بيعة العقبة الكبرى

بيعة العقبة الكبرى


بيعة العقبة الكبرى

إنّ الرجال الذين اعتنقوا الإسلام عرفوا- دون شك- تاريخه القريب، والصعاب الهائلة التي لقيها، وحزّ في نفوسهم أن يستضعف إخوانهم في مكة، وأن يخرج نبيّهم وهو يدعو إلى الله فلا يجيبه إلا اثم أو كفور!!.

ولذلك تساءلوا- وهم خارجون من المدينة قاصدين البيت العتيق- حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوّف، ويطرد في جبال مكة ويخاف؟!.

لقد بلغ الإيمان أوجه في هذه القلوب الفتية، وان لها أن تنفّس عن حماسها، وأن تفكّ هذا الحصار الخانق المضروب حول الدعوة والداعية.

قال جابر بن عبد الله: فرحل إليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين، حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله، علام نبايعك؟ قال صلى الله عليه وسلم: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تقوموا في الله لا تخافون لومة لائم، وعلى أن تنصروني، فتمنعوني إذا قدمت عليكم- مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة» .

قال: فقمنا إليه، وأخذ بيده (أسعد بن زرارة) ، وهو أصغر السبعين بعدي، فقال: رويدا يا أهل يثرب! فإنّا لم نضرب إليه أكباد الإبل وإلا نحن نعلم أنّه رسول الله، وإنّ إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضّكم السيوف.

فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فبيّنوا ذلك، فهو أعذر لكم عند الله!.

فقالوا: يا أسعد! أمط عنا يدك، فو الله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلا رجلا فبايعناه «1» .

__________

(1) أخرجه أحمد: 3/ 322؛ 339، 394؛ والحاكم: 2/ 624- 625؛ والبيهقي في سننه الكبرى: 9/ 9، من طريق ابن خيثم، عن أبي الزبير، عن جابر قال الحاكم: صحيح-

وعن كعب بن مالك: نمنا تلك الليلة- ليلة العقبة- مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نتسلّل تسلّل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشّعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب، وأسماء بنت عمرو بن عدي.

فلما اجتمعنا في الشّعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنّه أحبّ أن يحضر أمر ابن أخيه، ويستوثق له، فلمّا جلس كان أول متكلّم، قال: يا معشر الخزرج «1» ! إنّ محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزّة من قومه، ومنعة في بلده، وإنّه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك!! وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الان فدعوه، فإنّه في عزة ومنعة من قومه وبلده ...

قال كعب: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلّم يا رسول الله! فخذ لنفسك وربك ما أحببت، فتكلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القران، ودعا إلى الله، ورغّب في الإسلام، ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» .

قال كعب: فأخذ البراء بن معرور بيده، وقال: نعم، فوالذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن- والله- أبناء الحروب، ورثناها كابرا عن كابر، فاعترض هذا القول- والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم- أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله! إنّ بيننا وبين الرجال- يعني: اليهود- حبالا وإنّا قاطعوها، فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك، وتدعنا؟ قال: فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم» .

__________

- الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ ابن كثير (3/ 160) من البداية: «وهذا إسناد جيّد على شرط مسلم» ، وقال الحافظ في الفتح (7/ 177) : «رواه أحمد بإسناد حسن وصحّحه الحاكم وابن حبان» قلت: وفيه علة. وهي عنعنة أبي الزبير، وكان مدلسا، وليس هو من رواية الليث بن سعد عنه؛ فلعلّ تصحيحه أو تحسينه بالنظر لشواهده، والله أعلم.

(1) يقصد أهل يثرب جميعا من (أوس) و (خزرج) .

وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، يكونون على قومهم بما فيهم، فأخرجوا منهم النقباء، تسعة من (الخزرج) ، وثلاثة من (الأوس) «1» ، فقال لهم رسول الله عليه الصلاة والسلام: «أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم وأنا كفيل على قومي» .

تلكم بيعة العقبة، وما أبرم فيها من مواثيق، وما دار فيها من محاورات ...

إنّ روح اليقين والفداء والاستبسال سادت هذا الجمع، وتمشّت في كلّ كلمة قيلت، وبدا أنّ العواطف الفائرة ليست واحدها التي توجّه الحديث، أو تملي العهود، كلا، فإنّ حساب المستقبل روجع مع حساب اليوم، والمغارم المتوقعة نظر إليها قبل المغانم الموهومة.

مغانم؟! أين موضوع المغانم في هذه البيعة؟! لقد قام الأمر كلّه على التجرّد المحض، والبذل الخالص.

هؤلاء السبعون مثل لانتشار الإسلام، عن طريق الفكر الحرّ والاقتناع الخالص ...

فقد جاؤوا من يثرب مؤمنين أشدّ الإيمان، وملبّين داعي التضحية، مع أنّ معرفتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم كانت لمحة عابرة؛ غبرت عليها الأيام، وكان الظن بها أن تزول.

لكننا لا يجوز أن ننسى مصدر هذه الطاقة المتأجّجة من الشجاعة والثقة؛ إنّه القران!! لئن كان الأنصار قبل بيعتهم الكبرى لم يصحبوا الرسول صلى الله عليه وسلم إلا لماما؛ فإن الوحي المشعّ من السماء أضاء لهم الطريق، وأوضح الغاية.

لقد نزل بمكة قريب من نصف القران، سال على ألسنة الحفّاظ، وتداولته صحائف السفرة، الكرام البررة، والقران النازل بمكة صوّر جزاء الاخرة رأي

__________

(1) حديث صحيح، رواه ابن إسحاق في المغازي: 1/ 273- 276، عن ابن هشام؛ وأحمد: 3/ 460- 462؛ وابن جرير في تاريخه: 2/ 90- 93، من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين: أن أخاه عبد الله بن كعب وكان من أعلم الأنصار- حدّثه: إنّ أباه كعبا حدثه، وهذا سند صحيح، وصححه ابن حبان كما في (الفتح: 7/ 475) . قلت: وأما قوله في اخر القصة: «فقال لهم الرسول: أنتم ... » فأخرجه ابن إسحاق: 1/ 277، عن عبد الله بن أبي بكر مرسلا، فهو ضعيف؛ ورواه ابن جرير: 2/ 93، من طريق ابن إسحاق.

العين، فأنت توشك أن تمدّ يدك تقطف من أثمار الجنة، ويستطيع الأعرابيّ المتعشّق للحق أن ينتقل في لحظة فداء من رمضاء الجزيرة إلى أنهار النعيم والرحيق المختوم!.

وحكى القران أخبار الأوّلين، وكيف أخلص المؤمنون لله، فنجوا مع رسلهم، وكيف طغى الكفار، وأسكرهم الإمهال، فتعنّتوا وتجبّروا، ثم حلّ العدل الإلهي، فذهب الظالمون بددا، وتركوا وراءهم دنيا مدبرة، ودورا خربة:

فأدبروا ووجوه الأرض تلعنهم ... كباطل من جلال الحقّ منهزم..!!

ثم إنّ الرسول صلى الله عليه وسلم جعل من هذا الإيمان بالحقّ رباطا، يعقد من تلقاء نفسه صلة الحب والتناصر بين أشتاب المؤمنين في المشرق والمغرب.

فالمسلم في المدينة- وإن لم ير أخاه المستضعف في مكة- يحنو عليه، ويتعصّب له، ويغضب من ظالمه، ويقاتل دونه، وذلك ما استقدم الأنصار من يثرب؛ تجيش في حناياهم مشاعر الولاء لمن أحبوهم بالغيب في ذات الله.

عن أبي مالك الأشعري: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أيها الناس! اسمعوا واعقلوا، واعلموا أنّ لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيّون والشهداء على منازلهم، وقربهم من الله» . فجثا رجل من الأعراب من قاصية النّاس، وألوى بيده إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! ناس من الناس، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله؟! انعتهم لنا، جلّهم لنا- يعني: صفهم لنا- فسرّ وجه النبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الأعرابي، وقال: «هم ناس من أفناء الناس، ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابّوا في الله، وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور، فيجلسون عليها، فيجعل وجوههم نورا، وثيابهم نورا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» «1» .

__________

(1) حديث حسن، أخرجه الإمام أحمد: 5/ 343، من طريق شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري. وشهر فيه ضعف. وقال المنذري (4/ 48) : «رواه أحمد وأبو يعلى بإسناد حسن، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد» قلت: ولم أجده في مستدرك الحاكم من حديث أبي مالك؛ وإنما أخرجه (4/ 170) من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بنحوه، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وهو كما قال، فهذا شاهد قويّ لحديث أبي مالك.

الإيمان بالله، والحبّ فيه، والأخوة على دينه، والتناصر باسمه، ذلك كلّه كان يتدافع في النفوس المجتمعة في ظلام الليل بجوار مكة السادرة في غيّها، يتدافع ليعلن أنّ أنصار الله سوف يحمون رسوله صلى الله عليه وسلم كما يحمون أعراضهم، وسوف يمنعونه بأرواحهم، فلا يخلص إليه أذى وهم أحياء.

إن مشركي مكة حسبوا أنهم حصروا الإسلام في نطاق لا يعدوه، وأرهقوا المسلمين حتى شغلوهم بأنفسهم، فناموا نومة المجرم الذي اغترف الإثم وأمن القصاص:

حسّنت ظنّك بالأيّام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر

وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر

أجل، ففي هذه الليلة تحالف جند الحق أن يقصموا ظهر الوثنية، وأن ينتهوا بالجاهلية ورجالها إلى الفناء.

واستمع شيطان من المشركين كان يجول في مضارب الخيام ومنازل الحجيج إلى الضجة المنبعثة قريبا من العقبة، واستطاع أن يقف على جلية الخبر، فصرخ ينذر أهل مكة: «إنّ محمدا والصّباة معه قد اجتمعوا على حربكم..» !!.

وكان صوته جهيرا يوقظ النيام.

وشعر المبايعون كأنّ ائتمارهم بالمشركين قد انكشف، فلم يكترثوا للنتائج.

وقال العباس بن عبادة بن نضلة: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلنّ على أهل (منى) غدا بأسيافنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم» .

قال كعب: فلما أصبحنا غدت علينا جلّة قريش، حتى جاؤونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج! إنّه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه- والله- ما من حيّ من العرب أبغض أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون: ما كان من هذا شيء وما علمناه، وصدقوا لم يعلموا، قال كعب:

وبعضنا ينظر إلى بعض «1» .

__________

(1) هو من حديث كعب بن مالك الذي سبق وتقدّم تخريجه. هذا وهنا ملاحظة؛ وهي: أن-

بيد أنّ القرائن تجمّعت على أنّ ما قيل حقّ، فخرجت قريش تطلب الأنصار ففاتوهم، ولم يدركوا غير سعد بن عبادة.

فعادوا به مغلولة يداه إلى عنقه، وأخذوا يجذبونه من شعره، ويلكزونه، فأنقذه منهم جبير بن مطعم، والحارث بن حرب، إذ كان (سعد) يجير لهما قوافلهما المارة بالمدينة.

__________

- المصنف روى أول الحديث هنا بالمعنى، وهو غير متفق مع لفظ الحديث إذا تؤمل فيه بدون تأثر بأمر خارجي، ولفظه: «فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط ... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أزبّ العقبة هذا ابن أزب. استمع أي عدوّ الله! أما والله لأفرغنّ لك» . فهذا السياق لا يمكن أن يفهم منه أن (الشيطان) المعرّف باللام هو رجل من المشركين، وأيضا يبعد جدا أن يخاطب عليه الصلاة والسلام هذا الرجل بقوله: «أي عدو الله لأفرغن لك» . ويؤيد ما ذكرنا رواية الطبراني لهذه القصة عن عروة مرسلا، وفيها: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يرعكم هذا الصوت، فإنه عدو الله إبليس؛ ليس سمعه أحد ممن تخافون» ؛ وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصرخ بالشيطان: «يا بن أزب! هذا عملك فسأفرغ لك» . قال الهيثمي (6/ 47) : «وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف» .



كلمات دليلية: