الهجرة الثانية إلى الحبشة_1049

الهجرة الثانية إلى الحبشة


الفصل الثانى فى الهجرتين إلى الحبشة

* الهجرة الأولى إلى الحبشة: ولما رأى ما يصيب أصحابه من البلاء والتعذيب في الإسلام، والفتنة، ورأى ما هو فيه من العافية من الله تعالى، ثمّ من عمه أبى طالب، وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، أذن صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة في رجب سنة خمس من النبوة، وقال لهم: «إن بها ملكا لا يظلم الناس ببلاده، فتحوّزوا «1» عنده حتّى يأتيكم الله بفرج منه» .

وكانت أرض الحبشة متجرا لقريش، فخرجوا متسللين سرا وعدّتهم اثنا عشر رجلا وأربع نسوة، وكان فيهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنزلوا بسفينتين للتجارة كانتا مسافرتين لذلك، حتى وصلوا للنجاشى ملك الحبشة، فكانت هذه هى أوّل هجرة في الإسلام. وكان قد خرج أثر المهاجرين جعفر بن أبى طالب مع أصحابه وزوجته أسماء بنت عميس، فتتابع المسلمون إلى الحبشة؛ فمنهم من هاجر بأهله ومنهم من هاجر بنفسه، ولهذا صحّ للمسلمين قديما وحديثا الهجرة من ديار الكفر إلى ديار الإسلام، ومن ديار الفسق إلى ديار الطاعة «2» ؛ فعلى المسلم أن ينتقل إلى الأرض التى يخفّ فيها الفسق أو الكفر إذا لم يجد دارا محضة لأهل الإسلام والتقوي، ويشهد لذلك هجرة المسلمين من مكة، وهى إذ ذاك دار كفر وجاهلية إلى أرض الحبشة، وهى دار كفر وأهل كتاب.

__________

(1) يقال: تحوّز الرجل: تمكّث وتلبّث.

(2) قول غير صحيح على إطلاقه؛ لأن النبى صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» وذلك لأن المسلمين في وقت الدعوة في مكة لم يكن أمامهم إلا الهجرة، أما وقد فتحت مكة، فقد فتحت الأرض بعدها سهولها وجبالها وأوديتها للمسلمين ينشرون فيها الإسلام، وأصبحت بلاد المسلمين واسعة الأطراف، فإذا كان في بلد من بلاد المسلمين بدعة من البدع، فالثبات هو الفرض على كل مسلم لإزالة هذه البدعة، والخروج من هذه البلاد فرار يعاقب عليه. والهجرة نفسها لم تكن هروبا، وإنما كانت بحثا عن أرض تصلح للدعوة، فلما أمروا بالمدينة رجعوا إليها واستقرت بها الأمور، وكان الفتح المبين، ونصر الله دينه وأعزه، فلا هجرة بعد ذلك ولكن جهاد ونية. والله تعالى أعلم.

وإنما تجب المهاجرة من أرض البدعة ما لم يتمكن المقيم بها من وظيفة حسنة كالإرشاد والهداية، فالمقام بهذا القصد أولي؛ لأن الخروج سلامة، والمقام كرامة، ولهذا لم يهاجر إلى الحبشة إلا البعض ممن حسنت هجرته، لا سيما المستضعفين «1» .

* وفي أثناء مكث المهاجرين بالحبشة في الهجرة الأولى أسلم عمر بن الخطاب رضى الله عنه سنة خمس من النبوة بعد إسلام حمزة رضى الله عنه بثلاثة أيام. قال ابن عباس: لما أسلم عمر بن الخطاب قال جبريل للنبى صلّى الله عليه وسلّم: يا محمد لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر، فإن المشركين قالوا: قد انتصف القوم اليوم منا، وأنزل الله تعالى على المصطفى صلّى الله عليه وسلّم: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: 64] وكان أمر المسلمين قبله على غاية من الخفاء، وبعده على غاية من الظهور.

وسبب إسلامه أنه وجد مع أخته بعض ايات من القران من سورة الأنبياء، وكانت خبّأتها عنه، فسلبها من يدها غصبا، فقرأها، فحلت في قلبه محل الإعجاب، وأفحمه لفظها ومعناها، فذهب إلى النبى صلّى الله عليه وسلّم وأسلم على يديه، وكان ذلك إجابة لدعوة النبى صلّى الله عليه وسلّم بقوله: «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك:

عمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام» (اسم أبى جهل) فكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب، فكان عز الإسلام بعمر بن الخطاب.

وذكر الدار قطنى أن عائشة قالت: إنما قال النبى صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم أعزّ عمر بالإسلام» لأن الإسلام يعزّ ولا يعز، وكان دعاؤه صلّى الله عليه وسلّم بذلك يوم الأربعاء، فأسلم عمر يوم الخميس، وكان عمر لا يرام ما وراء ظهره، فامتنع به وبحمزة الصحابة.

وفي البخاري: «لما أسلم عمر اجتمع الناس عند داره وقالوا: صبأ عمر، فبينما هو في داره خائفا إذ جاءه العاص بن وائل، وقال له: ما لك؟ قال: زعم قومى أنّهم يقتلوننى إن أسلمت، قال: أمنت؛ لا سبيل إليك. فخرج العاص فلقى الناس

__________

(1) هم الذين كانوا يعذّبون في مكة.

قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد عمر بن الخطاب الذى صبأ، فقال: لا سبيل إليه فأنا له جار» ، فكرّ الناس وتصدّعوا عنه» *.

وكان ابن مسعود يقول: ما كنّا نقدر أن نصلّى عند الكعبة حتّى أسلم عمر رضى الله عنه. وقال أيضا: كان إسلامه فتحا، وهجرته نصرا، وإمامته رحمة.

وروى ابن شريح بن عبيد عنه أنه قال: خرجت أتعرّض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فوجدته قد سبقنى إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة «الحاقة» فجعلت أعجب من تأليف القران، قال: فقلت هذا والله شاعر كما قالت قريش. قال: فلما قرأ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ قال: قلت كاهن، كأنه علم ما فى نفسى فقرأ: وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (43) [الحاقة: 42، 43] إلى اخر السورة، فوقع الإسلام في قلبى كل موقع» . ولعل واقعة سماع القران تعددت قبل إسلامه.

[مسألة الغرانيق وما سمّوه الايات الشيطانية] :

ولما قرأ صلّى الله عليه وسلّم سورة «والنجم» (وكان يرتل قراءته) فلما بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (30) [سورة النجم 19: 20] ارتصده الشيطان فى سكتة من سكتاته، فألقى عندها: [تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي] محاكيا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنّها من قول النبى صلّى الله عليه وسلّم، وأشاعها، فوقعت في قلب كل مشرك بمكة، وذلت منها ألسنتهم وتباشروا بها، وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى ديننا. فلما بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اخر سورة النجم «1» سجد وسجد معه كل مشرك غير الوليد بن المغيرة، كان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود، ملأ كفه ترابا سجد عليه، فعجب الفريقان كلاهما في السجود بسجود النبى صلّى الله عليه وسلّم، وعجب المسلمون بسجود المشركين معهم، ولم يكن المسلمون سمعوا ما ألقى الشيطان، كما قاله موسى بن عقبة، وأما المشركون فاطمأنوا إلى رسول الله

__________

* انظر فتح البارى باب إسلام عمر: ح 3864 ص 224 ج 72. وفي سيرة ابن هشام خبر قريب مع اختلاف القصة وهو أن قتالا وقع بين عمر وقريش في الكعبة فتكاثروا عليه، فأجاره خاله العاص بن وائل (وانظرها في سيرة ابن هشام) (إسلام عمر بن الخطاب) .

(1) الاية 62 قوله تعالى: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا.

وأصحابه، وفشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان حتّى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين، ثم بعد مكثهم هناك دون ثلاثة أشهر رجع كثير منهم عند ما بلغهم عن المشركين بسجودهم مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند قراءته سورة «والنجم» ، وظنوا إسلامهم.

ولما بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تلك الكلمة التى فشت في الناس ساءه ذلك؛ فأنزل الله عز وجل: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أى قرأ أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: 52] (أى قراءته) كما قال الفراء. ويؤيده ما رواه ابن جرير:

«وإلقاء الشيطان فيها أن يتكلم بذلك رافعا صوته، بحيث يظن السامعون أنه من قراءة النبى صلّى الله عليه وسلّم» . وعلّقه البخارى في صحيحه عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله تعالى: إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: 52] قال: إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه «1» فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ [الحج:

52] وَاللَّهُ عَلِيمٌ بإلقاء الشيطان ما ذكر، حَكِيمٌ فى تمكينه منه، يفعل ما يشاء» .

ويؤيد ذلك ما سبق في الفصل الأوّل من هذا الباب من أن كفار قريش لما كانوا يطوفون بالكعبة كانوا يقولون: «واللات والعزّى ومناة الثالثة الاخري، فإنهن غرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي» ، فكانت هذه العبارة مركوزة في أذهانهم، هاجسة في خواطرهم، يخيّل لهم سماعها، وأن الشيطان نطق بها عند انقطاع نفس النبى صلّى الله عليه وسلّم في التلاوة، فحاكى بها صوته.

واللّات والعزّى ومناة: أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها، وقيل غير ذلك. والغرانيق هى في الأصل: الذكور من طير الماء الأبيض الطويل العنق، وقيل أسود كالكركي، وقيل: إنه الكركي، ويتجوّز به عن الشاب الناعم، والمراد بها الأصنام، حيث كانوا يزعمون أن الأصنام تقرّبهم من الله وتشفع لم، فشبّهت بالطيور التى تعلو في السماء وترتفع.

والفرق بين الصنم والوثن أن الصنم الصورة بلا جثة، والوثن كل ما له جثة

__________

(1) نص ما قاله البخارى كاملا: «وقال ابن عباس: فِي أُمْنِيَّتِهِ إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقى الشيطان، ويحكم آياته» . اه.

معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الادمي، تعمل وتنصب وتعبد، ومنهم من لم يفرّق بينهما وأطلقهما على المعنيين، وقد يطلق الوثن على غير الصورة.

وقد اختلف المفسرون في المراد بالنجم على أقوال: أحدها: أنه الجملة من القران إذا نزلت، وكلما نزل منه شيء في وقت فهو نجم. ثانيها: أنه عنى بالنجم الثّريّا «1» ، والعرب تطلق اسم النجم على الثريا خاصة، فلا يذكرونه في الإطلاق إلا لها، قائلهم:

طلع النّجم عشيا ... ابتغي الراعى كسيا

وقال أيضا:

طلع النجم غديّه ... ابتغي الراعى شكيّه

يعنى الثريا، وهى تطلع العشا في الثلث الأخير من فصل الخريف، قبل الشتاء بشهر، وذلك مباديء قوة البرد، لأن اخر كلّ فصل شبيه بالذى بعده، فلهذا طلب الراعى الكساء، وتطلع بالغداة في الصيف وقت أوان اللبن، فلهذا طلب الشّكية: تصغير شكوة، وهى جلد الرضيع يتخذ للبن، أصغر من الوطب، الذى هو جلد الجذع.

وفي الحديث: «ما طلع النجم قطّ وفي الأرض من العاهة شيء إلا ارتفع» رواه الإمام أحمد.

قال ابن دريد: الثريّا سبعة أنجم؛ ستة أنجم منها ظاهرة، وواحد خفيّ، يمتحن الناس به أبصارهم.

وعلى قول ابن دريد قول الشاعر:

خليليّ إنّى للثريّا لحاسد ... وإنّي على ريب الزمان لواجد

أيبقي جميعا شملها «2» وهى سبعة ... وأفقد من أحببته، وهو واحد

وذكر القاضى عياض في «الشفاء» أنه صلّى الله عليه وسلّم كان يرى في الثريا أحد عشر نجما.

__________

(1) الثريا: مجموعة من النجوم في صورة الثور، وكلمة النجم علم عليها.

(2) السمل: القذيم.

وذكر السهيلي: أنه صلّى الله عليه وسلّم كان يرى فيها اثنى عشر نجما، والقول بأن المراد بالنجم الثريا قاله ابن عباس ومجاهد في رواية عنهما، واختاره ابن جرير والزمخشري، وقال السمين: إنه الصحيح. اهـ.

وهى أشبه شيء بعنقود العنب. ومن شعر سيدى عبد العزيز الديرينى رحمه الله:

وصغّرت ثرية لكثره ... والخصب في طلوعها واليسره

وقال ابن قتيبه في كتاب «الأنواء» : جاءت، أى الثريا، مصغرة لاجتماعها ولم يتكلم بها إلا كذلك، وأصلها من الثروة، وهى كثرة العدد، وهى ستة أنجم ظاهرة، فى خلالها نجوم كثيرة خفية، ويسمونها نجما وأنواء.

ومع ما قيل في هذه الاية وهى قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ «1» [الحج: 52] وأنه حين قرأ سورة «النجم»

__________

(1) كل الذى جرى في هذا الموضوع خبط وهوس من وضع الوضّاعين أصحاب المذاهب الهدّامة، وقع فيه كثير من الناس- رزقنا الله العافية من البلاء. وقد ذكر البغوى رحمه الله في تفسيره أجوبة منها: أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وليس كذلك في نفس الأمر، بل إنما كان من صنيع الشيطان، لا عن رسول الرحمن صلّى الله عليه وسلّم. وقال القاضى عياض رحمه الله: «اعلم أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما: فى توهين أصله. والثاني: على تسليمه. أما المأخذ الأوّل: فيكفيك أن هذا حديث لم يخرّجه أحد من الصحاح، ولا روى بسند سليم متصل ثقة، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. وقال أبو بكر البزار: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبى صلّى الله عليه وسلّم بإسناد متصل يجوز ذكره» . (انظر القرطبى ص 82 ج 12 طبع دار الكتب) . ثم قال القرطبى رحمه الله: الثالث: «الأحاديث المروية في نزول هذه الاية: ليس منها شيء يصح» .. إلى أن قال: قال النحاس: «وهذا الحديث منقطع، وفيه الأمر العظيم» . ا. هـ. -.

وبلغ فيها وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ارتصده الشيطان في سكتة من سكتاته فألقى عندها [تلك الغرانيق العلي، وإن شفاعتهن لترتجي] محاكيا نغمته إلى اخره، فقد ردّ بعضهم هذا كله وقال: إنه موضوع وضعه الزنادقة، ولا أصل له؛ لأن الشيطان لا يلقى على الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام شيئا؛ حيث هم معصومون. وحلّ هذه المسألة يفهم مما كتبه البيضاوى والشهاب الخفاجى والشيخ زاده في هذا المحل، يعنى قوله تعالى: إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ؛ فإنه يفهم من كلام البيضاوى أنه هيأ في نفسه ما يهواه أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أى في تشهّيه ما يوجب اشتغاله بالدنيا، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إنه ليغانّ على قلبى فأستغفر الله سبعين مرة» «1» قال الشهاب: حديث صحيح، والغين قريب من الغيم لفظا، والمعنى أنه يعرض لقلبى أن يغشاه بعض أمور من أمور الدنيا والخواطر البشرية مما يلزم للتبليغ، لكنها لإشغالها عن ذكر الله يعدّها كذنوب، فيفزع إلى الاستغفار منها، و (سبعين) للتكثير لا للتخصيص.

(انتهى كلام الشهاب) .

__________

- والذى يميل إليه القلب ويسكن من الفزع هو: أنّ أيّ نبيّ من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إنما يتمنى أن يؤمن قومه جميعا، فيلقى الشيطان في هذه الأمنية ويدعثر قوما من قومه، ويلقى في أدمغتهم وقلوبهم الخبال، ويشنون على النبى الحرب حتّى لا يؤمن قومه. ولو أن الشيطان تمكن من أن يلقى على لسان نبى من الأنبياء لضاعت رسالته من أولها إلى اخرها، ويكفى شاهدا ودليلا وضاحا قوله تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر: 42] . والأنبياء أخص الخاصة من عباد الله تعالى.

(1) أغان الغين السماء: ألبها. والحديث رواه مسلم وأبو داود والنسائى وأحمد عن الأغرّ المزنى رضى الله عنه بلفظ: «إنه ليغان على قلبي، وإنى لأستغفر في اليوم مائة مرة» . ويروى أن الإمام أبا الحسن الشاذلى رضى الله عنه رأى حضرة النبى صلّى الله عليه وسلّم في المنام فسأله عن الحديث. فقال له: «غين أنوار لا غين أغيار يا مبارك» . وقال الإمام العينى رحمه الله: وإنما كان يستغفر هذا المقدار مع أنه معصوم ومغفور له لأن الاستغفار عبادة، أو هو تعليم لأمته، أو استغفار من ترك الأولى.. إلى أن قال: اشتغاله بالنظر فى مصالح الأمة ومحاربة الأعداء وتأليف المؤلفة قلوبهم ونحو ذلك شاغل عن عظيم مقامه، من حضوره مع الله عز وجل، وفراغه مما سواه، فيراه ذنبا بالنسبة إليه، وإن كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات وأفضل الأعمال، فهو نزول عن عالى درجته، فيستغفر لذلك. وقيل: كان دائما في الترقى في الأحوال، فإذا رأى ما قبلها دونه استغفر منه، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.

قال البيضاوى في قوله تعالى: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ: «فيبطله ويذهب به، بعصمته عن الركون إليه، والإرشاد إلى ما يريحه» . (انتهى كلام البيضاوي) .

فقوله (بعصمته عن الركون إليه) إلى اخره هو محل الإشارة إلى الجواب كما يفهم بالتأمل ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ قال البيضاوي: ثم يثبّت آياته الداعية إلى الاستغراق في أمر الآخرة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوال الناس حَكِيمٌ بما يفعله بهم، قال البيضاوي: «حدّث نفسه بزوال المسكنة فنزلت، وقيل تمنى لحرصه على إيمان قومه أن ينزل عليه ما يقرّبهم إليه، واستمر به ذلك حتّى كان في ناديهم، ونزلت عليه سورة «والنجم» فأخذ يقرأها فلما بلغ وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم:

20] وسوس إليه الشيطان حتّى سبق لسانه سهوا إلى أن قال: «تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي» ، ففرح به المشركون حتّى تابعوه بالسجود لمّا سجد في اخرها أى اخر سورة النجم، بحيث لم يبق في المسجد مؤمن ولا مشرك إلا سجد، ثم نبّأه جبريل عليه السلام، فاغتمّ لذلك، فعزّاه أى سلاه الله بهذه الاية.

وهو (أى ما ذكر من قوله سبق لسانه سهوا وقوله تلك الغرانيق.. إلخ) مردود عند سائر المحققين «1» . وإن صحّ فابتلاء يتميز به الثابت على الإيمان عن المتزلزل فيه، وقيل: تَمَنَّى أى قرأ؛ كقول حسان رضى الله عنه:

تمنّي كتاب الله أوّل ليلة ... تمنّي داود الزبور علي رسل

[الرّسل: الترتيل في القراءة بتؤدة وسكينة من غير سرعة، وضمير «تمني» فى البيت لعثمان رضى الله عنه، وأمنيته: قراءته] .

وإلقاء الشيطان فيها أن يتكلم بذلك رافعا صوته بحيث يظن السامعون أنه من قراءة النبى صلّى الله عليه وسلّم.

وقد ردّ أيضا بأنه يخلّ بالوقوف على القران، ولا يندفع بقوله: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ [الحج: 52] لأنه أيضا يحتمله، وبأن الاية على

__________

(1) وهذا هو الصحيح، وما قيل فهو كذب وزور وبهتان على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأنه مرسل لهدم هذه الغرانيق والأصنام، وهو من ضلال المضللين وافتراء الكذابين كما سبق أن قلنا.

هذا التفسير تدل على جواز السهو على الأنبياء وتطرّق الوسوسة إليهم سيأتى ردّه فى عبارة الشهاب لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ [الحج: 53] علة لتمكين الشيطان منه، وذلك يدل على أن الملقى أمر ظاهر عرفه المحقّ والمبطل فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك ونفاق وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ المشركين وَإِنَّ الظَّالِمِينَ يعنى الفريقين، فوضع الظاهر موضع ضميرهم، قضاء عليهم بالظلم لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ عن الحق، أو عن الرسول والمؤمنين. (انتهى كلام البيضاوي) .

قال الشهاب: قوله «سبق لسانه سهوا» هذا غير صحيح؛ لأنه صلّى الله عليه وسلّم محفوظ عن السهو بما يخالف الدين والشرع؛ لأن التكلم بما هو كفر سهوا أو نسيانا لا يجوز على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وإذا سها صلّى الله عليه وسلّم في صلاة ونحوها كان تشريعا، حتى قال بعض العلماء: إن سجدة السهو في حقه صلّى الله عليه وسلّم سجدة شكر، وقول البيضاوى في عبارته المتقدمة: «وهو مردود عند المحققين» ، قال الشيخ زادة:

يعنى أن جماعة من المفسرين وإن قالوا إن هذه الايات نزلت تسلية له عليه الصلاة والسلام في اغتمامه بما سبق لسانه سهوا من حديث الغرانيق، إلا أنّ رؤساء أهل السنة والجماعة ردّوا هذا القول، وقالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة، واحتجوا عليه بالقران العظيم والسنة والمعقول:

أما القران فمنه قوله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ [الحاقة: 44] أى النبى صلّى الله عليه وسلّم بأن كلّف نفسه أن يقول مرة في الدهر كذبا عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ أى التى لم نقلها، أو قلناها ولم نأذن له فيه، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ أي: بالقوة والقدرة، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ أى نياط القلب، وهو يتصل من الرأس، إذا انقطع مات صاحبه.

ومنه أيضا قوله تعالى: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ. [يونس: 15] ومنه قوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (4) [النجم: 3، 4] . فلو أنه عليه الصلاة والسلام قرأ عقيب هذه الاية قوله: [تلك الغرانيق العلي] لما ظهر صدق الله تعالى في جميع ذلك، وذلك لا يقول به مسلم.

وأما السنة: فهو أنه روى عن محمد بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال:

هذا من وضع الزنادقة، وصنّف فيه كتابا.

وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: «هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، وإن رواة هذه القصة مطعونون، وأيضا فقد روى البخارى في صحيحه «أنه صلّى الله عليه وسلّم قرأ سورة النجم وسجد المسلمون والمشركون والإنس والجن» وليس فيه حديث الغرانيق.

وأما المعقول: فما ذكره الإمام النسفى في تفسيره بقوله: «والصحيح المعتمد عليه أن النبى صلّى الله عليه وسلّم لم يتكلم بها، فلا يخلو الأمر من أحد ثلاثة أوجه:

إما أن يجرى ذلك على لسانه عمدا باختياره، وهذا لا يجوز؛ لأنه كفر، وهو صلّى الله عليه وسلّم جاء داعيا إلى الإيمان ناهيا عن الكفر طاعنا في الأصنام، فكيف يمدحها ويعظّمها باختياره؟!.

وإما أن يجرى الشيطان ذلك على لسانه صلّى الله عليه وسلّم جبرا بحيث لم يقدر على الامتناع عنه، وهذا أيضا لا يجوز؛ لأن الشيطان لا يقدر على ذلك في حق غيره صلّى الله عليه وسلّم لقوله تبارك وتعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر: 42] وقوله تعالى حكاية عن الشيطان وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم: 22] فكيف يقدر على ذلك في حقه صلّى الله عليه وسلّم؟!.

وإما أن يقع ذلك على لسانه صلّى الله عليه وسلّم سهوا وغفلة من غير قصد، وهو أيضا مردود؛ لأنه صلّى الله عليه وسلّم كان أعقل الخلق وأعلمهم، فكيف تجوز عليه هذه الغافلة؟! خصوصا في حالة تبليغ الوحي، ولو جاز ذلك لبطل الاعتماد على قوله والثقة به، لقيام احتمال الغلط والخطأ في كل واحد من الأحكام والشرائع، فلما بطلت هذه الوجوه كلها لم يبق إلا احتمال واحد، وهو أنه عليه الصلاة والسلام وقف وسكت عند قوله: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (20) [النجم: 20] والشيطان حاضر عنده، فتكلّم الشيطان بهذه الكلمات متصلا بقراءته صلّى الله عليه وسلّم، ووقع عند بعضهم أنه صلّى الله عليه وسلّم هو الذى تكلم بهذا، وتكون هذه إلقاء في قراءة النبى صلّى الله عليه وسلّم، وكان الشيطان يتكلم في زمن الوحي، كما ذكر أنه ظهر في صورة شيخ نجدى على المشركين الذين اجتمعوا في دار الندوة على قضية المكر بالنبى صلّى الله عليه وسلّم، وتكلم في شوّارهم «1» ، واستصوب رأى بعضهم وخطّأ اخرين، وذكر أيضا أنه نادى يوم أحد أن محمدا

__________

(1) مشيروهم بالرأي.

قد قتل، وقال يوم بدر لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ [الأنفال: 48] .

وهذا الاحتمال غير مستحيل عقلا وشرعا، فتنة من الله وابتلاء لعباده، لكنه إنما يجوز في غير مقام تبليغ الوحى وأداء الرسالة له، لأننا لو جوّزنا ذلك لارتفع الأمان عن شرعه، ولجوّزنا في كل ما بلّغه إلينا عن الله تعالى أن ينضم إليه غيره بخلط الشيطان، فظهر مما ذكرنا أن هذه القصة موضوعة، غاية ما في الباب أن جمعا من المفسرين رحمهم الله ذكروها، لكنهم ما بلغوا في الكثرة حدّ التواتر، وخبر الواحد لا يعارض الدلائل العقلية والنقلية والمتواترة، فلذلك قال البيضاوى في تفسير الاية: «ألقى الشيطان في تشهّيه ما يوجب اشتغاله في الدنيا، ولم يقل ما يوافق تشهيه من الكلام» .

ثم قال البيضاوي: «وإن صحّ فالظاهر أن مبنى الصحة أن يتكلم به الشيطان عند سكوته عليه الصلاة والسلام عند قوله تعالى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى. فإنه أقرب الاحتمالات المذكورة إلى الصحة؛ فيكون المعنى: ما من رسول ولا نبى قبلك إلا مكّنا الشيطان أن يلقى في قراءتهم مثل ما ألقى في قراءتك عند ما تمنيت، فلا تهتم بذلك؛ فإنا نجعل ذلك لإضلال قوم وهداية اخرين، والتمييز بين الثابت على الإيمان والمتزلزل عنه» انتهى كلام البيضاوي.

وعبارة العلّامة الشهاب الخفاجى في قوله «وهو مردود عند المحققين وإن صحّ ... » قد ذكرنا فيها ما قاله الشيخ زادة، وقال الشهاب الخفاجى فيها قوله:

«وهو مردود عند المحققين، وإن صح ... » إشارة إلى عدم صحته: رواية ودارية:

أما الأوّل (عدم صحته دارية) ؛ فلما قاله القاضى عياض: إنه لم يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة بسند صحيح معتمد عليه. وبالغ بعضهم فقال:

إنه من وضع الزنادقة، وأكثر المحدّثين على عدم صحّته.

وأما الثانى (عدم صحته رواية) فلما مرّ، فعلى تقدير صحته يكون خرج مخرج الكلام الوارد على زعمهم أو على الإنكار لا غير، أو المراد بالغرانيق:

الملائكة، وإجماله للابتلاء به.

وأما كونه ابتلاء من الله ليختبر به الناس، كما ذكره البيضاوى رحمه الله تعالى، فلا يليق به؛ لأنه إن كان بسهو منه فقد علمت أنه محفوظ عن مثله، وإن كان بتكلم الشيطان وإسماعه لهم، فكذلك لما يلزمه من عدم الوثوق بالوحي» انتهى كلام الشهاب.

قال الشيخ زاده عند قوله فيما تقدم «وقيل تَمَنَّى قرأ، كقول حسان ... » إلخ.

«إن التمنّى في اللغة بمعنيين: تمنّى القلب، والقراءة، قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ [البقرة: 78] ، أى إلا قراءة، لأن الأمى لا يعلم القران من المصحف، وإنما يعلمه قراءة، وقال رواة اللغة: الأمنية القراءة، واحتجوا عليه ببيت حسان رضى الله عنه: * تمنّى كتاب الله أوّل ليلة*

وقيل: الأولى في تأويل الاية أن يقال: التمنى بمعنى القراءة، فقوله تعالى: أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: 52] أى عند تلاوته القران في قلوب المشركين ما يجادلون به الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ويحاجّون به ويوقعون به شبهة في قلوب أتباعه ليمنعوهم عن اتّباعه كقولهم عند سماع قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «حرّم عليكم الميتة» إنه يحل ذبيحة نفسه ويحرّم ذبيحة الله تعالى. فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فى قلوب المشركين بإنزال قوله: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام: 121] وقوله: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: 118] فبيّن به أنّ ما أحلّ هذا بذكر اسم الله عليه، وحرّم الاخر بعدم ذكر اسم الله عليه، وكقولهم عند سماع إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: 98] : إنّ عيسى عليه الصلاة والسلام والملائكة عبدوا من دون الله تعالى مع أنه تعالى لا يخزيهم يوم القيامة، فنسخ قولهم هذا بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [الأنبياء: 101] فبين الله تعالى استثناء عيسى والملائكة من قوله: وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وذلك لأن «ما» لغير العاقل، وأن المراد الأصنام فقط، انتهى (عبارة الشيخ زاده) .

وهذا زبدة ما قيل في قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ.. إلى اخره.

وقد سبق أنّ من جملة المنكرين قصة ما في «النجم» القاضى عياض، فإنه قال: [هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به المفسرون والمؤرخون] «1» . انتهى.

ولا ينظر لردّ ابن حجر على القاضى عياض بأنه لا فائدة فيما قاله، ولا

__________

(1) انظر هامش 2 ص 86.

يعوّل على كلامه، لا سيما مع قول البيهقي: «إن رواة هذه القصة كلهم مطعون فيهم» ، ومع قول النووى نقلا عن البيهقى ونصه: «وأما ما يرويه الأخباريون والمفسرون أن سبب سجود المشركين مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما جرى على لسانه من الثناء على الهتهم فباطل لا يصح منه شيء، لا من جهة النقل ولا من جهة العقل؛ لأن مدح إله غير الله كفر، ولا يصح نسبة ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولا أن يقوله الشيطان على لسانه صلّى الله عليه وسلّم، ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك، ولا يلزم عدم الوثوق بالوحي.

* وقال الفخر الرازي: «هذه القصة باطلة موضوعة لا يجوز القول بها، قال الله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (4) [النجم: 3، 4] والشيطان لا يجتريء أن ينطق بشيء من الوحي.

* وفي كتاب «الإبريز» للعارف بالله تعالى سيدى عبد العزيز الدباغ ما يفيد تصحيح «1» قول القاضى عياض من أن حديث الغرانيق لا أصل له، ورد قول ابن حجر المحتاج للتأويلات في تفسيره الاية، ثم فسّرها صاحب الإبريز بتفسير بديع وأقرب للعقول، وعبارته: «إن الله تعالى ما أرسل من رسول ولا بعث نبيّا من الأنبياء إلى أمة من الأمم إلا وذلك الرسول يتمنى الإيمان لأمته، ويحبه لهم ويرغّب فيه، ويحرص عليه غاية الحرص، ويعالجهم عليه أشد المعالجة، ومن جملتهم في ذلك نبينا صلّى الله عليه وسلّم الذى قال له الرب سبحانه فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف: 6] ، وقال تعالى وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: 103] . إلى غير ذلك من الايات المتضمّنة لهذا المعنى، ثم الأمة تختلف كما قال تعالى:

وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ [البقرة: 253] ، فأما من كفر فألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة له في الرسالة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضا لا يخلو من وساوس القادحة؛ لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب، وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة، وبحسب المتعلقات، إذا تقرر هذا فمعنى تمنّي: أنه يتمنى الإيمان لأمته، ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في

__________

(1) أى اعتباره هو الصحيح.

قلوب أمة الدعوة من الوساوس لكفر بعضهم، ويرحم الله المؤمنين فينسخ ذلك من قلوبهم، ويحكم الايات الدالة على الواحدانية والرسالة، ويبقى ذلك عز وجل في قلوب المنافقين والكافرين، ليفتتنوا به.

فخرج من هذا أن الوساوس تلقى أوّلا في قلوب الفريقين معا، غير أنها لا تدوم على المؤمنين وتدوم على الكافرين.

وهذا التفسير من أبدع ما يسمع؛ لأنه يوفى بثلاثة أمور: العموم الذى في أولها، والتعليل الذى في اخرها، ويعطى الرسالة حقها» . انتهى كلام صاحب الإبريز «1» .

ومنه يفهم أن إلقاء الوسوسة إنما هو في المتمنّى للأمة من أنبيائهم لهم، وهو إيمانهم وطاعتهم وتوفيقهم مما هو وصفهم، وليست الوسوسة متوجهة على الأنبياء المعصومين، الذين خاتمهم وأكملهم صلّى الله عليه وسلّم؛ فإنّ من عرف ما يجب للرسل وما يستحيل عليهم وما يجوز لهم علم وجوب العصمة واستحالة ضدها.

* وبيان ذلك: أنه يجب في حقّهم الأمانة، والصدق، والتبليغ، والفطانة: فأما الأمانة:

فهى عصمة ظواهرهم وبواطنهم من التلبّس بمنهيّ عنه، ولو نهي كراهة أو خلاف الأولي؛ فهم محفوظون من منهيات الظاهر ومن منهيات الباطن، كالحسد والكبر والرياء وغير ذلك، والمراد المنهيّ عنه ولو صورة، فيشمل ما قبل النبوة، ولو في حال الصغر حتّى أن المباح أو المكروه إذا وقع منهم كان صورة للتشريع، فيصير واجبا أو مندوبا في حقهم؛ فأفعالهم دائرة بين الواجب والمندوب، بل ومن الأولياء الذين هم أتباعهم من يصل منهم لمقام تصير حركاته وسكناته طاعات بالنيات، فقد ثبت أنّه صلّى الله عليه وسلّم توضأ مرة أو مرتين وشرب قائما.

وأما المحرّم: فلم يقع منهم إجماعا، وما أوهم المعصية فمؤوّل من باب (حسنات الأبرار سيئات المقربين «2» ولا يجوز النطق به في غير مورده إلا في مقام البيان. ودليل وجوب الأمانة لهم أنهم لو خانوا بفعل محرم أو مكروه أو

__________

(1) وهذا هو الذى ترتاح إليه قلوب المؤمنين.

(2) لأن مقام المقرّب أعلى من مقام البار، فلا يقبل منه ما يقبل من البار. والله أعلم.

خلاف الأولى لكنّا مأمورين به؛ لأن الله تعالى أمرنا باتباعهم في أقوالهم وأفعالهم، وهو تعالى لا يأمر بمحرم ولا مكروه إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ [الأعراف: 28] .

وأما الصدق: فهو مطابقة خبرهم للواقع في دعوى الرسالة والأحكام الشرعية والأخبار العادية؛ لأنهم لو لم يصدقوا لما كان معنى لتصديقه تعالى لهم بالمعجزة النازلة منزلة قوله تعالى: «صدق عبدى في كل ما يبلغ عني» ، وأيضا صدقهم في الأخبار العادية دليله داخل في دليل الأمانة.

وأما التبليغ فهو: تأدية ما أتوا به مما أمروا بتبليغه للخلق بخلاف ما أمروا بكتمانه، وما خيّروا فيه. ودليله: أنهم لو كتموا شيئا مما أمروا بتبليغه للخلق لكنا مأمورين بكتمان العلم؛ لأن الله تعالى أمرنا بالاقتداء بهم، وكاتم العلم ملعون «1» .

ولو جاز عليهم الكتمان لكتم رئيسهم الأعظم صلّى الله عليه وسلّم قوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [الأحزاب: 37] . وأصحّ محامله ما نقله من يعوّل عليه في التفسير عن علي بن الحسين من أن الله تعالى كان أعلم نبيّه أن زينب ستكون من أزواجه، فلما شكاها إليه زيد قال صلّى الله عليه وسلّم: «أمسك عليك زوجك واتق الله» ، وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به من أنّه سيتزوجها، والله مبد ذلك بطلاق زيد لها وتزويجها صلّى الله عليه وسلّم، ومعنى الخشية: استحياؤه صلّى الله عليه وسلّم من النّاس أن يقولوا: تزوّج زوجة ابنه، أى من تبناه، فعاتبه الله تعالى على هذا الاستحياء، لعلوّ مقامه.

وما قيل من أنه صلّى الله عليه وسلّم تعلّق قلبه بها وأخفاه، فلا يلتفت إليه، وإن جلّ ناقلوه؛ فإنّ أدنى الأولياء لا يصدر عنه مثل هذا الأمر، فما بالك به صلّى الله عليه وسلّم «2» ؟!.

__________

(1) لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «كاتم العلم يلعنه كل شيء، حتى الحوت في البحر، والطير في السماء» رواه ابن الجوزى في العلل عن أبى سعيد.

(2) ومما قيل أيضا، وهو مرضيّ: إنه كان يخفى في نفسه إبطال عادة التبنّى هذه، فكيف يبطلها؟ وكيف يواجه الناس بإبطال هذه العادة الفاسدة؟ أما ما قيل من غير هذه الأشياء، وما يدور في فلكها من عدم مراعاة مقام النبوة ومكان الرسالة، فهو من قول المستشرقين ومن حذا حذوهم قديما وحديثا، وهو باطل ومردود.

وأما الفطانة فهي: التيقظ لإلزام الخصوم وإبطال دعاواهم الباطلة، ودليلها الايات كقوله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ [الأنعام: 83] ، والإشارة ب «تلك» عائدة على ما احتج به على قومه من قوله فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ [الأنعام: 76] إلى قوله وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: 82] . وكاية قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا [هود: 32] . وكاية وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:

125] أى بطريق تشتمل على نوع من الإرفاق بهم، ومن لم يكن فطنا لا تمكنه الحجة ولا المجادلة، وما ثبت لبعضهم من الكمال ثبت لغيره؛ فتثبت الفطانة لجميعهم.

ويستحيل في حقهم ضدّ هذه الصفات الأربعة؛ فضدّ الأمانة الخيانة، وضد الصدق الكذب، وضد التبليغ كتمان شيء مما أمروا به، وضد الفطانة الغافلة.

* وأما الجائز في حقهم فهو سائر الأعراض البشرية التى لا تؤدى إلى نقص في مراتبهم العلية؛ كالأكل والشرب والنوم، وما يكون من توابع الصحة أو مما لا يستغنى عنه كالجماع للنساء حلالا، سواء كان بالنكاح أو بالملك، فيجوز لهم الوطء بالنكاح لما عدا الكتابية والمجوسية، ونحوهما، وما عدا نكاح الأمة ولو مسلمة؛ لأنها إنما تنكح لخوف العنت، ولعدم المهر، وكلّ منهما منتف؛ أما الأوّل فللعصمة، وأما الثانى فلأنه يجوز للنبى أن يتزوج بدون مهر. ويعلم من تقييد النكاح بالحلال أنهم لا يطأون صائمات صوما مشروعا، ولا معتكفات كذلك، ولا حائضات ولا نفساء ولا محرمات بحج ولا عمرة.

ولا يجوز الاحتلام كما صححه النووي؛ لأنه من الشيطان، وقد ورد: «ما احتلم قط» .

وأما جواز وطئهم لملك، فيكون للأمة الكتابية معلّلا بأنه صلّى الله عليه وسلّم شريف عن أن يضع نطفته في رحم غير مسلمة، وبأنها تكره صحبته، وأما الأمة المسلمة بالملك فجائز باتفاق.

ويجوز عليهم المرض غير المنفّر، والإغماء غير الطويل، بخلاف الجنون قليله وكثيره، وأما سحر لبيد ابن الأعصم له صلّى الله عليه وسلّم في مشط سنة سبع من الهجرة بإغراء اليهود لبيد على ذلك بإعطائهم دنانير جعلتها له في مقابلة ذلك، فلم يؤثّر هذا السحر إلا في بعض جوارحه صلّى الله عليه وسلّم لا في عقله، فلم يكن قادحا في منصبه النبوي، وأما ما في بعض الروايات من أنه صلّى الله عليه وسلّم صار يخيل إليه أن يفعل

الشيء ولا يفعله، فقال أبو بكر بن العربي: «لا أصل له» «1» .

وأما السهو فممتنع عليهم في الأخبار البلاغية، كقولهم: الجنة أعدّت للمتقين، وعذاب القبر حق، وغير البلاغية: كقام زيد وقعد عمرو، وهكذا، وجائز عليهم السهو في الأفعال البلاغية وغيرها كالسهو في الصلاة للتشريع، لكن لم يكن سهوهم ناشئا عن اشتغالهم بغير ربهم، ولذلك قال بعض الشعراء:

يا سائلي عن رسول الله كيف سها ... والسهو عن كل قلب غافل لا هى

قد غاب عن كل شيء سرّه فسها ... عمّا سوى الله، فالتعظيم لله

ومن السهو الفعلى حديث ذى اليدين لمّا قال له: «أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟» حين سلّم من ركعتين، فقال: «كلّ ذلك لم يكن» . فقال ذو اليدين:

بل بعض ذلك كان» فقوله صلّى الله عليه وسلّم «كل ذلك لم يكن» لم يخل عن مطابقة الخبر للواقع بحسب اعتقاده صلّى الله عليه وسلّم، وقول ذى اليدين: «بل بعض ذلك كان» فيه مطابقة الخبر للواقع بحسب ما راه، وكل ذلك للتشريع وتعريف سجود السهو.

وأما النسيان فهو ممتنع في البلاغيات قبل تبليغها قولية كانت أو فعلية؛ فالقولية كالجنة أعدت للمتقين، والفعلية كصلاة الضحي، إذ أمر بها ليقتدى به فيها، فلا يجوز نسيان كل منهما قبل تبليغ الأولى بالقول، والثانية بالفعل، وأما بعد التبليغ فيجوز نسيان ما ذكر من الله «2» .

وأما نسيان الشيطان فيستحيل عليهم؛ إذ ليس للشيطان عليهم سبيل، وقول يوشع: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ [الكهف: 63] فكان قبل نبوته وعلمه بحال نفسه، وإلا فهو رحماني.

وبالجملة فيجوز على ظواهر الأنبياء ما يجوز على البشر، مما لا يؤدى إلى نقص، وأما بواطنهم فمنزهة عن ذلك، متعلقة بربهم؛ هذا تحقيق المقام، فالتأويل

__________

(1) الواقع أن هذا الحديث صحيح: رواه أئمة الحديث، وعلى رأسهم الإمام البخارى رضى الله عنه وعنهم، وليس في هذا مطعن فيه صلّى الله عليه وسلّم؛ فإن الذى حدث خيال وليس بحقيقة، وللحديث شاهد من قصة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام، في قوله تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [طه: 66] وشتان بين الخيال والواقع، والله تعالى أعلم.

(2) يحكم كل ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «إنى لا أنسي، ولكنى أنسّى لأسنّ» .

اللائق بمقامهم هو الجدير بالقبول والمطابق للحق عند المحققين في فن الكلام من المتكلمين، كالإمام شرف الدين التلمساني، وكالإمام السنوسى المغترف من بحر الله.

وقد سبق الكلام على أنّ مدح أصنام المشركين لا ذكر له في سورة «والنجم» ، وأن هذا إلقاء من الشيطان في قلوبهم ليجادلوا به.

,

الفصل الثانى فى الهجرتين إلى الحبشة

* الهجرة الأولى إلى الحبشة: ولما رأى ما يصيب أصحابه من البلاء والتعذيب في الإسلام، والفتنة، ورأى ما هو فيه من العافية من الله تعالى، ثمّ من عمه أبى طالب، وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، أذن صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة في رجب سنة خمس من النبوة، وقال لهم: «إن بها ملكا لا يظلم الناس ببلاده، فتحوّزوا «1» عنده حتّى يأتيكم الله بفرج منه» .

وكانت أرض الحبشة متجرا لقريش، فخرجوا متسللين سرا وعدّتهم اثنا عشر رجلا وأربع نسوة، وكان فيهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنزلوا بسفينتين للتجارة كانتا مسافرتين لذلك، حتى وصلوا للنجاشى ملك الحبشة، فكانت هذه هى أوّل هجرة في الإسلام. وكان قد خرج أثر المهاجرين جعفر بن أبى طالب مع أصحابه وزوجته أسماء بنت عميس، فتتابع المسلمون إلى الحبشة؛ فمنهم من هاجر بأهله ومنهم من هاجر بنفسه، ولهذا صحّ للمسلمين قديما وحديثا الهجرة من ديار الكفر إلى ديار الإسلام، ومن ديار الفسق إلى ديار الطاعة «2» ؛ فعلى المسلم أن ينتقل إلى الأرض التى يخفّ فيها الفسق أو الكفر إذا لم يجد دارا محضة لأهل الإسلام والتقوي، ويشهد لذلك هجرة المسلمين من مكة، وهى إذ ذاك دار كفر وجاهلية إلى أرض الحبشة، وهى دار كفر وأهل كتاب.

__________

(1) يقال: تحوّز الرجل: تمكّث وتلبّث.

(2) قول غير صحيح على إطلاقه؛ لأن النبى صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» وذلك لأن المسلمين في وقت الدعوة في مكة لم يكن أمامهم إلا الهجرة، أما وقد فتحت مكة، فقد فتحت الأرض بعدها سهولها وجبالها وأوديتها للمسلمين ينشرون فيها الإسلام، وأصبحت بلاد المسلمين واسعة الأطراف، فإذا كان في بلد من بلاد المسلمين بدعة من البدع، فالثبات هو الفرض على كل مسلم لإزالة هذه البدعة، والخروج من هذه البلاد فرار يعاقب عليه. والهجرة نفسها لم تكن هروبا، وإنما كانت بحثا عن أرض تصلح للدعوة، فلما أمروا بالمدينة رجعوا إليها واستقرت بها الأمور، وكان الفتح المبين، ونصر الله دينه وأعزه، فلا هجرة بعد ذلك ولكن جهاد ونية. والله تعالى أعلم.

وإنما تجب المهاجرة من أرض البدعة ما لم يتمكن المقيم بها من وظيفة حسنة كالإرشاد والهداية، فالمقام بهذا القصد أولي؛ لأن الخروج سلامة، والمقام كرامة، ولهذا لم يهاجر إلى الحبشة إلا البعض ممن حسنت هجرته، لا سيما المستضعفين «1» .

* وفي أثناء مكث المهاجرين بالحبشة في الهجرة الأولى أسلم عمر بن الخطاب رضى الله عنه سنة خمس من النبوة بعد إسلام حمزة رضى الله عنه بثلاثة أيام. قال ابن عباس: لما أسلم عمر بن الخطاب قال جبريل للنبى صلّى الله عليه وسلّم: يا محمد لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر، فإن المشركين قالوا: قد انتصف القوم اليوم منا، وأنزل الله تعالى على المصطفى صلّى الله عليه وسلّم: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: 64] وكان أمر المسلمين قبله على غاية من الخفاء، وبعده على غاية من الظهور.

وسبب إسلامه أنه وجد مع أخته بعض ايات من القران من سورة الأنبياء، وكانت خبّأتها عنه، فسلبها من يدها غصبا، فقرأها، فحلت في قلبه محل الإعجاب، وأفحمه لفظها ومعناها، فذهب إلى النبى صلّى الله عليه وسلّم وأسلم على يديه، وكان ذلك إجابة لدعوة النبى صلّى الله عليه وسلّم بقوله: «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك:

عمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام» (اسم أبى جهل) فكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب، فكان عز الإسلام بعمر بن الخطاب.

وذكر الدار قطنى أن عائشة قالت: إنما قال النبى صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم أعزّ عمر بالإسلام» لأن الإسلام يعزّ ولا يعز، وكان دعاؤه صلّى الله عليه وسلّم بذلك يوم الأربعاء، فأسلم عمر يوم الخميس، وكان عمر لا يرام ما وراء ظهره، فامتنع به وبحمزة الصحابة.

وفي البخاري: «لما أسلم عمر اجتمع الناس عند داره وقالوا: صبأ عمر، فبينما هو في داره خائفا إذ جاءه العاص بن وائل، وقال له: ما لك؟ قال: زعم قومى أنّهم يقتلوننى إن أسلمت، قال: أمنت؛ لا سبيل إليك. فخرج العاص فلقى الناس

__________

(1) هم الذين كانوا يعذّبون في مكة.

قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد عمر بن الخطاب الذى صبأ، فقال: لا سبيل إليه فأنا له جار» ، فكرّ الناس وتصدّعوا عنه» *.

وكان ابن مسعود يقول: ما كنّا نقدر أن نصلّى عند الكعبة حتّى أسلم عمر رضى الله عنه. وقال أيضا: كان إسلامه فتحا، وهجرته نصرا، وإمامته رحمة.

وروى ابن شريح بن عبيد عنه أنه قال: خرجت أتعرّض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فوجدته قد سبقنى إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة «الحاقة» فجعلت أعجب من تأليف القران، قال: فقلت هذا والله شاعر كما قالت قريش. قال: فلما قرأ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ قال: قلت كاهن، كأنه علم ما فى نفسى فقرأ: وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (43) [الحاقة: 42، 43] إلى اخر السورة، فوقع الإسلام في قلبى كل موقع» . ولعل واقعة سماع القران تعددت قبل إسلامه.

[مسألة الغرانيق وما سمّوه الايات الشيطانية] :

ولما قرأ صلّى الله عليه وسلّم سورة «والنجم» (وكان يرتل قراءته) فلما بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (30) [سورة النجم 19: 20] ارتصده الشيطان فى سكتة من سكتاته، فألقى عندها: [تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي] محاكيا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنّها من قول النبى صلّى الله عليه وسلّم، وأشاعها، فوقعت في قلب كل مشرك بمكة، وذلت منها ألسنتهم وتباشروا بها، وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى ديننا. فلما بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اخر سورة النجم «1» سجد وسجد معه كل مشرك غير الوليد بن المغيرة، كان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود، ملأ كفه ترابا سجد عليه، فعجب الفريقان كلاهما في السجود بسجود النبى صلّى الله عليه وسلّم، وعجب المسلمون بسجود المشركين معهم، ولم يكن المسلمون سمعوا ما ألقى الشيطان، كما قاله موسى بن عقبة، وأما المشركون فاطمأنوا إلى رسول الله

__________

* انظر فتح البارى باب إسلام عمر: ح 3864 ص 224 ج 72. وفي سيرة ابن هشام خبر قريب مع اختلاف القصة وهو أن قتالا وقع بين عمر وقريش في الكعبة فتكاثروا عليه، فأجاره خاله العاص بن وائل (وانظرها في سيرة ابن هشام) (إسلام عمر بن الخطاب) .

(1) الاية 62 قوله تعالى: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا.

وأصحابه، وفشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان حتّى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين، ثم بعد مكثهم هناك دون ثلاثة أشهر رجع كثير منهم عند ما بلغهم عن المشركين بسجودهم مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند قراءته سورة «والنجم» ، وظنوا إسلامهم.

ولما بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تلك الكلمة التى فشت في الناس ساءه ذلك؛ فأنزل الله عز وجل: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أى قرأ أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: 52] (أى قراءته) كما قال الفراء. ويؤيده ما رواه ابن جرير:

«وإلقاء الشيطان فيها أن يتكلم بذلك رافعا صوته، بحيث يظن السامعون أنه من قراءة النبى صلّى الله عليه وسلّم» . وعلّقه البخارى في صحيحه عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله تعالى: إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: 52] قال: إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه «1» فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ [الحج:

52] وَاللَّهُ عَلِيمٌ بإلقاء الشيطان ما ذكر، حَكِيمٌ فى تمكينه منه، يفعل ما يشاء» .

ويؤيد ذلك ما سبق في الفصل الأوّل من هذا الباب من أن كفار قريش لما كانوا يطوفون بالكعبة كانوا يقولون: «واللات والعزّى ومناة الثالثة الاخري، فإنهن غرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي» ، فكانت هذه العبارة مركوزة في أذهانهم، هاجسة في خواطرهم، يخيّل لهم سماعها، وأن الشيطان نطق بها عند انقطاع نفس النبى صلّى الله عليه وسلّم في التلاوة، فحاكى بها صوته.

واللّات والعزّى ومناة: أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها، وقيل غير ذلك. والغرانيق هى في الأصل: الذكور من طير الماء الأبيض الطويل العنق، وقيل أسود كالكركي، وقيل: إنه الكركي، ويتجوّز به عن الشاب الناعم، والمراد بها الأصنام، حيث كانوا يزعمون أن الأصنام تقرّبهم من الله وتشفع لم، فشبّهت بالطيور التى تعلو في السماء وترتفع.

والفرق بين الصنم والوثن أن الصنم الصورة بلا جثة، والوثن كل ما له جثة

__________

(1) نص ما قاله البخارى كاملا: «وقال ابن عباس: فِي أُمْنِيَّتِهِ إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقى الشيطان، ويحكم آياته» . اه.

معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الادمي، تعمل وتنصب وتعبد، ومنهم من لم يفرّق بينهما وأطلقهما على المعنيين، وقد يطلق الوثن على غير الصورة.

وقد اختلف المفسرون في المراد بالنجم على أقوال: أحدها: أنه الجملة من القران إذا نزلت، وكلما نزل منه شيء في وقت فهو نجم. ثانيها: أنه عنى بالنجم الثّريّا «1» ، والعرب تطلق اسم النجم على الثريا خاصة، فلا يذكرونه في الإطلاق إلا لها، قائلهم:

طلع النّجم عشيا ... ابتغي الراعى كسيا

وقال أيضا:

طلع النجم غديّه ... ابتغي الراعى شكيّه

يعنى الثريا، وهى تطلع العشا في الثلث الأخير من فصل الخريف، قبل الشتاء بشهر، وذلك مباديء قوة البرد، لأن اخر كلّ فصل شبيه بالذى بعده، فلهذا طلب الراعى الكساء، وتطلع بالغداة في الصيف وقت أوان اللبن، فلهذا طلب الشّكية: تصغير شكوة، وهى جلد الرضيع يتخذ للبن، أصغر من الوطب، الذى هو جلد الجذع.

وفي الحديث: «ما طلع النجم قطّ وفي الأرض من العاهة شيء إلا ارتفع» رواه الإمام أحمد.

قال ابن دريد: الثريّا سبعة أنجم؛ ستة أنجم منها ظاهرة، وواحد خفيّ، يمتحن الناس به أبصارهم.

وعلى قول ابن دريد قول الشاعر:

خليليّ إنّى للثريّا لحاسد ... وإنّي على ريب الزمان لواجد

أيبقي جميعا شملها «2» وهى سبعة ... وأفقد من أحببته، وهو واحد

وذكر القاضى عياض في «الشفاء» أنه صلّى الله عليه وسلّم كان يرى في الثريا أحد عشر نجما.

__________

(1) الثريا: مجموعة من النجوم في صورة الثور، وكلمة النجم علم عليها.

(2) السمل: القذيم.

وذكر السهيلي: أنه صلّى الله عليه وسلّم كان يرى فيها اثنى عشر نجما، والقول بأن المراد بالنجم الثريا قاله ابن عباس ومجاهد في رواية عنهما، واختاره ابن جرير والزمخشري، وقال السمين: إنه الصحيح. اهـ.

وهى أشبه شيء بعنقود العنب. ومن شعر سيدى عبد العزيز الديرينى رحمه الله:

وصغّرت ثرية لكثره ... والخصب في طلوعها واليسره

وقال ابن قتيبه في كتاب «الأنواء» : جاءت، أى الثريا، مصغرة لاجتماعها ولم يتكلم بها إلا كذلك، وأصلها من الثروة، وهى كثرة العدد، وهى ستة أنجم ظاهرة، فى خلالها نجوم كثيرة خفية، ويسمونها نجما وأنواء.

ومع ما قيل في هذه الاية وهى قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ «1» [الحج: 52] وأنه حين قرأ سورة «النجم»

__________

(1) كل الذى جرى في هذا الموضوع خبط وهوس من وضع الوضّاعين أصحاب المذاهب الهدّامة، وقع فيه كثير من الناس- رزقنا الله العافية من البلاء. وقد ذكر البغوى رحمه الله في تفسيره أجوبة منها: أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وليس كذلك في نفس الأمر، بل إنما كان من صنيع الشيطان، لا عن رسول الرحمن صلّى الله عليه وسلّم. وقال القاضى عياض رحمه الله: «اعلم أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما: فى توهين أصله. والثاني: على تسليمه. أما المأخذ الأوّل: فيكفيك أن هذا حديث لم يخرّجه أحد من الصحاح، ولا روى بسند سليم متصل ثقة، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. وقال أبو بكر البزار: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبى صلّى الله عليه وسلّم بإسناد متصل يجوز ذكره» . (انظر القرطبى ص 82 ج 12 طبع دار الكتب) . ثم قال القرطبى رحمه الله: الثالث: «الأحاديث المروية في نزول هذه الاية: ليس منها شيء يصح» .. إلى أن قال: قال النحاس: «وهذا الحديث منقطع، وفيه الأمر العظيم» . ا. هـ. -.

وبلغ فيها وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ارتصده الشيطان في سكتة من سكتاته فألقى عندها [تلك الغرانيق العلي، وإن شفاعتهن لترتجي] محاكيا نغمته إلى اخره، فقد ردّ بعضهم هذا كله وقال: إنه موضوع وضعه الزنادقة، ولا أصل له؛ لأن الشيطان لا يلقى على الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام شيئا؛ حيث هم معصومون. وحلّ هذه المسألة يفهم مما كتبه البيضاوى والشهاب الخفاجى والشيخ زاده في هذا المحل، يعنى قوله تعالى: إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ؛ فإنه يفهم من كلام البيضاوى أنه هيأ في نفسه ما يهواه أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أى في تشهّيه ما يوجب اشتغاله بالدنيا، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إنه ليغانّ على قلبى فأستغفر الله سبعين مرة» «1» قال الشهاب: حديث صحيح، والغين قريب من الغيم لفظا، والمعنى أنه يعرض لقلبى أن يغشاه بعض أمور من أمور الدنيا والخواطر البشرية مما يلزم للتبليغ، لكنها لإشغالها عن ذكر الله يعدّها كذنوب، فيفزع إلى الاستغفار منها، و (سبعين) للتكثير لا للتخصيص.

(انتهى كلام الشهاب) .

__________

- والذى يميل إليه القلب ويسكن من الفزع هو: أنّ أيّ نبيّ من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إنما يتمنى أن يؤمن قومه جميعا، فيلقى الشيطان في هذه الأمنية ويدعثر قوما من قومه، ويلقى في أدمغتهم وقلوبهم الخبال، ويشنون على النبى الحرب حتّى لا يؤمن قومه. ولو أن الشيطان تمكن من أن يلقى على لسان نبى من الأنبياء لضاعت رسالته من أولها إلى اخرها، ويكفى شاهدا ودليلا وضاحا قوله تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر: 42] . والأنبياء أخص الخاصة من عباد الله تعالى.

(1) أغان الغين السماء: ألبها. والحديث رواه مسلم وأبو داود والنسائى وأحمد عن الأغرّ المزنى رضى الله عنه بلفظ: «إنه ليغان على قلبي، وإنى لأستغفر في اليوم مائة مرة» . ويروى أن الإمام أبا الحسن الشاذلى رضى الله عنه رأى حضرة النبى صلّى الله عليه وسلّم في المنام فسأله عن الحديث. فقال له: «غين أنوار لا غين أغيار يا مبارك» . وقال الإمام العينى رحمه الله: وإنما كان يستغفر هذا المقدار مع أنه معصوم ومغفور له لأن الاستغفار عبادة، أو هو تعليم لأمته، أو استغفار من ترك الأولى.. إلى أن قال: اشتغاله بالنظر فى مصالح الأمة ومحاربة الأعداء وتأليف المؤلفة قلوبهم ونحو ذلك شاغل عن عظيم مقامه، من حضوره مع الله عز وجل، وفراغه مما سواه، فيراه ذنبا بالنسبة إليه، وإن كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات وأفضل الأعمال، فهو نزول عن عالى درجته، فيستغفر لذلك. وقيل: كان دائما في الترقى في الأحوال، فإذا رأى ما قبلها دونه استغفر منه، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.

قال البيضاوى في قوله تعالى: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ: «فيبطله ويذهب به، بعصمته عن الركون إليه، والإرشاد إلى ما يريحه» . (انتهى كلام البيضاوي) .

فقوله (بعصمته عن الركون إليه) إلى اخره هو محل الإشارة إلى الجواب كما يفهم بالتأمل ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ قال البيضاوي: ثم يثبّت آياته الداعية إلى الاستغراق في أمر الآخرة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوال الناس حَكِيمٌ بما يفعله بهم، قال البيضاوي: «حدّث نفسه بزوال المسكنة فنزلت، وقيل تمنى لحرصه على إيمان قومه أن ينزل عليه ما يقرّبهم إليه، واستمر به ذلك حتّى كان في ناديهم، ونزلت عليه سورة «والنجم» فأخذ يقرأها فلما بلغ وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم:

20] وسوس إليه الشيطان حتّى سبق لسانه سهوا إلى أن قال: «تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي» ، ففرح به المشركون حتّى تابعوه بالسجود لمّا سجد في اخرها أى اخر سورة النجم، بحيث لم يبق في المسجد مؤمن ولا مشرك إلا سجد، ثم نبّأه جبريل عليه السلام، فاغتمّ لذلك، فعزّاه أى سلاه الله بهذه الاية.

وهو (أى ما ذكر من قوله سبق لسانه سهوا وقوله تلك الغرانيق.. إلخ) مردود عند سائر المحققين «1» . وإن صحّ فابتلاء يتميز به الثابت على الإيمان عن المتزلزل فيه، وقيل: تَمَنَّى أى قرأ؛ كقول حسان رضى الله عنه:

تمنّي كتاب الله أوّل ليلة ... تمنّي داود الزبور علي رسل

[الرّسل: الترتيل في القراءة بتؤدة وسكينة من غير سرعة، وضمير «تمني» فى البيت لعثمان رضى الله عنه، وأمنيته: قراءته] .

وإلقاء الشيطان فيها أن يتكلم بذلك رافعا صوته بحيث يظن السامعون أنه من قراءة النبى صلّى الله عليه وسلّم.

وقد ردّ أيضا بأنه يخلّ بالوقوف على القران، ولا يندفع بقوله: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ [الحج: 52] لأنه أيضا يحتمله، وبأن الاية على

__________

(1) وهذا هو الصحيح، وما قيل فهو كذب وزور وبهتان على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأنه مرسل لهدم هذه الغرانيق والأصنام، وهو من ضلال المضللين وافتراء الكذابين كما سبق أن قلنا.

هذا التفسير تدل على جواز السهو على الأنبياء وتطرّق الوسوسة إليهم سيأتى ردّه فى عبارة الشهاب لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ [الحج: 53] علة لتمكين الشيطان منه، وذلك يدل على أن الملقى أمر ظاهر عرفه المحقّ والمبطل فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك ونفاق وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ المشركين وَإِنَّ الظَّالِمِينَ يعنى الفريقين، فوضع الظاهر موضع ضميرهم، قضاء عليهم بالظلم لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ عن الحق، أو عن الرسول والمؤمنين. (انتهى كلام البيضاوي) .

قال الشهاب: قوله «سبق لسانه سهوا» هذا غير صحيح؛ لأنه صلّى الله عليه وسلّم محفوظ عن السهو بما يخالف الدين والشرع؛ لأن التكلم بما هو كفر سهوا أو نسيانا لا يجوز على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وإذا سها صلّى الله عليه وسلّم في صلاة ونحوها كان تشريعا، حتى قال بعض العلماء: إن سجدة السهو في حقه صلّى الله عليه وسلّم سجدة شكر، وقول البيضاوى في عبارته المتقدمة: «وهو مردود عند المحققين» ، قال الشيخ زادة:

يعنى أن جماعة من المفسرين وإن قالوا إن هذه الايات نزلت تسلية له عليه الصلاة والسلام في اغتمامه بما سبق لسانه سهوا من حديث الغرانيق، إلا أنّ رؤساء أهل السنة والجماعة ردّوا هذا القول، وقالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة، واحتجوا عليه بالقران العظيم والسنة والمعقول:

أما القران فمنه قوله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ [الحاقة: 44] أى النبى صلّى الله عليه وسلّم بأن كلّف نفسه أن يقول مرة في الدهر كذبا عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ أى التى لم نقلها، أو قلناها ولم نأذن له فيه، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ أي: بالقوة والقدرة، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ أى نياط القلب، وهو يتصل من الرأس، إذا انقطع مات صاحبه.

ومنه أيضا قوله تعالى: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ. [يونس: 15] ومنه قوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (4) [النجم: 3، 4] . فلو أنه عليه الصلاة والسلام قرأ عقيب هذه الاية قوله: [تلك الغرانيق العلي] لما ظهر صدق الله تعالى في جميع ذلك، وذلك لا يقول به مسلم.

وأما السنة: فهو أنه روى عن محمد بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال:

هذا من وضع الزنادقة، وصنّف فيه كتابا.

وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: «هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، وإن رواة هذه القصة مطعونون، وأيضا فقد روى البخارى في صحيحه «أنه صلّى الله عليه وسلّم قرأ سورة النجم وسجد المسلمون والمشركون والإنس والجن» وليس فيه حديث الغرانيق.

وأما المعقول: فما ذكره الإمام النسفى في تفسيره بقوله: «والصحيح المعتمد عليه أن النبى صلّى الله عليه وسلّم لم يتكلم بها، فلا يخلو الأمر من أحد ثلاثة أوجه:

إما أن يجرى ذلك على لسانه عمدا باختياره، وهذا لا يجوز؛ لأنه كفر، وهو صلّى الله عليه وسلّم جاء داعيا إلى الإيمان ناهيا عن الكفر طاعنا في الأصنام، فكيف يمدحها ويعظّمها باختياره؟!.

وإما أن يجرى الشيطان ذلك على لسانه صلّى الله عليه وسلّم جبرا بحيث لم يقدر على الامتناع عنه، وهذا أيضا لا يجوز؛ لأن الشيطان لا يقدر على ذلك في حق غيره صلّى الله عليه وسلّم لقوله تبارك وتعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر: 42] وقوله تعالى حكاية عن الشيطان وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم: 22] فكيف يقدر على ذلك في حقه صلّى الله عليه وسلّم؟!.

وإما أن يقع ذلك على لسانه صلّى الله عليه وسلّم سهوا وغفلة من غير قصد، وهو أيضا مردود؛ لأنه صلّى الله عليه وسلّم كان أعقل الخلق وأعلمهم، فكيف تجوز عليه هذه الغافلة؟! خصوصا في حالة تبليغ الوحي، ولو جاز ذلك لبطل الاعتماد على قوله والثقة به، لقيام احتمال الغلط والخطأ في كل واحد من الأحكام والشرائع، فلما بطلت هذه الوجوه كلها لم يبق إلا احتمال واحد، وهو أنه عليه الصلاة والسلام وقف وسكت عند قوله: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (20) [النجم: 20] والشيطان حاضر عنده، فتكلّم الشيطان بهذه الكلمات متصلا بقراءته صلّى الله عليه وسلّم، ووقع عند بعضهم أنه صلّى الله عليه وسلّم هو الذى تكلم بهذا، وتكون هذه إلقاء في قراءة النبى صلّى الله عليه وسلّم، وكان الشيطان يتكلم في زمن الوحي، كما ذكر أنه ظهر في صورة شيخ نجدى على المشركين الذين اجتمعوا في دار الندوة على قضية المكر بالنبى صلّى الله عليه وسلّم، وتكلم في شوّارهم «1» ، واستصوب رأى بعضهم وخطّأ اخرين، وذكر أيضا أنه نادى يوم أحد أن محمدا

__________

(1) مشيروهم بالرأي.

قد قتل، وقال يوم بدر لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ [الأنفال: 48] .

وهذا الاحتمال غير مستحيل عقلا وشرعا، فتنة من الله وابتلاء لعباده، لكنه إنما يجوز في غير مقام تبليغ الوحى وأداء الرسالة له، لأننا لو جوّزنا ذلك لارتفع الأمان عن شرعه، ولجوّزنا في كل ما بلّغه إلينا عن الله تعالى أن ينضم إليه غيره بخلط الشيطان، فظهر مما ذكرنا أن هذه القصة موضوعة، غاية ما في الباب أن جمعا من المفسرين رحمهم الله ذكروها، لكنهم ما بلغوا في الكثرة حدّ التواتر، وخبر الواحد لا يعارض الدلائل العقلية والنقلية والمتواترة، فلذلك قال البيضاوى في تفسير الاية: «ألقى الشيطان في تشهّيه ما يوجب اشتغاله في الدنيا، ولم يقل ما يوافق تشهيه من الكلام» .

ثم قال البيضاوي: «وإن صحّ فالظاهر أن مبنى الصحة أن يتكلم به الشيطان عند سكوته عليه الصلاة والسلام عند قوله تعالى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى. فإنه أقرب الاحتمالات المذكورة إلى الصحة؛ فيكون المعنى: ما من رسول ولا نبى قبلك إلا مكّنا الشيطان أن يلقى في قراءتهم مثل ما ألقى في قراءتك عند ما تمنيت، فلا تهتم بذلك؛ فإنا نجعل ذلك لإضلال قوم وهداية اخرين، والتمييز بين الثابت على الإيمان والمتزلزل عنه» انتهى كلام البيضاوي.

وعبارة العلّامة الشهاب الخفاجى في قوله «وهو مردود عند المحققين وإن صحّ ... » قد ذكرنا فيها ما قاله الشيخ زادة، وقال الشهاب الخفاجى فيها قوله:

«وهو مردود عند المحققين، وإن صح ... » إشارة إلى عدم صحته: رواية ودارية:

أما الأوّل (عدم صحته دارية) ؛ فلما قاله القاضى عياض: إنه لم يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة بسند صحيح معتمد عليه. وبالغ بعضهم فقال:

إنه من وضع الزنادقة، وأكثر المحدّثين على عدم صحّته.

وأما الثانى (عدم صحته رواية) فلما مرّ، فعلى تقدير صحته يكون خرج مخرج الكلام الوارد على زعمهم أو على الإنكار لا غير، أو المراد بالغرانيق:

الملائكة، وإجماله للابتلاء به.

وأما كونه ابتلاء من الله ليختبر به الناس، كما ذكره البيضاوى رحمه الله تعالى، فلا يليق به؛ لأنه إن كان بسهو منه فقد علمت أنه محفوظ عن مثله، وإن كان بتكلم الشيطان وإسماعه لهم، فكذلك لما يلزمه من عدم الوثوق بالوحي» انتهى كلام الشهاب.

قال الشيخ زاده عند قوله فيما تقدم «وقيل تَمَنَّى قرأ، كقول حسان ... » إلخ.

«إن التمنّى في اللغة بمعنيين: تمنّى القلب، والقراءة، قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ [البقرة: 78] ، أى إلا قراءة، لأن الأمى لا يعلم القران من المصحف، وإنما يعلمه قراءة، وقال رواة اللغة: الأمنية القراءة، واحتجوا عليه ببيت حسان رضى الله عنه: * تمنّى كتاب الله أوّل ليلة*

وقيل: الأولى في تأويل الاية أن يقال: التمنى بمعنى القراءة، فقوله تعالى: أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: 52] أى عند تلاوته القران في قلوب المشركين ما يجادلون به الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ويحاجّون به ويوقعون به شبهة في قلوب أتباعه ليمنعوهم عن اتّباعه كقولهم عند سماع قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «حرّم عليكم الميتة» إنه يحل ذبيحة نفسه ويحرّم ذبيحة الله تعالى. فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فى قلوب المشركين بإنزال قوله: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام: 121] وقوله: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: 118] فبيّن به أنّ ما أحلّ هذا بذكر اسم الله عليه، وحرّم الاخر بعدم ذكر اسم الله عليه، وكقولهم عند سماع إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: 98] : إنّ عيسى عليه الصلاة والسلام والملائكة عبدوا من دون الله تعالى مع أنه تعالى لا يخزيهم يوم القيامة، فنسخ قولهم هذا بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [الأنبياء: 101] فبين الله تعالى استثناء عيسى والملائكة من قوله: وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وذلك لأن «ما» لغير العاقل، وأن المراد الأصنام فقط، انتهى (عبارة الشيخ زاده) .

وهذا زبدة ما قيل في قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ.. إلى اخره.

وقد سبق أنّ من جملة المنكرين قصة ما في «النجم» القاضى عياض، فإنه قال: [هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به المفسرون والمؤرخون] «1» . انتهى.

ولا ينظر لردّ ابن حجر على القاضى عياض بأنه لا فائدة فيما قاله، ولا

__________

(1) انظر هامش 2 ص 86.

يعوّل على كلامه، لا سيما مع قول البيهقي: «إن رواة هذه القصة كلهم مطعون فيهم» ، ومع قول النووى نقلا عن البيهقى ونصه: «وأما ما يرويه الأخباريون والمفسرون أن سبب سجود المشركين مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما جرى على لسانه من الثناء على الهتهم فباطل لا يصح منه شيء، لا من جهة النقل ولا من جهة العقل؛ لأن مدح إله غير الله كفر، ولا يصح نسبة ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولا أن يقوله الشيطان على لسانه صلّى الله عليه وسلّم، ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك، ولا يلزم عدم الوثوق بالوحي.

* وقال الفخر الرازي: «هذه القصة باطلة موضوعة لا يجوز القول بها، قال الله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (4) [النجم: 3، 4] والشيطان لا يجتريء أن ينطق بشيء من الوحي.

* وفي كتاب «الإبريز» للعارف بالله تعالى سيدى عبد العزيز الدباغ ما يفيد تصحيح «1» قول القاضى عياض من أن حديث الغرانيق لا أصل له، ورد قول ابن حجر المحتاج للتأويلات في تفسيره الاية، ثم فسّرها صاحب الإبريز بتفسير بديع وأقرب للعقول، وعبارته: «إن الله تعالى ما أرسل من رسول ولا بعث نبيّا من الأنبياء إلى أمة من الأمم إلا وذلك الرسول يتمنى الإيمان لأمته، ويحبه لهم ويرغّب فيه، ويحرص عليه غاية الحرص، ويعالجهم عليه أشد المعالجة، ومن جملتهم في ذلك نبينا صلّى الله عليه وسلّم الذى قال له الرب سبحانه فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف: 6] ، وقال تعالى وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: 103] . إلى غير ذلك من الايات المتضمّنة لهذا المعنى، ثم الأمة تختلف كما قال تعالى:

وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ [البقرة: 253] ، فأما من كفر فألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة له في الرسالة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضا لا يخلو من وساوس القادحة؛ لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب، وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة، وبحسب المتعلقات، إذا تقرر هذا فمعنى تمنّي: أنه يتمنى الإيمان لأمته، ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في

__________

(1) أى اعتباره هو الصحيح.

قلوب أمة الدعوة من الوساوس لكفر بعضهم، ويرحم الله المؤمنين فينسخ ذلك من قلوبهم، ويحكم الايات الدالة على الواحدانية والرسالة، ويبقى ذلك عز وجل في قلوب المنافقين والكافرين، ليفتتنوا به.

فخرج من هذا أن الوساوس تلقى أوّلا في قلوب الفريقين معا، غير أنها لا تدوم على المؤمنين وتدوم على الكافرين.

وهذا التفسير من أبدع ما يسمع؛ لأنه يوفى بثلاثة أمور: العموم الذى في أولها، والتعليل الذى في اخرها، ويعطى الرسالة حقها» . انتهى كلام صاحب الإبريز «1» .

ومنه يفهم أن إلقاء الوسوسة إنما هو في المتمنّى للأمة من أنبيائهم لهم، وهو إيمانهم وطاعتهم وتوفيقهم مما هو وصفهم، وليست الوسوسة متوجهة على الأنبياء المعصومين، الذين خاتمهم وأكملهم صلّى الله عليه وسلّم؛ فإنّ من عرف ما يجب للرسل وما يستحيل عليهم وما يجوز لهم علم وجوب العصمة واستحالة ضدها.

* وبيان ذلك: أنه يجب في حقّهم الأمانة، والصدق، والتبليغ، والفطانة: فأما الأمانة:

فهى عصمة ظواهرهم وبواطنهم من التلبّس بمنهيّ عنه، ولو نهي كراهة أو خلاف الأولي؛ فهم محفوظون من منهيات الظاهر ومن منهيات الباطن، كالحسد والكبر والرياء وغير ذلك، والمراد المنهيّ عنه ولو صورة، فيشمل ما قبل النبوة، ولو في حال الصغر حتّى أن المباح أو المكروه إذا وقع منهم كان صورة للتشريع، فيصير واجبا أو مندوبا في حقهم؛ فأفعالهم دائرة بين الواجب والمندوب، بل ومن الأولياء الذين هم أتباعهم من يصل منهم لمقام تصير حركاته وسكناته طاعات بالنيات، فقد ثبت أنّه صلّى الله عليه وسلّم توضأ مرة أو مرتين وشرب قائما.

وأما المحرّم: فلم يقع منهم إجماعا، وما أوهم المعصية فمؤوّل من باب (حسنات الأبرار سيئات المقربين «2» ولا يجوز النطق به في غير مورده إلا في مقام البيان. ودليل وجوب الأمانة لهم أنهم لو خانوا بفعل محرم أو مكروه أو

__________

(1) وهذا هو الذى ترتاح إليه قلوب المؤمنين.

(2) لأن مقام المقرّب أعلى من مقام البار، فلا يقبل منه ما يقبل من البار. والله أعلم.

خلاف الأولى لكنّا مأمورين به؛ لأن الله تعالى أمرنا باتباعهم في أقوالهم وأفعالهم، وهو تعالى لا يأمر بمحرم ولا مكروه إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ [الأعراف: 28] .

وأما الصدق: فهو مطابقة خبرهم للواقع في دعوى الرسالة والأحكام الشرعية والأخبار العادية؛ لأنهم لو لم يصدقوا لما كان معنى لتصديقه تعالى لهم بالمعجزة النازلة منزلة قوله تعالى: «صدق عبدى في كل ما يبلغ عني» ، وأيضا صدقهم في الأخبار العادية دليله داخل في دليل الأمانة.

وأما التبليغ فهو: تأدية ما أتوا به مما أمروا بتبليغه للخلق بخلاف ما أمروا بكتمانه، وما خيّروا فيه. ودليله: أنهم لو كتموا شيئا مما أمروا بتبليغه للخلق لكنا مأمورين بكتمان العلم؛ لأن الله تعالى أمرنا بالاقتداء بهم، وكاتم العلم ملعون «1» .

ولو جاز عليهم الكتمان لكتم رئيسهم الأعظم صلّى الله عليه وسلّم قوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [الأحزاب: 37] . وأصحّ محامله ما نقله من يعوّل عليه في التفسير عن علي بن الحسين من أن الله تعالى كان أعلم نبيّه أن زينب ستكون من أزواجه، فلما شكاها إليه زيد قال صلّى الله عليه وسلّم: «أمسك عليك زوجك واتق الله» ، وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به من أنّه سيتزوجها، والله مبد ذلك بطلاق زيد لها وتزويجها صلّى الله عليه وسلّم، ومعنى الخشية: استحياؤه صلّى الله عليه وسلّم من النّاس أن يقولوا: تزوّج زوجة ابنه، أى من تبناه، فعاتبه الله تعالى على هذا الاستحياء، لعلوّ مقامه.

وما قيل من أنه صلّى الله عليه وسلّم تعلّق قلبه بها وأخفاه، فلا يلتفت إليه، وإن جلّ ناقلوه؛ فإنّ أدنى الأولياء لا يصدر عنه مثل هذا الأمر، فما بالك به صلّى الله عليه وسلّم «2» ؟!.

__________

(1) لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «كاتم العلم يلعنه كل شيء، حتى الحوت في البحر، والطير في السماء» رواه ابن الجوزى في العلل عن أبى سعيد.

(2) ومما قيل أيضا، وهو مرضيّ: إنه كان يخفى في نفسه إبطال عادة التبنّى هذه، فكيف يبطلها؟ وكيف يواجه الناس بإبطال هذه العادة الفاسدة؟ أما ما قيل من غير هذه الأشياء، وما يدور في فلكها من عدم مراعاة مقام النبوة ومكان الرسالة، فهو من قول المستشرقين ومن حذا حذوهم قديما وحديثا، وهو باطل ومردود.

وأما الفطانة فهي: التيقظ لإلزام الخصوم وإبطال دعاواهم الباطلة، ودليلها الايات كقوله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ [الأنعام: 83] ، والإشارة ب «تلك» عائدة على ما احتج به على قومه من قوله فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ [الأنعام: 76] إلى قوله وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: 82] . وكاية قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا [هود: 32] . وكاية وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:

125] أى بطريق تشتمل على نوع من الإرفاق بهم، ومن لم يكن فطنا لا تمكنه الحجة ولا المجادلة، وما ثبت لبعضهم من الكمال ثبت لغيره؛ فتثبت الفطانة لجميعهم.

ويستحيل في حقهم ضدّ هذه الصفات الأربعة؛ فضدّ الأمانة الخيانة، وضد الصدق الكذب، وضد التبليغ كتمان شيء مما أمروا به، وضد الفطانة الغافلة.

* وأما الجائز في حقهم فهو سائر الأعراض البشرية التى لا تؤدى إلى نقص في مراتبهم العلية؛ كالأكل والشرب والنوم، وما يكون من توابع الصحة أو مما لا يستغنى عنه كالجماع للنساء حلالا، سواء كان بالنكاح أو بالملك، فيجوز لهم الوطء بالنكاح لما عدا الكتابية والمجوسية، ونحوهما، وما عدا نكاح الأمة ولو مسلمة؛ لأنها إنما تنكح لخوف العنت، ولعدم المهر، وكلّ منهما منتف؛ أما الأوّل فللعصمة، وأما الثانى فلأنه يجوز للنبى أن يتزوج بدون مهر. ويعلم من تقييد النكاح بالحلال أنهم لا يطأون صائمات صوما مشروعا، ولا معتكفات كذلك، ولا حائضات ولا نفساء ولا محرمات بحج ولا عمرة.

ولا يجوز الاحتلام كما صححه النووي؛ لأنه من الشيطان، وقد ورد: «ما احتلم قط» .

وأما جواز وطئهم لملك، فيكون للأمة الكتابية معلّلا بأنه صلّى الله عليه وسلّم شريف عن أن يضع نطفته في رحم غير مسلمة، وبأنها تكره صحبته، وأما الأمة المسلمة بالملك فجائز باتفاق.

ويجوز عليهم المرض غير المنفّر، والإغماء غير الطويل، بخلاف الجنون قليله وكثيره، وأما سحر لبيد ابن الأعصم له صلّى الله عليه وسلّم في مشط سنة سبع من الهجرة بإغراء اليهود لبيد على ذلك بإعطائهم دنانير جعلتها له في مقابلة ذلك، فلم يؤثّر هذا السحر إلا في بعض جوارحه صلّى الله عليه وسلّم لا في عقله، فلم يكن قادحا في منصبه النبوي، وأما ما في بعض الروايات من أنه صلّى الله عليه وسلّم صار يخيل إليه أن يفعل

الشيء ولا يفعله، فقال أبو بكر بن العربي: «لا أصل له» «1» .

وأما السهو فممتنع عليهم في الأخبار البلاغية، كقولهم: الجنة أعدّت للمتقين، وعذاب القبر حق، وغير البلاغية: كقام زيد وقعد عمرو، وهكذا، وجائز عليهم السهو في الأفعال البلاغية وغيرها كالسهو في الصلاة للتشريع، لكن لم يكن سهوهم ناشئا عن اشتغالهم بغير ربهم، ولذلك قال بعض الشعراء:

يا سائلي عن رسول الله كيف سها ... والسهو عن كل قلب غافل لا هى

قد غاب عن كل شيء سرّه فسها ... عمّا سوى الله، فالتعظيم لله

ومن السهو الفعلى حديث ذى اليدين لمّا قال له: «أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟» حين سلّم من ركعتين، فقال: «كلّ ذلك لم يكن» . فقال ذو اليدين:

بل بعض ذلك كان» فقوله صلّى الله عليه وسلّم «كل ذلك لم يكن» لم يخل عن مطابقة الخبر للواقع بحسب اعتقاده صلّى الله عليه وسلّم، وقول ذى اليدين: «بل بعض ذلك كان» فيه مطابقة الخبر للواقع بحسب ما راه، وكل ذلك للتشريع وتعريف سجود السهو.

وأما النسيان فهو ممتنع في البلاغيات قبل تبليغها قولية كانت أو فعلية؛ فالقولية كالجنة أعدت للمتقين، والفعلية كصلاة الضحي، إذ أمر بها ليقتدى به فيها، فلا يجوز نسيان كل منهما قبل تبليغ الأولى بالقول، والثانية بالفعل، وأما بعد التبليغ فيجوز نسيان ما ذكر من الله «2» .

وأما نسيان الشيطان فيستحيل عليهم؛ إذ ليس للشيطان عليهم سبيل، وقول يوشع: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ [الكهف: 63] فكان قبل نبوته وعلمه بحال نفسه، وإلا فهو رحماني.

وبالجملة فيجوز على ظواهر الأنبياء ما يجوز على البشر، مما لا يؤدى إلى نقص، وأما بواطنهم فمنزهة عن ذلك، متعلقة بربهم؛ هذا تحقيق المقام، فالتأويل

__________

(1) الواقع أن هذا الحديث صحيح: رواه أئمة الحديث، وعلى رأسهم الإمام البخارى رضى الله عنه وعنهم، وليس في هذا مطعن فيه صلّى الله عليه وسلّم؛ فإن الذى حدث خيال وليس بحقيقة، وللحديث شاهد من قصة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام، في قوله تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [طه: 66] وشتان بين الخيال والواقع، والله تعالى أعلم.

(2) يحكم كل ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «إنى لا أنسي، ولكنى أنسّى لأسنّ» .

اللائق بمقامهم هو الجدير بالقبول والمطابق للحق عند المحققين في فن الكلام من المتكلمين، كالإمام شرف الدين التلمساني، وكالإمام السنوسى المغترف من بحر الله.

وقد سبق الكلام على أنّ مدح أصنام المشركين لا ذكر له في سورة «والنجم» ، وأن هذا إلقاء من الشيطان في قلوبهم ليجادلوا به.

,

* وأما الهجرة الثانية:

فإنه لما تبيّن للمشركين عدم ذكر الهتهم، غضبوا ورجعوا إلى العداوة أشد من الأوّل، فلما بلغ ذلك القادمين حين دنوهم من مكة، وكانوا قد خرجوا في رجب إلى الحبشة، وأقاموا بها شعبان ورمضان، وقدموا في شوّال كما سبق، لم يدخل أحد منهم إلا بجوار مجير أو مستخفيا، إلا عبد الله بن مسعود، فإنه دخل بدون جوار أحد، ثم خرج وهاجر.

وممن دخل في الجوار عثمان بن مظعون؛ فإنه دخل بجوار الوليد بن المغيرة، وكان قد اشتد الحال على من قدم مكة ولم يدخل في الجوار، حتى أن عشائره تفعل به الأذى الشديد، فلما وجد عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من البلاء، وهو يغدو ويروح في أمان الوليد بن المغيرة، قال:

والله إنّ غدوّى ورواحى امنا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابى وأهل دينى يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيا بني، لنقص كبير في نفسي» .

فمشى إلى الوليد فقال: يا أبا عبد شمس، وفت ذمّتك، وقد رددت إليك جوارك، قال: لم يا ابن أخي، لعله اذاك أحد من قومى وأنت في ذمتى فأكفيك ذلك؟

قال: لا والله ما اعترض لى أحد، ولا اذاني، ولكنى أرضى بجوار الله عز وجل، ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: انطلق إلى المسجد فاردد لى جوارى علانية كما أجرتك علانية. فانطلقا حتّى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري، فقال عثمان: صدق، قد وجدته وفيّا كريم الجوار، ولكنى لا أستجير بغير الله عز وجل، قد رددت عليه جواره. فقال الوليد:

أشهدكم أنّى بريء من جواره إلا أن يشاء. ثم انصرف عثمان ولبيد بن ربيعة بن مالك في مجلس من قريش ينشدهم قبل إسلامه، فجلس عثمان معهم، فقال لبيد: * ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل* فقال عثمان: صدقت، فقال لبيد:

* وكلّ نعيم لا محالة زائل* فقال عثمان: كذبت؛ نعيم الجنة لا يزول. فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذيكم جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟! فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه، فمن سفاهته فارق ديننا، فلا تجدنّ في نفسك من قوله. فردّ عليه عثمان، فقام ذلك الرجل فلطم عينه، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يا ابن أخي إن كانت عينك عمّا أصابها لغنية؛ ولقد كنت في ذمّة منيعة فخرجت منها، وكنت عن الذى لقيت غنيّا.

فقال عثمان رضى الله عنه: بل كنت إلى الذى لقيت فقيرا، والله إن عينى الصحيحة التى لم تلطم لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله عز وجل، ولى فيمن هو أحب إليّ منكم أسوة، وإنى لفى جوار من هو أعزّ منك وأقدر يا أبا عبد شمس. فقال له الوليد: هلم يا ابن أخي إن شئت إلى جوارك فعده. فقال: لا.

وصار الأمر يشتد على أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم القادمين لقصد مكة من الهجرة الأولى وغيرهم، وسطت بهم عشائرهم ولقوا منهم أذى شديدا، فأذن لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الهجرة إلى أرض الحبشة مرة ثانية، فخرج ابن مسعود ومعه عدد كثير من الناس، فكانت خرجتهم الثانية أعظم مشقة، ولقوا من قريش تعنيفا شديدا، ونالوهم بالأذي، واشتدّ على قريش ما بلغهم عن النجاشى من حسن جواره للمهاجرين، فقال عثمان بن عفان: يا رسول الله فهجرتنا الأولى وهذه الآخرة، ولست معنا؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: أنتم مهاجرون إلى الله وإليّ، لكم هاتان الهجرتان جميعا، قال عثمان: فحسبنا يا رسول الله.

وبهذه الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة، كانت عدة من بأرض الحبشة من المهاجرين مائة نفس وواحدا، إن حسب عمار بن ياسر فيهم؛ الذكور منهم ثلاثة وثمانون، والإناث ثمان عشرة.

وخرج أبو بكر رضى الله عنه مهاجرا إلى الحبشة حتّى بلغ موضعا يقال له:

«برك الغماد» (بفتح الباء وكسرها، والغماد بكسر الغين المعجمة وضمها: محل فى أقاصى هجر أو باليمن، ويقال: هو مدينة الحبشة) . ثم رجع أبو بكر في جوار سيد القارة (اسم قبيلة، ومنهم مسعود بن ربيعة القاري) مالك بن الدغنة.

فلما رأت قريش استقرار المهاجرين في الحبشة وأمنهم أرسلوا فيهم إلى النجاشى عمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة بهدايا وتحف من بلادهم،

والتمسوا منه ردّ من هاجر إلى بلاده من المسلمين، فأبى ذلك وردّهما خائبين.

ثم بعد ذلك وقع من الحبشة تعصّب على أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا له: إنّ هؤلاء لهم دين غير ديننا. فأرسل وراءهم وقال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقالوا: نؤمن به ونصدّقه فيما جاء به، فقال للحبشة: ما تقولون في نبيهم؟ فلم يؤمنوا به، فقال النجاشى لهم: هؤلاء يؤمنون بنبيكم وأنتم لا تؤمنون بنبيهم! فأنتم الان ظلمة، فكلّ منكم على دينه، ولا أحد منكم يعارض هؤلاء» .

فاستمروا في بلاده مدة، وعادوا إلى أوطانهم. وكان إسلامه في سنة سبع من الهجرة، ويدلّ على صحة إسلامه أنه لما توفى في رجب سنة تسع من الهجرة قال النبي صلّى الله عليه وسلّم «مات اليوم رجل صالح، فصلّوا على أخيكم أصحمة» «1» فصلّى عليه النبى صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه صلاة الغائب، ولما صلّى عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طعن المنافقون في ذلك، فنزلت هذه الاية وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ (199) [ال عمران: 199] إلى اخرها، قال ابن جريج: وقال اخرون: نزلت في عبد الله بن سلام. وسيأتى بيان ما صنعه النجاشى من كلام المهاجرين وغير ذلك مما يتعلق به في الفصل السابع في ظواهر السنة السابعة من الهجرة، عند ذكر قدوم جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه من الحبشة، وذلك الفصل المذكور من الباب الثالث.

ولما رأت قريش عزة النبى صلّى الله عليه وسلّم بمن معه، وعزة أصحابه بالحبشة، وإسلام عمر بن الخطاب، وإسلام عمه حمزة رضى الله عنهم، اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على معاداة بنى هاشم وبنى المطلب: ألاينا كحوهم ولا يبايعوهم، ويقطعوا عنهم الأسواق، ولا يقبلوا منهم صلحا ولا تأخذهم بهم رأفة حتّى يسلموا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للقتل. وكان اجتماعهم وتحالفهم في خيف بنى كنانة (بالأبطح) ويسمّى محسبا، بأعلى مكة عند المقابر، وكتبوا بذلك صحيفة بخط منصور بن عكرمة، وقيل بخط بغيض بن عامر، وعلّقوا الصحيفة في جوف الكعبة الشريفة هلال المحرم سنة سبع من مبعثه صلّى الله عليه وسلّم، فانحاز الهاشميون إلى أبى طالب مسلمهم وكافرهم، حتى أنّ كافرهم فعل ذلك حمية على عادة

__________

(1) هذا حديث ثابت في الصحيحين وغيرهما، من حديث أبى هريرة وجابر بن عبد الله رضى الله عنهما.

الجاهلية، فدخلوا معه في شعبه، وخرج من بنى هاشم أبو لهب بن عبد العزى ابن عبد المطلب إلى قريش مظاهرا إليهم، وكانت امرأته أم جميل بنت حرب (أخت أبى سفيان) على رأيه في عداوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (كانت تحمل الشوك فتضعه في طريقه صلّى الله عليه وسلّم، فسمّاها الله تعالى حمالة الحطب) . وأقام بنو هاشم في الشعب ومعهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نحو ثلاث سنين، وكان بنو هاشم محصورين في الشعب لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم، حتى جاهدوا، وكان لا يصل إليهم ممن أراد صلتهم إلا سرا، هذا، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم مقبل على شأنه من الدعاء إلى الله، والوحي عليه يتتابع.

ثم إن النبى صلّى الله عليه وسلّم أخبر عمه أبا طالب بأن الله سلط الأرضة على الصحيفة فلم تدع فيها غير اسم الله تعالى الذى كانت قريش تستفتح به كتابها، وهو لفظ:

«باسمك اللهم» ، ونفت منها الظلم وقطع الرحم. فانطلق أبو طالب في عصابة حتى أتوا المسجد، فلما رأتهم قريش ظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلّموا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال أبو طالب: إنما أتيت في أمر هو نصف «1» فيما بيننا وبينكم:

إنّ ابن أخي أخبرنى بأمر «2» فإن كان الحديث كما يقول فلا والله لا نسلمه حتّى نموت عن اخرنا، وإن كان الذى يقول باطلا دفعنا لكم صاحبنا فقتلتم أو استحييتم. وأخبرهم الخبر، فقالوا: قد رضينا الذى تقول، ففتحوا الصحيفة فوجدوها كما قال، فقالوا: هذا سحر ابن أخيك، وزادهم ذلك بغيا. ثم مشى في نقض الصحيفة قوم من قريش، وأخرجوا بنى هاشم وبنى المطلب من الشعب، وذلك في السنة العاشرة من مبعثه صلّى الله عليه وسلّم.

ثم قدم الطفيل بن عمرو الدوسي «3» وكان شريفا في قومه، فأسلم، ثم استأذن

__________

(1) النصف: أي: إعطاء الحق.

(2) أى أكل الأرضة للصحيفة.

(3) هو الطفيل بن عمرو بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس. استشهد رضى الله عنه في وقعة اليمامة. بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى ذى الكفين- صنم عمرو بن حممة- فأحرقه بالنار. قدم مع أبى هريرة إلي النبى صلّى الله عليه وسلّم. أسلم بمكة، ثم عاد إلى بلاد قومه، ثم وافى النبى صلّى الله عليه وسلّم في عمرة القضاء وشهد فتح مكة. ولما وفد على النبى صلّى الله عليه وسلّم قال له: اجعل لى اية، فقال النبى صلّى الله عليه وسلّم: اللهمّ نوّر له» فسطع نور بين عينيه، فقال: يا رب أخاف أن يقولوا مثلة، فتحوّل النور إلى طرف سوطه. فكان يضيء له في الليلة المظلمة، فلذلك سمى ذا النور. أسلم أبوه على يديه، وأسلم على يديه أبو هريرة الصحابى الجليل، وجندب بن عمرو بن حممة ومعه خمسة وسبعون رجلا. اهـ. (مختصرا من الإصابة لابن حجر) .

النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ورجع إلى قومه، فأسلم منهم على يده ناس قليل، فرجع إلى النبى صلّى الله عليه وسلّم فشكا ذلك إليه وسأله أن يدعو عليهم، فقال: «اللهم اهد دوسا» ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم. قال الطفيل: فلم أزل أدعوهم حتّى مضى الخندق، ثم قدمت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين.

وقدم عليه صلّى الله عليه وسلّم عشرون رجلا من نصارى نجران (مدينة بالحجاز، من شق اليمن معروفة، سميت بنجران بن زيد بن يشجب بن يعرب، وهو أوّل من نزلها) وقال في النهاية: (موضع معروف بين الحجاز والشام واليمن) حين بلغهم خبر من هاجر من المسلمين إلى الحبشة، فوجدوه صلّى الله عليه وسلّم في المسجد، فجلسوا إليه وسألوه وكلموه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة ينظرون إليهم، فلما فرغوا من مسألة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كما أرادوا، دعاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى الله تعالى، وتلا عليهم القران، فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به، وعرفوا منه ما هو موصوف به في كتابهم. فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل فى نفر من قريش، فقالوا لهم: خيّبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون (أى تنظرون) الأخبار لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتّى فارقتم دينكم فصدّقتموه بما قال! لا نعلم ركبا أحمق منكم.

فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه. ويقال:

نزل فيهم قوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ إلى قوله: لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [القصص: 52: 55] . ونزل قوله تعالى: وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [المائدة: 83] . وكان من القادمين على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أميرهم العاقب عبد المسيح (من كندة) . ثم خرج صلّى الله عليه وسلّم إلى الطائف.

قال الحافظ ابن عبد البرّ وغيره: أوّل موروث في الإسلام عديّ بن نضلة، وأوّل وارث نعمان بن عدي، وكان عدى قد هاجر إلى أرض الحبشة فمات بها، فورثه ابنه نعمان، واستعمله عمر على ميسان، ولم يستعمل من قومه غيره، فراود امرأته على الخروج فأبت، فكتب إليها يقول:

فمن مبلغ الحسناء أنّ حليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم

إذا شئت غنّتنى دهاقين قرية ... وصنّاجة تحذو على كل ميسم

إذا كنت ندمانى فبالأكبر اسقنى ... ولا تسقنى بالأصغر المتثلم

لعلّ أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم

[والحنتم واحدة الحناتم: وهو في الأصل جرار مدهونة خضر، كانت تحمل فيها الخمر إلى المدينة، ثم اتّسع فيها، فقيل للخزف كله حنتم، والصنّاجة: الة لهو، وهى الطبل المعروف المذكور، فى قول الحريري: * أحسنت بالعيش يا صنّاجة الجيش*] .

فبلغ ذلك «1» عمر رضى الله عنه فكتب إليه يقول: بسم الله الرحمن الرحيم حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ [غافر: 1] . أما بعد.. فقد بلغنى قولك: «لعل أمير المؤمنين يسوؤه..»

إلى اخره. وأيم الله لقد ساءني» . ثم عزله.

فلما قدم عليه سأله، فقال: ما كان من هذا شيء، وما كان إلا فضل شعر وجدته، وما شربتها قط. فقال عمر: أظن ذلك، ولكن لا تعمل لي عملا أبدا.

فنزل البصرة ولم يزل يغزو مع المسلمين حتّى مات، وشعره فصيح تستشهد به أهل اللغة على «ندمان» بمعنى «نديم» . وهذه الحادثة مصداق قوله تعالى:

وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ... [الشعراء: 224] . قال الشاعر:

«يقولون ما لا يفعلون» مذمّة ... من الله مذموم بها الشعراء

وما ذاك فيهم واحده بل زيادة ... يقولون ما لا يفعل الأمراء

__________

(1) أى الشعر الذى قاله نعمان بن عديّ بن نضلة.

(1) فى مراصد الاطلاع: «كانت تسمى قديما «وجّ» وسميت بالطائف: لمّا أطيف عليها الحائط» ثم قال: «وهى على ظهر جبل غزوان، وبها عقبة مسيرة يوم للطالع من مكة، ونصف يوم للهابط إلى مكة» .

الفصل الثالث فى خروجه صلّى الله عليه وسلّم إلى الطائف قبل هجرته إلى المدينة المشرّفة

لما توفى عمه أبو طالب في السنة العاشرة من البعثة، بعد ما خرج من الحصار بالشعب بثمانية أشهر وأحد وعشرين يوما، وله بضع وثمانون سنة، نالت قريش من النبى صلّى الله عليه وسلّم ما لم تكن نالته في حياته، فهاجر إلى الطائف «1» فى شوال سنة عشر من البعثة، وهو مكروب مشوّش الخاطر مما لقى من قريش، ومن قرابته وعترته، خصوصا من أبى لهب وزوجته حمالة الحطب من الهجو والسب والتكذيب، فكانت تتجاذبه قريش وتقول له: أنت الذى جعلت الالهة إلها واحدا!!

فخرج إلى الطائف مع مولاه زيد بن حارثة يلتمس من ثقيف الإسلام، رجاء أن يسلموا، وأن يناصروه على الإسلام ويقوموا معه على من خالفه من قومه؛ لأنهم كانوا أخواله، فلم يجد منهم ذلك.

ومن خروجه صلّى الله عليه وسلّم إلى الطائف عند ضيق صدره وتعب خاطره جعل الله الطائف مستأنسا لأهل الإسلام ممن بمكة إلى يوم القيامة.

ولما انتهى صلّى الله عليه وسلّم إلى الطائف عمد إلى سادات ثقيف وأشرافهم، وكانوا إخوة ثلاثة أولاد عمرو بن عمير ابن عوف الثقفي، وهم: عبد ياليل واسمه كنانة، وعبد كلال بضم الكاف وتخفيف اللام، ولم يعرف لهما إسلام، وحبيب، قال الذهبي: وفي صحبته نظر «1» . وجلس صلّى الله عليه وسلّم إليهم وكلمهم فيما جاءهم به من نصرة الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه، فلم يجيبوه إلى شيء من ذلك، فقام صلّى الله عليه وسلّم من عندهم وقد أيس، وقال لهم: اكتموا عليّ، وكره أن يبلغ قومه ذلك فيشتد أمرهم عليه، وقالوا له: «اخرج من بلدنا والحق بمنجاتك من الأرض» ، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبّونه ويرمونه بالحجارة، حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه إلى حائط بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة، فلما دخل الحائط رجعوا عنه. فلما راه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا

__________

(1) أى شك.

يقال له «عدّاس» معدود في الصحابة، مات قبل الخروج إلى بدر، فقالا: خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه. فأقبل عداس بالطبق حتّى وضعه بين يدى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثم قال له:

كل. فلما وضع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيه يده الشريفة، قال: بسم الله، ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، وقال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له صلّى الله عليه وسلّم: من أيّ البلاد أنت؟ وما دينك يا عداس؟ فقال: نصراني، وأنا من أهل نينوي، فقال صلّى الله عليه وسلّم: أنت من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى؟ فقال عداس:

وما يدريك ما يونس بن متّي؟ فإني خرجت والله من نينوى وما فيها عشرة يعرفون ما متّي! فمن أين عرفت ابن متى وأنت أمّي وفي أمة أميّة؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ذلك أخي، كان نبيّا وأنا نبى أميّ. فقام عداس وأكبّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقبّل رأسه ويديه وقدميه، فقال أحد الأخوين عتبة وشيبة للاخر: أمّا غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاءهما عداس قال له أحدهما: ويلك، ما لك تقبّل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟! فقال: يا سيدى ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أعلمنى بأمر لا يعلمه إلا نبي، فقال: ويحك يا عداس ليصرفنك عن دينك وليفتننك عن نصرانيتك؛ فإنه رجل خدّاع، ودينك خير من دينه!

فأقام صلّى الله عليه وسلّم بالطائف عشرة أيام وشهرا، لا يدع أحدا من أشرافهم (أى زيادة على عبد ياليل وأخويه) إلا جاء إليه وكلّمه، فلم يجبه أحد، ثم ذهب إلى نخلة «1» وهى موضع على ليلة من مكة، أقام بها أياما.

وحضر إليه سبعة من جن نصيبين «2» ، وهى مدينة بالشام بوادى نخلة (موضع على ليلة من مكة) وهو يصلى بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القران استمعوا له، فحين رجعوا إلى قومهم قالوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (2) [الجن: 1، 2] فأوحى الله إلى نبيه صلّى الله عليه وسلّم ما قالوه لقومهم.

__________

(1) فى المراصد: نخلة محمود: موضع بالحجاز قريب من مكة- نخلة اليمانية: بها مسجد للنبى صلّى الله عليه وسلّم ما قالوه لقومهم.

(1) فى المراصد: نخلة محمود: موضع بالحجاز قريب من مكة- نخلة اليمانية: بها مسجد للنبى صلّى الله عليه وسلّم- نخلة الشامية، ذات عرق. اهـ. ملخصا.

(2) من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من موصل إلى الشام، وقرية من قرى حلب، ومدينة على شاطيء الفرات تعرف بنصيبين الروم.

وعن ابن مسعود أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: أمرت أن أتلو القران على الجن؛ فمن يذهب؟

فسكتوا، ثم قال الثانية فسكتوا، ثم قال الثالثة، فقلت: أنا أذهب معك يا رسول الله، قال: فانطلق حتّى إذا جاء الحجون عند شعب ابن أبي ذئب خطّ عليّ خطّا، فقال «لا تجاوزه» ، ثم مضى إلى الحجون، فانحدروا عليه أمثال الحجل «1» ، كأنهم رجال الزطّ، [قال ابن الأثير في النهاية: «والزط قوم من السودان والهنود، كأن وجوههم المكاكي، يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة في دفوفهن] حتى غشوه، فغاب عن بصرى، فقمت، فأومأ إليّ بيده أن اجلس، ثم تلا القران، فلم يزل صوته يرتفع ولصقوا بالأرض حتّى صرت لا أراهم، فلما عاد إليّ قال:

أردت أن تأتينى؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: «ما كان ذلك لك؛ هؤلاء الجن أتوا يستمعون القران ثم ولّوا إلى قومهم منذرين، فسألونى الزاد فزوّدتهم العظم والبعر، فلا يستطيبنّ أحدكم بعظم ولا بعر» .

وذكر في كتاب «القرى لقاصد أم القرّي» أن بأعلى مكة مسجدا يقال له مسجد الجن ومسجد البيعة أيضا يقال: إن الجن بايعوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هناك.

ولما أراد الدخول إلى مكة قال له زيد بن حارثة: كيف تدخل على قريش وهم السبب في خروجك لتستنصر فلم تنصر؟! فقال: يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه. فسار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى حراء «2» ثم بعث إلى الأخنس بن شريق «3» رضى الله عنه ليجيره، وكان ذلك قبل إسلامه، وليدخل صلّى الله عليه وسلّم مكة في جواره، فقال: أنا حليف، والحليف لا يجير.

فبعث صلّى الله عليه وسلّم إلى مطعم بن عدى الذى مات على دين قومه قبل بدر بنحو سبعة أشهر يقول له: إنى داخل مكة في جوارك. فأجابه إلى ذلك، فدخل صلّى الله عليه وسلّم مكة، ثم تسلح المطعم بن عدى وأهل بيته وخرجوا حتّى أتوا المسجد، فقام المطعم بن عدى على راحلته ونادي: يا معشر قريش إنى قد أجرت محمدا فلا يؤذيه أحد

__________

(1) الحجل: صغار الإبل تسير مندفعة جماعات، أو طيور تندفع كذلك.

(2) حراء جبل من جبال مكة، على ثلاثة أميال.

(3) الأخنس بن شريق: فى الإصابة: الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب بن علاج بن أبى سلمة ابن عبد العزى بن غيرة بن عوف بن ثقيف الثقفي، أبو ثعلبة، حليف بنى زهرة، واسمه «أبيّ» . أسلم الأخنس، وكان من المؤلفة قلوبهم. - شهد حنينا ومات في خلافة سيدنا عمر.

منكم. ثم بعث إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أن ادخل. فدخل صلّى الله عليه وسلّم المسجد وطاف بالبيت وصلّى عنده، ثم انصرف إلى منزله، والمطعم بن عدى وولده مطيفون به صلّى الله عليه وسلّم، وأقبل أبو سفيان على المطعم فقال: إذن قد أجرّنا من أجرت.

ولا بدع في دخوله صلّى الله عليه وسلّم في أمان مشرك؛ لأن حكمة الحكيم القادر قد تخفي، وهذا السياق يدل على أن قريشا كانوا أزمعوا على عدم دخوله صلّى الله عليه وسلّم لسبب ذهابه إلى الطائف ودعائه أهله.

ولما بعث الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وأنزل عليه الوحى وأمره بإظهار دينه وأيّده بالمعجزات الظاهرات والايات الباهرات، أسرى به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس من إيلياء «1» ، وقد فشا الإسلام في قريش وفي القبائل كلها. وكان الإسراء به صلّى الله عليه وسلّم والمعراج ليلة سبع وعشرين من رجب، وقال بعضهم: إنهما كانا يوم الاثنين، فهما موافقان للمولد والمبعث والهجرة والوفادة؛ لأنه صلّى الله عليه وسلّم ولد يوم الاثنين، وبعث يوم الاثنين، وهاجر من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وتوفى يوم الإثنين.

__________

(1) إيلياء: اسم لمدينة بيت المقدس.

الفصل الرابع في الإسراء به صلّى الله عليه وسلّم ليلا من المسجد الحرام وعروجه من المسجد الأقصي إلى السموات العلى

ولما بلغ صلّى الله عليه وسلّم إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر (قبل الهجرة بسنة) أسرى به من حجر مكة المعظّم ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو أوّل القبلتين، وثانى المسجدين، وثالث الحرمين، لا تشدّ الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر «1» بعد الموطنين إلا عليه؛ فقد روى أبو هريرة رضى الله عنه، عن النبى صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدى هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصي» «2» ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى السماوات العلي، إلى سدرة المنتهى، إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام «3» .

قال الماوردى: كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم، إلا فى قوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: 149] ، فإنه أراد به الكعبة، ولم يرد في أحاديث المعراج الثابتة أنه صلّى الله عليه وسلّم عرج به إلى العرش تلك الليلة، بل لم يرد في حديث أنه صلّى الله عليه وسلّم جاوز سدرة المنتهى، بل انتهى إليها.

وقد سئل الشيخ رضى الدين القزوينى رحمه الله عن وطء النبى صلّى الله عليه وسلّم العرش بنعله، وقول الرب جل جلاله «لقد شرف العرش بنعلك يا محمد» هل ثبت ذلك أم لا؟ «4» فأجاب بما نصه: «أما حديث وطء النبى صلّى الله عليه وسلّم العرش بنعله فليس بصحيح، وليس بثابت، بل وصول النبى صلّى الله عليه وسلّم إلى ذروة العرش لم يثبت في خبر صحيح ولا حسن ولا ثابت أصلا، وإنما صحّ في الأخبار انتهاؤه إلى سدرة

__________

(1) الخنصر: الإصبع الوسطي، وهو كناية عن شدة التمسك.

(2) الحديث متفق عليه، ورواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجه عن أبى هريرة، والإمام أحمد والترمذى وابن ماجه. وهو متفق عليه عن أبى سعيد.

(3) صريف الأقلام: صريرها. اهـ (من هامش الأصل) .

(4) قوله قبل: «إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام» يردّ ما قاله القزويني، فليتأمل؛ فإن هذا المستوى أعلى من سدرة المنتهى، وأما صعوده على العرش فالله أعلم بصحته. والله أعلم.

المنتهى فحسب، وأما إلى ما وراءها فلم يصحّ، وإنما ورد ذلك في أخبار ضعيفة أو منكرة» .

قال النجم الغيطى رحمه الله: «وقد رأيت بخط بعض المحدّثين- بعد نقله كلام الشيخ رضى الدين رحمه الله-: هو الصواب، وقد وردت قصة الإسراء والمعراج مطوّلة ومختصرة عن نحو أربعين صحابيّا، وليس في حديث أحد منهم أنه صلّى الله عليه وسلّم كان تلك الليلة في رجله نعله، وإنما وقع ذلك في نظم بعض القصّاص الجهلة» إلى أن قال: «وهذا باطل لم يذكر في شيء من الأحاديث بعد الاستقراء التام، ولم يرد في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف، أنه رقى العرش، وما وقع في بعض الأحاديث التى افتراها بعضهم لا يلتفت إليه، ولا أعلم خبرا ورد فيه أنه صلّى الله عليه وسلّم رأى العرش إلا ما رواه ابن أبي الدنيا عن ابن أبي المخارق أن النبى صلّى الله عليه وسلّم قال: «مررت ليلة أسرى بى برجل مغيّب في نور العرش، قلت: من هذا، أملك؟ قيل: لا، قلت؟ نبي؟ قيل: لا، قلت: من هو؟ قيل: هذا رجل كان في الدنيا لسانه رطبا من ذكر الله وقلبه معلق بالمساجد ولم يستسبّ لوالديه» «1» ، وهو خبر مرسل لا تقوم به الحجة في هذا الباب، وما ذكر في السؤال (يعنى المتقدم من أنه صلّى الله عليه وسلّم رقى العرش بنعله) فقاتل الله من وضعه؛ ما أعدم حياءه وأدبه، وما أجرأه على اختلاق الكذب على سيد المتأدبين ورأس العارفين صلّى الله عليه وسلّم.

[شقّ صدره] : وحدّث صلّى الله عليه وسلّم عن ليلة أسرى به كما رواه البخارى ومسلم وغيرهما، فقال: «بينما أنا في الحطيم «2» (وربما قال في الحجر) مضطجع، (وفي رواية: بين النائم واليقظان) إذ أتانى ات، قال: فسمعته يقول: فشقّ ما بين هذه إلى هذه (يعنى من ثغرة نحره إلى عانته) فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة حكمة وإيمانا فغسل قلبى ثم حشي» . والحديث فيه اختصار، والأصل: فاستخرج قلبه ثم شق واستخرج منه علقة، وقيل: «هذا حظ الشيطان منك» . ثم غسل بماء زمزم، كما يدل عليه حديث اخر، وفي رواية «علقتين سوداوين» وفي لفظ: «مضغة» .

__________

(1) أى لم يكن سببا في سب والديه (هامش الأصل) .

(2) الحطيم: ما بين الحجر الأسعد والباب، إلى مقام إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم.

وقد اختلف في تفسير الحكمة، فقيل: هى العلم المشتمل على معرفة الله تعالى مع نقاء البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق للعمل به والكف عن ضده، والحكيم من حاز ذلك.

قال الإمام النووى في شرح مسلم: «وليس في هذا ما يوهم جواز استعمال الذهب لنا؛ فإن هذا فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا، ولأنه كان قبل تحريم أوانى الذهب والفضة، والتحريم إنما وقع بالمدينة، كما نبه عليه الحافظ ابن حجر» .

قال الشيخ محمد بن أبى جمرة: «الحكمة في شق صدره مع القدرة على أن يمتليء قلبه صلّى الله عليه وسلّم إيمانا وحكمة بغير شق: الزيادة في قوة اليقين؛ لأنه أعطى برؤية شق بطنه وعدم تأثره بذلك ما أمن معه من جميع المخاوف العاديّة، فلذلك كان أشجع الناس حالا ومقالا، ولذلك وصف بقوله تعالى: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (17) [النجم: 17] ، اهـ. وكل هذه الأمور يجب الإيمان بها، والقدرة «1» صالحة لذلك، وقد انخرقت العادات لكثير من أولياء الله تعالى المتطفلين على جناب هذا السيد العظيم المحبوب الأكبر، فكيف به عليه الصلاة والسلام؟

وقد سئل الإمام تقى الدين السبكى رحمه الله عن العلقة السوداء التى أخرجت من قلبه صلّى الله عليه وسلّم حين شقّ فؤاده، وقول الملائكة «هذا حظ الشيطان منك» ، فأجاب رحمه الله بأن تلك العلقة خلقها الله تعالى في قلوب البشر، قابلة لما يلقيه الشيطان فيها، فأزيلت من قلبه صلّى الله عليه وسلّم، فلم يبق فيه مكان لأن يلقى الشيطان فيه شيئا، وهذا معنى الحديث. قيل له: فلم خلق الله تعالى هذا القابل «2» فى هذه الذات الشريفة، وكان يمكنه ألايخلقه الله تعالى فيه؟ فقال: إنه من جملة الأجزاء الإنسانية، فخلقه تكملة للخلق الإنساني، ولا بد منه، ونزعه كرامة ربانية طرأت.

وقال غيره: لو خلق نبيه صلّى الله عليه وسلّم سليما منها لم يكن للادميين اطّلاع على

__________

(1) أى القدرة الإلهية.

(2) أى القابل لوسوسة الشيطان.

حقيقته، فأظهره الله تعالى على يد جبريل عليه السلام ليتحققوا كمال باطنه بإخباره صلّى الله عليه وسلّم عمّا شاهده في نفسه، كما برز لهم مكمل الظاهر. انتهي.

وفي غسل قلبه بماء زمزم دون غيره أنه أفضل المياه بعد النابع من أصابعه الشريفة، ويليه: ماء الكوثر، ثم نيل مصر، ثم باقى الأنهر، ونظم السبكى ذلك بقوله:

وأفضل المياه ماء قد نبع ... بين أصابع النبيّ المتّبع

يليه ماء زمزم فالكوثر ... فنيل مصر، ثم باقى الأنهر

وقيل: لأن ماء زمزم يقوّى القلب، ويسكن الرّوع.

وقال الحافظ الزين العراقي: ولذلك غسل قلبه عليه السلام ليلة الإسراء ليقوى على رؤية الملكوت، وقيل: لأنه لما كان ماء زمزم أصل حياة أبيه إسماعيل صلّى الله عليه وسلّم، وقد ربّي عليها ونما عليه قلبه وجسده، وصار هو صاحبه وصاحب البلدة المباركة، ناسب أن يكون ولده الصادق المصدوق كذلك، ولما فيه من الإشارة إلى اختصاصه بذلك؛ فإنه قد صارت الولاية إليه في الفتح «1» ، فجعل السقاية للعباس ولولده، وحجابة البيت لعثمان بن شيبة وعقبه إلى يوم القيامة.

روى الطبراني من حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام طعم وشفاء سقم» وصحّحه ابن حبان، وروى مرسلا من حديثه أيضا قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«ماء زمزم لما شرب له» ورجاله ثقات.

قال ابن عباس رضى الله عنهما: «كنا نسميها، (يعنى زمزم) ، «شباعة» «2» ، ونجدها نعم العون على العيال» .

وروى فيه «إنه شراب الأبرار» كما عند الأزرقي، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد أن يتحف الرجل بتحفة سقاه من ماء زمزم، كما رواه في الحلية، وقال عباد بن

__________

(1) فتح مكة.

(2) فى المراصد: «شباعة» بالضم من أسماء زمزم في الجاهلية.

عبد الله بن الزبير: لما حجّ معاوية حججنا معه، فلما طاف بالبيت صلّى عند المقام ركعتين، ثم مر بزمزم وهو خارج إلى الصفا، فقال: انزع لى منها دلوا يا غلام، قال: فنزع له منه دلوا فأتى به فشرب وصبّ على وجهه ورأسه، وهو يقول: «زمزم شفاء، وهى لما شرب له» قال الحافظ: إسناده حسن، وهو أحسن من كل إسناد وقفت عليه لهذا الحديث، وقد جرّبه جماعة من العلماء والأئمة فوجدوه صحيحا.

وأما ما يذكر على بعض الألسنة من أن فضيلته ما دام في محله فإذا نقل تغيّر، فقال الحافظ السخاوي: إنه شيء لا أصل له؛ فقد كتب النبى صلّى الله عليه وسلّم إلى سهيل بن عمرو: «إن جاءك كتابى ليلا فلا تصبحن، أو نهارا فلا تمسين حتّى تبعث إليّ بماء زمزم» ، فبعث له بمزادتين، وكان حينئذ بالمدينة قبل أن تفتح مكة.

وحملته عائشة رضى الله عنها في القوارير، وقالت: حمله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الأداوى والقرب، وكان يصبّ منه على المرضى ويسقيهم، وكذا حمله الحسن والحسين رضى الله عنهما، ونقله جائز بإتفاق الأئمة الأربعة «1» .

وفي ماء زمزم خواص منها: أنه لا يرفع ولا يغور إذا رفعت المياه وغارت قبل يوم القيامة، ومنها أنه يذهب الصداع ويبرد الحمّي.

قال القسطلاني: «وقد وقع في شق صدره الشريف من الخوارق ما يدهش السامع؛ فسبيلك الإيمان والتسليم من غير أن تتكلف إلى التوفيق بين المنقول والمعقول، للتبرّى مما يتوهم أنه محال من: شق البطن، وإخراج القلب المؤديين إلى الموت لا محالة، ونحن بحمد الله لا نرى العدول عن الحقيقة إلى المجاز في خبر الصادق، إلا في الأمر المحال على القدرة» . انتهي.

* ثم بعد طهارة باطنه وظاهره بالوضوء، لمناسبة شهود الحضرة القدسية، أتى بالبراق مسرجا ملجما، (وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، وهو مأخوذ من البرق لسرعة سيره، أرسله الله تعالى من الجنة إجلالا وتعظيما، على عادة الملوك إذا استدعوا عظيما بعثوا إليه النجيب «2» مهيّا مع أعز خواصهم للحضور، فهو من عالم الغيب: لا

__________

(1) انظر المقاصد الحسنة للسخاوى ص 358 ففيه تفصيل أوسع. والله أعلم.

(2) فى اللغة: الفاضل على مثله النفيس في نوعه.

يوصف بذكورة ولا أنوثة، كالملائكة) فحمل عليه فانطلق به جبريل عليه السلام حتّى أتى السماء الدنيا فاستفتح «1» ، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل:

ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبا به فنعم المجيء جاء ... » «2» الحديث بطوله، ورأى الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم وصلّى بهم.

واختلف في صلاته) ليلة الإسراء بالأنبياء، قيل: قبل عروجه، وقيل: بعده، والأوّل استظهره ابن حجر، وصحّح «3» الثانى ابن كثير، قال بعضهم: ولا مانع من أنه صلّى الله عليه وسلّم صلّى بهم قبل العروج وبعده. وكانت صلاته بهم ركعتين، والظاهر أنها كانت فريضة «4» ؛ لأنها كانت بأذان وإقامة، وهل كانت بالفاتحة أو غيرها؟

لم يثبت ذلك. وفي «الإتقان» (5) ما يفيد أنه قرأ فيها بأم القران.

قال النووي: واختلف في هذه الصلاة، فقيل: إنها اللغوية، وهى الدعاء والذكر، وقيل: الصلاة المعهودة، وهذا أصح؛ لأن اللفظ يحمل على الحقيقة الشرعية قبل اللغوية، وإنما يحمل على اللغوية إذا تعذّر حمله على الشرعية، ولم يتعذر هنا، فوجب الحمل على الصلاة الشرعية. وهل صلّى بأرواحهم متشكلة بصور أجسادهم، أو هى وأجسادهم؟ احتمالان. وفي الحديث ما يدلّ لكل منهما.

وأما ما راه في السماوات؛ فأرواحهم متشكلة بصور أجسادهم إلا عيسى وإدريس، وصلّى أيضا بالملائكة عند سدرة المنتهي، ورأى من ايات ربه الكبري، ثم دنا فتدلّي، فكان قاب قوسين أو أدني، فأوحى إلى عبده ما أوحي.

قال أبو بكر: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن قوله فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى

(10) [النجم: 10] ؟ قال: «فقال الله عز وجل: «لولا أنى أحب العتاب لم أحاسب أمتك» . قال: وذكر عن أمتى خصالا:

أولها: قال: لم أكلفهم عمل الغد، وهم يطلبون منى رزق الغد.

__________

(1) أى طلب فتح الأبواب.

(2) الحديث طويل ومروى في كتب الصحاح.

(3) عدّه صحيحا.

(4) أى من الفرائض لا من النوافل.

وثانيها، قال: لا أدفع أرزاقهم إلى غيرهم، وهم يدفعون عملهم إلى غيري.

وثالثها، قال: إنهم يأكلون رزقي، ويشكرون غيري، ويحرنون «1» معي، ويصالحون خلقي.

ورابعها، قال: أنا المعزّ، وهم يطلبون العزّ من سواي.

وخامسها قال: إنّى خلقت النار لكل كافر، وهم يجتهدون أن يوقعوا أنفسهم فيها» .

وفرض الله عليه وعلى أمته تلك الليلة كل يوم وليلة خمسين صلاة في أوّل الأمر، فما زال يراجع حتّى صارت خمسا في الفعل وخمسين في الأجر.

والحكمة في تخصيص فرض الصلاة بليلة الإسراء: أنه صلّى الله عليه وسلّم لما عرج به إلى السماء، رأى تلك الليلة تعبّد الملائكة؛ منهم القائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يقعد، فجمع الله تعالى له ولأمته تلك العبادات في ركعة واحدة يصليها العبد بشرائطها من الطمأنينة والإخلاص.

وفي اختصاص فرضها في السماء دون سائر الشرائع فإنها فرضت في الأرض، فللتنبيه على مزيتها على غيرها من الفرائض. وفي فرضها تلك الليلة (كما قال السهيلي) التنبيه على فضلها حيث لم تفرض إلا في الحضرة المقدّسة المطهّرة، ولذلك كانت الطهارة من شأنها ومن شرائطها، والتنبيه على أنها مناجاة الرب عزّ وجلّ، وأن الله تبارك وتعالى يقبل بوجهه على المصلى يناجيه ويقول: حمدنى عبدي، أثنى عليّ عبدي، إلى اخر سورة الفاتحة، وهو المشاكل لفرضها عليه فوق السماء السابعة حين سمع كلام الرب عز وجل، وناداه. ولم يعرج به حتّى طهّر ظاهره وباطنه بماء زمزم، كما يتطهر المصلى للصلاة، وأخرج عن الدنيا بجسده كما يخرج المصلى عن الدنيا بقلبه، ويحرم عليه كل شيء إلا مناجاة ربه وتوجهه إلى قبلته في ذلك الحين، وهو بيت المقدس، ورفع إلى السماء كما يرفع المصلّى يديه إشارة إلى القبلة العليا، وهو البيت المعمور وإلى جهة عرش من يناجيه ويصلى له سبحانه وتعالى.

__________

(1) يعاندون ويعصون.

* قال بعض المفسرين: الأفعال التى كلّفنا الله بها على قسمين:

منها ما يعقل معناه ووجه حكمته فيه؛ كالصلاة والصوم والزكاة؛ فإن الصلاة تضرّع محض، وتواضع وتذلل للخالق، والزكاة سعي في دفع حاجة الفقير، والصوم سعي في كسر الشهوة.

ومنها ما لا يعقل معناه ولا يعرف وجه الحكمة فيه كأفعال الحج؛ فإنّا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمى الجمار، والسعى بين الصفا والمروة والرّمل.

ثم اتّفق المحققون على أنه كما يحسن منه تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأوّل، فكذا يحسن منه الأمر بالنوع الثاني؛ لأن الإطاعة في النوع الأوّل لا تدل على كمال الانقياد؛ لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وجه المصلحة فيه، بخلاف الطاعة في النوع الثاني؛ فإنها لا تدل إلا على كمال الانقياد، وكمال نهاية التسليم؛ لأنه لمّا لم يعرف منه وجه المصلحة إليه لم يكن وجه إتيانها إلا محض الانقياد والتسليم، وهذا معنى قولهم: يجب علينا الإيمان والتصديق بكل ما جاءت به الرسل وإن لم نفهم حكمته، كذلك يجب علينا الإيمان والتصديق بكلام الأئمة وإن لم نفهم علّته حتّى يأتينا عن الشارع ما يخالفه.

ومن شعائر الإسلام الصلوات، والجماعات، وقراءة القران. والمساجد والمحاريب في زماننا أكثر؛ إذ النبى صلّى الله عليه وسلّم خرج من الدنيا والإسلام لم يبلغ غير جزيرة العرب.

* ولما أصبحّ صلّى الله عليه وسلّم قصّ على قريش ما رأي، فقال له المطعم بن عدي: «كلّ أمرك قبل اليوم كان أمما (يعنى خفيفا) ، أنا أشهد أنك كاذب؛ نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعدا شهرا ومنحدرا شهرا وتزعم أنك أتيته في ليلة! واللات والعزّى لا أصدّقك» .

فقال أبو بكر رضى الله عنه: «يا مطعم، بئس ما قلت لابن أخيك، جبهته وكذبته، وأنا أشهد أنه صادق» .

فقالوا: «يا محمد صف لنا بيت المقدس، كيف بناؤه؟ وكيف هيئته؟ وكيف قربه من الجبل؟ (وفي القوم من سافر إليه) ، فذهب ينعت لهم: بناؤه كذا،

وهيأته كذا، وقربه من الجبل كذا. وسألوه أمارة، فأخبرهم بالعير وأنهم يقدمون يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتّى كادت الشمس أن تغرب، فدعا صلّى الله عليه وسلّم الله، فحبس الشمس، وكان كما وصف صلّى الله عليه وسلّم. واختلف في حبس الشمس، فقيل وقوفها عن السير (عن الحركة) بالكلية، وقيل بطء حركتها. (وقيل غير ذلك) .

فما زال ينعت لهم حتّى التبس عليه النعت، فكرب كربا ما كرب مثله، فجيء بالمسجد وهو ينظر إليه حتّى وضع دون دار عقيل أو عقال، فقالوا له: كم للمسجد من باب؟ ولم يكن عدّها، فجعل ينظر إليها ويعدّها بابا بابا، وأبو بكر رضى الله عنه يقول: «صدقت، صدقت، أشهد أنك رسول الله» ، فقال القوم: أما النعت فو الله لقد أصاب، ثم قالوا لأبى بكر: أتصدّقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: «نعم، إنى لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك؛ أصدّقه بخبر السماء في غدوة أو روحة» . فلذلك سمى أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه.

وحكمة تخصيص الإسراء إلى المسجد الأقصي: أن قريشا تعرفه، فيسألونه عنه، فيخبرهم بما يعرفونه، مع علمهم أنه صلّى الله عليه وسلّم لم يدخل بيت المقدس قط، فتقوم الحجة عليهم، وكذلك وقع.

* وقد اختلف الناس في كيفية الإسراء: فالأكثرون من طوائف المسلمين متفقون على أنه بجسده صلّى الله عليه وسلّم، والأقلّون قالوا بروحه، فالإسراء بالروح محكي عن حذيفة وعائشة ومعاوية رضى الله عنهم، فقد قالوا: إن ذلك كله كان رؤيا، وهناك قول ثالث: إن الإسراء كان بجسده إلى بيت المقدس، وبروحه من بيت المقدس إلى السموات السبع.

والصحيح عند الجمهور أن الإسراء والمعراج كانا يقظة لا رؤيا؛ لأنه قد صح أن قريشا كذّبته، وارتدّ جماعة ممن كان أسلم، وسألوه أمارة فأخبرهم بقدوم العير يوم الأربعاء؛ فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتّى كادت الشمس أن تغرب، فدعا الله تعالى فحبس الشمس حتّى قدموا كما وصف. وكذلك تجلّى البيت المقدس له ونظره إليه وإخبار قريش، فهذا يدل على أن ذلك كله لم يكن رؤيا، ولو قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «رأيت رؤيا» لما كذّب ولا أنكر ذلك على غيره، فضلا عن إنكاره عليه، لأن احاد الناس يرون في منامهم أنهم ارتقوا إلى السموات، وليس ذلك بعجيب.

وأيضا الظاهر من قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ أنه يقظة؛ فإن العب



كلمات دليلية: