الهجرة الأولى إلى الحبشة_13978

الهجرة الأولى إلى الحبشة


الهجرة إلى الحبشة وأسبابها

اشتدَّ أذى المشركين على من آمن، وفتنوا جماعة حتى إِنهم كانوا يضربونهم ويُلقونهم في الحرِّ ويضعون الصخرة العظيمة على صدر أحدهم في شدة الحرّ، حتى إِنّ أحدهم إِذا أُطْلِق لا يستطيع أن يجلس من شدة الألم، فيقولون لأحدهم: اللاتُ إِلهك من دون الله؟ فيقولُ مكرهَّا: نعم. حتى إِن الجُعل ليمر فيقولون: وهذا إِلهك من دون الله، فيقول: نعم (1).

وعن عبد الله بن مسعود قال: كان أول من أظهر إِسلامه سبعة، رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأمّا رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، فمنعه الله بعمّه أبي طالب، وأمّا أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأمّا سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد، إِلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إِلا بلالًا، فإِنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحدٌ أحد (2).

كان بلال عبدًا لبعض بني جُمح مولَّدًا من مولّديهم، كان صادق الإِسلام، طاهر القلب، وكان أميّة بن خلف يُخْرِجُه إِذا حميتِ الظهيرة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة

__________

(1) ابن هشام، السيرة النبوية 1/ 396. وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، وانظر: مهدي رزق الله، السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية 185.

(2) أخرجه ابن ماجه في المقدمة، باب فضل سلمان وأبي ذر والمقداد ح (150)، وحسّنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ح (122).

فتوضع علي صدره، ثم يقول له: لا والله، لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفرَ بمحمد، وتعبد اللات والعزى. فيقول وهو في ذلك: أحدٌ أحد (1).

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذا مرّ بعمّار بن ياسر وأمّه وأهل بيته وهم يُعذّبون، يقول: "صبرًا آل ياسر، فإِنّ موعدكم الجنّة" (2).

ومرَّ الخبيثُ عدوُ اللهِ أبو جهل عمرو بن هشام بسميّة أم عمار (3)، وهي تعذَّب وزوجَها وابنَها، فطعنها بحربة في فرجها فقتلها، - رضي الله عنها - وعن ابنها وزوجها (4).

وكان الصديق رضي الله تعالى عنه إِذا مرّ بأحد من الموالي يعذَّب يشتريه من مواليه، ويعتقه، منهم: بلال وأمّه حمامة، وعامر بن فهيرة، وأم عبيس، وزنيرة، والنهدية وابنتها، وجارية بني عدي، كان عمر يعذّبها علي الإِسلام قبل أن يسلم (5)؛ حتى قال أبوه أبو قحافة: (يا بني، أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أعتقت قومًا جُلْدًا يمنعونك. فقال له أبو بكر: إِنيّ أريد ما أريد. فيقالُ: إِنه نزلت فيه: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} إِلى أخر السورة (6).

وكانت سيدة خبّاب بن الأرت - رضي الله عنه - توقد نارًا فتلقيه عليها، فلا يطفئ لهيبها إِلاّ ودك ظهره (7).

__________

(1) سيرة ابن هشام (1/ 137).

(2) رواه الطبراني في الأوسط، قال الهيثمي في المجمع (9/ 293): (ورجاله رجال الصحيح غير إِبراهيم بن عبد العزيز المقوم، وهو ثقة).

(3) سميّة بنت خياط، كانت أمةً لأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي، وكان ياسر حليفًا لأبي حذيفة، فزوّجه سميّة، فولدتْ له عمّارًا، فأعتقه أبو حذيفة. انظر: أسد الغابة (5/ 481)

(4) طبقات ابن سعد (8/ 264 - 265).

(5) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 145) تحقيق التركي.

(6) سيرة ابن هشام (1/ 319). والآيات من سورة الليل 17 - 18.

(7) حلية الأولياء لأبي نعيم (1/ 134 - 144).

ولقد كان هذا الصبر من الصحابة رضوان الله عليهم نتاج تربية النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لهم، يقول خباب ابن الأرت - رضي الله عنه -: شكونا إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد ببردة له في ظلّ الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيُجعَل فمِها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيُجعَل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليتمّنّ هذا الأمر حتى يسير الراكبُ في صنعاء إِلى حضرموت لا يخاف إِلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (1).

فضرب الصحابة رضوان الله عليهم هذه النماذج العالية في الصبر والتضحية بأنفسهم في سبيل هذا الدين، يتحملون أنواع الأذى ليظهر الله دينه، فرفع الله منزلتهم في الدنيا والآخرة.

وقد أقرّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الرخصة في اتّقاء عذاب المشركين بإظهار ما يريدون منهم، فقال لعمّار بن ياسر الذي ما تركه المشركون حتى نال من النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنًا بالإِسلام. قال:"فإِن عادوا فعُدْ" (2).

فلما اشتد البلاءُ وضاقت أرض مكة على المؤمنين أذن الله سبحانه وتعالى في الهجرة إِلى أرض الحبشة، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: إِن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم عنده أحد، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه" (3).

__________

(1) أخرجه البخاري ح (6943).

(2) أخرجه ابن جرير في تفسيره (14/ 182) في تفسير قوله تعالى {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106].

(3) ابن إسحاق، السيرة والمغازي (رواية يونس بن بكير) ص 194. بإسناد صحيح، وانظر: سليمان السعود، أحاديث الهجرة ص 22.

فسبب الهجرة إِلى الحبشة هو: الفرار بالدين، ووجود الأمان والعدل في مملكة الحبشة ذلك الزمان. وكان أول خروجهم من مكة في رجب سنة خمسٍ من البعثة (1)، وكان أول من خرج فارًا بدينه إِلى الحبشة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتبعه الناس.

وكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلًا، وأربع نسوة، خرجوا متسللين سرًا، فوفّق الله لهم ساعة وصولهم إِلى الساحل سفينتين للتجّار، فحملوهم فيهما إِلى أرض الحبشة.

ثم كانت الهجرة الثانية، وعلى رأسها جعفر بن أبي طالب، خرج وجماعات معه - رضي الله عنهم - وأرضاهم، وكانوا قريبًا من ثمانين رجلًا (2).

قال ابن إِسحاق: (فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إِليها من المسلمين -سوى أبنائهم الذبن خرجوا بهم صغارًا أو ولدوا بها- ثلاثة وثمانين رجلًا (3).

فانحاز المهاجرون إِلى مملكة أصحمة النجاشي، فآواهم وأكرمهم، فكانوا عنده آمنين. عن أمّ المؤمنين أمّ سلمة - رضي الله عنها - قالت: (لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار، النجاشي، أمِنا على ديننا، وعبدنا الله، لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا أن يبعثوا إِلى النجاشيّ فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشيّ هدايا ممّا يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إِليه الأدم، فجمعوا له أدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إِلّا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وأمروهما أمرهم،

__________

(1) رواه ابن سعد، الطبقات، عن الواقدي (1/ 204).

(2) انظر: الفصول في سيرة الرسول لابن كثير (ص 101).

(3) انظر: سيرة ابن هشام (1/ 330).

وقالوا لهما: (ادفعوا إِلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشيَّ فيهم، ثم قدِّموا للنجاشيّ هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إِليكم قبل أن يكلمهم).

قالت: فخرجا فقدما على النجاشيّ، ونحن عنده بخير دار، وعند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريقٌ إِلَّا دفعا إِليه هديته قبل أن يكلما النجاشيّ، ثم قالا لكل بطريق منهم: إِنه قد صبا إِلى بلد الملك منّا غِلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدلخوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إِلى الملك فيهم أشرافُ قومهم، ليردّهم إِليهم، فإِذا كلمنا الملك فيهم فتشيروا عليه بأن يسلمهم إِلينا، ولا يكلمهم، فإِنّ قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم.

ثم إِنّهما قرَّبا هداياهم إِلى النجاشي، فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا له: (أيها الملك، إِنّه قد صبا إِلى بلدك منّا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إِليك فيهم أشرافُ قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم، لتردَّهم إِليهم، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه).

قالت: ولم يكن شيءٌ أبغض إِلى عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشيُّ كلامَهم، فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إِليهما.

قالت: فغضب النجاشيّ، ثم قال: (لا ها الله، أيم الله، إِذن لا أسلمهم إِليهما، ولا أكاد قومًا جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي؛ حتى أدعوهم، فأسألهم ماذا يقول هذان في أمرهم، فإِن كانوا كما يقولان أسلمتهم إِليهما، ورددتهم إِلى قومهم، وإِن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني).

قالت: ثم أرسل إِلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعاهم، فلمّا جاءهم رسولَه اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إِذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبيّنا - صلى الله عليه وسلم -، كائن في ذلك ما هو كائن.

فلما جاءوه، وقد دعا النجاشيّ أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم، فقال: (ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه الأمم).

قالت: فكان الذي كلَّمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: (أيها الملك، كنّا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القويُّ منَّا الضعيف، فكنّا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولًا منّا، نعرف نسبَه وصدقَه وأمانته وعفافَه، فدعانا إِلى إلله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام- قال: فعدَّد عليه أمور الإسلام- فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرَّمنا ما حرَّم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إِلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن تستحل ما كنّا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا، وظلمونا، وشقّوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إِلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك، أيها الملك)،

قالت: فقال له النجاشيّ: (هل معك ممّا جاء به عن الله من شيء؟). قالت: فقال له جعفر: (نعم)، فقال له النجاشي: (فاقرأه عليّ).

فقرأ عليه صدرًا من {كهيعص}، قالت: فبكى والله النجاشي؛ حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى، أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشيّ: (إنّ هذا والله، والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسلمهم إِليكم أبدًا، ولا أكاد).

قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده، قال عمرو بن العاص: (والله، لأنبئنهم غدًا عيبهم عندهم، ثم أستأصل به خضراءهم).

قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة -وكان أتقى الرجلين فينا-: (لا تفعل، فإنّ لهم أرحامًا، وإن كانوا قد خالفونا). قال: (والله، لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبدٌ).

قالت: ثم غدا عليه الغد، فقال له: (أيها الملك، إِنهم يقولون في عيسى بن مريم قولًا عظيمًا، فأرسِلْ إِليهم فاسألهم عمّا يقولون فيه).

قالت: فأرسل إِليهم يسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثله، فاجتمع القوم، فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إِذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه ما قال الله، وما جاء به نبيّنا، كائنا في ذلك ما هو كائن.

فلما دخلوا عليه، قال لهم: (ما تقولون في عيسى بن مريم؟). فقال له جعفر بن أبي طالب: (نقول فيه الذي جاء به نبيّنا، هو عبد الله ورسوله، وروحه وكلمته ألقاها إِلى مريم العذراء البتول).

قالت: فضرب النجاشيّ يده إِلى الأرض، فأخذ منها عودًا، ثم قال: (ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود). فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: (وإِن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي -والسيوم الآمنون- من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، فما أحبُّ أن لي دَبْرًا ذهبًا، وأنّي آذيتُ رجلًا منكم- والدَّبْر بلسان

الحبشةِ الجبل- ردُّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لنا بها، فوالله، ما أخذ الله منّي الرشوةَ حين ردَّ عليَّ مُلكي، فآخذ الرشوةَ فيه، وما أطاع الناسَ فيَّ فأطيعهم فيه).

قالت: فخرجا من عنده مقبوحين، مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار (1).

تلك قصة الهجرة إِلى الحبشة، هجرة قوم انخلعوا من دنياهم وفرّوا بدينهم، قصة قوم أرادوا لأرواحهم فسحة، يعبدون الله تعالى بعيدًا عن جبروت الجبابرة والطغاة، فلم يهنأ للجبابرة حال، ولم يهدأ لهم بال، حتى سعوا إِلى إِرجاعهم وأعدّوا للأمر عدته، وأرادوا أن ينالوا من عدل النجاشي بعرض شيءٍ من حطام الدنيا له، فوقف وقفته الصادقة مع قومٍ رأى الصدق عندهم بعد أن سمع منهم، ولم يأخذهم بما قيل عنهم دون أن يسمع منهم.

وأسلم النجاشيُّ وهو في أرض الحبشة، إِذ قاده العدلُ والإِنصاف إلى الإِيمان برسول الله - صلى الله عليه وسلم -،وأنه مصدّق با جاء عيسى -عليه السلام-، قال الله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (2).

__________

(1) أخرجه أحمد في المسند (1/ 202)، (5/ 290، 292) عن محمد بن إِسحاق من حديث أم سلمة - رضي الله عنها -. قال الهيثمي (المجمع 6/ 24، 27): (رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير ابن إِسحاق، وقد صرّح بالسماع). وحسَّن إِسناده الأرنؤوط في تحقيقه للمسند (3/ 268).

(2) سورة المائدة، الآيات 82 - 86.

فقد قيل: إِنّ هذه الآية نزلت في النجاشيّ وأصحابٍ له أسلموا معه (1)، قال الطبري: (إِنّ ذلك كان منهم؛ لأنّ منهم أهل اجتهاد في العبادة، وترهُّب في الديارات والصوامع، وأنّ منهم علماء بكتبهم وأهل تلاوة لها، فهم لا يبعدون من المؤمنين لتواضعهم للحقّ إِذا عرفوه، ولا يستكبرون عن قبوله إِذا تبيّنوه، لأنّهم أهل دين واجتهاد فيه، ونصيحة لأنفسهم في ذات الله، وليسوا كاليهود الذين قد دربوا بقتل الأنبياء والرسل، ومعاندة الله في أمره ونهيه، وتحريف تنزيله الذي أنزله في كتبه) (2).

وقد صلّى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي، ونعاه للصحابة - رضي الله عنهم - يوم موته، فعن جابر - رضي الله عنه -، قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - حين مات النجاشيّ: "مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلّوا على أخيكم أصحمة" (3).

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إِلى المصلَّى، فصفَّ بهم، وكبَّر عليه أربع تكبيرات (4).

قال ابن كثير: (وشهود أبي هريرة - رضي الله عنه - الصلاة على النجاشيّ دليلٌ على أنّه إِنّما مات بعد فتح خيبر، في السنة التي قدم فيها بقيّة المهاجرين إِلى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه -، يوم فتح خيبر) (5).

__________

(1) انظر: تفسير الطبرى (5/ 3).

(2) التفسير (5/ 6).

(3) أخرجه البخاري في المناقب، باب موت النجاشي ح (3877).

(4) أخرجه البخاري في الجنائز، باب التكبير على الجنازة أربعًا ح (1333). قال ابن كثير: (قال بعض العلماء: إِنّما صلّى عليه لأنّه كان يكتم إِيمانه من قومه، فلم يكن عنده يوم مات من يُصلّي عليه رحمه الله. قالوا: فالغائب إِن كان قد صُلِّي عليه ببلده، لا تُشْرع الصلاة عليه ببلد أخرى، ولهذا لم يُصلّ على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في غير المدينة، لا أهل مكة ولا غيرهم، وهكذا أبو بكر وعمر وعثمان، وغيرهم من الصحابة، لم يُنقل أنّه صُلِّيَ على أحدٍ منهم في غير البلدة التي صُلِّيَ عليه فيها. والله أعلم). انظر لمزيد الفائدة: المغني لأبي قدامة (3/ 446).

(5) البداية والنهاية (4/ 193).

إِسلام حمزة (رضي الله عنه):

وفي أثناء هذه الأحداث التي كانت تشتدّ على المسلمين من أذيّة قريش، مرّ أبو جهل يومًا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند الصفا، فآذاه وشتمه، فلم يكلّمه النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ومولاةٌ لعبد الله بن جُدعان تسمع، ثم انصرف عنه، فعمد إِلى نادي قريش عند الكعبة، فجلس معهم، فلم يلْبثْ حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحًا سيفه، راجعًا من قنص له، وكان صاحب قنص، وكان إذا رجع من قنصه بدأ بالطواف بالكعبة، وكان أعزّ فتًى من قريش، وأشده شكيمة، فلما مرّ بالمولاة قالت له: يا أبا عُمارة، ما لقي ابن أخيك آنفًا من أبي الحكم، وجده ها هنا جالسًا فآذاه وسبّه وبلغ منه، ولم يكلّمه محمَّد. فاحتمل حمزةَ الغضبُ، لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى لأبي جهل، فلما رآه جالسًا في القوم أقبل نحوه، حتى إِذا قام على رأسه رفع القوسَ، فضربه بها، فشجّه شجّةً منكرة، ثم قال: أتشتمه! فأنا على دينه، أقول ما يقول، فرُدّ عليَّ ذلك إِن استطعت.

فقامتْ رجالٌ من بني مخزوم إِلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فوالله لقد سببتُ ابن أخيه سبَّا قبيحًا.

وتمَّ حمزةُ على إِسلامه، فلما أسلم، عرفتْ قريشٌ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد عزّ وامتنع، وأنّ حمزة - رضي الله عنه - سيمنعه، فكفُّهوا بعض الشيء (1).

إِنّ التحدي والحميّة هي التي دفعت بحمزة إِلى إِعلان إِسلامه، فقد كان يحلم أنّه لا أغيظ لأبي جهل منه، ولكن الله تعالى منّ عليه بالهداية، واطمأن قلب حمزة إِلى الإِسلام، فكانت مفتاحًا له إِلى الخير، الذي نال به لقب سيد الشهداء، وكان إسلامه سببًا في رفعة هذا الدين ونصرة أتباعه.

__________

(1) سيرة ابن هشام 1/ 291، وسنده منقطع.

إِسلام عمر (رضي الله عنه):

كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يتشوّف لإِسلام عمر بن الخطاب لما يرجوه بإِسلامه من خيرٍ للإِسلام والمسلمين، فكان يدعو: "اللهم أعزّ الإِسلام بأحبّ الرجلين إِليك؛ بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام" (1). وكان أحبُّهما إليه عمر بن الخطاب، قال ابن إِسحاق: (وكان إِسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِلى الحبشة) (2).

ومن أشهر ما يُروى في قصة إِسلامه أنّه خرج - رضي الله عنه - يومًا متقلدًا سيفه، فلقيه رجل من بني عدي، فقال له: أين تعمد يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمدًا. قال: فكيفى تأمن في بني عبد مناف، وقد قتلت محمدًا؟ فقال: ما أراك إِلا قد صبوت. قال: أفلا أدلُّك على العجب، إِن أختك وختنك قد صبوا وتركا دينك. فمشى عمر فأتاهما، وعندهما خباب، فلما سممع بحسّ عمر توارى في البيت، فدخل فقال: ما هذه الهينمة؟ -أي القراءة- وكانوا يقرءون (سورة طه)، قالا: حديثًا تحدثناه بيننا. قال: لعلكما قد صبوتما؟ فقال له ختنُه: يا عمر، إِن كان الحق في غير دينك. فوثب عليه فوطئه وطئًا شديدًا، فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها، فنفحها نفحة بيده فدمّى وجهها، فقالت وهي غضبى: وإن كان الحق في غير دينك إِني أشهد أن لا إِله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. فقال عمر: أعطوني الكتابَ الذي هو عندكم فأقرأه. وكان عمر يقرأ الكتاب، فقالت له أخته: إِنك رجسٌ، وإِنه لا يمسه إِلا المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ، فقام فتوضأ، ثم أخذ الكتاب، فقرأ {طه} حتَى انتهى إِلى {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}.

فقال عمر: دلّونى على محمَّد، فلما سمع خباب قول عمر خرج. فقال: أبشر يا عمر

__________

أخرجه أحمد (2/ 95)، والترمذي في المناقب، باب مناقب عمر بن الخطاب ح (3681) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وقال الترمذي (هذا حديث حسن صحيح غريب).

(2) سيرة ابن هشام (1/ 342).

فإِني أرجو أن تكون دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لك ليلة الخميس: اللهم أعزّ الإِسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام. وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - في الدار التي في أصل الصفا. -دار الأرقم بن أبي الأرقم- فانطلق عمر حتى أتى الدار، وعلى بابها حمزة، وطلحة، وناس، فقال حمزة: هذا عمر، إِن يُرْدِ الله به خيرًا يُسْلِم، وإن يُرْد غير ذلك يكن قتلُه علينا هيّنًا .. والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - داخلٌ يُوحى إِليه، فخرج حتى أتى عمر، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف، فقال: ما أنت منتهٍ يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة؟ فقال عمر: أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأنك عبد الله ورسوله. فكبّر رسول الله تكبيرة عرف أهل الدار أن عمر أسلم (1).

قال سعيد بن المسيّب: أسلم عمر بعد أربعين رجلًا وعشر نسوة، فلما أسلم ظهر الإسلام بمكة (2).

وهذا محمولٌ على من بقي من المسلمين بعد خروج عامّتهم إِلى الحبشة (3).

لقد وجّه ذلك الزهري عمرَ إِلى أخته وختنه، وبذلك امتصّ غضبه على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحوّله إِلى غيره، عاملًا بمبدأ ارتكاب أخف الضررين، فكان فتح الله بإِسلام عمر، ويرجع فضل ذلك إِلى ثبات فاطمة بنت الخطاب ووقوفها في وجه أخيها معلنة التحدي، الأمر الذي كسر غضب عمر، وألان جانبه، فهدأت نفسه - رضي الله عنه -، وهكذا يكون أثر المرأة المسلمة في الدعوة إِلى الله ودورها الريادي.

لقد جمع الله خصال أمّة في رجل واحد، يصنع العجائب بقدرة الله تعالى، لقد

__________

(1) انظر: سيرة ابن هشام (1/ 348 - 349)، وصحيح ابن حبان ح (6879). وقد أورد البخاري في صحيحه، باب إسلام عمر من كتاب المناقب حديث رقم (3866) قصة سماعه لصارخ من الجن يقول: يا جليح أمر نجيح، رجل فصيح يقول: لا إِله إِلا الله. قال عمر: "فما نشبنا أن قيل هذا نبي" ولعلّ هذا مما حمله على الإِسلام.

(2) السيرة النبوية للذهبي (1/ 144).

(3) انظر: البداية والنهاية (4/ 196).

كان إِسلام عمر فتحًا على المسلمين، لم يكن الصحابة يقدرون أن يصلوا عند الكعبة حتى أسلم عمر، فقد قاتل قريشًا حتى صلّى عند الكعبة وصلّوا معه.

يقول عبد الله بن مسعود: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر) (1).

وأسلم عمر يوم أسلم علانية، صدع بها في أوجه المشركين ليعلنها عليهم ويغيضهم من أول يوم، إِظهارًا للحق والتوحيد، ودحرًا للكفر والوثنية، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لمّا أسلم عمر قال: أيُّ قريش أنقل للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي. فغدا عليه. قال عبد الله: وغدوتُ أتبعُ أثره، وأنظر ما يفعل، وأنا غلامٌ أعقِلُ كلّ ما رأيتُ، حتى جاءه، فقال له: أعلِمْتَ يا جميلُ أني أسلمتُ، ودخلتُ في دين محمَّد؟ قال: فوالله، ما راجعه حتى قام يجرُّ رداءه، واتّبعه عمر، واتّبعتُ أبي، حتى إِذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش -وهم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إِن ابن الخطاب قد صبأ. قال: يقول عمر من خلفه: كذب، ولكنّي أسلمتُ، وشهدتُ أن لا إِله إِلَّا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله. وثاروا إِليه، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه، حتى قامت الشمس على رؤوسهم. قال: وطَلَح (أي: تعب) فقعد، وقاموا على رأسه، وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو كنّا ثلاث مئة رجل، لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا. قال: فبينما هم على ذلك، إِذ أقبل شيخٌ من قريش، عليه حُلّة حَبِرَة وقميصٌ موشَّى، حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: صبأ عمر. قال: فمَهْ! رجلٌ اختار لنفسه أمرًا، فماذا تريدون؟ أترون بني عديٍّ يُسْلمون لكم صاحبهم هكذا؟! خلُّوا عن الرجل. قال: فوالله، لكأنّما كانوا ثوبًا كُشِط عنه (2).

__________

(1) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة، باب مناقب عمر ح (3684).

(2) انظر: سيرة ابن هشام (1/ 248). قال ابن كثير في البداية والنهاية 4/ 202 عن إسناد ابن إسحاق: (وهذا إِسناد قويّ). قلت: وله شاهد عند البخاري في الصحيح، كتاب مناقب الأنصار، باب إِسلام عمر ح 3865.



كلمات دليلية: