تجهيز جيش أسامة بن زيد لقتال الروم_17957

تجهيز جيش أسامة بن زيد لقتال الروم


ذكر تجهيز جيش أسامة بن زيد إلى الشام

]

رواه البخارى وروى ابن اسحق عن رجاله ان رسول الله صلى الله عليه وسلم استبطأ الناس في بعث أسامة بن زيد وهو في وجعه فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر وقد كان وهو ابن ستين سنة وأخرى وهو ابن خمس وستين وهما متواليان فرواية الستين اقتصر فيها على العقود وترك الكسر ورواية الخمس والستين حصل فيها اشتباه وقد أنكر فيها عروة على ابن عباس ونسبه الى الغلط وانه لم يدرك أول النبوة ولا كثرت صحبته بخلاف الباقين واتفقوا على ان اقامته بالمدينة كانت عشر سنين وبمكة قبل النبوة أربعين سنة الا ما حكي عياض عن ابن عباس وسعيد بن المسيب انها كانت ثلاثا وأربعين وهى رواية شاذة وانما اختلفوا في قدر اقامته بمكة بعد النبوة وقبل الهجرة والصحيح انه ثلاث عشرة سنة كما مر عند ذكر قصيدة أبي قيس بن الاسلت صرمة بن أبي أنس (بعث بعثا الى الشام) أى لقتال الروم وكان أمير الروم يومئذ شرحبيل بن عمرو الغساني ذكره البلاذري (تخوم) بضم الفوقية والمعجمة أي جوانب (البلقاء) بالمد (والدروم) بضم المهملة والراء (فلسطين) بكسر الفاء وفتح اللام وسكون السين وكسر الطاء المهملتين ثم تحتية ساكنة ثم نون وهى بلاد بيت المقدس وما حولها (يغير) بضم أوله رباعي (أبنى) بهمزة مضمومة فموحدة ساكنة فنون مفتوحة مع القصر قال ابن الاثير اسم موضع من فلسطين بين عسفان والرملة ويقال انها يبنى بالتحتية بدل الهمزة (ثأره) بالمثلثة والهمزة وقد يسهل (فطعن) بفتح العين في الماضي والمستقبل معا ان أريد الطعن المجازى فان أريد الحقيقى ضم العين في المستقبل على المشهور (ناس) وللبخاري بعض الناس والطاعن هذا هو عباس بن أبي ربيعة المخزومى أفاده البلاذرى (ابن ثماني عشرة سنة) وقيل ابن عشرين (لخليقا) بالمعجمة والقاف أى حقيقا و (وللامارة) ولمسلم بلا مرة بكسر الهمزة وسكون الميم وهما لغتان وفي الحديث جواز امارة العتيق وتقديمه على الغير وتولية الصغير وتولية المفضول على الفاضل للمصلحة وفضيلة ظاهرة لاسامة وأبيه زيد (رواه البخاري) ومسلم والترمذي وغيرهم عن ابن عمر (عن رجاله)

الناس قالوا أمر غلاما على جلة المهاجرين والانصار فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أيها الناس انفذوا بعث أسامة فلعمرى لئن قلتم في أمارته لقد قلتم في أمارة أبيه من قبله وانه لخليق للامارة وان كان أبوه لخليقا لها ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وانكمش الناس أي أسرعوا في جهازهم واستعر برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فخرج أسامة بجيشه حتى نزل الجرف من المدينة على فرسخ فضرب به عسكره وتتامّ اليه الناس وأقاموا ينتظرون ما الله قاض في رسوله قال أسامة لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم هبطت وهبط الناس معى الى المدينة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصمت فلا يتكلم فجعل يرفع يديه الى السماء ثم يضعها علىّ أعرف انه يدعو لى ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشتغل أبو بكر بعد انتظام أمر الخلافة الا بتجهيز جيش أسامة وكلم في استبقاء الجيش حتى ينتسق أمر الناس أو ان يولي عليهم غير أسامة فقال والله لو لعبت الكلاب بخلاخيل نساء المدينة ما رددت جيشا أنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عزلت واليا ولاه.

[فصل في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلّم]

(فصل) في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفاته وما ورد في ذلك من الروايات مما أكثره في الصحاح قال الله تعالى وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً الآية وقال أى رجال سنده (على جلة) بكسر الجيم وتشديد اللام أي معظم (انفذوا) بهمزة قطع وكسر الفاء أى لا تؤخروه (فلعمرى) انما اقسم به اقتداء بربه جل وعلا اذ أقسم به فقال لعمرك انهم لفي سكرتهم يعمهون (وانكمش الناس) بهمز وصل وسكون النون وفتح الكاف والميم والمعجمة أى اسرعوا والانكماش في المشي الاسراع فيه (واستعر) بالعين المهلة وتخفيف الراء أي هاج (الجرف) بضم الجيم والراء (وتتام) بفتح الفوقية المكررة والمد وتشديد الميم (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم الى آخره) رواه الترمذى عن اسامة وحسنه (أصمت) بضم الهمزة وكسر الميم (استبقاء) بالموحدة والقاف (ينتسق) أي ينتظم (لو لعبت الكلاب الى آخره) أي لو سلط على أهل المدينة من يدخلها ويفعل فيها ما ذكره من انتهاك الحرمة ولم يمكن دفع ذلك الا باستبقاء جيش اسامة وترك تنفيذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلت ذلك وفيه فضيلة ظاهرة لسيدنا أبى بكر رضى الله عنه (والخلاخيل) جمع خلخال وهو السوار الذى تجعله المرأة في رجلها.

(فصل) عقده لبيان صفة مرضه صلى الله عليه وسلم ووفاته (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ) مضت (مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) وسيمضى هو بعدهم أيضا أفتظنون دوام حياته (أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ) رجعتم (عَلى أَعْقابِكُمْ) أي الى دينكم الاول نزلت هذه الآية فيمن قال يوم أحد إذ أشيع قتله صلى الله عليه وسلم من

تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وقال تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وقال تعالى وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وخرج الدارمي في مسنده ان العباس رضى الله عنه قال لأعلمن ما بقاء النبي صلى الله عليه وسلم فينا فقال يا رسول الله انى أراهم قد آذوك وآذاك غبارهم فلو اتخذت عريشا تكلمهم منه فقال لا أزال بين أظهرهم يطؤن عقبي وينازعونى ردائى حتى يكون الله هو الذي يخرجنى منهم قال فعلمت ان بقاؤه فينا قليل قال أهل التواريخ ابتدأ بالنبى صلى الله عليه وسلم مرضه في أول شهر ربيع الأول وأول ذلك انه خرج من جوف الليل الى البقيع فدعا لهم واستغفر وتضرع كالمودع للأموات وأصبح مريضا من يومه قالت عائشة لما رجع من البقيع وجدني وأنا أقول وارأساه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك فقلت واثكلتاه والله اني لأظنك تحب موتى ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسا بعض أزواجك فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل أنا وارأساه لقد هممت أو أردت أن أرسل الى أبي بكر وابنه فاعهد ان يقول القائل أو يتمنى المتمنون ثم قلت يأبى الله ويدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون رواه البخاري وروي مسلم أيضا عن عائشة قالت قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه ادعى لى أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فاني أخاف أن يتمنى متمن أو يقول قائل أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون الا أبا بكر وهذان الحديثان أهل النفاق ان محمدا قد قتل فالحقوا بدينكم الاول (وَلا تَدْعُ) أي لا تعبد (مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ) الخطاب معه صلى الله عليه وسلم والمراد غيره (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ) فان (إِلَّا وَجْهَهُ) أي الا هو والوجه صلة (لَهُ الْحُكْمُ) الفعل والقضاء حيث قضى هلاك كل من سواه (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم ان خيرا فخير وان شرا فشر (فقال يا رسول الله انهم قد آذوك الى آخره) كان ذلك يوم قسم غنائم حنين وأوطاس (ذاك) بگسر الكاف (في أول شهر ربيع الاول) يوم الاثنين أو يوم السبت أو يوم الاربعاء أقوال (وا ثكلتاه) بضم المثلثة وسكون الكاف وفتح اللام (اني لاظنك تحب موتي) كانها فهمت من قوله تمنى الموت لها (لظللت) بكسر اللام الاولى (معرسا) بسكون العين (بل انا وارأساه) فيه انه لا بأس بقول ذلك ونحوه مما ليس هو على وجه التضجر كما مر قال بعضهم وفيه اشارة الى بقاء عائشة بعده (لقد هممت أو أردت) شك من الراوي (روى) البخاري (ومسلم) أيضا (وأخاك) انما طلب أخاها ليكتب الكتاب ووقع في رواية البخارى لقد هممت ان أوجه الي أبي بكر وابنه ولبعض رواة البخارى فاتيه من الاتيان وصوب هذا بعضهم قال عياض وليس كما صوب بل الصواب ابنه وهو أخو عائشة المذكور في رواية مسلم (فاني أخاف ان يتمنى متمن) فيه اشارة الى انه سيقع نزاع وكان كذلك (أنا أولى)

من أدل الدلائل على خلافة أبى بكر وقد ثبت أصلهما من الصحيحين كما ترى

[مطلب وكان وجعه صلى الله عليه وسلّم عرق في الكلية]

وكان وجعه صلى الله عليه وسلم وهو عرق في الكلية اذا تحرك أوجع صاحبه وقيل الصداع وروي البخارى عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذى مات فيه يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذى أكلت بخيبر فهذا أو ان وجدت انقطاع ابهرى من ذلك السم وغير مدافع انه قد كان مع ذلك حمى فيحتمل ان يكون مع وجودها تداعت أسباب هذه الاوجاع كلها وكان وجعه صلى الله عليه وسلم شديدا روينا في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فمسسته فقلت انك لتوعك وعكا شديدا قال أجل كما يوعك رجلان منكم قلت ذلك بأن لك أجرين قال أجل ذلك كذلك ما من مسلم يصيبه اذى شوكة فما فوقها الا كفر الله بها سيآته كما تحط الشجرة ورقها وفي معناه قوله صلى الله عليه وسلم أشد الناس بلاء الانبياء ثم الامثل فالامثل وكان صلى الله عليه وسلم في مرضه يدور على أزواجه وهن يومئذ تسع حتى اشتد به المرض في يوم ميمونة أى أحق بالخلافة ورواه بعضهم في مسلم انا بالتخفيف أولا بفتح الهمزة والواو المشددة أى الاحق أولا وبعضهم انا بالتخفيف ولى بكسر اللام أى الخلافة وبعضهم انا بالتخفيف ولاه أي انا الذي ولاه النبي صلى الله عليه وسلم وبعضهم انا بتشديد النون ولاه أي كيف ولاه قال عياض أجود هذه الروايات الاولى (من أدل الدلائل على خلافة أبي بكر) وثبوتها باجماع الصحابة على عقد الخلافة له وتقديمه وليس فيه نص صريح على خلافته والا لما وقعت منازعة من الانصار وغيرهم ولذكر حافظ النص ما معه ولرجعوا اليه (الخاصرة) باعجام الخاء واهمال الصاد (الكلية) بضم الكاف وسكون اللام (الصداع) وجع الرأس (وروى البخارى الى آخره) تقدم الكلام عليه في غزوة خيبر (كلها) بالرفع والنصب (فمسسته) بكسر السين (وعكا) بفتح الواو وسكون العين وقد يفتح والوعك الحمي وقيل معلها (أجل) بتخفيف اللام أي نعم (ما من مسلم يصيبه أذى الى آخره) فيه تكفير الخطايا بالبلايا كما ذهب اليه أهل السنة (سيآته) بكسر التاء علامة للفتح (كما تحط) تلقى وتسقط (أشد الناس بلاء الانبياء ثم الامثل فالامثل) رواه أحمد والبخاري والترمذى وابن ماجه عن سعد رضي الله عنه وتتمته يبتلى الرجل على حسب دينه فان كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه وان كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الارض وما عليه خطيئة انتهي والامثل الافضل وانما شدد البلاء على من ذكر لانهم لقوة دينهم لا يخاف منهم الجزع والتسخط بالقضاء الماحق لاجر البلاء فابتلوا بما تزداد به درجاتهم ولا تنقص به حسناتهم بخلاف غيرهم اذ يخاف عليه غلبة الجزع ونحوه فيبطل ثوابه ولا ينتفع بالبلاء فكان بلاء كل على قدر دينه رجمة من الله عز وجل بعباده ونظرا لهم بالاصلح الانفع فله الحمد والثناء على ما تفضل به وأسدى (في يوم ميمونة) وكان ابتداء مرضه ببيتها

فدعاهن فاستأذنهن ان يمرض في بيت عائشة فأذنّ له فخرج صلى الله عليه وسلم ويده على عليّ عليه السلام والاخرى على الفضل بن عباس.

[مطلب في حديث السبع قرب لم تحل أوكيتهن وخروجه صلى الله عليه وسلّم إلى الناس]

وروينا في الصحيحين عن عائشة ان النبى صلى الله عليه وسلم قال بعد ما دخل بيتها واشتد وجعه أهريقوا علىّ من سبع قرب لم تحل أوكيتهن لعلي أعهد الى الناس فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبى صلى الله عليه وسلم ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير الينا بيده ان قد فعلتن قالت ثم خرج الى الناس فصلي بهم وخطبهم وروى أهل السير ان النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الخميس وقد شد رأسه بعصابة دسماء فرقي المنبر فجلس عليه مصفر الوجه وأمر بلالا فنادى في الناس أن اجتمعوا لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا كبيرهم وصغيرهم وتركوا أبواب بيوتهم مفتحة وغص المسجد بمن فيه ثم قام فخطبهم خطبة بليغة فكان أول ما تكلم به صلى على قتلى أحد واستغفر لهم روينا في صحيح البخارى عن عقبة بن عامر قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للاحياء والأموات ثم طلع المنبر فقال انى بين أيديكم فرط وأنا شهيد عليكم وان موعدكم الحوض وانى لأنظر اليه من مقامي هذا وانى لست اخشى عليكم ان تشركوا ولكنى أخشى عليكم الدنيا ان تنافسوا فيها قال فكانت آخر نظرة نظرتها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال أيضا ما رويناه في صحيح مسلم عن أبى سعيد الخدرى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر فقال ان عبدا خيره الله بين ان يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده فبكى أبو بكر وبكى فقال أو ببيت زينب أو ريحانة أقوال (فأذن له) بتشديد النون (أهريقوا) بفتح الهمزة مع فتح الهاء وسكونها (من سبع قرب) قيل الحكمة في هذا العدد ان فيها سرا وخاصية في دفع السم والسحر (مخضب) بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الضاد المعجمتين ثم موحدة اناء نحو المركن يغتسل فيه (وروي أهل السير) عن أنس (دسماء) بفتح الدال وسكون السين المهملتين مع المد والدسمة لون بين الغبرة والسواد (مصفر الوجه) بالنصب على الحال (وغص) بالمعجمة ثم المهملة أي ضاق كما يضيق حلق الغاص باللقمة (صلى على قتلى أحد) أي دعا لهم (فرط) أى سابق اتقدمكم الى الآخرة (تنافسوا فيها) بحرف الاستقبال أي يتحاسدوا عليها (آخر نظرة) بالنصب خبر كانت واسمها مستتر (ما رويناه في صحيح البخاري) وصحيح مسلم وسنن الترمذي (ان عبدا خيره الله) قال النووي انما ابهم ليظهر فهم أهل المعرفة ونباهة أصحاب الحذق (من زهرة الدنيا) أى نعيمها وأعراضها وحظوظها (فبكي أبو بكر وبكى) كلاهما بتخفيف الكاف أي كرر البكاء لانه علم المخير صلى الله عليه

فديناك بآبائنا وأمهاتنا قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان أمنّ الناس علىّ بماله وصحبته أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الاسلام لا يبقين في المسجد خوخة الاخوخة أبى بكر وأوصى يومئذ بانفاذ جيش أسامة وأوصى بالانصار فقال يا معشر المهاجرين استوصوا بالانصار خيرا فان الناس يزيدون وان الانصار على هيئتها لا تزيد وانهم كانوا عيبتي وسلم فبكا حزنا على فراقه وانقطاع الوحي وغير ذلك من الخيرات (فديناك بآبائنا) فيه دليل لجواز التفدية وقد قاله صلى الله عليه وسلم (هو المخير) بالنصب خبر كان وهو عماد وصلة (أعلمنا به) بالنصب خبر كان (ان أمن الناس على في ماله وصحبته أبو بكر) قال العلماء معني أكثرهم جودا وسماحة لنا بنفسه وماله وليس هو من المن الذي هو الاعتداد بالصنيعة لانه أذى مبطل للثواب ولان المنة لله تعالي ولرسوله صلى الله عليه وسلم في قبول ذلك وغيره (لو كنت متخذا خليلا) غير ربى (لا اتخذت أبا بكر خليلا) ولكن محبة ربي استولت على جميع قلبي فلم يبق فيه وسع لغيره لان معني الخليل أن لا يتسع قلبه لغير خليله وللعلماء خلاف في معنى الخلة كما سبق قال ابن فورك الخلة صفاء المودة بتخلل الاسرار وقيل أصلها المحبة وللعلماء خلاف هل المحبة أرفع أم الخلة أم هما سواء فقالت طائفة لا يكون الحبيب الا خليلا وعكسه وقيل المحبة أرفع اذهي صفة نبينا صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث حسن الا وأنا حبيب الله وهو أفضل من الخليل وقيل الخلة أرفع فقد ثبتت لنبينا صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وقد نفا ان يكون له خليل سوى الله مع اثبات محبته لخديجة وعائشة وأبيها وأسامة وأبيه وفاطمة وابنيها قال النووي وغيره ولا ينافي هذا الحديث قول أبي هريرة وغيره من الصحابة سمعت خليلى صلى الله عليه وسلم اذ تحسن لغيره صلى الله عليه وسلم الانقطاع اليه ولا عكس (ولا يبقين) بنون التأكيد الثقلية (خوخة) بفتح المعجمة المكررة وسكون الواو وهي الباب الصغير بين البيتين والدارين ونحوه وفيه ان المساجد تصان عن تطرق الناس اليها الا من أبوابها الا لحاجة مهمة قاله النووي (الا خوخة أبي بكر) أي فلا تسدوها وكان سبب ذلك انه رأى عليها نورا كما رواه الطبراني وذلك اشارة الى خلافته ولاحمد والنسائي وغيرهما باسانيد حسنة انه أمر بسد الابواب الا باب علىّ والجمع بينهما كما قاله الطحاوي والكلاباذي والحافظ ابن حجر وغيرهما ان الامر بسد الابواب وقع مرتين ففي الاولى استثنى عليا حيث قال لا يحل لاحد ان يستطرق هذا المسجد غيرى وغيرك وذلك قبل مرضه بمدة وفي الثانية استثنى أبا بكر وذلك في مرض موته وكانت الثانية في الخوخ والاولى في الابواب فكانهم لما أمروا بسد الابواب سدوها وأحدثوا خوخا واخطأ ابن الجوزي حيث زعم ان حديث على موضوع وضعته الرافضة ليقابلوا به حديث أبي بكر (استوصوا بالإنصار خيرا) فيه رمز الى ان الخلافة لا تكون فيهم والا لاوصاهم ولم يوص بهم (ان الانصار على هيئتها لا تزيد) فيه معجزة له صلى الله عليه وسلم فانهم صاروا من أقل الناس كما قال في رواية انهم يقلون حتى يكونوا كالملح في الطعام (عيبتي) أي خاصتى الذين أثق بهم واعتمد عليهم في

التي أويت اليها فاحسنوا الى محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتامّ به وجعه ولم يخطب خطبة بعدها.

[فصل في أمره صلى الله عليه وسلّم أبا بكر أن يصلي بالناس]

(فصل) وأول عجزه عن الخروج الى الصلاة اجتمع الناس في المسجد وآذنوه بها فهم بالخروج فعجز فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت له عائشة ان أبا بكر اذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل بالناس فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت عائشة لحفصة قولى له ان أبا بكر اذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل بالناس ففعلت حفصة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انكن لانتن كصواحبات يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت حفصة لعائشة ما كنت لا صيب منك خيرا رواه الشيخان وفي رواية فيهما ان عائشة قالت لقد راجعت رسول الله في ذلك وما حملني على كثرة مراجعته الا انه لم يقع في قلبى ان يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا وانى كنت أرى انه لن يقوم مقامه أحد الا تشاءم الناس به فأردت ان يعدل ذلك رسول الله صلى أمورى والعيبة بفتح المهملة وبالموحدة وعاء معروف أكبر من المخلاة يحفظ الانسان فيها متاعه فضربها لهم مثلا لانهم محل سره وخفي أحواله (فأحسنوا الى محسنهم) أى واجهوه باللطف والبر (وتجاوزوا) اعفوا (عن مسيئهم) في بعض أصول مسلم سيئهم وذلك في غير حدود الله تعالي قاله النووي* فصل في أول عجزه عن الخروج (مروا أبا بكر فليصل بالناس) فيه ان الامام اذا عرض له عذر عن حصول الجماعة استخلف من يصلي بهم ولا يستخلف الا أفضلهم وفيه فضيلة أبي بكر رضى الله عنه على جميع الصحابة وتنبيه على انه أحق بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم (فقالت له عائشة الى آخره) فيه جواز مراجعة أولي الأمر على سبيل العرض والمشاورة والاشارة بما يظهر انه مصلحة وتكون تلك المراجعة بعبارة لطيفة (فمر عمر) يؤخذ منه أفضلية عمر على غيره بعد أبي بكر فمن ثم اشارتا به ويؤخذ ذلك أيضا من قول أبى بكر يا عمر صل بالناس ولم يقل لاحد سواه (انكن لانتن كصواحبات يوسف) أي في التظاهر على ما ترون والالحاح في طلبه وقيل في اظهاركن خلاف ما أبطنتن ووجه التشبيه ان عائشة أظهرت انها إنما تريد صلاة عمر لان أبا بكر رجل رقيق اذا قام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسمع الناس من البكاء وأبطنت ما أخبرت به بعد انها خافت التشاؤم بمن يقوم مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما حفصة فلانها أظهرت ما أظهرته عائشة وأبطنت محبة تقديم أبيها على غيره فاشبهن صواحب يوسف حيث أظهرن أنهن قعدن ليأكلن وهن انما يردن النظر الى يوسف (رواه الشيخان والترمذي وابن ماجه) عن عائشة ورواه الشيخان أيضا عن أبي موسي ورواه البخاري فقط عن ابن عمر ورواه ابن ماجه عن ابن عباس وعن سالم بن عبيد (كنت أري) بضم الهمزة أي أظن

الله عليه وسلم عن أبي بكر ورياوه أيضا باسناد واحد عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود قال دخلت على عائشة فقلت لها ألا تحدثينى عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت بلى ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصلي الناس قلنا لا هم ينتظرونك يا رسول الله قال ضعوا لى ما في المخضب قال ففعلنا فاغتسل به ثم ذهب لينوء فأغمى عليه ثم أفاق فقال أصلى الناس قلنا لا هم ينتظرونك يا رسول الله قالت والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الأخيرة قالت فأرسل رسول الله عليه وآله وسلم الى أبى بكر أن يصلى بالناس فأتاه الرسول فقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك ان تصلى بالناس فقال أبو بكر وكان رقيقا يا عمر صل بالناس فقال عمر أنت أحق بذلك قال فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس والثانى علىّ لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي (عن عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود (ذهب لينوء) بفتح التحتية وضم النون ثم همزة ممدودة أي ليقوم وينهض (فاغمى عليه) فيه جواز الاغماء على الانبياء قال النووى ولا شك في جوازه فانه مرض والمرض يجوز عليهم بخلاف الجنون فانه لا يجوز عليهم لانه نقص (فاغتسل) أى توضأ من الاغماء لانه ناقض كذا حمله عياض على الوضوء لكن الصواب كما قال النووي ان المراد غسل جميع البدن اذ هو ظاهر اللفظ ولا مانع يمنع منه لان الغسل من الاغماء مستحب بل في وجه شاذ لبعض أصحابنا انه واجب وفي تكرير النبي صلى الله عليه وسلم الاغتسال دليل على استحباب تكرير الغسل اذا تكرر الاغماء لكن لو اغتسل مرة بعد تكرر الاغماء كفت (وهم ينتظرونك يا رسول الله) فيه ندب انتظار الامام اذا تأخر عن أول الوقت ورجى مجيئه عن قرب (والناس عكوف) بضم العين والكاف أي مجتمعون منتظرون خروجه صلى الله عليه وسلم (العشاء الآخرة) في صحة قول الشخص العشاء الآخرة وهو الصواب فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم انه قال ذلك وكذا عائشة وأنس والبراء وجماعة وان أنكره الاصمعى (أنت أحق بذلك) فيه الاعتراف بالفضل لاهله وان المفضول لا يقبل رتبة عرضها عليه الفاضل بل تدعى له وفيه جواز الثناء في الوجه لمن آمن عليه نحو العجب قال النووى وأما قول أبي بكر لعمر صل بالناس فقالوا للعذر المذكور قال وقد تأوله بعضهم على انه قاله تواضعا والمختار ما ذكرناه (بين رجلين أحدهما العباس) والآخر اما على بن أبى طالب كما قاله ابن عباس أو الفضل ابن العباس كما في طريق آخر في مسلم أو اسامة بن زيد كما في رواية أخرى في غير صحيح مسلم والجمع بين هذه الروايات كما قاله النووي وغيره انهم كانوا بتناوبون الاخذ بيده الكريمة وهؤلاء خواص أهل بيته الرجال الكبار وكان العباس أكثرهم ملازمة وادام الاخذ بيده وتناوب الباقون في اليد الاخرى وأكرموا العباس باختصاصه بيد لماله من السن والعمومة فمن ثم ذكرته عائشة مسمى وأبهمت الآخر اذ لم يكن أخذ الثلاثة الباقين ملازما في كل الطريق

بالناس فلما رآه أبو بكر ذهب يستأخر فأومئ اليه النبى صلى الله عليه وسلم ان لا يتأخر وقال لهما اجلسانى الى جنبه فأجلسناه الى جنب أبى بكر فكان أبو بكر يصلى وهو قائم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبى بكر والنبى صلى الله عليه وسلم قاعد وقالت أم الفضل بنت الحارث سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفا ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله تعالى رواه البخارى.

[فصل في آخر ما أوصى به صلى الله عليه وسلّم]

وآخر أحواله في الصلاة ما رويناه في الصحيحين واللفظ لمسلم عن أنس بن مالك ان أبا بكر كان يصلى بهم في وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه حتى اذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم سترة الحجرة فنظر الينا وهو قائم كان وجهه ورقة مصحف ثم تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا قال فبهتنا ونحن في الصلاة من الفرح بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خارج للصلاة فأشار اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ان أتموا صلاتكم قال ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرخى الستر قال فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومه ذلك وفي رواية قال أنس فكانت آخر نظرة نظرتها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم روى خارج الصحيحين ان آخر ما أوصى به صلى الله عليه وسلم بأن قال الصلاة وما ملكت أيمانكم حرك بها لسانه وما يكاد يبين قال أراد بما (اجلسانى الى جنبه) فيه جواز وقوف مأموم واحد بجنب الامام لحاجة أو مصلحة (وقالت أم الفضل) سمها لبابة بنت الحارث زوج العباس رضي الله عنهما (بالمرسلات عرفا) أى بسورة المرسلات وهي الرياح أو الملائكة قولان والعرف المتتابع أو الكثير قولان (رواه) مالك و (البخاري) ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائى وابن ماجه (سترة الحجرة) بكسر السين (كان وجهه ورقة مصحف) بتثليث الميم وهذا عبارة عن الجمال البارع وحسن السيرة وصفاء الوجه واستنارته (ثم تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم) أى فرحا بما رأى من اجتماعهم على الصلاة واتباعهم لامامهم واقامتهم شريعته واتفاق كلمتهم واجتماع قلوبهم وهذا هو السبب في استنارة وجهه قال النووي وفيه معنى آخر وهو تأنيسهم واعلامهم بحاله في مرض وقيل يحتمل انه صلى الله عليه وسلم خرج ليصلى بهم فرأي من نفسه ضعفا فرجع انتهى (قلت) أو لعله أراد توديعهم وان يملاؤا نظرهم منه صلى الله عليه وسلم وكان ذلك بعد ان علم انه سيموت في ذلك اليوم وكان ذلك سبب تبسمه واستنارة وجهه فرحا بلقاء ربه (فبهتنا) مبنى للمفعول أي غشينا بهتة أي حيرة من سورة الفرح (ونكص) أى رجع (على عقبيه) أي الي ورائه قهقرا (وكانت) اسمها مستتر (آخر) خبرها (ثم روي خارج الصحيحين) في سنن أبي داود وابن ماجه عن على (الصلاة) بالنصب على الاغراء أى الزموا

ملكت أيمانكم الرفق بالمملوك وقيل أراد الزكاة.

* [فصل في ذكر أمور عرضت في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلّم]

(فصل) * في ذكر أمور عرضت في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ما رواه الشيخان عن عروة عن عائشة قالت دعى النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة في شكواه التى قبض فيها فسارّها بشيء فبكت ثم دعاها فسارها فضحكت فسألتها عن ذلك فقالت سارنى أبى صلى الله عليه وسلم انه يقبض في مرضه الذى وفي فيه فبكيت ثم سارنى فأخبرنى انى أول أهله يتبعه فضحكت وروينا أيضا من حديث مسروق بن الاجدع عن عائشة قالت كن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده لم تغادر منهن واحدة فأقبلت فاطمة رضى الله عنها تمشى ما تخطئ مشيتها عن مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فلما رآها رحب بها وقالت مرحبا بابنتي ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم سارها فبكت بكاء شديدا فلما رأى جزعها سارها الثانية فضحكت فقلت لها خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيننا بالسر ثم انت تبكين فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها ما قالت لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ما كنت لأفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره قالت فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم (فصل) في ذكر أمور عرضت في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم (في شكواه التى قبض فيها) لا ينافيه ما في سنن الترمذي عن أم سلمة ان ذلك وقع عام الفتح فلعله قال لها ذلك يومئذ وأم سلمة حاضرة وقال لها ذلك في مرضه في بيت عائشة وهي حاضرة فاخبرت كل واحد منهما عما حضرته (فسارها شيء) ليس في هذا الحديث انه استأذن عائشة في المسارة فلعل غيرها كان حاضرا اما يريده غيرها أو استأذنها فلم يذكر الاستئذان لان وجوبه معلوم من غير هذا الحديث أو يكون ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم لانه معصوم من المحذور في المسارة (انه يقبض في وجعه) في هذا وفي قولها (فاخبرني انى أول أهله يتبعه) معجزتان له صلى الله عليه وسلم وقولها (فضحكت) أي سرورا بسرعة اللحاق به ففي ذلك ما كانوا عليه من إيثار الآخرة والسرور بالانتقال اليها والخلوص من دار النكد (لم تغادر) أي لم تترك (منهم واحدة) كن كلهن مجتمعين عنده يومئذ (مشيتها) بكسر الميم (مرحبا بابنتي) فيه ندب الترحيب سيما بالبنت ونحوها ممن يستهجن ذلك بالنسبة اليها لما فيه «1» من ضرر النفس سباط الاتباع (عن يمينه أو عن شماله) شك من الراوي (سألتها ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم) انما سألتها لما رأته من العجب في سرعة الضحك عقب البكاء (ما كنت لا فشي) بضم الهمزة أى أظهر (على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره) فيه ندب كتمان السر وهو من الخصال المحمودة والشيم المرضية وربما كان الكتم واجبا ككتم سر

__________

(1) . كذا بالاصل الى آخر العبارة

قلت عزمت عليك بمالى عليك من الحق لما حدثتيني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت أما الآن فنعم أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني ان جبريل عليه السلام كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة وانه عارضه الآن مرتين وانى لا أرى الأجل الا قد اقترب فأتقي الله واصبرى فانه نعم السلف أنا لك قالت فبكيت بكائى الذي رأيت فلما رأى جزعي سارنى الثانية فقال يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين أو سيدة نساء هذه الأمة قالت فضحكت ضحكي الذي رأيت هذا لفظ مسلم وليس لفاطمة في الصححين غير هذا الحديث وهو داخل في مسند عائشة والله أعلم* ومنه ما روياه واللفظ لمسلم عن سعيد بن جبير قال قال ابن عباس يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى بل دمعه الحصى قلت يا أبا عباس وما يوم الخميس قال اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال إئتونى اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي فتنازعوا وما ينبغي عند نبي تنازع وقالوا ما شأنه أهجر استفهموه الزوجة المتعلق بالجماع وما خاف من اشاعته مفسدة (لما حدثتينى) بفتح اللام (اما الآن فنعم) فيه ان افشاء السر بعد موت صاحبه لا بأس به اذا كان فيه مصلحة وكانت المصلحة في هذا بيان المعجزة وبيان فضيلتها على نساء العالمين (لا أري) بضم الهمزة أى لا اظن (السلف) هو المتقدم أى انا قدامك فتردين على (اما ترضين) هذا هو المشهور في اللغة وجاءت به أكثر الروايات وفي رواية لمسلم ترضى بحذف النون قال النووى وهو لغة (سيدة نساء العالمين) وللترمذى من طريق أم سلمة أخبرني اني سيدة نساء أهل الجنة الا مريم بنت عمران أى فانها سيدتهم مثلك وان كنت أفضل (وما يوم الخميس) معناه تفخيم أمر يوم الخميس وتعظيمه في الشدة والمكروه فيما يعتقده ابن عباس وهو امتناع الكتاب كذا قال النووي قلت أو عظم لاشتداء وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه (ائتوني) بهمز وصل (اكتب) بالجزم جواب الامر (لكم كتابا لا تضلوا بعدي) قيل أراد ان ينص على خلافة أبي بكر كيلا يقع نزاع وفتن ثم ترك ذلك اعتمادا على علمه من تقدير الله تعالى ذلك كماهم بالكتاب في أول مرضه حين قال وارأساه ثم ترك الكتاب فقال يأبي الله والمؤمنون الا أبا بكر ثم نبه أمته على استخلاف أبي بكر بتقديمه اياه في الصلاة حكي ذلك القول عن سفيان ابن عيينة عن أهل العلم قبله وقيل أراد أن يكتب كتابا فيه مهمات الاحكام ملخصة ليحصل الاتفاق على المنصوص عليه وكان ذلك بوحى أو باجتهاد ثم تركه بوحي أو باجتهاد ونسخ الأمر الاول (اهجر) بهمزة استفهام للجميع رواه البخارى قال النووي وهو استفهام انكار على من قال لا تكتبوا أى أهذا انه منزه عن ذلك وهذه أحسن من رواية هجر ويهجر في مسلم قال وان صحت تلك فلعلها صدرت بغير تحقيق من قائلها وخطأ منه لما أصابه من الحيرة والدهشة لعظيم ما شاهده من هذه الحالة الدالة على وفاته صلى الله عليه وسلم وعظيم المصاب به وخوف الفتن المقبلة بعده وأجرى الهجر مجري شدة الوجع

قال فدعونى فالذي أنا فيه خير أوصيكم بثلاث اخرجوا المشركين من جزيرة العرب وجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم قال وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها انا وفي رواية أخرى عن عبيد الله بن عبد الله قال فكان ابن عباس يقول ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ان يكتب لهم الكتاب من اختلافهم ولغطهم* ومنه ما رواه البخاري (دعوني) أي اتركوني من النزاع واللغط الذى شرعتم فيه (فالذي أنا فيه) أى من طلب الكتابة (خير) من عدمها كذا قال في التوشيح وأحسن منه ما قاله النووى أي الذي أنا فيه من مراقبة الله والتأهب للقائه والفكر في ذلك ونحوه خير مما أنتم فيه (اخرجوا المشركين من جزيرة العرب) الصحيح انها مكة والمدينة واليمامة واليمن وقال الاصمعي هي ما بين أقصى عدن الى ريف العراق طولا ومن جدة وما والاها الى أطراف الشام عرضا وقال أبو عبيد هي ما بين حفر أبى موسي الي أقصى اليمن طولا وما بين رمل يبرين الى منقطع السماوة عرضا وفي الحديث وجوب اخراج الكفار من هذه الجزيرة مطلقا عند مالك وخص الشافعي ذلك بالحجاز وهى مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها وأعمالها دون اليمن وغيره بدليل آخر مشهور في كتبه وكتب أصحابه ولا يمنع الكافر من التردد في الحجاز لنحو تجارة بشرط أن يخرج لدون أربعة أيام صحاح نعم يمنع عندنا في الحرم المكي ويجب اخراجه منه فان مات ودفن به بشرط ما لم يتغير وجوز أبو حنيفة دخولهم الحرم أيضا (وأجيزوا) أى اعطوا الجائزة (الوفد) الذي يفدون اليكم ضيافة واكراما وتطييبا لقلوبهم وترغيبا للمؤلفة ونحوهم واعانة على سفرهم ونقل عياض عن العلماء عدم الفرق بين أن يكون مسلما أو لا لان الكافر انما يفد غالبا لما يتعلق بمصالحنا ومصالحهم (قال) سعيد بن جبير (وسكت) ابن عباس (عن الثالثة أو قالها) ابن عباس (فنسيتها انا) شك سعيد بن جبير في ذلك كذا قال النووي وقال ابن حجر القائل ابن عيينة والساكت شيخه سليمان الاحول والثالثة الوصية بالقرآن قاله الداوودي وابن التين أو تنفيذ جيش أسامة قاله المهلب وابن بطال أو النهى عن اتخاذ قبره وثنا يعبد أو الصلاة وما ملكت أيمانكم قالهما عياض قال وقد ذكر مالك في الموطأ معناه مع اجلاء اليهود من حديث عمر (فكان ابن عباس يقول ان الرزية) أي النقص (كل الرزية) تأكيد لعظمها (ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ان يكتب لهم) ذلك (الكتاب) قال ذلك بحسب اجتهاده رضي الله عنه ان الكتب كان أصوب من الترك وخالف اجتهاد عمر ذلك حيث قال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله قال البيهقى كان عمر قد علم ان بيان أحكام الدين ورفع الخلاف فيها حاصل بقوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فاستدل بذلك على انه لا يقع واقعة الا وفي كتاب الله أو سنة رسوله بيانها نصا أو دلالة فآثر عمر بسبب ذلك التخفيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غلبه الوجع ولئلا ينسد باب الاجتهاد على أهل العلم والاستنباط فتفوت فضيلة الاجتهاد وعدم انكاره صلى الله عليه وسلم على عمر دليل استصواب رأيه قال الخطابى ما معناه خاف عمر أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة فيه فيجد المنافقون بذلك سبيلا الى الكلام في الدين قال ولا يجوز ان يحمل قول عمر على انه توهم الغلط على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ظن به غير ذلك مما لا يجوز عليه (ما رواه البخاري) ومسلم مسندا فقول

تعليقا عن عائشة قالت لددناه في مرضه تعني النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يشير الينا ان لا تلدونى فقلنا كراهية المريض للدواء فقال لا يبقين أحد في البيت الالد وأنا أنظر إلا العباس فانه لم يشهدكم وانما لدوه لأنهم ظنوا به ذات الجنب فلدوه بالقسط لقوله صلى الله عليه وسلم فيه سبعة أشفية يلد به من ذات الجنب ويستعط به من العذرة واللدود جعل الدواء في جانب الفم ويحركه بالأصبع قليلا* ومنه ما رواه الشيخان عن عائشة وابن عباس قال لما نزلت برسول الله صلى الله عليه وسلم فطفق يطرح خميصة له على وجهه فاذا اعتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك لعنة الله على اليهود والنصارى المصنف (تعليقا) بحسب ما فهمه من سياق كلام البخارى حيث قال حدثنا علي بن عبد الله قال حدثنا يحيي بن سعيدنا سفيان حدثني ابن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس وعائشة ان أبا بكر قبل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميت قال وقالت عائشة لددناه الى آخره وانما قال وقالت عائشة لينبه على انفرادها بذكر اللدود عن ابن عباس بعد أن شاركها في أول الحديث فكأنه قال انتهي حديث ابن عباس الي قوله وهو ميت وزادت عليه عائشة ما ذكر (تعنى) بالفوقية ضمير عائشة (كراهية) بالرفع خبر مبتدا محذوف (لا يبقى أحد في البيت الالد) أى تعزيرا لهم حيث خالفوا أمره قال بعضهم فيه ان التعزير يجوز أن يكون من جنس نسبته (الا العباس فانه لم يشهدكم) هذا يرد ما في سيرة ابن اسحاق أن العباس كان فيمن ذكره وقيل أن أسماء بنت عميس هى التي لدته (بالقسط) بضم القاف وسكون السين ثم طاء مهملتين وهو العود الهندى وتسمى كستا بالفوقية بدل الطاء (لقوله صلى الله عليه وسلم فيه سبعة أشفية) رواه أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجه عن أم قيس ثلاث محضن أخت عكاشة واسمها آمنة (يلد به من ذات الجنب ويستعط به من العذرة) بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة وهو وجع يعرض في الحلق من كثرة الدم قال الزهري بين لنا اثنتين ولم يبين لنا خمسا قال النووي اطنبوا الاطباء في كتبهم على أنه يدر الطمث والبول وينفع من السموم ويحرك شهوة الجماع ويقتل الدود التي في الامعاء اذا شرب بعسل ويذهب الكلف اذا طلى به عليه وينفع من ضعف المعدة والكبد وبردهما ومن حمي الورد والدمع وغير ذلك قال وهو صنفان بحرى وهندى والبحرى هو القسط الابيض وقيل هو أكثر من صنفين ونص بعضهم أن البحري أفضل من الهندي وهو أقل حرارة منه قال وانما عددنا منافع القسط من كتب الاطباء لانه صلى الله عليه وسلم ذكر منها عددا مجملا (اللدود) بضم اللام ومهملتين ان أريد الفعل وان أريد الدواء فبالفتح (لما نزل) مبني للمفعول أى نزل به ملك الموت وروي في صحيح مسلم نزلت بفتحتان وبالتأنيث الساكنة أي حضرت المنية والوفاة (خميصة) هى كساء وأعلام (لعنة الله على اليهود والنصاري) ولمسلم قاتل الله يهود وهو بمعني لعنهم وقيل قتلهم وأهلكهم وفي الحديث جواز لعن الكفار اجمالا وكذا يجوز

اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا* ومنه ما روياه أيضا عن عائشة ان النبى صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن وامسح بيده نفسه لبركتها* ومنه ما رواه البخاري عن عبد الله بن كعب بن مالك ان ابن عباس أخبره ان علىّ بن أبى طالب خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه فقال الناس يا أبا حسن كيف اصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اصبح بحمد الله بارئا فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له انت والله بعد ثلاث عبد العصا وانى والله لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوف يتوفي من وجعه هذا انى لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت اذهب بنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلنسأله فيمن هذا الأمر ان كان فينا علمنا ذلك وان كان في غيرنا علمناه فأوصي بنا فقال علىّ إنا والله لأن سألناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعنا لا يعطيناها الناس بعده وانى والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل وكان العباس قبل ذلك بيسير رأي ان القمر رفع من الأرض الى السماء فقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له هو ابن اخيك* ومنه ما روياه واللفظ للبخاري ان عائشة كانت تقول ان من نعم الله علىّ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري وان الله جمع بين ريقى وريقه عند موته دخل علىّ عبد الرحمن وبيده سواك وانا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من مات منهم بخلاف الحي فانه قد يسلم (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) أي يصلون اليها ففيه تحريم الصلاة الى قبور الانبياء كما قاله أصحابنا (يحذر ما صنعوا) من كلام عائشة وابن عباس (ينفث) بضم الفاء وكسرها والنفث النفخ اللطيف (بالمعوذات) بكسر الواو والمراد الاخلاص والمعوذتان (ثقل) بالمثلثة والقاف أى اشتد وجعه (بارئا) اسم فاعل من برأ أي خلص من ا



كلمات دليلية: