزعمون أنهم من زمرة علماء الدين وورثة الأنبياء والمرسلين وهنا نتساءل هل سكت الأنبياء والمرسلون من تبليغ دعوتهم؟ وهل أهملوا دعوتهم التي كلفوا بها؟ وهل كان فيهم الذي لا يقول كلمة الحق للحق؟ وهل جرفتهم تيارات زمانهم الداعية إلى تلك العقائد الزائفة التي كانت سائدة في زمانهم؟ تلك العقائد التي كانت على شنا حفرة من النار وعلى شفا جرف هار.

فنحن - الآن - إذا درسنا التاريخ وقرأناه فإنما ندرسه ونقرؤه من نافذة الحروب التي تشن على الأوطان - التراب والحجر والشجر الخ - وإذا مجدنا أبطاله إنما نمجدهم من زاوية مواقفهم في وجه الغزاة الفاتحين - ونعتز بهذا - أما من جهة العقيدة والدين والأخلاق، فذلك أمر تافه في نظر البعض منا - لا يدخل في الحساب والحقيقة هي كامنة في العقيدة والدين، وقد شاهدنا وعلمنا أن من كان يحيا بدون عقيدة ودين فإنه يسهل

عليه خيانة وبيع وطنه بأبخس الأثمان، والشاهد على هذا الذي قدمناه البطل المغوار المرحوم الأمير (عبد القادر ابن محيي الدين) فإنه إنما وقف في وجه الغزاة الاستعماريين حين احتلالهم للجزائر بلباس العقيدة والدين لا بسواهما مما تلوكه ألسنة القوم اليوم كل هذا مقصود به إبعاد الدين من ساحة الحرب والتحرير وهى نية خبيثة وقصد سيء لا يخفى على أحد.

فالأمير عبد القادر - رحمه الله - كان عالما دينيا بعقيدته التوحيدية فقيها إسلاميا بفقهه في أحكام دينه وأجوبته التي كان يجيب بها سائليه مبسوطة في الكتاب الذي حوى سيرته وأعماله (تحفة الزائر) فقد كان في حياته عالما قبل أن يكون أميرا وقائدا ولذا قدمه أهله وبنو عشيرته لقيادة المجاهدين في حربهم للإستعمار وجيوشه فهو من أبطال العقيدة المعروفين بمواقفهم النادرة فإذا ما مجدناه في يوم - ما - فلا ينبغي أن يخفى هذا المعنى علينا فأبطال العقيدة عندنا كثيرون والحمد لله ولم تصدر منهم خيانة ولا ضعف أيام المقاومة كما وقعت من غيرهم ممن لا عقيدة دينية لهم.

فمواقف كهذه المواقف الراسخة تقتضي علماء الإسلام الناصحين - أينما كانوا - أن يوحدوا كلمتهم، ويقووا صفوفهم ويدعموها بصدق النية والإخلاص في العمل لنصرة العقيدة ولمجابهة هذا التيار الإلحادي المهاجم على دين التوحيد، إذ لو وجدهم أمامه في ساعة الهجوم

لاختفى بدلا من الظهور بهذا المظهر الذي ينم على التحدي لعقيدة الأمة في وطنها وعلى من كان منهم ضعيفا أن يتخلى عن تلك الذبذبة المشينة التي ظهرت عليهم في هذا العصر فقد ساقتهم إلى توهين كلمة الحق التي هي كلمتهم وتقوية صف الباطل والإلحاد بسكوتهم وبكل أسف وحسرة فقد رأينا منهم من أظهر عداءه لدعاة الحق وناصري العقيدة الإسلامية بل وحتى أن البعض منهم لم يكتف بسكوته حتى أظهر الشماتة والتشفي بسبب ما أصاب بعض الدعاة ويصيبهم من أعداء الحق والعقيدة الإسلامية، وما ذلك إلا لأغراض دنيئة ونفوس مريضة بمرض - ما - كالحسد - مثلا - وهو داء قديم فيهم، نسأل الله الشفاء لنا ولهم من هذا المرض الخطير، أو كان ذلك منهم لمصالح ذاتية خوفا من أن تفوتهم بوقوفهم إلى جانب الحق وأنصاره فضلوا وأضلوا والله وحده يتولاهم بما يشاء فإنه يمهل ولا يهمل وهو - وحده - القوي العزيز.

فإلى حماة العقيدة الإسلامية أمثلة صحيحة من تلكم المواقف التي - ثبتت كركائز للحق اعتمد عليها، فثبتت أقدامه ودعمتها في أرض الإيمان - فنجعلها نصب أعيننا كمصباح منير يرينا ويكشف لنا طريق السلامة والنجاة من مخاطر هذه الحياة ويجنبنا سبل الغواية والضلال، فإنهم - أهل تلك المواقف - هم أهل العقيدة الصحيحة الثابتون عليها بالرغم مما نالهم من أجلها وفي

سبيلها، فحفظ لهم التاريخ أروع القصص وأسما الأمثلة، وأصدق الإيمان.

والعقائد كثيرة ومتنوعة، فمنها عقيدة التوحيد، وهي عقيدتنا نحن المسلمين، وهي التي ندين الله بها.

وعقيدة التثليث، وهي التي طرأت على المسيحية بعد أن كانت في أول أمرها وفي زمان رسولها عيسى عليه السلام عقيدة توحيدية.

وعقيدة الشرك بالله وفيها تعدد الآلهة المعبودة والمشركون أصناف وأنواع متعددة في إشراكهم. وعقيدة الملاحدة، التي تنكر وجود الإله بتاتا.

وعقيدة التوحيد هي العقيدة الصحيحة وهي الحق الذي لا ينجو أحد إلا بها، وهي مبنية على توحيد الإله الخالق لكل شيء والذي تجب طاعته على كل المخلوقين إذ لا خالق سواه.

ونراها في وقتنا الحاضر أصابها شيء من الضعف في قلوب البعض من المسلمين وهذا بسبب احتكاكهم بغيرهم ممن لا عقيدة لهم أصلا أو ممن لهم عقيدة باطلة وغير مقبولة شرعا وعقلا، وتظهر نتيجة هذا الضعف في الكلام الذي نسمعه من بعض من ينتسبون للإسلام، من ذلك أن بعض الناس ينطقون بكلمات تشعر بأن قائلها لا يفهم ما يقول، ولا يشعر بأن صفة الخلق والإيجاد لا تعطى

إلا لله الواحد القهار فهو الخالق لا خالق سواه وهذا معنى التوحيد ولا مدبر لشؤون الخلق إلا هو فهو العليم الحكيم، وليس له شريك يعينه، ولا وزير يؤازره بل هو وحده خالق كل شيء، لا إله معه، ولا قادر على الخلق والإيجاد يسانده أو ينوب عنه فهو كما قال: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون). وكما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: (اللهم إنك لست بإله استحدثناه، ولا برب ابتدعناه، ولا كان قبلك من إله نلجأ إليه ونذرك، ولا أعانك على خلقنا أحد فنشركه فيك، تباركت وتعاليت).

ومن إظهار سوء الأدب مع الخلاق العليم ما نسمعه - بين الحين والآخر - من بعض كبار الناس وصغارهم مما يعتبر في الشرع وقاحة وسوء أدب مع من خضعت له ولقدرته وعزته جميع المخلوقات من إنس وجان فقد سمعناهم يتفوهون بألفاظ نابية وغير لائقة بالعبد الضعيف والعاجز البين العجز فإذا أراد الواحد من هؤلاء الناس أن يتكلم عن العناية والاهتمام بالمواطن في تهذيبه وتهيئته لأي مهمة كانت لتناط بعهدته قال من غير حياء من الله خالقه وخالق كل شيء هكذا بتبجح وفخر (نريد خلق الإنسان المواطن) وهذه العبارة فيها إساءة الأدب - بل ربما الكفر والجحود للخالق الواحد - مع الله الذي لا شريك معه في خلق الإنسان المواطن وغيره فلا خالق مع الله الخالق لكل شيء، ومنه هذا المخلوق الخالق، غرورا، وجاء في القرآن الكثير من الآيات

لترفع عن هذا النوع من المغرورين غرورهم، فقد قال الله تعالى (يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض؟ لا إله إلا هو فأنى تؤفكون) (1). وقال: (ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه، وهو على كل شيء وكيل) (2).

فلا خالق إلا الله، فتنبهوا أيها (الغافلون المخطئون) العاجزون عن رد الموت عنكم إذا حل بكم وصححوا عقيدتكم في الله قبل أن يفوتكم الأوان فأي شيء جعلكم لا تدفعونه عنكم إذا نزل بساحتكم؟ ذلك هو عجزكم وضعفكم أيها الخالقون جهلا وغرورا واستخفافا بمن خلقكم ورزقكم فأنتم محتاجون إليه في كل حين.

دعوا هذه الكلمات الغير اللائقة بالبشر الضعيف والتي قد تؤدي بصاحبها إلى الكفر شيئا فشيئا إذ هي من خصائص المدبر الحكيم والخالق - وحده - الذي له الخلق والإيجاد والهداية والإرشاد، دعوها حتى لا تلعنكم الأجيال المقبلة كما (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون) (3) فقولوا نهيء بدل نخلق

__________

(1) سورة فاطر - الآية 3.

(2) سورة الأنعام - الآية 102.

(3) سورة المائدة - الآيتان 78 - 79.



كلمات دليلية: