بيعة العقبة الأولى

بيعة العقبة الأولى


العقبة الأولى

فلما استدار العام وعادت الأشهر الحرم وجاء موعد الحج لمكة، أتى الموسم اثنا عشر رجلا من أهل يثرب فالتقوا هم والنبي بالعقبة، فبايعوه بيعة العقبة الأولى. بايعوه على ألا يشرك احدهم بالله شيئا، ولا يسرق ولا يزني، ولا يقتل أولاده ولا يأتي ببهتان يفتريه بين يديه ولا رجليه ولا يعصيه في معروف، فإن وفي ذلك فله الجنة، وإن غشي من ذلك شيئا فأمره إلى الله، إن شاء عذب وإن شاء غفر.

وأنفذ محمد معهم مصعب بن عمير يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين. ازداد الإسلام بعد هذه البيعة بيثرب انتشارا. وأقام مصعب بين المسلمين من الأوس والخزرج يعلمهم دينهم، ويرى مغتبطا ازدياد الأنصار لأمر الله ولكلمة الحق. فلما آذنت الأشهر الحرم أن تعود، لحق بمكة وقصّ على محمد خبر المسلمين بالمدينة، وما هم عليه من منعة وقوة، وأنهم سيجيئون إلى مكة موسم حج هذا العام الجديد أكثر عددا وأعظم بالله إيمانا.

دعت أخبار مصعب محمدا أن يفكر في الأمر طويلا. هاهم أولاء أتباعه بيثرب يزدادون كل يوم عددا وسلطانا، ولا يجدون من أذى اليهود ولا من أذى المشركين ما يجد زملاؤهم بمكة من أذى قريش. وها هي ذي يثرب بها من الرخاء أكثر مما بمكة، بها زرع ونخيل وأعناب. أو ليس من الخير أن يهاجر المسلمون المكيون إلى إخوانهم هناك ليجدوا عندهم أمنا، وليسلموا من فتنة قريش إياهم عن دينهم! وذكر محمد أثناء تفكيره أولئك النّفر من يثرب الذين كانوا أول من أسلم، والذين ذكروا ما بين الأوس والخزرج من عداوة، أنهم إذا جمعهم الله به فلا رجل أعزّ منه. أو ليس من الخير، وقد جمعهم الله به، أن يهاجر هو أيضا! إنه لا يحب أن يردّ على قريش مساآتها وهو يعلم أنه أضعف منها، وأن بني هاشم وبني المطلب إن منعوه من الاعتداء عليه فلن ينصروه معتديا، ولن يمنعوا الذين اتّبعوه من اعتداء قريش عليهم ومن إصابتها إياهم بأنواع المساءة. وإذا كان الإيمان

أقوى سند يجعلنا نستهين بكل شيء ونضحي عن طيب خاطر في سبيله بالمال والراحة والحرية والحياة، وإذا كان الأذى من طبعه أن يزيد الإيمان استعارا، فإن في استمرار الأذى والتضحية ما يشغل المؤمن عن دقة التأمل التي تزيد في أفق المؤمن سعة، وفي إدراكه للحق قوّة وعمقا. وقد أمر محمد الذين اتّبعوه من قبل أن يهاجروا إلى الحبشة المسيحية أن كانت بلاد صدق، وكان بها ملك لا يظلم عنده أحد؛ فأولى بالمسلمين أن يهاجروا إلى يثرب وأن يتقوّوا بأصحابهم المسلمين فيها، وأن يتازروا بذلك على دفع ما يمكن أن يصيبهم من شرّ؛ ليكون لهم بذلك من الحريّة في تأمل دينهم والجهر به ما يكفل إعلاء كلمته، كما يكفل نجاح الدعوة إليه؛ دعوة لا تعرف الإكراه، بل أساسها الرفق والإقناع والمجادلة بالتي هي أحسن.

وكان الحاجّ من يثرب في هذه السنة- سنة 622 ميلادية- كثيرين بالفعل وكان من بينهم خمسة وسبعون مسلما، منهم ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان. فلما عرف محمد مقدمهم، فكّر في بيعة ثانية لا تقف عند الدعوة إلى الإسلام على نحو ما ظلّ هو يدعو إليه ثلاث عشرة سنة متتابعة في رفق وهوادة مع احتمال صنوف التضحية والألم جميعا، بل تمتدّ إلى ما وراء ذلك، وتكون حلفا يدفع به هؤلاء المسلمون عن أنفسهم الأذى بالأذى والعدوان بالعدوان. واتّصل محمد سرّا بزعمائهم وعرف حسن استعدادهم، فواعدهم أن يلتقوا معه عند العقبة جوف الليل في أوسط أيّام التّشريق. وكتم مسلمو يثرب من معهم من المشركين أمرهم، وانتظروا حتى إذا مضى ثلث الليل من يوم موعدهم مع النبيّ خرجوا من رحالهم يتسللون تسلل القطا مستخفين حذر أن ينكشف سرّهم. فلما كانوا عند العقبة تسلّقوا الشعب جميعا وتسلقت المرأتان معهم، وأقاموا ينتظرون مقدم صاحب الرسالة.

وأقبل محمد ومعه عمه العبّاس بن عبد المطلب، وكان ما يزال على دين قومه، لكنه عرف من قبل من ابن أخيه أن في الأمر حلفا، وأن الأمر قد يجرّ إلى حرب، وذكر أنه قد تعاهد مع من تعاهد من بني المطلب وبني هاشم أن يمنعوا محمدا، فليستوثق لابن أخيه ولقومه حتى لا تكون كارثة يصلى بنو هاشم وبنو المطلب نارها، ثم لا يجدون من هؤلاء اليثربيين نصيرا. لذلك كان العباس أوّل من تكلم فقال: يا معشر الخزرج، إنّ محمدا منّا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، وهو في عزّ من قومه ومنعة في بلده. وقد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم. فإن كنتم ترون أنكم وافون له فيما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحمّلتم من ذلك. وإن كنتم مسلميه وخاذليه بعد خروجه إليكم فمن الآن فدعوه.

قال اليثربيون- وقد سمعوا كلام العباس:

- سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. فأجاب محمد بعد أن تلا القرآن ورغّب في الإسلام:

,

الحوار قبل البيعة

- أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.

وكان البراء بن معرور سيد قومه وكبيرهم، وكان قد أسلم بعد العقبة الأولى وقام بكل ما يفرض الإسلام، إلا أنه جعل قبلة صلاته الكعبة، وكان محمد والمسلمون جميعا يومئذ ما تزال قبلتهم المسجد الأقصى. ولما اختلف هو وقومه واحتكموا إلى النبيّ أول وصولهم إلى مكة، رد محمد البراء عن اتخاذ الكعبة

قبلته. فلما طلب محمد إلى مسلمي يثرب أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، مد البراء يده على ذلك وقال:

- بايعنا يا رسول الله! فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر.

وقبل أن يتم البراء كلامه اعترض أبو الهيثم بن التّيّهان قائلا:

- يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال- أي اليهود- حبالا «1» ، نحن قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا دلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟! فتبسم وقال:

- بل الدم الدم والهدم الهدم «2» أنتم مني وأنا منكم، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم.

وهمّ القوم بالبيعة، فاعترضهم العباس بن عبادة قائلا:

- يا معشر الخزرج! أتعلمون علام تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس. فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فدعوه؛ فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة. وإن كنتم ترون أنكم وافون له عادعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه؛ فهو والله خير الدنيا والآخرة.

فأجاب القوم: إنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف. فما لنا يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟

ورد عليهم محمد مطمئن النفس قائلا: الجنة.

مدّوا إليه أيديهم، فبسط يده فبايعوه فلمّا فرغوا من البيعة قال لهم النبي أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم كفلاء. فاختار القوم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. فقال النبي لهؤلاء النقباء: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي. وكانت بيعتهم الثانية هذه أن قالوا: بايعنا على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا، وأن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم» .

تم ذلك كله جوف الليل في شعب العقبة في عزلة من الناس والقوم على ثقة من أنه لا يطّلع عليهم إلا الله- لكنهم ما كادوا يتمونه حتى سمعوا صوتا يصيح بقريش: إن محمدا والصّباء «3» معه قد اجتمعوا على حربكم. ذلك رجل خرج لبعض شأنه، فعرف من أمر القوم قليلا اتصل بسمعه، فأراد أن يفسد عليهم تدبيرهم، وأن يدخل في روعهم أن ما بيّتوا بليل افتضح، لكن الخزرج والأوس كانوا عند عهدهم، حتى لقد قال العباس بن عبّادة لمحمد بعد أن سمع هذا المتجسّس: «والله الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا!» فكان جواب محمد أن قال: «لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم» . فرجعوا إلى مضاجعهم وناموا حتى أيقظهم الصبح.

,

قريش وبيعة العقبة

على أن الصبح ما كاد يتنفس حتى علمت قريش بنبأ هذه البيعة فانزعجت. وغدت جلتها على الخزرج في منازلهم يعاتبونهم ويقولون لهم: إنهم لا يريدون حربهم، فما بالهم يحالفون محمدا على قتالهم! وانبعث

__________

(1) الحبال: العهود.

(2) الهدم (بالسكون وبالتحريك) : إهدار دم القتيل. يريد إن طلب دمكم فقد طلب دمي وإن أهدر دمكم فقد أهدر دمي، لاستحكام الألفة بيننا. وهو قول معروف للعرب يقولون: دمي دمك وهدمي هدمك؛ وذلك عند المعاهدة والنصرة.

(3) جمع صابئ وهو الخارج على دين قومه وجماعته.

المشركون من الخزرج يحلفون بالله ما كان من هذا شيء. أما المسلمون فاعتصموا بالصمت حين رأوا قريشا مالت لتصديق شركائها في الدين، وعادت قريش لا تؤكد الخبر ولا تنفيه، وأخذت تتنطسه علها تقف على جليّة الأمر فيه. واحتمل أهل يثرب رحالهم وعادوا قاصدين بلدهم قبل أن تثق قريش بشيء مما حصل. فلما عرفت أن الخبر حق، وخرجت تطلب أهل يثرب، فلم تلحق منهم إلا بسعد بن عبادة، فأخذوه وردّوه إلى مكة وعذّبوه حتى أجاره جبير بن مطعم بن عديّ والحارث بن أميّة؛ لأنه كان يجير لهما من يخرجون في تجارتهما إلى الشام حين مرورهم بيثرب.

لم تبالغ قريش قطّ في فزعها ولا في تتبعها الذين بايعوا محمدا على قتالها؛ فقد عرفته ثلاث عشرة سنة متتابعة منذ بدء نبوّته، ووقف من الجهود للحرب السلبيّة التي أعلنت عليه ما جهدها وجهده، ونال منها ونال منه. عرفت ذلك القويّ بالله المستمسك برسالة الحق لا يلين فيها ولا يداجي، ولا يخاف فيها أذى ولا مساءة ولا قتلا. وقد خيل إلى قريش بعد أن أرهقته ومن معه بألوان الأذى، وبعد أن حاصرته في الشعب؛ وبعد أن أدخلت على أنفس أهل مكة جميعا من الرّوع ما صدّهم عن أتباعه، أنها توشك أن تظفر به، وأن تحصر نشاطه في الدائرة الصيقة من الأتباع الذين ظلوا على دينه، وأنه ومن معه لا يلبثون إلا قليلا حتى تضنيهم العزلة فيعودوا إلى حكمها طائعين. أمّا اليوم وإزاء هذا الحلف الجديد، فقد انفتح أمام محمد والذين معه باب الرجاء في الغلب، أو على الأقل باب الرجاء في حرية الدعوة إلى عقيدتهم، والطعن على الأصنام وعبّادها. ومن يدري ما يكون أمر القوم من بعد ذلك في شبه جزيرة العرب كلها وقد نصرتهم يثرب بأوسها وخزرجها، وقد جعلتهم بمأمن من العدوان، وفسحت لهم حرية القيام بفرائض دينهم ودعوة غيرهم إلى الانضمام إليهم! فإذا لم تقض قريش على هذه الحركة في مهدها فالخوف من المستقبل لن يزال يساورها وفوز محمد عليها لن يزال يقض مضجعها.

لذلك أمعنت تفكر فيما تفعل لتحبط ما قام به محمد، ولتقضي على هذه الحركة الجديدة. ولم يكن هو من ناحيته أقل من قريش تفكيرا؛ إن هذا الباب الذي فتح الله أمامه هو باب العزّة لدين الله، والسمو لكلمة الحق. فالمعركة الناشبة اليوم بينه وبين قريش هي أشدّ ما وقع منذ بعثه، وهي معركة حياة أو موت بالنسبة له ولها، والغلب لا ريب للصادقين. فليجمع أمره، وليستعن بالله وليكن لما تكيد قريش أشد ازدراء مما كان في كل ما سلف، وليقدم ولكن في حكمة وأناة ودقة؛ فالموقف موقف حنكة السياسيّ والقائد الدقيق المداورة.



كلمات دليلية: