بداية الاضطهادات ضد الرسول وأصحابه من كتاب الدرر في إختصار المغازي والسير 1

بداية الاضطهادات ضد الرسول وأصحابه من كتاب الدرر في إختصار المغازي والسير -1

اسم الكتاب:
الدرر في إختصار المغازي والسير 1
المؤلف:
ابن عبدالبرالحافظ يوسف عبدالبر النمري

المستهزئون

1 الَّذين قَالَ اللَّه فيهم: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} عَمَّهُ أَبَا لَهب، وَعقبَة بْن أبي معيط، وَالْحكم بْن أبي العَاصِي، وَالْأسود بْن الْمطلب بْن أَسد أَبَا زَمعَة، وَالْأسود بْن عَبْد يَغُوث، والعاصي بْن وَائِل، والوليد بْن الْمُغيرَة، والْحَارث بْن غيطلة السَّهْمِي وَيُقَال لَهُ ابْن الغيطلة.

وَكَانَ جِبْرِيل مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بعض وقفاته مَعَه، فَمر بهما من الْمُسْتَهْزِئِينَ الْوَلِيد بْن الْمُغيرَة وَالْأسود بْن الْمطلب، وَالْأسود بْن عَبْد يَغُوث، والْحَارث بْن غيطلة، والعاصي بْن وَائِل، وَاحِدًا بعد وَاحِد. فَشَكَاهُمْ رَسُول اللَّه، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَى جِبْرِيل، فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام، وَقَالَ: كَفَيْتُكَهُمْ. فهلكوا بضروب من الْبلَاء والعمى قبل الْهِجْرَة.

وَفِيمَا لَقِي بِلَال وعمار والمقداد وخباب وَسعد بْن أبي وَقاص وَغَيرهم مِمَّن لم تكن لَهُ مَنْعَة من قومه من الْبلَاء والأذى مَا يجمل أَن يفرد لَهُ كتاب، وَلَكنَّا نقف فِي كتَابنَا عِنْد شرطنا، وَبِاللَّهِ توفيقنا.

فَلَمَّا اشْتَدَّ بِالْمُسْلِمين الْبلَاء والأذى وخافوا أَن يفتنوا عَن دينهم، أذن اللَّه لَهُم فِي الْهِجْرَة إِلَى أَرض الْحَبَشَة، وَقَالَ لَهُم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "سِيرُوا إِلَيْهَا فَإِن لَهَا ملكا لَا تظْلمُونَ عِنْده" *.

__________

1 نقل ابْن سيد النَّاس فِي 1/ 113 هَذِه الْفَقْرَة الْخَاصَّة بالمستهزئين عَن ابْن عبد الْبر.

* وَهُوَ أَصْحَمَة، وَتَفْسِيره بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّة، وَهُوَ ابْن أبحر. وَالنَّجَاشِي عَام لكل من ملك الْحَبَشَة كفرعون لمصر وَتبع لليمن وَقَيْصَر للشام وكسرى للعراق وبطليموس لليونان. وَانْظُر فِي موت أَصْحَمَة صَحِيح البُخَارِيّ 5/ 51.

بَاب ذكر الْهِجْرَة إِلَى أَرض الْحَبَشَة 1

قَالَ أَبُو عمر: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ. وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: فَلَمَّا كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ وَظَهَرَ الإِيمَانُ أَقْبَلَ كُفَّارُ قُرَيْش على من آمن من قبائلهم يعذبونهم ويؤذونهم ليردوهم عَن دينهم. قَالَ: فَبَلغنَا أَن رَسُول اللَّه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لمن آمن بِهِ: "تفَرقُوا فِي الأَرْض، فَإِن اللَّه تَعَالَى سيجمعكم". قَالُوا: إِلَى أَيْن نَذْهَب؟ قَالَ: "هَا هُنَا"، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَرض الْحَبَشَة، فَهَاجَرَ إِلَيْهَا نَاس ذَوُو عدد، مِنْهُم من هَاجر بأَهْله، وَمِنْهُم من هَاجر بِنَفسِهِ، حَتَّى قدمُوا أَرض الْحَبَشَة.

قَالَ الْفَقِيه أَبُو عمر رَضِي اللَّه عَنهُ: فَكَانَ أول من خرج من الْمُسلمين فَارًّا بِدِينِهِ إِلَى أَرض الْحَبَشَة عُثْمَان بْن عَفَّان، مَعَه امْرَأَته رقية بنت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقد قيل إِن أول من هَاجر إِلَى الْحَبَشَة أَبُو حَاطِب بن

__________

1 كَانَت الْهِجْرَة إِلَى أَرض الْحَبَشَة مرَّتَيْنِ، أما الأولى فَكَانَ عدد الْمُهَاجِرين فِيهَا اثنى عشر رجلا وَأَرْبع نسْوَة، وَكَانَ خُرُوجهمْ فِي شهر رَجَب سنة خمس من النُّبُوَّة، فأقاموا فِيهَا شَهْرَيْن، وسمعوا أَن الْإِسْلَام أَخذ ينتشر فِي مَكَّة فعادوا ولقوا من الْمُشْركين أَشد مِمَّا عهدوا. وَأما الثَّانِيَة فَكَانَت بعد عودة هَؤُلَاءِ الْمُهَاجِرين بِقَلِيل لاشتداد الْأَذَى من قُرَيْش، والمشهود أَنه كَانَ عدد الْمُهَاجِرين فِيهَا ثَلَاثَة وَثَمَانِينَ رجلا وثماني عشرَة امْرَأَة. وَانْظُر فِي الْهِجْرَة إِلَى الْحَبَشَة ابْن هِشَام 1/ 344 وَابْن سعد ج1 ق1 ص136 وصحيح البُخَارِيّ 5/ 49 والطبري 2/ 329 وأنساب الْأَشْرَاف للبلاذري 1/ 89 وَابْن حزم ص55 وَابْن سيد النَّاس 1/ 115 والنويري 16/ 232، 241 والسيرة الحلبية 1/ 431، 1/ 450.

2 انْظُر فِي هَذَا الحَدِيث ابْن سيد النَّاس 1/ 115.

3 فِي ابْن سيد النَّاس: إِلَى هَا هُنَا.

* قلت: وَهِي الَّتِي غنى النِّسَاء لَهَا عِنْدَمَا بني بهَا عُثْمَان:

أحسن شَخْصَيْنِ رَأْي إِنْسَان ... رقية وبعلها عُثْمَان

=

عَمْرو بْن عَبْد شمس بْن عَبْد ود أَخُو سُهَيْل بْن عَمْرو. وَقيل: هُوَ سليط بْن عَمْرو.

وَأَبُو حُذَيْفَة بْن عتبَة بْن ربيعَة هَارِبا عَن أَبِيه [بِدِينِهِ1] وَمَعَهُ امْرَأَته سهلة بنت سُهَيْل بْن عَمْرو مراغمة لأَبِيهَا فارة عَنهُ بدينها، فَولدت لَهُ بِأَرْض الْحَبَشَة مُحَمَّد بْن أبي حُذَيْفَة صنو الزبير بْن الْعَوام. وَمصْعَب بْن عُمَيْر، وَعبد الرَّحْمَن بْن عَوْف، وَأَبُو سَلمَة بْن عَبْد الْأسد مَعَه امْرَأَته أم سَلمَة2 بنت أبي أُميَّة.

وَعُثْمَان بْن مَظْعُون، وعامر بْن ربيعَة حَلِيف آل الْخطاب وَمَعَهُ امْرَأَته ليلى بنت أبي حثْمَة بْن غَانِم العدوية.

وَأَبُو سُبْرَة أبي رهم العامري، وَامْرَأَته أم كُلْثُوم3 بنت سُهَيْل بْن عَمْرو، وَسُهيْل بْن بَيْضَاء، وَهُوَ سُهَيْل بْن وهب بْن ربيعَة الفِهري.

ثمَّ خرج بعدهمْ جَعْفَر بْن أبي طَالب، وَمَعَهُ امْرَأَته أَسمَاء بنت عُمَيْس، فَولدت لَهُ هُنَاكَ بنيه: مُحَمَّدًا وَعبد اللَّه وعونا.

وَعَمْرُو بْنُ سعيد بْن الْعَاصِ بْن أُميَّة، وَمَعَهُ امْرَأَته فَاطِمَة بنت صَفْوَان بْن أُميَّة بْن محرث بْن شقّ بْن رَقَبَة بْن مُخْدج الكنانية، وَأَخُوهُ خَالِد بْن سعيد بْن الْعَاصِ، مَعَه امْرَأَته أُميَّة بنت خلف بْن أسعد بْن عَامر بْن بياضة بْن يثيع4 الْخُزَاعِيَّة، فَولدت لَهُ هُنَاكَ ابْنه سعيدا وَابْنَته أم خَالِد وَاسْمهَا آمِنَة بنت خَالِد.

وَعبد اللَّه بْن جحش بْن رِئَاب الْأَسدي، وَأَخُوهُ عبيد5 اللَّه بْن جحش، مَعَه امْرَأَته أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان، فَتَنَصَّرَ هُنَاكَ، وَمَات نَصْرَانِيّا مُرْتَدا عَن دينه.

__________

= كَانَت أحسن أهل زمانها. وَمَعَ ذَلِك ففاطمة أفضل بَنَاته عَلَيْهِ السَّلَام قيل لِأَنَّهَا أُصِيبَت فِي الرَّسُول فَكَانَ فِي ميزانها. وَبَقِيَّة الْبَنَات أُصِيب بِهن الرَّسُول، فَكُن فِي مِيزَانه. وَجَاء فِي هَذَا الْمَعْنى حَدِيث ذكره السُّهيْلي. وَقيل لِأَنَّهَا ولدت الْحسن سيد الْمُسلمين. وَالأَصَح عِنْدِي أَن فَضلهَا بِسَبَب أَنَّهَا عمرت حَتَّى بَدَت النِّعْمَة وأكمل الله الدَّين وَقَامَت بوظائفه كلهَا حجا وَغَيره. إِلَّا أَن يَصح تَوْقِيف فِي سَبَب تفضيلها بِغَيْر ذَلِك، فَيتَعَيَّن الْمصير إِلَيْهِ، وَالله الْمُوفق.

1 زِيَادَة من ر.

2 هِيَ أم سَلمَة هِنْد بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ المخزومية أم الْمُؤمنِينَ.

3 قَالَ ابْن سيد النَّاس فِي 1/ 115: لم يذكرهَا ابْن إِسْحَاق.

4 وَفِي الأَصْل ور: سبيع، وَهُوَ تَصْحِيف.

5 ذكر ابْن عبد الْبر فِي كتاب الِاسْتِيعَاب ص352 مِمَّن هَاجر مَعَ عبد الله بن جحش أَخُوهُ أَبُو أَحْمد، وَكَانَ أعمى.

6 وَقد بَانَتْ مِنْهُ حِين تنصر فَتَزَوجهَا النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَقَيْسُ بْن عَبْد اللَّهِ حَلِيف لبني أُميَّة بْن عَبْد شمس، مَعَه امْرَأَته بركَة بنت يسَار مولاة أبي سُفْيَان بْن حَرْب.

ومعيقيب بْن أبي فَاطِمَة الدوسي حَلِيف لبني الْعَاصِ بْن أُميَّة.

وَعتبَة بْن غَزوَان بْن جَابر الْمَازِني، من بني مَازِن بْن مَنْصُور أخي سليم بْن مَنْصُور، حَلِيف بني نَوْفَل بْن عَبْد منَاف.

وَيزِيد بْن زَمعَة بْن الْأسود بْن عَبْد الْمطلب بْن أَسد، وَعَمْرو بْن أُميَّة بْن الْحَارِث بْن أَسد، وَالْأسود بْن نَوْفَل بْن خويلد بْن أَسد. وطليب بْن عُمَيْر بْن وهب بْن أبي كَبِير بْن عَبْد قصي1 وسويبط بْن سعد بْن حَرْمَلَة، وَيُقَال حُرَيْمِلَة، بْن مَالك الْعَبدَرِي.

وجهم بْن قيس بْن عَبْد شُرَحْبِيل بْن هَاشم بْن عَبْد منَاف بْن عَبْد الدَّار الْعَبدَرِي، مَعَه امْرَأَته [أم2] حَرْمَلَة بنت عَبْد الْأسود بْن جذيمة بْن الأقيش بْن عَامر بْن بياضة بن يثبع بْن جعثمة3 بْن سعيد4 بْن مليح بْن عَمْرو من خُزَاعَة، وابناه عَمْرو بْن جهم وَخُزَيْمَة بنت جهم.

وَأَبُو الرّوم بْن عُمَيْر أَخُو مُصعب بْن عُمَيْر، وفراس بْن النَّضر بْن الْحَارِث6 بْن كلدة بْن عَلْقَمَة بْن عَبْد منَاف بْن عَبْد الدَّار، وعامر بْن أبي وَقاص أَخُو سعد بْن أبي وَقاص.

وَالْمطلب7 بْن أَزْهَر بْن عَبْد عَوْف، مَعَه امْرَأَته رَملَة بنت أبي عَوْف بْن صبيرة السهمية، ولدت لَهُ هُنَاكَ عَبْد اللَّهِ بْن الْمطلب.

وَعبد اللَّه بْن مَسْعُود الْهُذلِيّ، وَأَخُوهُ عتبَة بْن مَسْعُود، والمقداد بْن عَمْرو بْن ثَعْلَبَة البهراني، وَيُقَال لَهُ الْمِقْدَاد بْن الْأسود لِأَن الْأسود بْن عَبْد يَغُوث الزُّهْرِيّ تبناه وَهُوَ حَلِيف لَهُ.

__________

1 فِي جَوَامِع السِّيرَة ص58: عبد بن قصي.

2 الزِّيَادَة من ابْن سيد النَّاس وجوامع السِّيرَة وَابْن هِشَام 1/ 347.

3 هَكَذَا فِي جَوَامِع السِّيرَة، وَفِي الأَصْل ور: خثعمة.

4 فِي جَوَامِع السِّيرَة ور: سعد.

5 هَكَذَا فِي ابْن سيد النَّاس وجوامع السِّيرَة والنويري ور، وَفِي الأَصْل ور: فريس.

6 هَكَذَا: الْحَارِث بْن كلدة بْن عَلْقَمَة فِي جَوَامِع السِّيرَة، وَفِي الأَصْل ور: الْحَارِث بْن عَلْقَمَة بْن كلدة.

7 ذكر ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب أَنه هَاجر إِلَى الْحَبَشَة مَعَ أَخِيه وتوفيا هُنَاكَ.

والْحَارث بْن خَالِد بْن صَخْر بْن عَامر بْن كَعْب بْن سعد بْن تيم بْن مرّة، وَمَعَهُ امْرَأَته ريطة بنت الْحَارِث بْن جبيلة بْن عَامر بْن كَعْب بْن سعد بْن تيم بْن مرّة، فَولدت لَهُ هُنَاكَ مُوسَى وَزَيْنَب وَعَائِشَة وَفَاطِمَة.

وَعَمْرو بْن عُثْمَان بْن عَمْرو التَّيْمِيّ عَم طَلْحَة، وشماس بْن عُثْمَان بْن الشريد المَخْزُومِي واسْمه عُثْمَان بْن عُثْمَان، وَهَبَّار بْن سُفْيَان بْن عَبْد الْأسد بْن هِلَال المَخْزُومِي، وَأَخُوهُ عَبْد اللَّهِ بْن سُفْيَان، وَهِشَام بْن أبي حُذَيْفَة بْن الْمُغيرَة بْن عَبْد اللَّهِ بْن عمر بْن مَخْزُوم، وَعَيَّاش بْن أبي ربيعَة بْن الْمُغيرَة المَخْزُومِي، ومعتب بْن عَوْف بْن عَامر الْخُزَاعِيّ، يعرف بمعتب بْن حَمْرَاء حَلِيف بني مَخْزُوم، والسائب بْن عُثْمَان بْن مَظْعُون، وعماه قدامَة وَعبد اللَّه ابْنا مَظْعُون.

وحاطب وحطاب ابْنا الْحَارِث بْن معمر الجُمَحِي، وَمَعَ حَاطِب زوجه فَاطِمَة بنت المجلل العامرية، ولدت لَهُ هُنَاكَ مُحَمَّدًا والْحَارث ابْني حَاطِب، وَمَعَ حطاب زوجه فكيهة بنت يسَار.

وسُفْيَان بْن معمر بْن حبيب الجُمَحِي، وَمَعَهُ ابناه جَابر وجنادة ابْنا سُفْيَان، وأمهما حَسَنَة، وأخوهما لِأُمِّهِمَا شُرَحْبِيل بْن حَسَنَة، وَهُوَ شُرَحْبِيل بْن عَبْد اللَّهِ بْن المطاع الْكِنْدِيّ وَقيل1 إِنَّه من بني الْغَوْث بْن مر أخي تَمِيم بْن مر.

وَعُثْمَان بْن ربيعَة بْن أهبان بْن وهب بْن حذافة بْن جمح، وخنيس بْن حذافة بْن قيس بْن عدي السَّهْمِي، وأخواه قيس وَعبد اللَّه ابْنا حذافة، وَرجل من تَمِيم اسْمه سعيد بْن عَمْرو كَانَ أَخا بشر2 بْن الْحَارِث بْن قيس بْن عدي لأمه.

وَهِشَام بْن الْعَاصِ بْن وَائِل أَخُو عَمْرو بْن الْعَاصِ، وَعُمَيْر بْن رِئَاب بْن حُذَيْفَة السَّهْمِي، وَأَبُو قيس بْن الْحَارِث بْن قيس بْن عدي السَّهْمِي، وإخوانه: الْحَارِث بْن الْحَارِث وَمعمر بْن الْحَارِث وَسَعِيد بْن الْحَارِث، والسائب بْن الْحَارِث، وَبشر بْن الْحَارِث، ومحمية بْن جُزْء الزبيدِيّ حَلِيف بني سهم.

وَمعمر بْن عَبْد اللَّهِ بْن نَضْلَة3 الْعَدوي من بني عدي بْن كَعْب وَعُرْوَة بن عبد الْعزي

__________

1 هُوَ قَول ابْن هِشَام 1/ 350.

2 سَيذكرُهُ ابْن عبد الْبر توا.

3 فِي ابْن سيد النَّاس: وَقيل: معمر بن عبد الله بن نَافِع بن نَضْلَة.

ابْن حرثان الْعَدوي وعدي بْن نَضْلَة بْن عَبْد الْعُزَّى الْعَدوي. وَابْنه النُّعْمَان بْن عدي، وَمَالك بْن ربيعَة1 بْن قيس العامري وَامْرَأَته عمْرَة بنت أسعد2 بْن وقدان بْن عَبْد شمس العامرية، وَسعد بْن خَوْلَة من أهل الْيمن حَلِيف لبني عَامر بْن لؤَي، وَعبد اللَّه بْن مخرمَة بْن عبد الْعُزَّى العامري، وَعبد اللَّه بْن سُهَيْل بْن عَمْرو العامري، وعماه: سليط بْن عَمْرو، والسكران بْن عَمْرو، وَمَعَ السَّكْرَان بْن عَمْرو امْرَأَته3 سَوْدَة بنت زَمعَة.

وَأَبُو عُبَيْدَة عَامر بْن عَبْد اللَّهِ بْن الْجراح الفِهري، وَعَمْرو بْن أبي سرح بْن ربيعَة بْن هِلَال بْن أهيب بْن ضبة بْن الْحَارِث بْن فهر، وعياض بْن زُهَيْر بْن أبي شَدَّاد الفِهري، وَعُثْمَان بْن عَبْد غنم بْن زُهَيْر بْن أبي شَدَّاد. وَسعد بْن عَبْد قيس بْن لَقِيط بْن عَامر الفِهري.

وَقد جَاءَ فِي بعض الْأَثر، وَقَالَهُ بعض أهل السّير، أَن أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ كَانَ فِيمَن هَاجر إِلَى أَرض الْحَبَشَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَلكنه خرج فِي طَائِفَة من قومه4 مُهَاجرا من بَلَده بِالْيمن، يُرِيد الْمَدِينَة، فَرَكبُوا الْبَحْر، فرمتهم الرّيح بالسفينة الَّتِي كَانُوا فِيهَا إِلَى أَرض الْحَبَشَة، فَأَقَامَ هُنَالك حَتَّى قدم مَعَ جَعْفَر5 بْن أبي طَالب.

وَلما نزل هَؤُلَاءِ بِأَرْض الْحَبَشَة أمنُوا على دينهم وَأَقَامُوا بِخَير دَار عِنْد خير جَار. وطالبتهم قُرَيْش عِنْده، فَكَانَ ذَلِك سَبَب إِسْلَامه على مَا نورده بعد إِن شَاءَ اللَّه.

وَأقَام بِمَكَّة من كَانَ لَهُ من عشيرته مَنْعَة. فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْش أَن الْإِسْلَام يفشو وينتشر اجْتَمعُوا فتعاقدوا، على بني هَاشم وأدخلوا مَعَهم بني الْمطلب، أَلا يكلموهم وَلَا يجالسوهم وَلَا يناكحوهم وَلَا يبايعوهم. وَاجْتمعَ على ذَلِك ملؤهم، وَكَتَبُوا بذلك صحيفَة، وعلقوها فِي الْكَعْبَة. فانحاز بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب كلهم كافرهم ومؤمنهم، فصاروا فِي شعب أبي طَالب مَحْصُورين مُبْعَدِينَ مُجْتَنَبِينَ، حاشا أَبَا لَهب وَولده فَإِنَّهُم صَارُوا مَعَ قُرَيْش على قَومهمْ، فبقوا كَذَلِك ثَلَاث سِنِين إِلَى أَن جمع اللَّه قُلُوب قوم من قُرَيْش على نقض مَا كَانَت قُرَيْش تعاقدت فِيهِ على بني هَاشم وَبني الْمطلب.

__________

1 فِي جَوَامِع السِّيرَة: زَمعَة.

2 فِي جَوَامِع السِّيرَة: السعدى.

3 اقْترن بهَا رَسُول الله بعد وَفَاة خَدِيجَة ووفاة زَوجهَا السَّكْرَان.

4 انْظُر فِي ذَلِك ابْن إِسْحَاق فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة لِابْنِ هِشَام 1/ 347.

5 رَاجع صَحِيح البُخَارِيّ 5/ 51.

بَاب ذكر دُخُول بني هَاشم بْن عَبْد منَاف وَبني الْمطلب بْن عَبْد منَاف فِي الشّعب 1 وَمَا لقوا من سَائِر قُرَيْش فِي ذَلِك 2

أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن سَلمَة الْمرَادِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي ابْن لَهِيعَة عَن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن أبي الْأسود. وَأخْبرنَا عَبْد الْوَارِث بْن سُفْيَان، قَالَ: أَخْبَرَنَا قَاسم بْن أصبغ، قَالَ: حَدَّثَنَا مطرف بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن قيس، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن حميد بْن كاسب، وَأَخْبَرَنَا عَبْد اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاق الْمسَيبِي قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن فليح، عَن مُوسَى بْن عقبَة، عَن ابْن شهَاب دخل حَدِيث بَعضهم فِي بعض، قَالَ:

ثمَّ إِن كفار قُرَيْش أَجمعُوا أَمرهم وَاتفقَ رَأْيهمْ على قتل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالُوا: قد أفسد أبناءنا وَنِسَاءَنَا. فَقَالُوا لِقَوْمِهِ: خُذُوا منا دِيَته3 مضاعفة ويقتله رجل من غير قُرَيْش، وتريحوننا وتريحون أَنفسكُم، فَأبى قومه بَنو هَاشم من ذَلِك وظاهرهم بَنو الْمطلب بْن عَبْد منَاف، فأجمع الْمُشْركُونَ من قُرَيْش على منابذتهم وإخراجهم من مَكَّة إِلَى الشّعب. فَلَمَّا دخلُوا الشّعب أَمر رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من كَانَ بِمَكَّة من الْمُؤمنِينَ أَن يخرجُوا إِلَى

__________

1 الشّعب: وَاحِد شعاب مَكَّة وَهِي الوهاد والطرقات بَين الْجبَال حَيْثُ كَانَت تسكن بعض عشائر قُرَيْش.

2 انْظُر فِي تعاقد قُرَيْش على بني هَاشم وَبني الْمطلب وكتابتهم صحيفَة هَذَا العقد ابْن هِشَام 1/ 375 وَابْن سعد ج1 ق1 ص139 والطبري 2/ 335 وَمَا بعْدهَا وَابْن كثير 3/ 84 والنويري 16/ 258 والسيرة الحلبية 1/ 449 وَقد نقل ابْن سيد النَّاس هَذَا الْبَاب عَن ابْن عبد الْبر، انْظُر عُيُون الْأَثر 1/ 126.

وَكَانَ هَذَا العقد والحصار لبني هَاشم وَبني الْمطلب فِي لَيْلَة هِلَال الْمحرم سنة سبع من الْبعْثَة وظلوا محاصرين إِلَى السّنة الْعَاشِرَة وَقيل بل إِلَى السّنة التَّاسِعَة.

3 فِي ابْن سيد النَّاس: دِيَة.

أَرض الْحَبَشَة، وَكَانَ متجرا لقريش، وَكَانَ يثني على النَّجَاشِيّ بِأَنَّهُ لَا يظلم عِنْده أحد فَانْطَلق الْمُسلمُونَ إِلَى بَلَده. وَانْطَلق إِلَيْهَا عَامَّة من آمن بِاللَّه وَرَسُوله وَدخل بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب شِعْبهمْ: مؤمنهم وكافرهم، فالمؤمن دينا، وَالْكَافِر حمية*. فَلَمَّا عرفت قُرَيْش أَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد مَنعه قومه أَجمعُوا على أَلا يبايعوهم وَلَا يدخلُوا إِلَيْهِم شَيْئا من الرِّفْق1 وَقَطعُوا عَنْهُم الْأَسْوَاق وَلم يتْركُوا طَعَاما وَلَا إدَامًا وَلَا بيعا إِلَّا بَادرُوا إِلَيْهِ واشتروه دونهم2 وَلَا يناكحوهم، وَلَا يقبلُوا مِنْهُم صلحا أبدا، وَلَا تأخذهم بهم رأفة، حَتَّى يسلمُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للْقَتْل. وَكَتَبُوا بذلك صحيفَة وعلقوها فِي الْكَعْبَة، وتمادوا على الْعَمَل بِمَا فِيهَا من ذَلِك ثَلَاث سِنِين. فَاشْتَدَّ الْبلَاء على بني هَاشم فِي شِعْبهمْ وعَلى كل من مَعَهم* *. فَلَمَّا كَانَ رَأس ثَلَاث سِنِين تلاوم قوم من بني قصي، مِمَّن ولدتهم بَنو هَاشم وَمِمَّنْ سواهُم، فَأَجْمعُوا أَمرهم على نقض مَا تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ من الْغدر والبراءة، وَبعث اللَّه على صحيفتهم الأرضة، فَأكلت ولحست مَا فِي الصَّحِيفَة من مِيثَاق وعهد. وَكَانَ أَبُو طَالب فِي طول مدتهم فِي الشّعب يَأْمر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْتِي فرَاشه كل لَيْلَة حَتَّى يرَاهُ من أَرَادَ بِهِ شرا أَو غائلة. فَإِذا نَام النَّاس أَمر أحد بنيه أَو إخوانه أَو بني عَمه، فاضطجع على فرَاش رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأمر رَسُول اللَّه أَن يَأْتِي بعض فرشهم فيرقد عَلَيْهَا. فَلم يزَالُوا فِي الشّعب على ذَلِك إِلَى تَمام ثَلَاث سِنِين. فَلَمَّا أكملوها تلاوم رجال من قُرَيْش وحلفائهم وَأَجْمعُوا أَمرهم على نقض مَا كَانُوا تظاهروا عَلَيْهِ من القطيعة والبراءة. وَبعث اللَّه على صحيفتهم الأرضة، فلحست كل مَا كَانَ فِيهَا من عهد لَهُم وميثاق، وَلم تتْرك فِيهَا اسْما لله عز وَجل إِلَّا لحسته، وَبَقِي مَا كَانَ فِيهَا من شرك أَو ظلم وَقَطِيعَة رحم. فَأطلع اللَّه عز وَجل رَسُوله

__________

* قلت: هَذِه حجَّة الشَّافِعِي فِي إِلْحَاق بني الْمطلب ببني هَاشم دون بني عبد شمس وَغَيرهم. وَجَاء فِي حَدِيث: أَن بني هَاشم وَبني الْمطلب لم يفترقوا فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام. وَمذهب مَالك أَن بني الْمطلب كغيرهم، وَأَن الخصوصية فِي تَحْرِيم الصَّدقَات وَنَحْو ذَلِك لبني هَاشم خَاصَّة. وَالله أعلم.

1 الرِّفْق: مَا استعين بِهِ.

2 أَرَادوا بذلك قطع الْميرَة عَنْهُم، وَيُقَال إِنَّهُم كَانُوا لَا يخرجُون من شِعْبهمْ إِلَّا من موسم إِلَى موسم.

* * قلت: حَتَّى قَالَ أحدهم، وطِئت ذَات لَيْلَة على شَيْء رطب، فَرَفَعته إِلَى فمي، فابتلعته، فَمَا أدرى مَا هُوَ إِلَى الْآن. وَقَالَ آخر: فعدت للبول لَيْلَة، فَسمِعت تحتى قعقعة فَالْتمست، فَإِذا هِيَ جلدَة يابسة، فأخذتها، فغسلتها، واشتويتها، فرضضتها "دققتها"، وَلَقَد أَمْسَكت رمقي بهَا [انْظُر فِي هذَيْن الْخَبَرَيْنِ السُّهيْلي 1/ 232] .

على ذَلِك، فَذكر ذَلِك رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي طَالب، فَقَالَ أَبُو طَالب: لَا والثواقب1 مَا كَذَبْتَنِي، فَانْطَلق فِي عِصَابَة من بني عَبْد الْمطلب حَتَّى أَتَوا الْمَسْجِد، وهم خائفون، لقريش. فَلَمَّا رأتهم قُرَيْش فِي جمَاعَة أَنْكَرُوا ذَلِك، وظنوا أَنهم خَرجُوا من شدَّة الْبلَاء ليسلموا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برمتِهِ2 إِلَى قُرَيْش. فَتكلم أَبُو طَالب، فَقَالَ: قد جرت أُمُور بَيْننَا وَبَيْنكُم لم3 نذكرها لكم، فَأتوا بصحيفتكم الَّتِي فِيهَا مواثيقكم فَلَعَلَّهُ أَن يكون بَيْننَا وَبَيْنكُم صلح. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك أَبُو طَالب خشيَة أَن ينْظرُوا فِي الصَّحِيفَة قبل أَن يَأْتُوا بهَا. فَأتوا بصحيفتهم متعجبين لَا يَشكونَ أَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْفَعُ إِلَيْهِم، فَوَضَعُوهَا4 بَينهم، وَقَالُوا لأبي طَالب: قد آن لكم أَن ترجعوا عَمَّا أَخَذْتُم5 علينا وعَلى أَنفسكُم فَقَالَ أَبُو طَالب: إِنَّمَا أتيتكم فِي أَمر هُوَ نصف بَيْننَا وَبَيْنكُم، إِن ابْن أخي أَخْبرنِي، وَلم يُكْذِبْنِي، أَن هَذِه الصَّحِيفَة الَّتِي بَين6 أَيْدِيكُم قد بعث الله عَلَيْهِ دَابَّة، فَلم تتْرك فِيهَا اسْما لَهُ إِلَّا لحسته، وَتركت فِيهَا غدركم وتظاهركم علينا بالظلم، فَإِن كَانَ الحَدِيث كَمَا يَقُول فأفيقوا، فَلَا وَالله لَا نسلمه حَتَّى نموت من عِنْد آخِرنَا، وَإِن كَانَ الَّذِي يَقُول بَاطِلا دفعنَا إِلَيْكُم صاحبنا ففتلتم أَو استحييتم. فَقَالُوا: قد رَضِينَا بِالَّذِي تَقول. ففتحوا الصَّحِيفَة، فوجدوا الصَّادِق المصدوق صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أخبر بخبرها قبل أَن تفتح. فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْش صدق مَا جَاءَ بِهِ أَبُو طَالب عَن النَّبِي صلى اللَّه عَلَيْهِ وَسلم قَالُوا: هَذَا سحر ابْن أَخِيك. وَزَادَهُمْ ذَلِك بغيا وعدوانا.

وَأما ابْن هِشَام فَقَالَ7: قد ذكر بعض أهل الْعلم أَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لأبي طَالب: "يَا عَم إِن رَبِّي قد سلط الأرضة على صحيفَة قُرَيْش، فَلم تدع فِيهَا اسْما لله

__________

1 الثواقب: النُّجُوم. وَفِي الْقُرْآن الْكَرِيم {النَّجْم الثاقب} .

2 هَكَذَا فِي الأَصْل ور وَابْن سيد النَّاس، والرمة: قِطْعَة الْحَبل وَيُرَاد بهَا هُنَا الْعَهْد. وَرُبمَا كَانَت محرفة عَن: بِذِمَّتِهِ أَي عَهده.

3 لم تأت "لم" عِنْد ابْن سيد النَّاس.

4 هَكَذَا فِي ر وَابْن سيد النَّاس. وَفِي الأَصْل: فَوَضَعُوهَا إِلَيْهِم بَينهم.

5 هَكَذَا فِي ر وهَامِش الأَصْل: أَخَذْتُم تَصْحِيحا لكلمة: أحدثتم الَّتِي جَاءَت فِي الأَصْل. وَفِي ابْن سيد النَّاس أَيْضا: أحدثتم.

6 فِي ابْن سيد النَّاس: فِي أَيْدِيكُم.

7 انْظُر ابْن هِشَام 1/ 375.

إِلَّا أثبتته، ونفت مِنْهَا القطيعة وَالظُّلم والبهتان". قَالَ: أربك أخْبرك بِهَذَا؟ قَالَ: "نعم"، قَالَ: فوَاللَّه مَا يدْخل عَلَيْك أحد، ثمَّ خرج إِلَى قُرَيْش، فَقَالَ: يَا معشر قُرَيْش إِن ابْن أخي أَخْبرنِي. وسَاق الْخَبَر بِمَعْنى مَا ذكرنَا*.

وَقَالَ ابْن إِسْحَاق ومُوسَى [بْن عقبَة] 1 وَغَيرهمَا فِي تَمام ذَلِك الْخَبَر2:

وَنَدم مِنْهُم قوم، فَقَالُوا: هَذَا بغي منا على إِخْوَاننَا وظلم لَهُم. فَكَانَ أول من مَشى فِي نقض الصَّحِيفَة هِشَام بْن عَمْرو بْن الْحَارِث3 من بني عَامر بْن لؤَي، وَهُوَ كَانَ كَاتب4 الصَّحِيفَة، وَأَبُو البحتري الْعَاصِ بْن هِشَام5 بْن الْحَارِث بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، والمطعم بن عدي.

إِلَى هَا هُنَا تمّ6 خبر ابْن لَهِيعَة عَن أبي الْأسود مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بيتيم7 عُرْوَة، ومُوسَى بْن عقبَة عَن ابْن شهَاب. وَهُوَ معنى مَا ذكر ابْن إِسْحَاق، إِلَّا أَن ابْن إِسْحَاق قَالَ8: الَّذين مَشوا فِي نقض الصَّحِيفَة هِشَام9 بْن عَمْرو بْن الحاث بْن حبيب بْن نصر بْن

__________

* قلت: اتّفق الطريقان على أَن الله عز وَجل غَار لأسمائه الحسني، فَلم يجمع بَينهَا وَبَين القطيعة وَالظُّلم فِي الصَّحِيفَة إِمَّا بِأَن محا أسماءه وَترك ظلمهم، وَإِمَّا بِأَن محا ظلمهم وَترك أسماءه. وَهُوَ من جنس قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: "فوَاللَّه لَا تَجْتَمِع ابْنة عَدو الله وَابْنَة رَسُول الله فِي بَيت رجل وَاحِد أبدا". وَفِيه مَا يدل على أَن الْكتب المحرفة كالتوراة وَالْإِنْجِيل اللَّذين بأيدي أهل الْكتاب لَا يجوز امتهانها وَإِن اشْتَمَلت على الْكفْر لاشتمالها أَيْضا على أَسمَاء الله، وَإِذا أردنَا محوها غسلناها أَو حرقناها.

1 زِيَادَة من ابْن سيد النَّاس.

2 يُرِيد هَذَا الْخَبَر الطَّوِيل الَّذِي سَاقه بأسانيده فِي صدر هَذَا الْبَاب.

3 فِي ابْن هِشَام 2/ 14: ابْن ربيعَة بن الْحَارِث.

4 اخْتلف أهل السّير فِي كَاتب الصَّحِيفَة، فَقيل مَنْصُور بن عِكْرِمَة، وَقيل طَلْحَة بن أبي طَلْحَة، وَقيل مَنْصُور بن عبد شُرَحْبِيل، وَقيل بغيض بن عَامر بن هَاشم بن عبد منَاف، وَاخْتَارَهُ ابْن سعد، وَقيل هِشَام بن عَمْرو بن الْحَارِث وَاخْتَارَهُ ابْن عبد الْبر.

5 فِي المحبر ص162: هَاشم.

6 هَكَذَا صححت الْكَلِمَة فِي هَامِش الأَصْل، وَكَانَت فِيهِ -كَمَا فِي ابْن سيد النَّاس- انْتهى.

7 هَكَذَا الْكَلِمَة فِي ر، وصححت فِي الْهَامِش وَكَانَت فِي الأَصْل: ابْن بنت عُرْوَة، وَفِي ابْن سيد النَّاس: عَن أبي الْأسود يَتِيم عُرْوَة.

8 انْظُر: ابْن هِشَام 2/ 14.

9 وَاضح من سِيَاق هَذَا النَّص أَن هشاما هَذَا كَانَ لَهُ بلَاء حسن فِي نقض الصَّحِيفَة، وَكَانَ ابْن أخي نَضْلَة بن هَاشم بن عبد منَاف لأمه، وَكَانَ ذَا شرف فِي قُرَيْش. وَيُقَال إِنَّه كَانَ أوصلهم لبني هَاشم حِين حصروا فِي =

مَالك ابْن حسل بْن عَامر بْن لؤَي لَقِي زُهَيْر بْن أبي أُميَّة بْن الْمُغيرَة المَخْزُومِي فَعَيَّرَهُ بِإِسْلَامِهِ أَخْوَاله، وَكَانَت أم زُهَيْر عَاتِكَة بنت عَبْد الْمطلب عمَّة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَجَابَهُ زُهَيْر إِلَى نقض الصَّحِيفَة. ثمَّ مضى هِشَام إِلَى الْمطعم بْن عدي بْن نَوْفَل فَذَكَّرَهُ أَرْحَامَ بني هَاشم وَبني الْمطلب بْن عَبْد منَاف فَأَجَابَهُ الْمطعم إِلَى نقضهَا ثمَّ مضى إِلَى البحتري بْن هِشَام بْن الْحَارِث بْن أَسد، فَذكره أَيْضا بذلك، فَأَجَابَهُ. ثمَّ مضى إِلَى زَمعَة بْن الْأسود بْن الْمطلب بْن أَسد، فَذكره ذَلِك، فَأَجَابَهُ فَقَامَ هَؤُلَاءِ فِي نقض الصَّحِيفَة.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسم بْن أصبغ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دُحَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدثنِي الزُّهْرِيّ: أَنا أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِمِنًى: "نَحْنُ نَازِلُونَ عِنْدَ خَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ". يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُحَصَّبَ. قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَكِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَلا يُنَاكِحُوهُمْ وَلا يُبَايِعُوهُمْ، حَتَّى يُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قَالَ أَبُو عُمَرَ:

وَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَلَقِيَهُ ابْنُ الدغنة، فَرده1.

__________

= الشّعب، إِذْ كَانَ يَأْتِي بالبعير لَيْلًا وَقد أوقره طَعَاما إِلَى فَم الشّعب المحاصرين فِيهِ، فيخلع من رَأسه خطامه ويضربه على جنبه، فَيدْخل الشّعب عَلَيْهِم، وعبثا حاولت قُرَيْش أَن ترده عَن صَنِيعه.

1 انْظُر فِي ذَلِك صَحِيح البُخَارِيّ 5/ 58.

ذكر من انْصَرف من أَرض الْحَبَشَة إِلَى مَكَّة 1

ثمَّ اتَّصل بِمن كَانَ فِي أَرض الْحَبَشَة من الْمُهَاجِرين أَن قُريْشًا قد أسلمت وَدخل أَكْثَرهَا فِي الْإِسْلَام خَبرا كَاذِبًا*. فَانْصَرف مِنْهُم قوم من أَرض الْحَبَشَة إِلَى مَكَّة، مِنْهُم عُثْمَان بْن عَفَّان وَزَوجته رقية بنت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو حُذَيْفَة بْن عتبَة بْن ربيعَة، وَامْرَأَته سهلة بنت سُهَيْل، وَعبد اللَّه بْن جحش، وَعتبَة بْن غَزوَان وَالزُّبَيْر بْن الْعَوام، وَمصْعَب بْن عُمَيْر وسويبط بْن سعد بْن حَرْمَلَة، وطليب بْن عُمَيْر، وَعبد الرَّحْمَن بْن عَوْف، والمقداد بْن عَمْرو، وَعبد اللَّه بْن مَسْعُود، وَأَبُو سَلمَة بْن عَبْد الْأسد، وَامْرَأَته أم سَلمَة بنت أبي أُميَّة، وشماس بْن عُثْمَان وَهُوَ عُثْمَان بْن عُثْمَان وشماس لقبه، وَسَلَمَة بْن هِشَام بْن الْمُغيرَة، وعمار2 بْن يَاسر، وَعُثْمَان وَقُدَامَة وَعبد الله بن مظغون، والسائب بن عُثْمَان بن مظغون، وخنيس بْن حذافة، وَهِشَام بْن الْعَاصِ بْن وَائِل، وعامر بْن ربيعَة، وَامْرَأَته ليلى بنت أبي حثْمَة، وَعبد اللَّه بْن مخرمَة بْن عَبْد الْعُزَّى من بني عَامر بْن لؤَي، وَعبد اللَّه بْن سُهَيْل بْن عَمْرو، وَأَبُو سُبْرَة بْن أبي رهم، وَامْرَأَته أم كُلْثُوم بنت سُهَيْل بْن عَمْرو، والسكران بْن عَمْرو أَخُو سُهَيْل بْن عَمْرو رَجَعَ من أَرض الْحَبَشَة إِلَى مَكَّة وَمَات بهَا قبل الْهِجْرَة فَتزَوج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زوجه سَوْدَة بنت زَمعَة، وَسعد بْن خَوْلَة، وَأَبُو عُبَيْدَة بْن الْجراح، وَعَمْرو بْن الْحَارِث بْن زُهَيْر بْن شَدَّاد3، وَسُهيْل بْن وهب الفِهري وَهُوَ سُهَيْل بْن بَيْضَاء، وَعَمْرو بْن أبي سرح.

فوجدوا الْبلَاء والأذى على الْمُسلمين كَالَّذي كَانَ وَأَشد، فبقوا صابرين على الظُّلم والأذى، حَتَّى أذن اللَّه لَهُم بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَة، فَهَاجرُوا إِلَيْهَا4، حاشا سَلمَة بْن هِشَام، وَعَيَّاش5 بْن أبي ربيعَة، والوليد بْن الْوَلِيد [بْن الْمُغيرَة] 6 وَعبد اللَّه بْن مخرمَة، فَإِنَّهُم حبسوا بِمَكَّة، ثمَّ هَاجرُوا بعد بدر وَأحد وَالْخَنْدَق إِلَّا عَبْد اللَّهِ بْن مخرمَة فَإِنَّهُ هرب من الْكفَّار يَوْم بدر إِلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَبعد نقض الصَّحِيفَة مَاتَت خَدِيجَة7 رَضِي اللَّه عَنْهَا وَمَات أَبُو طَالب، فأقدم سُفَهَاء قُرَيْش على رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالأذى، فَخرج إِلَى الطَّائِف يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَام، فَلم يُجِيبُوهُ، فَانْصَرف إِلَى مَكَّة فِي جوَار الْمطعم بْن عدي بْن نَوْفَل بْن عَبْد منَاف.

قَالَ ابْن شهَاب بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم، عَن مُوسَى بْن عقبَة: فَلَمَّا أفسد اللَّه صحيفَة مَكْرهمْ خرج النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورهطه، فعاشروا8 وخالطوا النَّاس.

__________

1 فِي ر: ذكر انصراف من انْصَرف. وَانْظُر فِي هَؤُلَاءِ العائدين من الْحَبَشَة إِلَى مَكَّة ابْن هِشَام 2/ 3 وَابْن سعد ج1 ق1 ص137 وجوامع السّير ص65 وَابْن سيد النَّاس 1/ 119 والنويري 16/ 262. وَقد ظلّ من تركوهم فِي الْحَبَشَة بهَا حَتَّى سنة سبع لِلْهِجْرَةِ، فقدموا على الرَّسُول فِي فتح خَيْبَر.

* يُرِيد لما نزل قَوْله تَعَالَى: {والنجم إِذا هوى} وَقرأَهَا الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام وَألقى الشَّيْطَان فِي أسماع الْمُشْركين مَا ألْقى من الثَّنَاء على آلِهَتهم، فَلَمَّا سجد رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم سجد الْمُسلمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بسجوده إِلَى أَن أَحَق الله الْحق وأبطل الْبَاطِل. فبتلك النادرة شاع الْخَبَر بِإِسْلَام قُرَيْش قبل وقته.

2 لم يذكرهُ ابْن عبد الْبر فِيمَن هَاجر إِلَى الْحَبَشَة، وَفِي هجرته إِلَيْهَا خلاف، وَقد شكّ فِيهِ ابْن هِشَام 2/ 6.

3 فِي ابْن هِشَام: أبي شَدَّاد.

4 فِي ابْن سيد النَّاس 1/ 119 أَنه توفّي من هَؤُلَاءِ العائدين -وَكَانُوا ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ- بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة رجلَانِ، وَحبس سَبْعَة نفر. أما الْبَاقُونَ وهم أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ فقد شهدُوا بَدْرًا.

5 سَهَا ابْن عبد الْبر عَن ذكره وَذكر تاليه فِيمَن سماهم آنِفا من العائدين.

6 زِيَادَة من جَوَامِع السِّيرَة.

7 رَاجع فِي خبر موت خَدِيجَة وَأبي طَالب ابْن هِشَام 2/ 57 وَابْن سعد ج1 ق1 ص141 وَالرَّوْض الْأنف 1/ 258 وَابْن كثير 3/ 122 والنويري 16/ 277 وَابْن سيد النَّاس 1/ 129 والسيرة الحلبية 1/ 461. وَقد توفيت السيدة خَدِيجَة قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سنوات، وَتُوفِّي أَبُو طَالب بعْدهَا بِخمْس وَثَلَاثِينَ لَيْلَة. وَقيل بل توفيت بعده بِثَلَاثَة أَيَّام، وَأَن وَفَاته كَانَت بعد نقض الصَّحِيفَة بِثمَانِيَة أشهر وَوَاحِد وَعشْرين يَوْمًا.

8 فِي الأَصْل فعاشوا.

ذِكْرُ إِسْلَام الْجِنّ 1

وَأَقْبل وَفد الْجِنّ يَسْتَمِعُون الْقُرْآن ثمَّ ولوا إِلَى قَومهمْ منذرين. ثمَّ أَتَتْهُ الْجَمَاعَة مِنْهُم فآمنوا بِهِ وَصَدقُوهُ.

قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُثْمَانَ بْنُ سَنَّةَ الْخُزَاعِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَصْحَابِهِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ: "مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَحْضُرَ اللَّيْلَةَ أَمْرَ الْجِنِّ فَلْيَفْعَلْ"، فَلَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ غَيْرِي، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَعْلَى مَكَّةَ خَطَّ لِي بِرِجْلِهِ خَطًّا، ثُمَّ أَمَرَنِي أَنْ أَجْلِسَ فِيهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى قَامَ، فَافْتَتَحَ الْقُرْآنَ، فَغَشِيَتْهُ أَسْوِدَةٌ2 كَثِيرَةٌ حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، حَتَّى مَا أَسْمَعُ صَوْتَهُ، ثُمَّ طَفِقُوا يَتَقَطَّعُونَ مِثْلَ قِطَعِ السَّحَابِ ذَاهِبِينَ حَتَّى بَقِيَ مِنْهُمْ رَهْطٌ. وَفَرَغَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ مَعَ الْفَجْرِ. فَانْطَلَقَ، فَتَبَرَّزَ ثُمَّ أَتَانِي، فَقَالَ: "مَا فَعَلَ الرَّهْطُ؟ " قُلْتُ: هُمْ أُولَئِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَ عَظْمًا وَرَوَثًا فَأَعْطَاهُمْ إِيَّاهُ ثُمَّ نَهَى أَنْ يَسْتَطِيبَ أَحَدٌ بِعَظْمٍ أَوْ رَوَثٍ.

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أخبرنَا

__________

1 انْظُر فِي إِسْلَام الْجِنّ ابْن هِشَام 2/ 63 وصحيح البُخَارِيّ 5/ 46 وَابْن سيد النَّاس 1/ 136.

2 أَسْوِدَة: شخوص غير وَاضِحَة. جمع سَواد.

شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي قُرَادَةَ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ1: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ، فَلْيَقُمْ مَعِي رَجُلٌ لَيْسَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ غِشٍّ" قَالَ: فَقُمْتُ وَمَعِي إِدَاوَةٌ، وفيهَا نبيد قَالَ: فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَضَيْتُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ، فَخَطَّ عَلَيَّ خِطَّةً، ثُمَّ قَالَ: "إِنْ خَرَجْتَ مِنْهَا لَمْ تَرَنِي وَلَمْ أَرَكَ". قَالَ: وَمَضَى حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ جَاءَ فَوَجَدَنِي قَائِمًا، فَقَالَ: "مَا شَأْنُكَ قَائِمًا؟ " قُلْتُ: خَشِيتُ أَنْ لَا تَرَانِي وَلا أَرَاكَ أَبَدًا. قَالَ: "مَا ضَرَّكَ لَوْ قَعَدْتَ" وَقَالَ: "مَا هَذَا مَعَكَ؟ " قُلْتُ: نَبِيذٌ. قَالَ: "هَاتِ، ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ" فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، وَقُمْتُ مَعَهُ وَخَلْفَهُ رَجُلانِ مِنَ الْجِنِّ. فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ أَقْبَلا عَلَيْهِ يَسْأَلانِهِ فَقَالَ: "مَا شَأْنُكُمَا؟ أَلَمْ أَقْضِ لَكُمَا وَلِقَوْمِكُمَا حَوَائِجَكُمْ؟ " 2 قَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْنَا أَنْ يَشْهَدَ مَعَكَ الصَّلاةَ بَعْضُنَا، فَقَالَ: "فَمَنْ أَنْتُمَا؟ " قَالا: مِنْ أَهْلِ نَصِيبِينَ، قَالَ: "أَفْلَحَ هَذَانِ وأفلح قومهما". ثُمَّ سَأَلا الْمُبَاحَ، فَقَالَ: $"الْعَظْمُ مُبَاحٌ لَكُمْ، وَالرَّوَثُ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: وَإِنَّهُمَا لَيَجِدَانِهِمَا أَعْظَمَ مَا كَانَ وَأَطْرَاهُ.

قَالَ أَبُو عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذَا الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُتَوَاتِرٌ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى حِسَانٍ كُلِّهَا إِلا حَدِيثَ أَبِي زَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ، فَإِنَّ أَبَا زيد مَجْهُول لَا يعرف فِي أَصْحَاب ابْن مَسْعُود3 وَيَكْفِي من ذكر الْجِنّ مَا فِي سُورَة الرَّحْمَن وَسورَة {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} وَمَا جَاءَ فِي الْأَحْقَاف: قَوْله: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنّ يَسْتَمِعُون الْقُرْآن ... } الْآيَات. وَفِي خبر عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: وددت أَن أكون مَعَه لَيْلَة

__________

1 روى ابْن سيد النَّاس هَذَا الحَدِيث بِلَفْظ مقارب، انْظُر 1/ 137 وراجع فِيهِ سنَن أبي دَاوُد "طبعة لكهنو سنة 1305" 1/ 12.

2 هَكَذَا فِي ر، وَفِي الأَصْل: بِحكم.

3 روى الزَّمَخْشَرِيّ الحَدِيث الأول عَن ابْن مَسْعُود وَذكر عَن سعيد بن جُبَير أَنه قَالَ: مَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم على الْجِنّ وَلَا رَآهُمْ. وَإِنَّمَا كَانَ يَتْلُو فِي صلَاته، فَمروا بِهِ، فوقفوا مُسْتَمِعِينَ وَهُوَ لَا يشْعر، فَأَنْبَأَهُ الله بِاسْتِمَاعِهِمْ. انْظُر تَفْسِير الزَّمَخْشَرِيّ فِي سُورَة الْأَحْقَاف "طبعة المطبعة الْكُبْرَى الأميرية سنة 1319 هـ" 3/ 102 وَيُؤَيِّدهُ -كَمَا لاحظ ابْن عبد الْبر- ظَاهر آيَة {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نفر من الْجِنّ} وآيات الْأَحْقَاف، أما مَا يُشِير إِلَيْهِ من سُورَة الرَّحْمَن فَهُوَ مَا جَاءَ فِيهَا مِمَّا يدل على أَن الْجِنّ مكلفون وَأَنَّهُمْ يثابون على أَعْمَالهم، وسيعرض لذَلِك الْمُعَلق على الْكتاب عَمَّا قَلِيل.

الْجِنّ1. و [فِي] قَول عَلْ


ملف pdf

كلمات دليلية: