بداية الاضطهادات ضد الرسول وأصحابه_14618

بداية الاضطهادات ضد الرسول وأصحابه


أساليب قريش لمقاومة الدعوة

ولقد اتخذت قريش أساليب مختلفة في مقاومة الدعوة الجديدة:

بدأت المقاومة سلبية في أول أمرها، فقد أظهر رجال الملأ عدم الاكتراث بالدعوة الجديدة، ونظروا إليها نظرة استخفاف، فلم تعنهم كثيرًا، وظنوا صاحبها من أمثال ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل، من الساخطين على الأصنام، الباحثين عن الحنيفية أو غيرها من الديانات الأخرى، وإن كان يختلف عنهم في أنه يخبر أنه يتلقى الوحي من السماء، وكان يحلوا لهم أن يشيروا إليه كما رأوه: هذا ابن عبد المطلب يكلم من السماء1.

__________

1 ابن سعد1/ 184.

لكنهم ما لبثوا أن أدركوا أن الأمر أخطر مما تصوروا؛ فإن محمدًا يكتسب كل يوم أصحابًا من رجالهم ومواليهم يتابعونه ويؤمنون به نبيًّا ورسولًا، وأن هؤلاء الأصحاب ينشطون معه للدعوة لدينه الجديد1 ثم يرونه يجمع عشيرته من بني هاشم، ويدعوهم إلى الإيمان بما يقول، ويحاول أن يجعل منهم كتلة حوله، ويرون عمه أبا طالب -زعيم البيت الهاشمي- وإن كان لم يتابعه على ما يدعو إليه، فهو يشجعه ويقف إلى جانبه2؛ ويرون محمدًا يكثر الاجتماع بأصحابه الذين آمنوا به وهم رجال من كل بطون القرشية وهو يتعرض للأصنام يسبها ولقريش يسفه أحلامها ويكفر آباءها.

وإذن فهذا أمر يراد بقريش لا يصح السكوت عليه. ولما كان رجال الملأ يدركون قيمة العصبية ويخشون خطرها لو تعرضوا لمحمد بالسوء؛ فقد لجئوا إلى أبي طالب يطلبون إليه أن يتدخل لمنع بن أخيه من التعرض بالمهانة لمقدسات القبيلة وحرماتها، فهم إن صبروا على ما يقول به ويحول أبناءهم إليه، فهم لا يطيقون صبرًا على شتم الآلهة وتسفيه الأحلام وتضليل الآباء. ويلاين أبو طالب قومه ويردهم بالحسنى، ولكنه لا يمنع محمدًا، ولا يتوقف محمدًا عما أخذ فيه. ويعاود رجال الملأ الطلب ويشفعون طلبهم بالعروض، فهم يعرضون أن يتركوا محمدًا وما يدعو إليه على أن لا يتعرض لسب الآلهة وشتم الآباء، ثم يعرضون أن يقدموا رجلًا من خير أبنائهم بديلًا عن محمد -صلى الله عليه وسلم- يتبناه أبو طالب على أن يسلم إليهم محمدًا ليقتلوه إن كان قد عجز عن رده؛ فإنه يدمر وحدة القبيلة ويهدد مكانتها. ويستنكر أبو طالب هذا العرض المنكر؛ فما كان ليسلمهم ابنه ليقتلوه، ويأخذ ابنهم يغذوه3 لهم، ولكنه يدعو إليه محمدًا يعرض عليه ما طلبت قريش، ويطلب منه أن يبقي عليه وعلى نفسه، ولا يحمله من الأمر ما لا يطيق من عداوة القوم. وظن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- أن عمه قد بدا له فيه بداه، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه؛ فقال في إصرار وإباء: "يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته". وهزت كلمة الابن نفس الشيخ الذي لم يسلم

__________

1 نفسه 1/ 185.

2 نفسه 187- 188.

3 الطبري 22/ 67، اليعقوبي 2/ 18.

ووصلت من نفسه إلى مركز الإعجاب فلم يسعه إلا أن يقول: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدًا1، ومن ساعتها وقف الشيخ حياته على حماية ابن أخيه، فلم يثنه شيء عن الذود عنه.

ولقد فكر رجال قريش بحسب ما يفهمون من مثل الحياة عندهم، وظنوها من محمد عملًا للوصول إلى غرض من أغراض الحياة، وحسبوا من وقوف بني هاشم إلى جانب محمد نزعة إلى الزعامة وغاية للرياسة، فاستجابو للاقتراح تقدم به عتبة بن ربيعة -أحد سادات قريش- حيث قال: ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا، فقالوا: بلى يا أبا الويد، قم إليه فكلمه، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت: من السلطة في الشعيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل بعضها، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "قل يا أبا الوليد أسمع" قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا في أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه.

وحيث أتم عتبة كلامه، لم يزد النبي -صلى الله عليه وسلم- على أن تلى عليه آيات من سورة من القرآن ما سمعها الرجل حتى انبهر، وقام وهو مدرك أنه لا سبيل إلى هذا الرجل غير متابعته، أومنابذته حتى يحكم الله بينه وبينهم2.

يئست قريش من إغراء محمد -صلى الله عليه وسلم- فاتخذت طريق الجدال والإنكار والاستهزاء، والتعجيز بالأسئلة، والإلحاح في طلب المستحيل من الأعمال مع التصميم على الإنكار، لكن إيمان محمد -صلى الله عليه وسلم- برسالته وبما يوحى إليه كان أعظم من أن ينال من إنكار المنكرين واستهزاء المستهزئين. عند ذلك لجأت قريش إلى طريقة الاضطهاد والتعذيب للمسلمين حتى تخيفهم؛ فتردهم عن دينهم وتمنع غيرهم من متابعة محمد -صلى الله عليه وسلم- خوفًا

__________

1 ابن هشام 1/ 278.

2 ابن هشام 1/ 313- 315.

من المشقة والعذاب، فتواصت البطون القرشية بتعذيب من أسلم منها، وألحت على المستضعفين من الموالي والعبيد بالعذاب، كما ألحت على من أسلم من رجالها ونسائها بالأذى، وهي مع كل ذلك تقيم دعاية قوية ضد دعوة محمد -صلى الله عليه وسلم- وتتهمه مرة بالسحر ومرة بالجنون ومرة بالافتراء، وتقف لكل وارد على مكة تحذره من ذلك الرجل الذي يملك من سحر البيان ما يفرق به بين المرء وزوجه والأخ وأخيه، وتتخذ مما يحدث في بيوتها مثلًا تضربه على ما تقول، ثم هي لا تني عن سؤال أهل الكتاب من اليهود والنصارى عما يدعيه محمد -صلى الله عليه وسلم- تريد بذلك أن تقيم حجة على ما تقول، ويقوم بعض رجالها بعقد مجالس يتحدثون فيها إلى الناس بغريب القصص وأساطير الأمم يعارضون بها مجالس محمد -صلى الله عليه وسلم- يريدون بذلك أن يصرفوا الناس عنه، وأن يفهموهم أنه إنما يأتي بمثل هذه الأساطير1. وقد تسرف في تصرفها مع الوافدين على مكة من رجال القبائل، فتتعدى التحذير إلى الإعنات، وقد تبطش بمن لا تؤثر فيه دعايتها ويصر على إعلان إيمانه من الوافدين، ولم يكن يردها عن الفتك به إلا حرصها على علاقتها الطيبة مع القبائل وخوفها على مصالحها التجارية، كما فعلت بأبي ذر الغفاري حين أسلم2.

__________

1 ابن هشام 1/ 381.

2 أسد الغابة 5/ 187.



كلمات دليلية: