الهجرة الأولى إلى الحبشة_2994

الهجرة الأولى إلى الحبشة


الباب السادس عشر في الهجرة الأولى إلى الحبشة وسبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين وكانت في شهر رجب سنة خمس من المبعث

قال ابن إسحاق فلما رأى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية من اللَّه تعالى ثم من عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق، حتى يجعل اللَّه تعالى لكم فرجا مما أنتم فيه.

فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى اللَّه تعالى بدينهم فكانت أول هجرة كانت في الإسلام [ (1) ] .

وكانوا- فيما قيل- اثني عشر رجلا وامرأتين. وقيل عشرة رجال. وبه قال ابن إسحاق وابن هشام وقيل اثني عشر رجلا وثلاث نسوة. وقيل اثني عشر رجلا وأربع نسوة. وقيل: اثني عشر رجلا وخمس نسوة. وجزم به العراقي في الدرر.

وكان أول من هاجر منهم عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت سيدنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

روى يعقوب بن سفيان رحمه اللَّه تعالى عن أنس رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط.

وعبد الرحمن بن عوف. وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ومعه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو. والزبير بن العوام بن ربيعة. ومصعب بن عمير، وأبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبي حثمة بن غانم بن عبد الله بن عوف بن عبيد.

قال الحافظ الوقشي: كذا وقع وإنما هو غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بفتح العين المهملة- ابن عويج بفتح العين المهملة وكسر الواو فمثناة تحتية فجيم وأقره الخشني وذكر أبو عمر مثله.

وروى الطبراني بسند صحيح عن ليلى بنت أبي حثمة قالت: كان عمر بن الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلما تهيأنا للخروج إلى أرض الحبشة أتانا عمر بن الخطاب وأنا على بعيري وأنا أريد أن أتوجه فقال: أين يا أم عبد الله؟ فقلت: آذيتمونا في ديننا فنذهب في أرض اللَّه حيث لا نؤذى. فقال: صحبكم اللَّه. ثم ذهب فجاء زوجي عامر بن ربيعة

__________

[ (1) ] انظر البداية والنهاية لابن كثير 3/ 66.

فأخبرته بما رأيت من رقّة عمر فقال: ترجّين أن يسلم؟ واللَّه لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب! وسهيل بن بيضاء وأبو سبرة بن أبي رهم العامري ويقال بدله: حاطب بن عمرو العامري. زاد بعضهم: وأم كلثوم بنت سهيل بن عمرو امرأة أبي سبرة بن أبي رهم، وعبد الله بن مسعود وجزم ابن إسحاق بأنه إنما كان في الهجرة الثانية وصححه الحافظ.

قال ابن هشام وكان عليهم عثمان بن مظعون فيما ذكر لي وأنكر ذلك الزّهري وقال:

لم يكن لهم أمير.

فخرجوا متسلّلين سرّا حتى أتوا الشعيبية منهم الراكب ومنهم الماشي، ووفق اللَّه للمسلمين ساعة جاءوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما بنصف دينار وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدا.

قالوا: وقدمنا أرض الحبشة فجاورنا بها خير جار أمنّا على ديننا وعبدنا اللَّه تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه.

وكان المشركون يقولون: لو ذكر محمد آلهتنا بخير قرّرناه وأصحابه ولكنه لا يذكر من خالفه من اليهود والنصارى بمثل ما يذكر به آلهتنا من الشتم.

وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم قد اشتد عليه ما نال أصحابه من أذاهم وتكذبيهم وأحزنته ضلالتهم، وكان يتمنى هداهم، فاتفق أنه قرأ يوما سورة النجم وكان يرتل قراءته فلما بلغ:

أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم 19، 20] ارتصده الشيطان في سكتة من سكتاته فألقى عندها: وإنهن الغرانيق العلا وإنّ شفاعتهن لترتجى. محاكيا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قول النبي صلى الله عليه وسلم وأشاعها فوقعت في قلب كل مشرك بمكة وزلّت بها ألسنتهم وتباشروا بها وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى ديننا.

فلما بلغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم آخر النّجم سجد وسجد معه كلّ مشرك غير الوليد بن المغيرة

كان شيخا كبيرا ملأ كفّه ترابا فسجد عليه فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود بسجود النبي صلى الله عليه وسلّم، وعجب المسلمون لسجود المشركين معهم ولم يكن المسلمون سمعوا ما ألقى الشيطان كما قاله موسى بن عقبة، وأما المشركون فاطمأنوا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم وأصحابه.

وفشت تلك الكلمة في الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين.

ولما بلغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذلك ساءه فانزل اللَّه تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى قرأ أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أي في قراءته كما قال الفرّاء ويؤيده ما رواه ابن جرير وعلقه البخاري في صحيحه عن ابن عباس في قوله تعالى: إِذا

تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ قال: إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه [ (1) ] فَيَنْسَخُ اللَّهُ يبطل ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ يثبتها وَاللَّهُ عَلِيمٌ بإلقاء الشيطان ما ذكر حَكِيمٌ [الحج: 52] في تمكينه منه يفعل ما يشاء إلى آخر الآية.

والذي قدمناه من قصة الغرانيق له طرق كثيرة ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتجّ مثلها من يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها بعضا روى الأول: ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.

قلت: ورواه الحافظ ضياء الدين المقدسي في صحيحه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.

والثاني: رواه ابن جرير عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.

والثالث: رواه ابن جرير عن أبي العالية.

قال الحافظ: وقد تجرّأ أبو بكر بن العربي كعادته فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها. وهو إطلاق مردود عليه. وكذا قول القاضي: هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم إلى آخر كلامه. قال الحافظ: جميع ذلك لا يتمشّى على القواعد، فإنّ الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن للقصة أصلا [ (2) ] . انتهى وسيأتي الكلام على ذلك بأبسط مما هنا في أبواب عصمته صلى الله عليه وسلم.

قال ابن إسحاق فلما أن بلغ المسلمين الذين بأرض الحبشة ذلك وأن أهل مكة أسلموا حتى إن الوليد بن المغيرة وأبا أحيحة قد سجدا خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال القوم: فمن بقي بمكة إذا أسلم هؤلاء؟ وقالوا: عشائرنا أحبّ إلينا. فخرجوا راجعين حتى إذا كانوا دون مكة بساعة.

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري 8/ 292 كتاب التفسير وقال الحافظ: وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مقطعا.

[ (2) ] قال ابن حجر في الفتح 8/ 293 عند الكلام على حديث الغرانيق: أخرجه البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة فقال في إسناده «عن سعيد بن جبير عن ابن عباس» فيما أحسب، ثم ساق الحديث، وقال البزار: لا يروى متصلا إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور، قال: وإنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس انتهى. والكلبي متروك ولا يعتمد عليه، وكذا أخرجه النحاس بسند آخر فيه الواقدي، وذكره ابن إسحاق في السيرة مطولا وأسندها عن محمد بن كعب، وكذلك موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب الزهري، وكذا ذكره أبو معشر في السيرة له عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس وأورده من طريقه الطبري، وأورده ابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السّدي، ورواه ابن مردويه من طريق عباد بن صهيب عن يحيى بن كثير عن الكلبي عن أبي صالح وعن أبي بكر الهذلي وأيوب عن عكرمة وسليمان التيمي عمن حدثه ثلاثتهم عن ابن عباس، وأوردها الطبري أيضاً من طريق العوفي عن ابن عباس، ومعناهم كلهم في ذلك واحدا، وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإما منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلاً مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيحين أحدهما ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فذكر نحوهن، والثاني ما أخرجه أيضاً من طريق المعتمر بن سليمان وحمّاد بن سلمة فرقهما عن داود

من نهار لقوا ركبا من كنانة فسألوهم عن قريش وعن حالهم فقال الركب: ذكر محمد آلهتهم بخير فتابعه الملأ ثم رجع فعاد لشتم آلهتهم وعادوا له بالشرّ فتركناهم على ذلك.

فائتمر القوم بالرجوع إلى الحبشة ثم قالوا: قد بلغنا ندخل فنظر ما فيه قريش ويحدث عهدا من أراد بأهله ثم يرجع.

ولم يدخل أحد منهم إلا بجوار أو مستخفيا إلا ابن مسعود فإنه مكث يسيرا ثم رجع إلى أرض الحبشة وكانوا خرجوا في رجب سنة خمس فأقاموا شعبان ورمضان، وكانت السجدة في رمضان وقدموا في شوال من السنة المذكورة.

__________

[ () ] ابن أبي هند عن أبي العالية، وقد تجرأ أبو بكر بن العربي كعادته فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها، وهو إطلاق مردود عليه. وكذا قول عياض هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع إسناده، وكذا قوله: ومن حملت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية، قال وقد بين البزار إنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير مع الشك الذي وقع في وصله، وأما الكلبي فلا تجوز الرواية عنه لقوة ضعفه. ثم رده من طريق النظر بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم، قال: ولم ينقل ذلك انتهى، وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر وهو قوله «ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى» فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره لأنه يستحيل عليه صلّى الله عليه وسلّم أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس منه، وكذا سهوا إذا كان مغايرا لما جاء به في التوحيد لمكان عصمته. وقد سلك العلماء في ذلك ما سلك، فقيل جرى ذلك على لسانه حين أصابته سنة وهو لا يشعر، فلما علم بذلك أحكم اللَّه آياته. وهذا أخرجه الطبري عن قتادة، ورد عياض بأنه لا يصح لكونه لا يجوز على النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا ولاية للشيطان عليه في النوم، وقيل: إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره، ورده ابن العربي بقوله تعالى حكاية عن الشيطان وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ الآية قال: فلو كان للشيطان قوة على لما بقي لأحد قوة في طاعة. وقيل: إن المشركين إذا ذكروا آلهتهم وصفوهم بذلك، فعلق ذلك بحفظه صلّى الله عليه وسلّم فجرى على لسانه لما ذكرهم سهوا. وقد رد ذلك عياض فأجاد.

وقيل لعله توبيخا للكفار، قال عياض: وهذا جائز إذا كانت هناك قرينة تدل على المراد، ولا سيما وقد كان الكلام في ذلك الوقت في الصلاة جائزا. وإلى هذا نحا الباقلاني. وقيل إنه لما وصل إلى قوله وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى خشي المشركون أن يأتي بعدها بشيء يذم آلهتهم به فبادروا إلى ذلك فخلطوه في تلاوة النبي صلّى الله عليه وسلّم على عادتهم في قولهم لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ونسب ذلك للشيطان لكونه الحامل لهم على ذلك، أو المراد بالشيطان شيطان الإنس. وقيل: المراد بالغرانيق العلى الملائكة وكان الكفار يقولون: الملائكة بنات اللَّه ويعبدونها، فسيق ذكر الكل ليرد عليهم بقوله تعالى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع وقالوا: قد عظم آلهتنا، ورضوا بذلك، فنسخ اللَّه تلك الكلمتين وأحكم آياته. وقيل: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يرتل القرآن فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكيا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله وأشاعها. قال: وهذا أحسن الوجوه. ويؤيده ما تقدم في صدر الكلام عن ابن عباس من تفسير تَمَنَّى بتلا. وكذا استحسن ابن العربي هذا التأويل وقال قبله إن هذه الآية نص في مذهبنا في براءة النبي صلّى الله عليه وسلّم مما نسب إليه. قال: ومعنى قوله فِي أُمْنِيَّتِهِ أي في تلاوته، فأخبر تعالى في هذه الآية أن سنته في رسله إذا قالوا قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه، فهذا نص في أن الشيطان زاده في قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قاله قال: وقد سبق إلى ذلك الطبري لجلالة قدره وسعة علمه وشدة ساعده في النظر فصوب على هذا المعنى وحوم عليه.

وكان من قدم على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم ومنهم من أقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد معه بدرا ومنهم من حبس عنه حتى فاته بدر وغيره، ومنهم من مات بمكة. ودخل عثمان بن مظعون بجوار من الوليد بن المغيرة.

فلما قدم أولئك النفر مكة اشتد عليهم قومهم وسطت عليهم عشائرهم ولقوا منهم أذى شديدا.

ولما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم من البلاء وهو يغدو ويروح في أمان الوليد بن المغيرة قال: واللَّه إن غدوّي ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في اللَّه ما لا يصيبني لنقص كبير في نفسي.

فمشى إلى الوليد فقال يا أبا عبد شمس وفت ذمتك وقد رددت إليك جوارك. قال: لم يا بن أخي، لعله آذاك أحد من قومي؟ قال: لا ولكني أرضى بجوار اللَّه عز وجل ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد فاردد عليّ جواري علانية كما أجرتك علانية. فانطلقا حتى أتيا المسجد فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يردّ عليّ جواري. قال: صدق قد وجدته وفيّا كريم الجوار ولكنني قد أحببت ألا أستجير بغير اللَّه عز وجل فقد رددت عليه جواره.

ثم انصرف عثمان ولبيد بن ربيعة بن مالك في مجلس من قريش ينشدهم قبل إسلامه، فجلس عثمان معهم فقال لبيد:

ألا كل شيء ما خلا اللَّه باطل

فقال عثمان: صدقت.

فقال لبيد:

وكلّ نعيم لا محالة زائل

[ (1) ] فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول. قال لبيد: يا معشر قريش واللَّه ما كان يؤذي جليسكم فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه قد فارقوا ديننا فلا تجدنّ في نفسك من قوله. فردّ عليه عثمان حتى شري أمرهما فقام ذلك الرجل فلطم عينه فخضّرها والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ عثمان فقال: أما واللَّه يا ابن أخي إن كانت عينك عمّا أصابها لغنيّة ولقد كنت في ذمة منيعة. فقال عثمان: بل واللَّه إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في اللَّه عز وجل وإني لفي جوار من هو أعزّ وأقدر يا أبا عبد شمس. فقال له الوليد: هلمّ يا ابن أخي إن شئت إلى جوارك فعد. فقال: لا.

ولما أجار أبو طالب أبا سلمة بن عبد الأسد مشى إليه رجال من بني مخزوم فقالوا له:

__________

[ (1) ] انظر الروض الأنف 2/ 120، والبداية والنهاية 3/ 92.

يا أبا طالب هذا منعت ابن أخيك محمدا فمالك ولصاحبنا تمنعه؟ فقال: إنه استجار بي وهو ابن أختي وإن أنا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي. فقام أبو لهب فقال: يا معشر قريش واللَّه لقد أكثرتم على هذا الشيخ ما تزالون توثّبون عليه في جواره من بين قومه، واللَّه لتنتهن عنه أو لنقومن معه في كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد. قالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة. وكان لهم وليّا وناصرا على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم فأبقوا على ذلك.

فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما يقول ورجا أن يقوم معه في شأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال أبو طالب يحرّض أبا لهب على نصرته ونصرة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:

إنّ امرءا أبو عتيبة عمّه ... لفي روضة ما إن يسام المظالما

أقول له وأين منه نصيحتي ... أبا معتب ثبّت سوادك قائما

ولا تقبلنّ الدّهر ما عشت خطّة ... تسبّ بها إمّا هبطت المواسما

وولّ سبيل العجز غيرك منهم ... فإنّك لم تخلق على العجز لازما

وحارب فإنّ الحرب نصف ولن ترى ... أخا الحرب يعطي الخسف حتّى يسالما

وكيف ولم يجنوا عليك عظيمة ... ولم يخذلوك غانما أو مغارما

جزى اللَّه عنّا عبد شمس ونوفلا ... جماعتنا كيما ينالوا المحارما

كذبتم وبيت اللَّه نبزى محمّدا ... ولمّا تروا يوما لدى الشّعب قائما

[ (1) ]

,

الباب التاسع عشر في رجوع القادمين من الحبشة إليها والهجرة الثانية

قال ابن سعد: قالوا: لما قدم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مكة من الهجرة الأولى اشتدّ عليهم.

قومهم وسطت بهم عشائرهم ولقوا منهم أذى شديدا. فأذن لهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم في الخروج إلى أرض الحبشة مرة ثانية، فكانت خرجتهم الثانية أعظمها مشقة، ولقوا من قريش تعنيفا شديدا ونالوهم بالأذى واشتد عليهم ما بلغهم عن النجاشي من حسن جواره لهم، فقال عثمان بن عفان: يا رسول اللَّه فهجرتنا الأولى وهذه الآخرة ولست معنا؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم: «أنتم مهاجرون إلى اللَّه تعالى وإليّ، لكم هاتان الهجرتان جميعا» .

قال عثمان: فحسبنا يا رسول اللَّه

[ (1) ] .

قال ابن إسحاق وابن سعد: وكان عدّة من خرج في هذه الهجرة من الرجال ثلاثة وثمانين.

قال ابن سعد: ومن النساء إحدى [ (2) ] عشرة امرأة قرشية وسبع غرائب. وزاد غيرهما على ذلك كما سيأتي بيانه.

وقد روى قصتهم الإمام أحمد عن ابن مسعود، وأبو نعيم والبيهقي عن أبي موسى الأشعري، وابن إسحاق عن أم سلمة، والطبراني وابن عساكر عن جعفر بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنهم قالوا: لمّا نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشيّ، أمنّا على ديننا وعبدنا اللَّه تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا فينا رجلين جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة، وكان أعجب ما يأتيه منها الأدم فجمعوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا عمارة بن الوليد وعمرو بن العاص وأمروهما بأمرهم وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلّما النجاشيّ فيهم، ثم قدّما إلى النجاشي هداياه ثم اسألاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلّمهم.

فخرجا حتى قدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يدفعا إلى النجاشيّ هديته ويكلّماه وقالا لكل بطريق منهم: أنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم،

__________

[ (1) ] أخرجه ابن سعد في الطبقات 1/ 1/ 138.

[ (2) ] سقط في أ.

وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردّهم إليهم، فإذا كلّمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلّمهم إلينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى وأعلم بما عابوهم فيه. فقالوا: نعم.

ثم إنهما لمّا دخلا على النجاشي سجدا له وقدّما له هداياهما فقبلها ثم قالا له: أيها الملك أن نفرا من بني عمنا سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم جاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردّهم عليهم فهم أعلى وأعلم بهم عينا وبما عابوا عليهم وبما عيّبوهم فيه.

ولم يكن شيء أبغض إلى عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد من أن يسمع النجاشيّ كلام جعفر وأصحابه فقال بطارقته: صدقا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم. فأسلمهم إليهما فليردّاهم إلى بلادهم وقومهم.

قال: فأين هم؟ قالا: في أرضك. فغضب النجاشي ثم قال: لاها اللَّه إذن لا أسلمهم إليهما ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فاسألهم عما يقول هذان من أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا غير ذلك منعتهم منهم وأحسنت جوارهم ما جاوروني.

ثم أرسل إلى أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول واللَّه ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كان في ذلك ما هو كائن. فقال جعفر بن أبي طالب: أنا خطيبكم اليوم.

وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، فدخل جعفر وتبعه المسلمون فسلّم فقالوا: مالك لا تسجد للملك؟ قال جعفر: إنا لا نسجد إلا للَّه عز وجل. فقال النجاشي ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من أهل هذه الملل.

فقال جعفر: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القويّ الضعيف، فكنّا على ذلك حتى بعث اللَّه إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى اللَّه لنوحّده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا أن نعبد اللَّه وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. فعدّد عليه أمور الإسلام. ثم قال: وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرّحم وحسن الجوار والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، فصدّقناه وآمنا به واتبعناه على ما

جاء به من اللَّه تعالى، فعبدنا اللَّه تعالى وحده ولم نشرك به شيئاً وحرّمنا ما حرم اللَّه علينا وأحللنا ما أحلّ لنا فعدا علينا قومنا فعذّبونا وفتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة اللَّه وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك.

فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به من شيء فقال له جعفر: نعم. قال فاقرأه عليّ.

فقرأ عليه صدرا من «كهيعص» فبكى واللَّه النجاشيّ حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما يتلى عليهم.

ثم قال له النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج عن مشكاة واحدة.

ثم قال النجاشي لعمرو: أعبيدهم لكم؟ قال: لا. قال: أفلكم عليهم دين؟ قال: لا.

قال: انطلقا فواللَّه لا أسلمهم إليكما أبدا ولا يكادون.

فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: واللَّه لآتينّه عنهم غدا بما أستأصل به خضراءهم. فقال له عمارة لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا. قال: واللَّه لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد.

ثم غدا إلى النجاشي فقال: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما فاسألهم عما يقولون فيه. فأرسل إليهم ليسألهم عنه فاجتمع المسلمون ولم ينزل بهم مثلها. فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه؟ فقالوا: نقول واللَّه ما قال اللَّه تعالى وما جاء به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن. فقال جعفر: لا يتكلم أحد أنا خطيبكم.

فلما دخلوا عليه فإذا هو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه وعمارة عن شماله والقسيسون جلوس سماطين، فقال لجعفر وأصحابه: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟

فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا، نقول هو عبد اللَّه ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فضرب النجاشي بيده الأرض فأخذ منها عودا ثم قال ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود، يا معشر القسيسين والرهبان واللَّه ما يزيدون على الذي فيه. فتناحرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال: وإن نخرتم واللَّه.

ثم قال: مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده أشهد أنه رسول اللَّه وأنه الذي نجد في الإنجيل، وأنه الرسول الذي بشر به عيسى ابن مريم، انزلوا حيث شئتم، واللَّه لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه. وأمر لنا بطعام وكسوة، ثم قال: اذهبوا فأنتم آمنون. من سبّكم غرم، من سبّكم غرم، من سبّكم غرم. قالها ثلاثا. فما أحب أن لي جبلا من ذهب وأني آذيت رجلا منكم.

وفي رواية أن النجاشي قال للمسلمين: أيؤذيكم أحد؟ قالوا: نعم. فأمر مناديا ينادي: من آذى أحدا منهم فأغرموه أربعة دراهم. ثم قال: أيكفيكم؟ قلنا: لا. قال: فأضعفوها.

وعند موسى بن عقبة: من نظر إلى هؤلاء نظرة تؤذيهم فقد غرم. أي فقد عصاني.

ثم قال: ردّوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها فو اللَّه ما أخذ اللَّه منيّ الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيعهم فيه.

فخرجا من عنده مقبوحين مردود عليهما ما جاءا به.

ثم إن الحبشة اجتمعت فقالت للنجاشي: إنك فارقت ديننا- وخرجوا عليه فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيّأ لهم سفنا وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا حيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا. ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبده ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن وخرج إلى الحبشة وصفّوا له صفين فقال: يا معشر الحبشة ألست أحقّ الناس بكم؟ قالوا: بلى. قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة؟

قال فما لكم؟ قالوا: فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد، هو ابن اللَّه. فقال النجاشي ووضع يده على صدره على قبائه: هو يشهد أن عيسى ابن مريم لم يزد على هذا. وإنما يعني ما كتب.

فرضوا عنه وانصرفوا.

قالت أم سلمة: فأقمنا عنده بخير دار مع خير جار، فو اللَّه أنا على ذلك إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، فو اللَّه ما حزنّا قطّ حزنا كان أشدّ من حزن حزنّاه عند ذلك تخوّفا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه. وسار إليه وبينهما عرض النّيل، فقال أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: من رجل ينطلق حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ فقال الزبير بن العوام: أنا. قالوا: فأنت. وكان من أحدث القوم سنا. فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم سبح عليهم حتى خرج إلى ناحية النّيل التي بها يلتقي القوم، ثم انطلق حتى حضرهم.

وقالت: ودعونا اللَّه للنجاشيّ بالظهور على عدوّه والتمكين له في بلاده.

قالت: فو اللَّه أنا على ذلك متوقعون لما هو كائن إذ طلع الزبير بن العوام يسعى فلمع بثوبه وهو يقول: أبشروا فقد ظهر النجاشيّ وأهلك اللَّه عدوّه. قالت: فو اللَّه ما علمتنا فرحنا فرحة قط مثلها. ورجع النجاشي وقد أهلك اللَّه عدوّه ومكن له في بلاده واستوسق عليه أمر الحبشة، وكنا عنده في خير منزل.

وروى الطبراني برجال الصحيح عن أبي موسى الأشعري، والطبراني وأبو الفرج الأموي

عن عبد الرحمن بن أبي ليلى واللفظ لأبي الفرج قال: وكان اللَّه سبحانه وتعالى قد ألقى العداوة بين عمرو وعمارة في مسيرهما قبل أن يقدما على النجاشي، وذلك أن عمرا كان رجلا دميما ومعه امرأته، وكان عمارة رجلا جميلا، فهوي امرأة عمرو وهويته، فعزما على دفع عمرو في البحر فدفع عمارة عمرا في البحر فسبح عمرو ونادى أصحاب السفينة فأخذوه فرفعوه إلى السفينة- فأضمرها عمرو في نفسه ولم يبدها لعمارة، بل قال لامرأته: قبّلي ابن عمك عمارة لتطيب بذلك نفسه. فلما أتيا أرض الحبشة وردّهما اللَّه تعالى خائبين مكر عمرو بعمارة فقال له: أنت امرؤ جميل وهن النساء يحببن الجمال، فتعرّض لامرأة النجاشي فلعلها أن تشفع لنا عند الملك في قضاء حاجتنا. ففعل عمارة وتكرّر تردده إلى امرأة النجاشي وأخذ عطرا من عطرها، فلما رأى عمرو ذلك أتى الملك فذكر له أمر عمارة، فأدركت الملك عزة الملك وقال: لولا أنه جاري لقتلته، ولكن سأفعل له ما هو شر من القتل. فدعا بالسّواحر فأمرهن أن يسحرنه فنفخن في إحليله نفخة طار منها هائما على وجهه حتى لحق بالوحوش بالجبال، فكان إذا رأى آدميّا ينفر منه، وكان ذلك آخر العهد به إلى زمن عمر بن الخطاب، فجاء ابن عمة عبد الله بن أبي ربيعة إلى عمر بن الخطاب واستأذنه في المسير إليه لعله يجده، فأذن له عمر، فسار عبد الله إلى أرض الحبشة فأكثر النّشدة عنه والفحص عن أمره حتى أخبر أنه في جبل كذا يرد مع الوحوش إذا وردت ويصدر معها إذا صدرت، فسار إليه فكمن له في طريقه إلى الماء فإذا هو قد غطّاه شعره وطالت أظافره وتمزقت عنه ثيابه حتى كأنه شيطان، فقبض عليه عبد الله وجعل يذكّره بالرّحم ويستعطفه وهو ينتفض منه وهو يقول أرسلني يا بجير أرسلني يا بجير وأبي عبد الله إن يرسله حتى مات بين يديه.

قال الزهري: فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير فقال: أتدري ما قوله: «ما أخذ اللَّه الرشوة منيّ فآخذ الرشوة فيه ولا أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه؟» فقلت: لا. قال عروة: فإن عائشة حدثتني أن أباه كان ملك قومه وكان له أخ له من صلبه اثنا عشر رجلا ولم يكن لأبي النجاشي ولد غير النجاشي، فأدارت الحبشة رأيها بينها فقالوا: لو أنّا قتلنا أبا النجاشي وملّكنا أخاه فإن له اثني عشر رجلا من صلبه فتوارثوا الملك لبقيت الحبشة عليهم دهرا طويلا لا يكون بينهم اختلاف، فعدوا عليه فقتلوه وملّكوا أخاه. فمكثوا على ذلك حينا ونشأ النجاشيّ مع عمه فلا يدبّر أمر عمه غيره، وكان النجاشي حازما لبيبا من الرجال، فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا: قد غلب هذا الغلام على أمر عمه فما نأمن من أن يملّكه علينا، وقد عرف أنا قتلنا أباه، فلئن فعل لم يدع منا شريفا إلا قتله، فكلّموه فيه فليقتله أو ليخرجه من بلادنا.

فمشوا إلى عمه فقالوا: قد رأينا مكان هذا الغلام منك، وقد عرفت أنا قتلنا أباه وجعلناك مكانه، وإنا لا نأمن من أن يملّك علينا فيقتلنا، فإما أن تقتله وإما أن تخرجه من بلادنا. قال: ويحكم

قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم؟ بل أخرجه من بلادكم. فخرجوا به فوقفوه في السوق وباعوه من تاجر من التجار بستمائة درهم أو بسبعمائة درهم، فرفعه في سفينة فانطلق به، فلما كان العشاء هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يتمطّر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته ففزعوا إلى ولده فإذا هم محمقون ليس في أحد منهم خير، فمرج أمر الحبشة. فقال بعضهم لبعض: تعلمون واللَّه إن ملككم الذي يصلح أمركم الذي بعتم بالغداة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه قبل أن يذهب. فخرجوا في طلبه فأدركوه فردّوه فعقدوا عليه التاج وأجلسوه على سريره وملكوه، فقال التاجر: ردّوا عليّ مالي كما أخذتم غلامي فقالوا: لا نعطيك. فقال التاجر: واللَّه لأكلمنّه فمشى إليه فكلّمه فقال: أيها الملك إني ابتعت غلاما فقبض ثمنه الذين باعونيه ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي ولم يردّوا عليّ مالي، فكان أول ما خبر من صلابة حكمه أن قال: لتردّن عليه ماله أو ليجعلن يد غلامه في يده فيذهب به حيث شاء. فقالوا: بل نعطيه ماله فأعطوه ماله.

فلذلك يقول: «ما أخذ اللَّه مني الرشوة فآخذ الرشوة فيه حين ردّ عليّ ملكي وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه» .

فأقام المهاجرون بأرض الحبشة عند النجاشي في أحسن جوار وتعجّل عبد اللَّه بن مسعود فرجع إلى مكة، فلما سمع المسلمون بمهاجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا ومن النساء ثماني نسوة، فمات منهم رجلان بمكة وشهد بدرا منهم أربعة وعشرون رجلا. كما سيأتي بيان ذلك هناك. واللَّه تعالى أعلم.

,

الباب التاسع عشر في رجوع القادمين من الحبشة إليها والهجرة الثانية

قال ابن سعد: قالوا: لما قدم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مكة من الهجرة الأولى اشتدّ عليهم.

قومهم وسطت بهم عشائرهم ولقوا منهم أذى شديدا. فأذن لهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم في الخروج إلى أرض الحبشة مرة ثانية، فكانت خرجتهم الثانية أعظمها مشقة، ولقوا من قريش تعنيفا شديدا ونالوهم بالأذى واشتد عليهم ما بلغهم عن النجاشي من حسن جواره لهم، فقال عثمان بن عفان: يا رسول اللَّه فهجرتنا الأولى وهذه الآخرة ولست معنا؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم: «أنتم مهاجرون إلى اللَّه تعالى وإليّ، لكم هاتان الهجرتان جميعا» .

قال عثمان: فحسبنا يا رسول اللَّه

[ (1) ] .

قال ابن إسحاق وابن سعد: وكان عدّة من خرج في هذه الهجرة من الرجال ثلاثة وثمانين.

قال ابن سعد: ومن النساء إحدى [ (2) ] عشرة امرأة قرشية وسبع غرائب. وزاد غيرهما على ذلك كما سيأتي بيانه.

وقد روى قصتهم الإمام أحمد عن ابن مسعود، وأبو نعيم والبيهقي عن أبي موسى الأشعري، وابن إسحاق عن أم سلمة، والطبراني وابن عساكر عن جعفر بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنهم قالوا: لمّا نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشيّ، أمنّا على ديننا وعبدنا اللَّه تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا فينا رجلين جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة، وكان أعجب ما يأتيه منها الأدم فجمعوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا عمارة بن الوليد وعمرو بن العاص وأمروهما بأمرهم وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلّما النجاشيّ فيهم، ثم قدّما إلى النجاشي هداياه ثم اسألاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلّمهم.

فخرجا حتى قدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يدفعا إلى النجاشيّ هديته ويكلّماه وقالا لكل بطريق منهم: أنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم،

__________

[ (1) ] أخرجه ابن سعد في الطبقات 1/ 1/ 138.

[ (2) ] سقط في أ.

وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردّهم إليهم، فإذا كلّمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلّمهم إلينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى وأعلم بما عابوهم فيه. فقالوا: نعم.

ثم إنهما لمّا دخلا على النجاشي سجدا له وقدّما له هداياهما فقبلها ثم قالا له: أيها الملك أن نفرا من بني عمنا سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم جاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردّهم عليهم فهم أعلى وأعلم بهم عينا وبما عابوا عليهم وبما عيّبوهم فيه.

ولم يكن شيء أبغض إلى عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد من أن يسمع النجاشيّ كلام جعفر وأصحابه فقال بطارقته: صدقا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم. فأسلمهم إليهما فليردّاهم إلى بلادهم وقومهم.

قال: فأين هم؟ قالا: في أرضك. فغضب النجاشي ثم قال: لاها اللَّه إذن لا أسلمهم إليهما ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فاسألهم عما يقول هذان من أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا غير ذلك منعتهم منهم وأحسنت جوارهم ما جاوروني.

ثم أرسل إلى أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول واللَّه ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كان في ذلك ما هو كائن. فقال جعفر بن أبي طالب: أنا خطيبكم اليوم.

وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، فدخل جعفر وتبعه المسلمون فسلّم فقالوا: مالك لا تسجد للملك؟ قال جعفر: إنا لا نسجد إلا للَّه عز وجل. فقال النجاشي ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من أهل هذه الملل.

فقال جعفر: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القويّ الضعيف، فكنّا على ذلك حتى بعث اللَّه إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى اللَّه لنوحّده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا أن نعبد اللَّه وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. فعدّد عليه أمور الإسلام. ثم قال: وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرّحم وحسن الجوار والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، فصدّقناه وآمنا به واتبعناه على ما

جاء به من اللَّه تعالى، فعبدنا اللَّه تعالى وحده ولم نشرك به شيئاً وحرّمنا ما حرم اللَّه علينا وأحللنا ما أحلّ لنا فعدا علينا قومنا فعذّبونا وفتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة اللَّه وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك.

فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به من شيء فقال له جعفر: نعم. قال فاقرأه عليّ.

فقرأ عليه صدرا من «كهيعص» فبكى واللَّه النجاشيّ حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما يتلى عليهم.

ثم قال له النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج عن مشكاة واحدة.

ثم قال النجاشي لعمرو: أعبيدهم لكم؟ قال: لا. قال: أفلكم عليهم دين؟ قال: لا.

قال: انطلقا فواللَّه لا أسلمهم إليكما أبدا ولا يكادون.

فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: واللَّه لآتينّه عنهم غدا بما أستأصل به خضراءهم. فقال له عمارة لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا. قال: واللَّه لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد.

ثم غدا إلى النجاشي فقال: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما فاسألهم عما يقولون فيه. فأرسل إليهم ليسألهم عنه فاجتمع المسلمون ولم ينزل بهم مثلها. فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه؟ فقالوا: نقول واللَّه ما قال اللَّه تعالى وما جاء به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن. فقال جعفر: لا يتكلم أحد أنا خطيبكم.

فلما دخلوا عليه فإذا هو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه وعمارة عن شماله والقسيسون جلوس سماطين، فقال لجعفر وأصحابه: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟

فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا، نقول هو عبد اللَّه ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فضرب النجاشي بيده الأرض فأخذ منها عودا ثم قال ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود، يا معشر القسيسين والرهبان واللَّه ما يزيدون على الذي فيه. فتناحرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال: وإن نخرتم واللَّه.

ثم قال: مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده أشهد أنه رسول اللَّه وأنه الذي نجد في الإنجيل، وأنه الرسول الذي بشر به عيسى ابن مريم، انزلوا حيث شئتم، واللَّه لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه. وأمر لنا بطعام وكسوة، ثم قال: اذهبوا فأنتم آمنون. من سبّكم غرم، من سبّكم غرم، من سبّكم غرم. قالها ثلاثا. فما أحب أن لي جبلا من ذهب وأني آذيت رجلا منكم.

وفي رواية أن النجاشي قال للمسلمين: أيؤذيكم أحد؟ قالوا: نعم. فأمر مناديا ينادي: من آذى أحدا منهم فأغرموه أربعة دراهم. ثم قال: أيكفيكم؟ قلنا: لا. قال: فأضعفوها.

وعند موسى بن عقبة: من نظر إلى هؤلاء نظرة تؤذيهم فقد غرم. أي فقد عصاني.

ثم قال: ردّوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها فو اللَّه ما أخذ اللَّه منيّ الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيعهم فيه.

فخرجا من عنده مقبوحين مردود عليهما ما جاءا به.

ثم إن الحبشة اجتمعت فقالت للنجاشي: إنك فارقت ديننا- وخرجوا عليه فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيّأ لهم سفنا وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا حيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا. ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبده ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن وخرج إلى الحبشة وصفّوا له صفين فقال: يا معشر الحبشة ألست أحقّ الناس بكم؟ قالوا: بلى. قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة؟

قال فما لكم؟ قالوا: فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد، هو ابن اللَّه. فقال النجاشي ووضع يده على صدره على قبائه: هو يشهد أن عيسى ابن مريم لم يزد على هذا. وإنما يعني ما كتب.

فرضوا عنه وانصرفوا.

قالت أم سلمة: فأقمنا عنده بخير دار مع خير جار، فو اللَّه أنا على ذلك إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، فو اللَّه ما حزنّا قطّ حزنا كان أشدّ من حزن حزنّاه عند ذلك تخوّفا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه. وسار إليه وبينهما عرض النّيل، فقال أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: من رجل ينطلق حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ فقال الزبير بن العوام: أنا. قالوا: فأنت. وكان من أحدث القوم سنا. فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم سبح عليهم حتى خرج إلى ناحية النّيل التي بها يلتقي القوم، ثم انطلق حتى حضرهم.

وقالت: ودعونا اللَّه للنجاشيّ بالظهور على عدوّه والتمكين له في بلاده.

قالت: فو اللَّه أنا على ذلك متوقعون لما هو كائن إذ طلع الزبير بن العوام يسعى فلمع بثوبه وهو يقول: أبشروا فقد ظهر النجاشيّ وأهلك اللَّه عدوّه. قالت: فو اللَّه ما علمتنا فرحنا فرحة قط مثلها. ورجع النجاشي وقد أهلك اللَّه عدوّه ومكن له في بلاده واستوسق عليه أمر الحبشة، وكنا عنده في خير منزل.

وروى الطبراني برجال الصحيح عن أبي موسى الأشعري، والطبراني وأبو الفرج الأموي

عن عبد الرحمن بن أبي ليلى واللفظ لأبي الفرج قال: وكان اللَّه سبحانه وتعالى قد ألقى العداوة بين عمرو وعمارة في مسيرهما قبل أن يقدما على النجاشي، وذلك أن عمرا كان رجلا دميما ومعه امرأته، وكان عمارة رجلا جميلا، فهوي امرأة عمرو وهويته، فعزما على دفع عمرو في البحر فدفع عمارة عمرا في البحر فسبح عمرو ونادى أصحاب السفينة فأخذوه فرفعوه إلى السفينة- فأضمرها عمرو في نفسه ولم يبدها لعمارة، بل قال لامرأته: قبّلي ابن عمك عمارة لتطيب بذلك نفسه. فلما أتيا أرض الحبشة وردّهما اللَّه تعالى خائبين مكر عمرو بعمارة فقال له: أنت امرؤ جميل وهن النساء يحببن الجمال، فتعرّض لامرأة النجاشي فلعلها أن تشفع لنا عند الملك في قضاء حاجتنا. ففعل عمارة وتكرّر تردده إلى امرأة النجاشي وأخذ عطرا من عطرها، فلما رأى عمرو ذلك أتى الملك فذكر له أمر عمارة، فأدركت الملك عزة الملك وقال: لولا أنه جاري لقتلته، ولكن سأفعل له ما هو شر من القتل. فدعا بالسّواحر فأمرهن أن يسحرنه فنفخن في إحليله نفخة طار منها هائما على وجهه حتى لحق بالوحوش بالجبال، فكان إذا رأى آدميّا ينفر منه، وكان ذلك آخر العهد به إلى زمن عمر بن الخطاب، فجاء ابن عمة عبد الله بن أبي ربيعة إلى عمر بن الخطاب واستأذنه في المسير إليه لعله يجده، فأذن له عمر، فسار عبد الله إلى أرض الحبشة فأكثر النّشدة عنه والفحص عن أمره حتى أخبر أنه في جبل كذا يرد مع الوحوش إذا وردت ويصدر معها إذا صدرت، فسار إليه فكمن له في طريقه إلى الماء فإذا هو قد غطّاه شعره وطالت أظافره وتمزقت عنه ثيابه حتى كأنه شيطان، فقبض عليه عبد الله وجعل يذكّره بالرّحم ويستعطفه وهو ينتفض منه وهو يقول أرسلني يا بجير أرسلني يا بجير وأبي عبد الله إن يرسله حتى مات بين يديه.

قال الزهري: فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير فقال: أتدري ما قوله: «ما أخذ اللَّه الرشوة منيّ فآخذ الرشوة فيه ولا أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه؟» فقلت: لا. قال عروة: فإن عائشة حدثتني أن أباه كان ملك قومه وكان له أخ له من صلبه اثنا عشر رجلا ولم يكن لأبي النجاشي ولد غير النجاشي، فأدارت الحبشة رأيها بينها فقالوا: لو أنّا قتلنا أبا النجاشي وملّكنا أخاه فإن له اثني عشر رجلا من صلبه فتوارثوا الملك لبقيت الحبشة عليهم دهرا طويلا لا يكون بينهم اختلاف، فعدوا عليه فقتلوه وملّكوا أخاه. فمكثوا على ذلك حينا ونشأ النجاشيّ مع عمه فلا يدبّر أمر عمه غيره، وكان النجاشي حازما لبيبا من الرجال، فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا: قد غلب هذا الغلام على أمر عمه فما نأمن من أن يملّكه علينا، وقد عرف أنا قتلنا أباه، فلئن فعل لم يدع منا شريفا إلا قتله، فكلّموه فيه فليقتله أو ليخرجه من بلادنا.

فمشوا إلى عمه فقالوا: قد رأينا مكان هذا الغلام منك، وقد عرفت أنا قتلنا أباه وجعلناك مكانه، وإنا لا نأمن من أن يملّك علينا فيقتلنا، فإما أن تقتله وإما أن تخرجه من بلادنا. قال: ويحكم

قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم؟ بل أخرجه من بلادكم. فخرجوا به فوقفوه في السوق وباعوه من تاجر من التجار بستمائة درهم أو بسبعمائة درهم، فرفعه في سفينة فانطلق به، فلما كان العشاء هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يتمطّر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته ففزعوا إلى ولده فإذا هم محمقون ليس في أحد منهم خير، فمرج أمر الحبشة. فقال بعضهم لبعض: تعلمون واللَّه إن ملككم الذي يصلح أمركم الذي بعتم بالغداة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه قبل أن يذهب. فخرجوا في طلبه فأدركوه فردّوه فعقدوا عليه التاج وأجلسوه على سريره وملكوه، فقال التاجر: ردّوا عليّ مالي كما أخذتم غلامي فقالوا: لا نعطيك. فقال التاجر: واللَّه لأكلمنّه فمشى إليه فكلّمه فقال: أيها الملك إني ابتعت غلاما فقبض ثمنه الذين باعونيه ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي ولم يردّوا عليّ مالي، فكان أول ما خبر من صلابة حكمه أن قال: لتردّن عليه ماله أو ليجعلن يد غلامه في يده فيذهب به حيث شاء. فقالوا: بل نعطيه ماله فأعطوه ماله.

فلذلك يقول: «ما أخذ اللَّه مني الرشوة فآخذ الرشوة فيه حين ردّ عليّ ملكي وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه» .

فأقام المهاجرون بأرض الحبشة عند النجاشي في أحسن جوار وتعجّل عبد اللَّه بن مسعود فرجع إلى مكة، فلما سمع المسلمون بمهاجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا ومن النساء ثماني نسوة، فمات منهم رجلان بمكة وشهد بدرا منهم أربعة وعشرون رجلا. كما سيأتي بيان ذلك هناك. واللَّه تعالى أعلم.



كلمات دليلية: