الهجرة الأولى إلى الحبشة_19948

الهجرة الأولى إلى الحبشة


الفصل العاشر الهجرة إلى الحبشة

«وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ «ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا «حَسَنَةً، وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ «كانُوا يَعْلَمُونَ.»

(القرآن الكريم، السورة 16، الآية 41)

وأطلّ العام الخامس للدعوة المحمدية وقد جمع الرسول حوله عصبة مؤلفة من خمسين صحابيا متفانيا في ولائه له. كان ايمانهم المشترك قد جعل منهم جماعة صغيرة متراصة لم تزدها اضطهادات المكيين إلا تماسكا.

وإلى هذا، فقد نمت قوتهم العددية يوما بعد يوم. وكان الرسول من رقة القلب بحيث يتفطر قلبه حتى لآلام خصومه. فكيف يستطيع ان يحتمل رؤية الأذى ينزل بأصدقائه؟ وليس من ريب في أن هؤلاء الاصدقاء كانوا مصدر قوة له عظيمة، وكانوا دعامة راسخة لرسالته، فخليق به ان لا يطيق الاستغناء عن ايما فرد منهم. ومع ذلك فلم

يكد يرى ان وحشية المكيين آخذة في الضراوة يوما بعد يوم حتى نصح لهم بالشخوص إلى موطن آمن. لقد آثر ان يتحدى اسوأ عاصفة من عواصف المعارضة المكية على رؤية اصحابه يعذّبون بمثل تلك القسوة البالغة. إنه لم يستشعر أيما قلق على نفسه، ولم يخامره أيما خوف من عدوّه المغضب المهتاج. وهكذا أشار عليهم ان يفزعوا إلى الحبشة قائلا لهم: «إن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي ارض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه.» وكان اهل الحبشة وملكهم الملقب بالنجاشي نصارى.

وهكذا استعد أول فريق من المهاجرين، وعدّتهم احد عشر، للابحار إلى الحبشة، وقد اصطحب اربعة منهم زوجاتهم، وفي جملتهم عثمان وزوجه، رقيّة، بنت الرسول. وفي شهر رجب من السنة الخامسة للدعوة، فصل القوم من مكة، وبعضهم راكب وبعضهم راجل. حتى إذا بلغوا الثغر أبحروا على عجل، مغادرين شواطئ وطنهم الجميل التماسا للسلامة في أرض أخرى. وما ان تسامعت قريش بارتحالهم حتى وجّهت رجالها على جناح السرعة ابتغاء صدّهم عن سبيلهم. بيد أن المراكب- ويا لخيبة قريش! - كانت قد أقلعت، فتعيّن على مطارديهم ان يرجعوا بخفّي حنين. ولكن هذا لم يزد القرشيين إلا غيظا على غيظ. لقد كانوا يحرصون على ان لا يجد الاسلام موطئ قدم في أيما موطن آخر. فعقدوا العزم، آخر الأمر، على ان يوجهوا إلى النجاشي وفدا يسأله أن لا يسبغ على المسلمين حمايته وان يسلمهم إلى المكيين. واختير عبد الله بن ابي ربيعة وعمرو بن العاص لهذه السفارة، فمضيا إلى الحبشة ومعهما هدايا نفيسة. فكانت اولى الخطوات التي قاما بها لدن بلوغهما أرض الأحباش أن عمدا إلى التأثير في مشاعر الطبقة الاكليركية. لقد قالا لهم ان المسلمين ابتدعوا دينا معاديا للنصرانية أيضا، وعزّزا استثارتهما لأحقاد تلك الطبقة الدينية

بأغداق الهدايا الثمينة على رجالها. وهكذا وفّقا إلى إقناع رجال الدين بأن يصطنعوا نفوذهم لدى الملك لتيسير مهمّتهما، ثم اتخذا سبيلهما إلى بلاط النجاشي. وشرحا وجهة نظرهما القائلة بوجوب ردّ المهاجرين المسلمين إلى قومهم، اولئك المهاجرين الذين زعم السفيران انهم ابتدعوا دينا يتعارض مع ديانة العرب التقليدية ومع النصرانية سواء بسواء. عندئذ دعا النجاشي المسلمين إلى بلاطه، وسألهم أن يدلوا بردّهم ويدفعوا عن أنفسهم تهمة الهرطقة المنسوبة اليهم. فنهض أحدهم، جعفر بن ابي طالب، وخاطب النجاشيّ قائلا: «أيها الملك! كنّا قوما أهل جاهلية، نعبد الاصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الارحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويّ منا الضعيف، فكنّا على ذلك حتى بعث الله الينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والاوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الامانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات [وأمرنا ان نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدّقناه وآمنّا به، واتّبعناه على ما جاء به من عند الله، [فعبدنا الله وحده لا نشرك به شيئا، وحرّمنا ما حرّم علينا وأحللنا ما أحلّ لنا] فعدا علينا قومنا، فعذّبونا، وفتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الاوثان من عبادة الله [وأن نستحلّ ما كنا نستحلّ من الخبائث] . فلما قهرونا وظلمونا وضيّقوا علينا [وحالوا بيننا وبين ديننا] خرجنا إلى بلادك [واخترناك على من سواك] ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك.» وبعد ذلك تلا عليه جعفر

آيات من القرآن الكريم أخذت بمجامع قلب النجاشي*، فقال للوفد القرشي: « [إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة] إنطلقا، والله لا أسلمهم اليكما.» وإذ خاب مسعى السفيرين، فقد حاولا التأتي للأمر بطريقة أخرى. وتفصيل ذلك أنهما عمدا، في اليوم التالي، إلى استثارة غضب الملك بأخباره أن الهراطقة لا يؤمنون بألوهية يسوع. ولكن هذه الخطة أيضا أخفقت إخفاقا كاملا. فقد أقرّ المسلمون بأنهم لا يعتبرون يسوع إلها ولكنهم يعتبرونه نبيا مختارا، فأخذ النجاشي عودا وأشار اليه قائلا: «والله ما عدا عيسى بن مريم مما قال المسلمون هذا العود.» وهكذا رجع الوفد القرشي صفر اليدين.

وتعرف هذه الهجرة بالهجرة الاولى إلى الحبشة.

وجدير بالذكر ان القرشيين استشعروا قلقا بالغا بسبب من هجرة المسلمين إلى الحبشة. لقد تعقّبوهم بادئ الامر حتى الثغر الذي أبحروا منه لكي يلقوا القبض عليهم، حتى إذا أخفقوا تبعوهم إلى بلاط النجاشي. فما الذي هاج قلقهم إلى هذا الحد؟ أتكون دعاية المسلمين المناهضة للوثنية هي التي أثارت حفيظة قريش هذه الاثارة كلها؟ ولكن المهاجرين كانوا الآن أبعد من أن يؤذوا مشاعرهم من طريق الطعن على آلهتهم. والواقع أن العداء الذي أثارته الخلافات الدينية كان قد أمسى الآن شخصيا. فلم يستطع المكيون أن يطيقوا التفكير في امكان نجاح المسلمين في ما وراء البحار وهم الذين أخرجوهم من منازلهم وديارهم.

كانوا قد عقدوا العزم على إهلاكهم، ومن أجل ذلك اجتازوا الطريق

__________

(*) تلا جعفر على النجاشي سورة مريم من أولها إلى قوله تعالى: «فأشارت اليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا. قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا. وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا. وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا. والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا.» (المعرب)

كلها إلى بلاط النجاشي للايقاع بهم هناك. ومن أجل هذا السبب نفسه لم يدعوا النبي وأصحابه يرتاحون، حتى في المدينة، دار هجرتهم في ما بعد. ولم يكن في المدينة أيما سلطة تحمي المسلمين من أعدائهم القرشيين المتعطشين للدم، وذلك ما جرّأهم على التفكير بأبادتهم بحدّ السيف. فاذا بغريزة حفظ الذات تدفع المسلمين إلى الردّ على القوة بالقوة دفاعا عن أنفسهم. ومن هنا حدثت تلك المعارك التي خاض المسلمون غمارها كتدبير دفاعي محض. ان قريشا لم تدعهم وشأنهم، حتى بعد أن فصلتهم عن أهلهم وأخرجتهم من ديارهم. وهكذا لم يكن للمسلمين مناص من الدفاع عن أنفسهم ومواجهة مطارديهم على نحو يليق بالرجال. ومع ذلك فهناك نقّاد يتعامون عن هذه الحقائق التاريخية الثابتة، فيزعمون ان النبي كان هو البادئ في شنّ هذه الحرب، ومن أجل ذلك يصمون الاسلام بأنه دين قام بالسيف.

والواقع ان أيما شيء لا يمكن أن يكون أبعد من ذلك عن الحقيقة.

فالأحداث المتّصلة بالهجرة إلى الحبشة، كما بسطناها في الفقرات السابقة، تلقي ضوآ كافيا على هذه الواقعة الراهنة، وهي ان القرشيين- أيا ما كانت التعاليم الاسلامية، وسواء أمثّلت في نظرهم هرطقة أم لم تمثّل- كانوا مصمّمين على إبادة الجماعة الاسلامية عن بكرة أبيها، بأي ثمن.

وحين عاد الوفد القرشي من الحبشة بخفي حنين تخطى غيظهم كل حدّ. لقد واصلوا اضطهادهم للمسلمين في اهتياج مضاعف. كانوا حتى ذلك الحين يشهدون صبر المسلمين على هذه المحن القاسية في دهش عظيم. ولكن الهجرة إلى الحبشة أعطتهم برهانا قاطعا على ان المسلمين مستعدون لمختلف ضروب المخاطر، ولتحمّل كل لون من ألوان التعذيب من أجل عقيدتهم، وعلى انهم لن يحجموا عن خوض غمار المخاطر كلها في سبيل الله. وفوق هذا، فعندما تسامع سائر المسلمين في مكة

بالرعاية الكريمة التي أسبغها النجاشي على اخوانهم شخص عدد منهم في العام الذي تلا إلى الحبشة. وتعرف هذه الهجرة بالهجرة الثانية إلى الحبشة. وبذل القرشيون قصارى جهدهم لكبح جماح هذه الهجرة، ولكن على غير طائل. وباستثناء الاطفال تقاطر على الحبشة مئة مسلم.

ومسلمة، رجالا ونساء. ولقد استقروا هناك، جميعا، ما عدا عثمان.

وزوجته اللذين عادا إلى مكة بعيد ذلك. ولم يلتحق المهاجرون باخوانهم المسلمين في المدينة إلا بعد انقضاء سبع سنوات على هجرة الرسول من مكة. فقد نصّ صلح الحديبية في العام السادس للهجرة على عقد هدنة بين المسلمين والقرشيين مدتها عشر سنوات. فأتاح ذلك للمسلمين قدرا من السلامة في أرض العرب، ويسّر للمهاجرين إلى الحبشة سبيل العودة إلى أهلهم وعشيرتهم. وان فيه كذلك لدليلا على الحقيقة القائلة بأن المسلمين، حتى في المدينة، لم ينعموا بالأمن حتى السنة السابعة للهجرة، عندما زوّدهم صلح الحديبية بفترة من الراحة قصيرة.

ولم ينس المسلمون عطف النجاشي عليهم فبادلوه إحسانا بأحسان.

وتفصيل ذلك أن نزاعا نشب بين النجاشي، خلال اقامتهم في مملكته، وبين إحدى الدول المعادية، فلم يكن منهم إلا ان وضعوا أنفسهم تحت تصرف جيشه. ليس هذا فحسب، بل لقد دعوا الله ان ينصره على عدوه. وهذا يظهر أيّ قوم معترفين بالجميل كانوا. إن شعارهم كان، منذ تلك الفترة المبكرة، هو الآية القرآنية التي تقول: «هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ.» *

ومن الاحداث المتصلة بالهجرة الاولى إلى الحبشة حادثة يجمل بنا ان نقف عندها. فبعيد هذه الهجرة بقليل نزلت على الرسول سورة «النجم» ** التي وردت في خاتمتها الآية التي تأمر بالسجود لله-

__________

(*) السورة 55، الآية 60.

(**) هي السورة الثالثة والخمسون.

وكانت هذه أول مرة اصطنع فيها المسلمون «سجدة التلاوة» خلال تلاوة القرآن الكريم، تلك السجدة الشائعة اليوم بين المسلمين. ففيما كان الرسول يتلو هذه السورة سجد حالما انتهى إلى الآية التي تقول:

« «فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا» * وتذهب بعض الروآيات الموثوقة إلى ان وثنيي المكيين الذين شهدوا مجلس النبي ذلك اليوم شاركوا في السجود.

ذلك بأنهم آمنوا بالله برغم عبادتهم الاوثان.

ولكن خصوم الاسلام عمدوا إلى روآية هذه الحادثة على نحو مشوّة.

لقد زعموا ان الرسول- وقد بدا له أن من المستحسن ان يصل إلى تسوية مع الوثنيين- قد استرضى في هذه السورة عبدة الاوثان، وهذا هو السبب الذي من أجله سجد الوثنيون في مجلس الرسول. ولكن الروآية التي بني عليها هذا الزعم متهافتة كل التهافت. وليس ثمة أيما روآية أخرى موثوقة عن هذه الحادثة غير الروآية التي أشرنا اليها في الفقرة السابقة. ومجرد عودة المهاجرين من الحبشة لا يظهر ان الرسول كان قد توصل مع المكيين إلى تسوية. وجائز، من ناحية ثانية، ان يكون نبأ سجود الكفار قد أوقع في نفوس القوم أنهم أسلموا، حتى إذا ما تسامع المهاجرون إلى الحبشة بالنبأ عاد بعضهم إلى أرض الوطن. ولكن الواقع ان المهاجرين القلائل الذين عادوا إلى مكة إنما فعلوا ذلك لكي يحدّثوا سائر اخوانهم حديث الأمن والحرية اللذين تمتعوا بهما في ظل النجاشي، ولكي يقنعوهم بسبب من ذلك بمرافقتهم إلى هناك، وذلك ما حدث فعلا في الهجرة الثانية إلى الحبشة.

__________

(*) السورة 53، الآية 62.



كلمات دليلية: