تمهيد_12890

تمهيد


تمهيد

بقلم الدكتور محمّد عبد الرحمن شميلة الأهدل (1)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين، وبعد:

لقد حظي تاريخ العظماء بالاهتمام البالغ على امتداد تاريخ الأمم الإنسانيّة، فدوّنت سيرهم وأخبارهم، ورصدت في جبين التّاريخ حياتهم وشمائلهم، وأضاءت في سماء المعالي أخلاقهم، وارتوى التّابعون من مناهلهم الرّويّة، ورأوا أنّ ذلك هو المنهج الأقوم، والسّبيل الّذي لا اعوجاج فيه.

ولا مراء أنّ أعظم عظماء الإنسانيّة على الإطلاق، وأفضل المصطفين.. هو منقذ البشريّة من الضّلالة والعمى؛ من جعله الله تعالى الرّحمة المهداة، وختم به الرّسالات السّماويّة: أبو القاسم محمّد بن عبد الله، النّبيّ الأوّاه صلّى الله عليه وسلّم.

فهو أولى أن تدوّن شمائله، وأن تقرع الأسماع صفاته الخلقيّة والخلقيّة، وسمته وهديه، وأمره ونهيه.

(2)

لذلك دأب أولو العلم على تقييد ذلك كلّه، وعنوا منذ فجر تاريخ الدّعوة الإسلاميّة بكلّ ما يتّصل به صلّى الله عليه وسلّم من الأمور الشّرعيّة، أو الشّؤون العاديّة، وكان ذلك بطريقة استيعابيّة، وأسلوب استقصائيّ، بحيث إنّ هذه المعارف الوفيرة جلّت لنا تلك الشّخصية الفريدة، بكلّ خصائصها وسماتها، فكانت هذه العلوم منارا تتراءى في ضيائه الشّخصية المحمّديّة تزهو في حلل الكمال والجمال، وينبعث من تلك الذّات أريج الجلال والهيبة والعظمة، وكيف لا تكون كذلك، وقد حلّى التّنزيل الحكيم جيده بعقود المدح والتّكريم، فقال له: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.

(3)

ولأنّ الرّعيل الأول من الصّحب الكرام هم الجيل المثاليّ؛ لأنّهم خرّيجو مدرسة النّبوّة، الّذين تلقّفوا الفرقان غضّا طريّا من في رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإنّهم كانوا أشدّ الخلق هيبة له، وأكثرهم أدبا معه، وأعظمهم إجلالا له وتوقيرا.. من أجل ذلك لم يكونوا يرفعون أبصارهم إلى محيّاه هيبة وإجلالا، وإعظاما وإكبارا.

وإذا تأمّلنا معظم أحاديث الشّمائل التي تحكي صفات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخلقيّة.. نجد أن رواتها من الصّحابة أحد اثنين:

إمّا من الصّحابة صغار الأسنان ممّن لم يكونوا يدركون تماما العظمة النبويّة، وما يجب له من الحقوق، فيدفعهم ذلك إلى الحملقة في الذّات المحمّديّة على وجه يمكّنهم من وصفها الوصف الدّقيق.

وإمّا أن يكون من أولئك الّذين هم قريبو عهد بالإسلام، أو من الأعراب الّذين لم يفقهوا بعد اداب الإسلام، وما يجب عليهم تجاه الشخصيّة النّبويّة.

(4)

ولا مراء أنّ الصّحابة الكرام ما تركوا شيئا من أخبار المصطفى صلّى الله عليه وسلّم.. إلا وقيدوه، ولا شيئا عن هيئته وسمته ولبسه وطعامه وشرابه وغير ذلك.. إلا ورووه، ولا صفة تكسب المحبة والاتّباع.. إلا وأذاعوها، ذلك لأنّ محبّته عليه الصّلاة والسّلام.. عبادة، والتّأسّي به.. علامة على تلك المحبّة. وقديما قيل:

تعصي الحبيب وأنت تزعم حبّه ... إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع

ولقد حملت المحبة الأكيدة الصّادقة أنس بن مالك اتّباع المحبوب فيما كان شرعا أو عادة، بل وفيما أملته الطبيعة البشريّة.

ففي «الصّحيح» وغيره قال أنس: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتتبع الدّبّاء في القصعة فما زلت أحبّ الدّبّاء من يومئذ.

وإذا كان هذا حالهم في شؤون العادات، فكيف يكون حالهم في أمور الشّرع والعبادات؟

لا شكّ أنّهم كانوا أشدّ تمسّكا بالهدي النّبويّ، وتطبيقه بحذافيره وكذلك كان الأمر.

وهذا أبو أيّوب الأنصاريّ لما رأى رد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الطّعام الّذي فيه الثّوم، كره هذه الشّجرة وعاداها حتّى الممات، وما هذا إلّا لما أشرب قلبه من حبّ الصّادق المصدوق صلّى الله عليه وسلّم، فتولّد عن ذلك التّأسّي به في كلّ صغيرة وكبيرة.

(5)

وبناء على ذلك: فإنّ من لازم المحبّة.. الاتّباع الكامل، والاقتفاء الشّامل لمن جاءنا بالشّرع المطهّر، والتأسّي بشخصيّته في شؤون الحياة جميعها، هذا هو الاتّباع.

أمّا من يزعم محبّته ويدّعي ذلك، وهو مخالف لسيرته، متراخ عن أمره، واقع في نهيه.. فهذا الصّنيع علامة على زيف دعواه، ودليل صريح على تخبّطه في ظلام العصيان، فالسفينة لا تجري على أرض يابسة.

ترجو النّجاة ولم تسلك مسالكها ... إنّ السّفينة لا تجري على اليبس

(6)

وإذا كنّا في عصرنا الحاضر المتموّج بالغرائب والعجائب نشاهد كثيرا من المعنيّين بالتّراث يعرضون شمائل شخصيّات لا خلاق لها، وليس لها في ميزان الفضائل مثقال حبّة من خير، ويعظّمون اثارهم الّتي تركوها،

ويذيعون ذلك في الرّائي وغيره، ويثيرون الضّجيج الإعلاميّ حول هذه الشّخصيات؛ مع أنها ليس لها وزن، ولا قيمة أخلاقيّة، وقد تكون شخصيّة ملحدة، لا تؤمن بخالقها، وليس عندها ذرّة من إيمان.. ألا يجدر بنا معشر الأمّة الإسلاميّة أن نستعرض شمائل المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، ونكرّر ذكرها كلّما عنّت فرصة أو سنح وقت؟! فإنّ ذلك أدعى إلى حسن الاقتداء، وباعث على جميل الاقتفاء.

وإذا كان المولى تقدست أسماؤه قد قال لرسوله صلّى الله عليه وسلّم على إثر ذكر سير المصطفين الأخيار: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ، فما أحرانا ونحن الخطّاؤون أن نستعرض شمائل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وسمته، وهديه؛ فإنّ في ذلك تثبيتا لأفئدتنا، وازديادا لإيماننا، وتقوية لمحبّتنا، وإنارة لأفكارنا.

لذلك كلّه.. فإنّ فنّ (الشّمائل المحمّديّة) الّذي يرسل الضّوء على صفاته البهيّة، ومحاسنه العليّة، وأخلاقه الزّكية.. من الفنون المباركة العظيمة، والعلوم الشريفة الثّمينة؛ لأنّه وسيلة من وسائل ازدياد الإيمان، وطريق مؤدّ إلى امتلاء القلب بتعظيمه ومحبّته، واقتفاء هديه وسنّته، وتعظيم شعائر ملّته، وفي ذلك السّعادة في الدّارين.

هذا وإنّ من أجمع ما ألّف في الشّمائل، وأوسع ما وصلنا في هذا الباب كتاب: (وسائل الوصول إلى شمائل الرّسول صلّى الله عليه وسلّم) .. إذ هو سفر عظيم المقدار، كثير النّفع، متّسم بالاستيعاب، مشتمل على ما يصبو إليه الأحباب.

أشرقت من سطوره أنوار التّحقيق، وسالت من صفحاته أعذب الصّفات لسيّد السّادات صلّى الله عليه وسلّم.

كيف لا، ومؤلّفه صاحب القلم السّيّال، والسّحر الحلال:

أبو المحاسن يوسف بن إسماعيل النّبهانيّ، الّذي طارت بمؤلّفاته الرّكبان، ووقف نشاطه على خدمة السّيرة المحمّديّة والسنّة الغرّاء، وفاز بالشّرف المؤبّد، والأجر الّذي لا ينفد.

وبعد: فإليكم أحبّاءنا الأكارم الشّمائل المحمّديّة، تتبختر في حللها القشيبة، وتشعّ منها الأنوار المحمّديّة، وتجلّي لنا أحاديثه الشّخصيّة الّتي اختارها الله تعالى لتكون أعظم هديّة إلى الإنسانيّة جمعاء، إنّها تكشف لنا عن سمات وهيئة صاحب اللّواء المحمود، والحوض المورود، والشّفاعة والجود، صلّى الله وسلّم عليه وعلى اله وصحبه ما ارتفع إلى السّماء أذان، وما لهج بكلمة التّوحيد مسلم.

وقد دأبت دار المنهاج على إخراج التّراث الإسلاميّ سليما محقّقا، وحملت على عاتقها أمانة نشر العلم النّافع، ورفع لوائه؛ تبصيرا للنّاس، ومساهمة في نشر الدّعوة، وتقريبا للعلوم الشّرعية. والله تعالى من وراء القصد.

د. محمّد عبد الرحمن شميلة الأهدل



كلمات دليلية: