الهجرة إلى الله

الهجرة إلى الله

يحتفل المسلمون حول العالم بقرب حلول هلال عام 1440 من هجرة الحبيب المصطفى وصحابته إلى المدينة المنورة، فرارا بدينهم من بطش مشركي مكة..

والهجرة الحقيقية باقية ليوم الدين وليس كما يتصور البعض تقتصر على تلك الحادثة المشرفة وأصحابها.


والآن ما حقيقة الهجرة وكيف نحيا فيها ونحييها بالقلب والجسد معًا؟!


تعالوا نتوقف عند سطور خالدة وضعها العلامة ابن القيم الجوزية أحد أعلام المفتين والناسكين والعارفين خلال القرن الثامن الهجري.


وقد دونّ ابن القيم تأملاته في وريقات قليلة من مدينة تبوك بالعراق وتركها لأصحابه لتكون عونا لرحلة السفر الكبرى، وحملت اسم "زاد المهاجر إلى ربه" والتي عُرفت بـ"الرسالة التابوكية".


كيف نهاجر إلى الله

يقول ابن القيم رحمه الله: الهجرة إلى الله ورسوله فرض عين على كل أحد في كل وقت، وأنه لا انفكاك لأحد من وجوبها، وهي مطلوب الله ومراده من العباد.

وهو يقسم الهجرة إلى نوعين: هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، وهجرة بالقلب إلى الله ورسوله وهي الأصل فيما هجرة الجسد تابعة لها.

فتهاجر من محبة غير الله تعالى إلى محبته سبحانه، ومن عبودية غيره تعالى إلى عبوديته سبحانه، ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه، إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه، ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له، إلى دعائه، وسؤاله والخضوع له والذل له والاستكانة له.

وهذا بعينه معنى الفرار إليه، قال تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} [الذاريات: 50] والتوحيد المطلوب من العبد هو الفرار من الله إليه.

وهنا معنى قول الحبيب صلى الله عليه وسلم «وأعوذ بك منك» [ رواه مسلم] وقوله «لا منجى منك إلا إليك» [ رواه البخاري]

فتأمل كيف عاد الأمر كله إلى الفرار من الله إليه؛ وهو معنى الهجرة إلى الله تعالى، لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» [رواه البخاري]

الإيمان والهجرة

يقول ابن القيم: يقرن الله سبحانه بين الإيمان والهجرة في غير موضع من القرآن لتلازمهما واقتضاء أحدهما للآخر.

وكلما كان داعي المحبة في قلب العبد قويا كانت هجرته إلى الله أقوى وأتم.

وعادة يكون المهاجر إلى ربه وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، غريبا بين العباد، وحيدا على كثرة الجيران، منفرد في طريق طلبه، وكأنه كائن مع الناس بجسده وبعيد عنهم بمقصده.

وهذه الهجرة فرض على كل مسلم، وهي مقتضى «شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم» كما أن الهجرة الأولى مقتضى «شهادة أن لا إله إلا الله»

وعن هاتين الهجرتين يسأل كل عبد يوم القيامة، وفي البرزخ، قال قتادة: «كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟»

طريق الهجرة إلى الله

يقول التابعي طلق بن حبيب رحمه الله لما سُئل عن التقوى: قال أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله فتخاف عقاب الله."

وفسر ابن القيم قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2]، وذكر أن من أعظم التعاون على البر والتقوى التعاون على سفر الهجرة إلى الله ورسوله باليد واللسان والقلب، مساعدة ونصيحة وتعليمًا وإرشادًا.

وبيَّن أن زاد هذا السفر العلم الموروث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وطريقه بذل الجهد واستفراغ الوسع، ومَركبه صِدقُ اللجأ إلى الله والانقطاع إليه بالكلية وتحقيق الافتقار إليه من كل وجه. ورأس مال الأمر وعموده في ذلك إنما هو دوام التفكر والتدبّر في آيات القرآن، بحيث يستولي على الفكر ويشغل القلب، وتصير معاني القرآن مكان الخواطر من قلبه.

أحوال العباد في الهجرة

يقول الله:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59]

والسُّعداء هم الذين ثبت لهم رِضَى الله عنهم، وهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكل من تبعهم بإحسان، وهذا يَعُمُّ كل من اتبعهم بإحسان إلى يوم القيامة

وفي نار جهنم سيتبرأ المتبعون للمتبوعين في الضلالة، وهم من غايروا نهج الله ورسوله، لقول الله عزَّ وجل: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [االبقرة:166]

وقد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أقسام الخلائق بالنسبة إلى دعوته وما بعثه اللهُ به، في قوله:«إنَّ مثلَ ما بعثَني اللهُ به عزَّ وجلَّ من الهدَى والعلمِ كمثلِ غيثٍ أصاب أرضًا . فكانتْ منه طائفةٌ طيِّبةٌ . قبِلتِ الماءَ فأنبتتِ الكَلأَ والعشبَ الكثيرَ . وكان منها أجادِبُ أمسكتِ الماءَ . فنفعَ اللهُ بها النَّاسَ . فشرِبوا منها وسقَوْا ورعَوْا . وأصاب طائفةٌ منها أخرَى . إنَّما هي قيعانٌ لا تمسكُ ماءً ولا تُنبتُ كلأً . فذلك مثل من فقِهَ في دينِ اللهِ ، ونفعَهُ بما بعثَني اللهُ به ، فعلِمَ وعلَّمَ . ومثلُ من لم يرفعْ بذلك رأسًا . ولم يقبلْ هدَى اللهِ الَّذي أُرسلتُ به» [ رواه مسلم]

فالمؤمن المتبع يصبح مثل الأرض التي يأتيها المطر فتنبت، أما المخالف فهو كالأرض المنكرة الجدباء.

وينقل ابن القيم قول الشاعر أبي تمام :

نَقِّل فُؤادَك حيثُ شئتَ من الهَوَى ... ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأَوَّلِ

كم مَنزلٍ في الأرضِ يَأْلَفُه الفتَى ... وحَنِيْنُه أبدًا لأوَّلِ منزلِ



لقد أرشدنا ربنا للهجرة من ضيق الدنيا وأوزارها إلى سَعة رحمة الله وحُسن هداه، ولما كانت الدنيا دارَ غُربة وانتقال لا دارَ وطن واستقرار، أرشد الله عباده إلى أهمِّ ما يقطعون به منازلَ السفر إليه وينفقون فيه بقيةَ أعمارهم، فأرشد مَن بيده الرشد إلى أن أهم شيء يقصده العبد إنما هو الهجرة إلى الله ورسوله.



كلمات دليلية: