المعجزات الحسية للحبيب صلى الله عليه وسلم_9056

المعجزات الحسية للحبيب صلى الله عليه وسلم


ذكر المنبر وحنين الجذع

قرأت على الشيخة الأصلية أُمِّ مُحَمَّدٍ مُؤْنِسَةِ خَاتُونَ، بِنْتِ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ سَيْفِ الدِّينِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ بِالْقَاهِرَةِ، قُلْتُ: لَهَا أَخْبَرَتْكِ الشَّيْخَةُ أُمُّ هَانِئٍ عَفِيفَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارْقَانِيَّةُ إِجَازَةً فَأَقَرَّتْ بِهِ قَالَتْ: أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الصَّبَّاغُ قَالَ: أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ الصَّوَّافِ، ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ هِلالٍ عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ لِي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن قَوَائِمَ مِنْبَرِي هَذَا رَوَاتِبُ فِي الْجَنَّةِ» قَالَ: وَكَانَتْ أَسَاطِينُ الْمَسْجِدِ مِنْ دَوْمٍ [1] وَظِلالُهُ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وَكَانَتِ الأُسْطُوَانَةُ تَلِي الْمِنْبَرَ عَنْ يَسَارِ الْمِنْبَرِ إِذَا اسْتَقْبَلَتْهُ دَوْمَةٌ، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ قبل أن يصنع المنبر. فَأَوَّلُ يَوْمٍ وُضِعَ الْمِنْبَرُ اسْتَوَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا فِي السَّاعَةِ الَّتِي كَانَ يَسْتَنِدُ فِيهَا إِلَى الأُسْطُوَانَةِ، ففقدته الأسطوانة فجارت جواز الثَّوْرِ، أَوْ خَارَتْ خُوَارَ الثَّوْرِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم فَأَتَاهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَقَالَ لَهَا: «اسْكُنِي» أَوِ «اسْكُتِي» ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مِنْبَرِهِ.

وَقَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيِّ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ وأخبركم أَبُو الْعَبَّاسِ الْخَضِرُ بْنُ كَامِلِ بْنِ سَالِمِ بْنِ سُبَيْعٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ سَنَةَ ست أو سبع وستمائة، وَأَبُو الْيُمْنِ زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ الْكِنْدِيُّ إِجَازَةً إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَاعًا، قَالَ الأَوَّلُ: أَنَا أبو الدر ياقوت بن عبد الله الرومي، وَقَالَ الثَّانِي: أَنَا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ محمد بن

__________

[ (1) ] الدوم: شجر عظام من الفصيلة النخلية يكثر في صعيد مصر وفي بلاد العرب، وثمرته في غلظ التفاحة ذات قشر صلب أحمر، وله نواة ضخمة ذات لب إسفنجي.

الْبَيْضَاوِيُّ قَالا: أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بن محمد بن هزازمرد، (ح) وقرأت على أبي النور إسماعيل بن نور بْنِ قَمَرٍ الْهِيتِيِّ: أَخْبَرَكُمُ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ موسى بن الشيخ عبد القادر الجبلي قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنْتَ تَسْمَعُ فَأَقَرَّ بِهِ

قَالَ: أنا أبو القاسم سعيد بن أحمد بن الْحَسَنِ بْنِ الْبَنَّاءِ قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُسْرِيِّ قَالا: أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْمُخَلِّصُ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ (يَعْنِي الْبَغَوِيَّ) ثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، ثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، ثَنَا الْحَسَنُ عَنْ أَنَسِ بن مالك قال: كان رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى جَنْبِ خَشَبَةٍ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَيْهَا، فَلَمَّا كَثُرَ الناس قال: «أنبوا لي منبرا» قال: فبنوا له منبرا لَهُ عَتَبَتَانِ، فَلَمَّا قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ حَنَّتِ الْخَشَبَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ أَنَسٌ: وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ، فَسَمِعْتُ الْخَشَبَةَ تَحِنُّ حَنِينَ الْوَالِهِ، فَمَا زَالَتْ تَحِنُّ حَتَّى نَزَلَ إِلَيْهَا فَاحْتَضَنَهَا فَسَكَنَتْ،

فَكَانَ الْحَسَنُ إِذَا حُدِّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَكَى ثُمَّ قَالَ: يَا عِبَادَ اللَّهِ الْخَشَبَةُ تَحِنُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَوْقًا إِلَيْهِ لِمَكَانِهِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إِلَى لِقَائِهِ.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: رَوَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْهُمْ، أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَبُرَيْدَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ، كُلُّهُمْ يُحَدِّثُ بِمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَحَدِيثُ أَنَسٍ صَحِيحٌ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ: فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ سَمِعْنَا لِذَلِكَ الْجِذْعِ صَوْتًا كَصَوْتِ الْعِشَارِ، وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ: حَتَّى ارْتَجَّ الْمَسْجِدُ بِخُوَارِهِ، وَفِي رِوَايَةِ سَهْلٍ: وَكَثُرَ بُكَاءُ النَّاسِ لِمَا رَأَوْا فِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُطَّلِبِ: حَتَّى تَصَدَّعَ وَانْشَقَّ، حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَسَكَتَ، زَادَ غَيْرُهُ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذَا بَكَى لِمَا فَقَدَ مِنَ الذِّكْرِ» ، وَزَادَ غَيْرُهُ، «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمِ الْتَزِمْهُ لَمْ يَزَلْ هَكَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» تَحَزُّنًا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَ بِهِ فَدُفِنَ تَحْتَ الْمِنْبَرِ. وَفِي حَدِيثِ أُبَيٍّ أَنَّهُ أَخَذَهُ أُبَيٌّ فَكَانَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ أَكَلَتْهُ الأَرَض وَعَادَ رُفَاتًا، وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ فَقَالَ (يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : «إِنْ شِئْتَ أدرك إِلَى الْحَائِطِ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ تَنْبُتُ لَكَ عُرُوقُكَ وَيُكْمَلُ خَلْقُكَ وَيُجَدَّدُ لَكَ خُوصٌ وَثَمَرَةٌ، وَإِنْ شِئْتَ أَغْرِسُكَ فِي الْجَنَّةِ فَيَأْكُلُ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ مِنْ ثَمَرِكَ» ثُمَّ أَصْغَى لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسْتَمِعُ مَا يَقُولُ فَقَالَ: بَلْ تَغْرِسُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَسَمِعَهُ مَنْ يَلِيهِ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «قَدْ فَعَلْتُ» .

وأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ يُوسُفَ الْمَوْصِلِيُّ بِقِرَاءَةِ وَالِدِي عَلَيْهِ قَالَ: أَنَا ابن طبرزذ

قَالَ: أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أَنَا ابْنُ الشِّخِّيرِ، ثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانٍ، ثَنَا أبو القاسم بن أَبِي الزِّنَادِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَرْدَانَ قَالَ:

سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدِ بْنَ الْمُعَلَّى يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» . وَرُوِّينَاهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَفِيهِ: «وَإِنَّ مِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ ترع الجنة» .

غَزْوَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى

وَكَانَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَبِيحَةَ سبع عشر من رمضان قال ابن إسحق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ سَمِعَ بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ مُقْبِلا مِنَ الشَّامِ فِي عِيرٍ لِقُرَيْشٍ عَظِيمَةٍ، فِيهَا أموال لقريش وتجارة من [تجاراتهم] [1] ، وَفِيهَا ثَلاثُونَ رَجُلا مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ أَرْبَعُونَ، مِنْهُمْ: مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَقَالَ ابْنُ عُقْبَةَ: وَابْنُ عَائِذٍ فِي أَصْحَابِ أَبِي سُفْيَانَ، هُمْ سَبْعُونَ رَجُلا، وَكَانَتْ عِيرُهُمْ أَلْفَ بَعِيرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى فِيهَا شَيْءٌ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمْ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: هِيَ الْعِيرُ الَّتِي خَرَجَ لها حتى بلغ ذا العشيرة [2] ، تَحِينُ قُفُولُهَا مِنَ الشَّامِ [3] ، فَبَعَثَ طَلْحَةَ بْن عُبَيْد اللَّهِ التَّيْمِيّ، وَسَعِيد بْن زَيْد بْن عمرو بن نفيل يتحسسان [4] خبر العير، [5]

قال ابن إسحق: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ وَعَاصِمُ بْنُ عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بَكْرٍ وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَائِنَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، كُلٌّ قَدْ حَدَّثَنِي بَعْضَ الْحَدِيثِ، فَاجْتَمَعَ حَدِيثُهُمْ فِيمَا سُقْتُ مِنْ حَدِيثِ بَدْرٍ، قَالُوا: لَمَّا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي سُفْيَانَ مُقْبِلا مِنَ الشَّامِ، نَدَبَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ وقال: «هذه عير قرش، فِيهَا أَمْوَالُهُمْ، فَاخْرُجُوا إِلَيْهَا، لَعَلَّ اللَّهَ يُنَفِّلُكُمُوهَا» ، فَانْتَدَبَ النَّاسُ: فَخَفَّ بَعْضُهُمْ وَثَقُلَ بَعْضُهُمْ،

وَذَلِكَ أنهم لم

__________

[ (1) ] وردت في الأصل: تجارتهم، وما أثبتناه من سيرة ابن هشام.

[ (2) ] وردت في الأصل: العسيرة، وما أثبتناه من طبقات ابن سعد.

[ (3) ] عبارة: تحين قفولها من الشام، ليست في طبقات ابن سعد.

[ (4) ] وردت في الأصل: يتجسسان، وما أثبتناه من طبقات ابن سعد.

[ (5) ] انظر طبقات ابن سعد (2/ 11) .

يَظُنُّوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْقَى حَرْبًا. وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ دنا من الحجاز يتحسس [1] الأَخْبَارَ، وَيَسْأَلُ مَنْ لَقِيَ مِنَ الرُّكْبَانِ تَخَوُّفًا [على] [2] أَمْرِ النَّاسِ، حَتَّى أَصَابَ خَبَرًا مِنْ بَعْضِ الرُّكْبَانِ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدِ اسْتَنْفَرَ أَصْحَابَهُ لَكَ وَلِعِيرِكَ، فَحَذِرَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَاسْتَأْجَرَ ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ فَبَعَثَهُ إِلَى مَكَّةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ قُرَيْشًا فَيَسْتَنْفِرَهُمْ إِلَى أَمْوَالِهِمْ وَيُخْبِرَهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ عَرَضَ لَهَا فِي أَصْحَابِهِ، فَخَرَجَ ضَمْضَمُ بْنُ عَمْرٍو سَرِيعًا إِلَى مَكَّةَ. [3]

وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: فَخَرَجَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ سِرَاعًا، وَمَعَهُمُ الْقِيَانُ وَالدُّفُوفُ، وَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بِالْعِيرِ، وَقَدْ خَافُوا خَوْفًا شَدِيدًا حِينَ دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَاسْتَبْطَئُوا ضَمْضَمًا وَالنَّفِيرُ حتى [ورد] [4] بدرا وهو خائف [من الرصد] [5] فقال لمجدي ابن عَمْرٍو: هَلْ أَحْسَسْتَ أَحَدًا مِنْ عُيُونِ مُحَمَّدٍ [6] .

قال ابن إسحق: فَأَخْبَرَنِي مَنْ لا أَتَّهِمُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالا: وَقَدْ رَأَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مَكَّةَ بِثَلاثِ لَيَالٍ رُؤْيَا أَفْزَعَتْهَا، فَبَعَثَتْ إِلَى أَخِيهَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَخِي، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا لقد أفظعتني، وَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى قَوْمِكَ مِنْهَا شَرٌّ ومصيبة، فأكتم عني ما أحدثك [به] [7] ، فَقَالَ لَهَا: وَمَا رَأَيْتِ؟ قَالَتْ:

رَأَيْتُ رَاكِبًا أَقْبَلَ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ حَتَّى وَقَفَ بِالأَبْطَحِ، ثُمَّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَلَا انْفِرُوا يَا آلَ غُدَرَ لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلاثٍ، فَأَرَى النَّاسَ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ يَتْبَعُونَهُ، فَبَيْنَا هُمْ حَوْلَهُ مَثَلَ بِهِ بَعِيرُهُ [8] عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ صَرَخَ بِمِثْلِهَا: أَلَا انْفِرُوا يَا آلَ غُدَرَ لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلاثٍ، ثُمَّ مَثَلَ بِهِ بَعِيرُهُ عَلَى رَأْسِ أَبِي قُبَيْسٍ، فصرخ

__________

[ (1) ] وردت في الأصل: يتجسس، وما أثبتناه من سيرة ابن هشام.

[ (2) ] وردت في الأصل: من، وما أثبتناه من سيرة ابن هشام.

[ (3) ] انظر سيرة ابن هشام (2/ 257) .

[ (4) ] وردت في الأصل: وردوا، وما أثبتناه من طبقات ابن سعد.

[ (5) ] زيدت على الأصل من طبقات ابن سعد.

[ (6) ] انظر طبقات ابن سعد (2/ 12) .

[ (7) ] زيدت على الأصل من سيرة ابن هشام.

[ (8) ] أي قام به بعيره.

بِمِثْلِهَا، ثُمَّ أَخَذَ صَخْرَةً فَأَرْسَلَهَا، فَأَقْبَلَتْ تَهْوِي، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِأَسْفَلِ الْجَبَلِ ارْفَضَّتْ [1] ، فَمَا بَقِيَ بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِ مَكَّةَ وَلا دَارٌ إلا دخلتها [منها] [2] فلقة، قال العباس: والله إن [هذه] [3] لرؤيا، وأنت فاكتميها ولا تذكريها [لأحد] [4] ، ثم خرج العباس فلقي الولد بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَ صَدِيقًا [5] لَهُ فَذَكَرَهَا لَهُ، وَاسْتَكْتَمَهُ إِيَّاهَا، فَذَكَرَهَا الْوَلِيدُ لأَبِيهِ عتبة، ففشا الحديث [بمكة] [6] حتى تحدثت به قريش [في أنديتها] [7] ، قَالَ الْعَبَّاسُ: فَغَدَوْتُ لأَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فِي رَهْطٍ مِنْ قُرَيْشٍ قُعُودٍ يَتَحَدَّثُونَ بِرُؤْيَا عَاتِكَةَ، فَلَمَّا رَآنِي أَبُو جَهْلٍ قَالَ: يَا أَبَا الْفَضْلِ، إِذَا فَرَغْتَ مِنْ طَوَافِكَ فَأَقْبِلْ إِلَيْنَا، فَلَمَّا فَرَغْتُ أَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَهُمْ، فَقَالَ لِي أَبُو جَهْلٍ: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: مَتَى حَدَّثَتْ فِيكُمْ هَذِهِ النبية؟ قال: قلت: وما ذاك قال: [تلك] [8] الرُّؤْيَا الَّتِي رَأَتْ عَاتِكَةُ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: وَمَا رَأَتْ؟ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَمَا رَضِيتُمْ أَنْ تَتَنَبَّأَ رِجَالُكُمْ حَتَّى تَتَنَبَّأَ نِسَاؤُكُمْ، قَدْ زَعَمَتْ عَاتِكَةُ فِي رُؤْيَاهَا أَنَّهُ قَالَ: انْفِرُوا فِي ثَلاثٍ فَسَنَتَرَبَّصُ بِكُمْ هَذِهِ الثَّلاثَ، فَإِنْ يَكُ حَقًّا مَا تَقُولُ فَسَيَكُونُ، وَإِنْ تُقْضَى [9] الثَّلاثُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ نَكتب عَلَيْكُمْ كِتَابًا أَنَّكُمْ أَكْذَبُ أَهْلِ بَيْتٍ فِي الْعَرَبِ، قَالَ الْعَبَّاسُ: فَوَاللَّهِ مَا كَانَ مِنِّي إِلَيْهِ كَبِيرٌ، إِلَّا أَنِّي جَحَدْتُ ذَلِكَ، وَأَنْكَرْتُ أَنْ تَكُونَ رَأَتْ شَيْئًا [10] .

وَعِنْدَ ابْنِ عُقْبَةَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لأَبِي جَهْلٍ: هَلْ أَنْتَ مُنْتَهٍ، فَإِنَّ الْكَذِبَ فِيكَ وَفِي أَهْلِ بَيْتِكَ، فَقَالَ مَنْ حَضَرَهُمَا: مَا كُنْتَ يَا أَبَا الْفَضْلِ جَهُولا وَلا خرفا. وكذلك قال ابن عائذ وزاد: فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: مَهْلا يَا مُصَفِّر اسْتَهُ، ولقي

__________

[ (1) ] أي تفتت.

[ (2) ] وردت في الأصل: منه، وما أثبتناه من سيرة ابن هشام.

[ (3) ] وردت في الأصل: هذا، وما أثبتناه من سيرة ابن هشام.

[ (4) ] زيدت على الأصل من سيرة ابن هشام.

[ (5) ] وفي سيرة ابن هشام: له صديقا.

[ (6) ] زيدت على الأصل من سيرة ابن هشام.

[ (7) ] زيدت على الأصل من سيرة ابن هشام.

[ (8) ] وردت في الأصل: ذاك، وما أثبتناه من سيرة ابن هشام.

[ (9) ] وفي سيرة ابن هشام: وابن تمض.

[ (10) ] انظر سيرة ابن هشام (2/ 259) .

الْعَبَّاسُ مِنْ عَاتِكَةَ أَذًى شَدِيدًا حِينَ أَفْشَى من حديثها.

رجع إلى خبر ابن إسحق: قَالَ: ثُمَّ تَفَرَّقْنَا، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ لَمْ تَبْقَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَّا أَتَتْنِي فَقَالَتْ: أَقْرَرْتُمْ لِهَذَا الْفَاسِقِ الْخَبِيثِ أَنْ يَقَعَ فِي رِجَالِكُمْ، ثُمَّ قَدْ تَنَاوَلَ النِّسَاءَ وَأَنْتَ تَسْمَعُ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عِنْدَكَ غَيْر لِشَيْءٍ مِمَّا سَمِعْتَ! قَالَ: فَقُلْتُ:

قَدْ وَاللَّهِ فَعَلْتُ مَا كَانَ مِنِّي إِلَيْهِ مِنْ كَبِيرٍ، وَايْمُ اللَّهِ لاتَعَرَضَنَّ لَهُ، فَإِنْ عَادَ لأَكْفِيكَنَّهُ، قَالَ: فَغَدَوْتُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ رُؤْيَا عَاتِكَةَ وَأَنَا حَدِيدٌ مُغْضَبٌ، أَرَى أَنِّي قَدْ فَاتَنِي مِنْهُ أَمْرٌ أُحِبُّ أَنْ أُدْرِكَهُ مِنْهُ، قَالَ: فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَرَأَيْتُهُ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَمْشِي نَحْوَهُ أَتَعَرَّضُهُ، لِيَعُودَ لِبَعْضِ مَا قَالَ فَأُوقِعُ بِهِ، وَكَانَ رَجُلا خَفِيفًا، حَدِيدَ الْوَجْهِ، حَدِيدَ اللِّسَانِ، حَدِيدَ النَّظَرِ، قَالَ: إِذْ خَرَجَ نَحْوَ بَابِ المسجد يشتد، قال: قلت في نفسي: ماله لَعَنَهُ اللَّهُ، أَكُلُّ هَذَا فَرْقٌ مِنِّي أَنْ أُشَاتِمَهُ، قَالَ: فَإِذَا هُوَ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ ضَمْضَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ وَهُوَ يَصْرُخُ بِبَطْنِ الْوَادِي، وَاقِفًا عَلَى بَعِيرِهِ، قَدْ جَدَعَ بَعِيرَهُ، وَحَوَّلَ رَحْلَهُ، وَشَقَّ قَمِيصَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: اللَّطِيمَةَ اللَّطِيمَةَ، أَمْوَالُكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمَّدٌ فِي أَصْحَابِهِ، لا أَرَى أَنْ تُدْرِكُوهَا، الْغَوْثَ الْغَوْثَ، قَالَ: فَشَغَلَنِي عَنْهُ وَشَغَلَهُ عَنِّي مَا جَاءَ مِنَ الأَمْرِ، فَتَجَهَّزَ النَّاسُ سِرَاعًا وَقَالُوا: يَظُنُّ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَنْ تَكُونَ كَعِيرِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ كَلَّا وَاللَّهِ لَيَعْلَمُنَّ غَيْرَ ذَلِكَ، فَكَانُوا بَيْنَ رَجُلَيْنِ، إِمَّا خَارِجٌ وَإِمَّا بَاعِثٌ مَكَانَهُ رَجُلا، وَأَوْعَبَتْ قُرَيْشٌ فَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْ أَشْرَافِهَا أَحَدٌ، إِلَّا أَنَّ أَبَا لَهَبِ بْنَ عبد المطلب قد تخلف، وبعث مكانه العاصي بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَكَانَ قَدْ لاطَ [1] لَهُ بِأَرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ أفلس بها، فاستأجره بها على أن يجزئ عَنْهُ بَعْثَهُ، فَخَرَجَ عَنْهُ وَتَخَلَّفَ أَبُو لَهَبٍ [2] .

قَالَ ابْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ عَائِذٍ: خَرَجُوا فِي خمسين وتسعمائة مُقَاتِلٍ وَسَاقُوا مِائَةَ فَرَسٍ.

وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عن شيبان، عن أبي إسحق، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أَسَرَنَا الْقَوْمُ فِي بَدْرٍ قلنا: كم كنتم؟

[قالوا] [3] : كنا ألفا [4] .

__________

[ (1) ] أي حبس وأمسك

[ (2) ] انظر سيرة ابن هشام (2/ 260)

[ (3) ] وردت في الأصل: قال، وما أثبتناه من طبقات ابن سعد.

[ (4) ] انظر طبقات ابن سعد (2/ 21) .

قال ابن إسحق: وَحَدَّثَنِي عَبْد اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَانَ أَجْمَعَ الْقُعُود، وَكَانَ شَيْخًا جَلِيلا جَسِيما ثَقِيلا، فَأَتَاهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ ظَهْرَاني قَوْمِهِ بِمِجْمَرَةٍ يَحْمِلُهَا فِيهَا نَارٌ ومجمرٌ، حَتَّى وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا عَلِيٍّ اسْتَجْمِرْ، فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنَ النِّسَاءِ، قَالَ: قَبَّحَكَ اللَّهُ وَقَبَّحَ مَا جِئْتَ بِهِ، قَالَ: ثُمَّ تَجَهَّزَ وَخَرَجَ مَعَ النَّاسِ، قِيلَ وَكَانَ سَبَبُ تَثَبُّطِهِ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصحيح من حديثه مع سعيد بْنِ مُعَاذٍ وَأَبِي جَهْلٍ بِمَكَّةَ وَقَوْلُ سَعْدٍ لَهُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّهُ قَاتِلُكَ.

قُلْتُ: الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَرْبَابِ السِّيَرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لأَخِيهِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ بَحَرْبَتِهِ، وَهَذَا أَيْضًا لا يُنَافِي خَبَرَ سَعْدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ ابْنُ إسحق: ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا [المسير] [1] ذكروا [ما كان] [2] بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ مِنَ الْحَرْبِ، فَقَالُوا: إِنَّا نَخْشَى أَنْ يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، فَتَبَدَّى لَهُمْ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جعشمٍ الْكِنَانِيِّ الْمُدْلجِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ بَنِي كِنَانَةَ، فقال [لهم] [3] : أنا جار لكم أن نأتيكم كِنَانَةُ مِنْ خَلْفِكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَخَرَجُوا سِرَاعًا [4] .

وَذَكَرَ ابْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ عَائِذٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ: وَأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ وَمَعَهُمْ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ يُحَدِّثُهُمْ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ وَرَاءَهُ، وَقَدْ أَقْبَلُوا لِنَصْرِهِمْ، وَأَنَّهُ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ، وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ.

قال ابن إسحق: وعمير بن وهب أو الحرث بْنُ هِشَامٍ كَانَ الَّذِي رَآهُ حِينَ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ عِنْدَ نُزُولِ الْمَلائِكَةِ، وَقَالَ: إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى أَوْرَدَهُمْ ثُمَّ أَسْلَمَهُمْ، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ حَسَّانٌ:

__________

[ (1) ] وردت في الأصل: السير، وما أثبتناه من سيرة ابن هشام.

[ (2) ] زيدت على الأصل من سيرة ابن هشام.

[ (3) ] زيدت على الأصل من سيرة ابن هشام.

[ (4) ] انظر سيرة ابن هشام (2/ 261 و 263) .

سِرْنَا وَسَارُوا إِلَى بَدْرٍ لِحَيْنِهِمُ ... لَوْ يَعْلَمُونَ يَقِينَ الْعِلْمِ مَا سَارُوا

دَلَّاهُمْ بِغُرُورٍ ثُمَّ أَسْلَمَهُمْ ... إِنَّ الْخَبِيثَ لِمَنْ وَالاهُ غرَّارُ

فِي أبيات ذكرها.

قال ابن إسحق: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمَدِينَةِ فِي لَيَالٍ مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي أَصْحَابِهِ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: لِثَمَانِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْهُ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: يَوْمَ الاثْنَيْنِ لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ بَعْدَ مَا وَجَّهَ طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّهِ وَسَعِيد بْن زَيْدٍ بِعَشْرِ لَيَالٍ، وَضَرَبَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَسْكَرَهُ بِبِئْرِ أَبِي عنَبَةَ وَهِيَ عَلَى مِيلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَعَرَضَ أصحابه ورد من استصغر وخرج لي ثلاثمائة رَجُلٍ وَخَمْسَةِ نَفَرٍ كَانَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةً وَسِتِّينَ رَجُلا، وَسَائِرُهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ، وَثَمَانِيَة تَخَلَّفُوا لِعُذْرٍ ضَرَبَ لَهُمْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسِهَامِهِمْ وَأُجُورِهِمْ ثَلاثَة مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ خَلَّفَهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ابْنَتِهِ رُقَيَّةَ بِنْتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مَرِيضَةً فَأَقَامَ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَتْ، وَطَلْحَةُ وَسَعِيد بن زيد بعثهما يتحسسان خبر العير، وخمسة من الأنصار: أبو ليابة بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، خَلَّفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ الْعَجْلانِيُّ، خَلَّفَهُ عَلَى أَهْلِ الْعَالِيَةِ، والحرث بْنُ حَاطِبٍ الْعُمَرِيُّ، رَدَّهُ مِنَ الرَّوْحَاءِ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِشَيْءٍ بَلَغَهُ عَنْهُمْ، والحرث بْنُ الصِّمَّةِ، كُسِرَ مِنَ الرَّوْحَاءِ، وَخَوَّاتُ بْنُ جبير كسر أيضا.

قال ابن إسحق: وَدُفِعَ اللِّوَاءُ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَكَانَ أَبْيَضَ [1] ، وَكَانَ أَمَامَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَايَتَانِ سَوْدَاوَانِ، إِحْدَاهُمَا مَعَ عَلِيِّ بن أبي طالب [يقال لها:

العقاب] [2] وَالأُخْرَى مَعَ بَعْضِ الأَنْصَارِ.

وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَ لِوَاءُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَلِوَاءُ الْخَزْرَجِ مَعَ الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَلِوَاءُ الأَوْسِ مَعَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، كَذَا قَالَ: وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ كَانَ يَوْمَئِذٍ عَلَى حَرَسِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَرِيشِ، وَإِنَّ لِوَاءَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ بِيَدِ عَلِيٍّ.

قُرِئَ عَلَى أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الله بن غدير بعربيل

__________

[ (1) ] من قول ابن هشام.

[ (2) ] زيدت على الأصل من سيرة ابن هشام.

بِغُوطَةِ دِمَشْقَ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْقَاسِمِ عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل بْنِ الْحَرَسْتَانِيِّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنْتَ حَاضِرٌ فِي الرَّابِعَةِ فَأَقَرَّ بِهِ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْمُسْلِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ سَمَاعًا قَالَ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَدِيدِ قَالَ: أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ الْحُسَيْنِ السِّمْسَارُ قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمُ الْمُظَفَّرُ بْنُ حَاجِبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الرُّكَيْنِ الْفَرْغَانِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ الدِّمَشْقِيُّ، ثَنَا أَحْمَدُ (يَعْنِي ابْنَ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيَّ) ثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ الْفَزَارِيُّ، ثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى عَلِيًّا الرَّايَةَ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً.

قال ابن إسحق: وَكَانَتْ إِبِلُ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ بَعِيرًا فَاعْتَقَبُوهَا، فَكَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب ومرثد ابن أبي مرثد [الغنوي] [1] يَعْتَقِبُونَ بَعِيرا، وَكَانَ حَمْزَةُ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَأَبُو كَبْشَةَ وَأنسة موليَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرا، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرا.

وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ، وَكَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيٌّ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ إِذَا كَانَتْ عُقْبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالا: ارْكَبْ حَتَّى نَمْشِيَ عَنْكَ، فَيَقُولُ: «مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي عَلَى الْمَشْيِ [2] وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الأَجْرِ مِنْكُمَا» .

انْتَهَى مَا رُوِّينَاهُ عَنِ ابْنِ سَعْدٍ [3] .

وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ رَجَعَ مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ، وَلَمْ يَصْحَبْهُمْ إِلَى بَدْرٍ، رَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِيًا عَلَى الْمَدِينَةِ وَقَدْ تقدم.

قال ابن إسحق: وَجَعَلَ عَلَى السَّاقَةِ قَيْسَ بْنَ أَبِي صَعْصَعَةَ أَحَدَ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، فَسَلَكَ طَرِيقَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، [4] حَتَّى إِذَا كَانَ بِعِرْقِ الظّبيةِ، لقوا رجلا من

__________

[ (1) ] زيدت على الأصل من سيرة ابن هشام.

[ (2) ] وعند ابن سعد في الطبقات: «ما أنتما بأقوى على المشي مني ... » .

[ (3) ] انظر طبقات ابن سعد (2/ 21) .

[ (4) ] وفي سيرة ابن هشام: قال ابن إسحاق: فسلك طريقه إلى مكة على نقب المدينة، ثم على العقيق، ثم على ذي الحليفة، ثم على أولات الجيش.

ثم مر على تربان، ثم على ملل، ثم غميس الحمام من مريين، ثم على صخيرات اليمام، ثم على

الأَعْرَابِ، فَسَأَلُوهُ عَنِ النَّاسِ، فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُ خَبَرًا [1] ، ثُمَّ ارْتَحَلَ حَتَّى أَتَى عَلَى وَادٍ يُقَالُ لَهُ: زفرانُ وَجَذَعَ فِيهِ، ثُمَّ نَزَلَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ عَنْ قُرَيْشٍ بِمَسِيرِهِمْ لِيَمْنَعُوا عِيرَهُمْ، فَاسْتَشَارَ النَّاسَ وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ قُرَيْشٍ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقَالَ وَاحسن، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ وَاحسن، ثُمَّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ امْضِ لِمَا أَمَرَ اللَّهُ، فَنَحْنُ مَعَكَ، وَاللَّهِ لا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ، فَقَاتِلا إِنَّا مَعَكُمَا مقاتلون، فو الذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنَا إِلَى بركِ الغماد [2] لجلدنا مَعَكَ مِنْ دُونِهِ حَتَّى نَبْلُغَهُ،

فَقَالَ لَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، وَدَعَا لَهُ بِخَيْرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَشِيرُوا عَلَيَّ» ،

فَذَكَرَ ابْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ عَائِذٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّهَا قُرَيْشٌ وَعِزُّهَا، وَاللَّهِ مَا ذُلَّتْ مُنْذُ عُزَّتْ، وَلا آمَنَتْ مُنْذُ كَفَرَتٍ، وَاللَّهِ لَتُقَاتِلَنَّكَ فَاتَّهِبْ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ، وَأَعْدِدْ لذلك عدته.

رجع إلى خبر ابن إسحق: قال: وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ حِينَ بَايَعُوهُ بِالْعَقَبَةِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا بُرَآءٌ مِنْ ذِمَامِكَ حَتَّى تَصِلَ إِلَى دِيَارِنَا، فَإِذَا وَصَلْنَا إِلَيْهَا [3] فَأَنْتَ فِي ذِمَّتِنَا، نَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، فَكَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّفُ أَنْ لا تَكُونَ الأَنْصَارُ تَرَى عَلَيْهَا نَصْرَهُ إِلَّا مِمَّنْ دَهمَهُ بِالْمَدِينَةِ مِنْ

__________

[ () ] السيالة، ثم على فج الروحاء، ثم على شنوكة وهي الطريقة المعتدلة، حتى إذا كان بعرق الظية- قال ابن هشام: الظبية: عن غير ابن إسحاق....

[ (1) ]

وعند ابن هشام: فقال له الناس: سلم علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أو فيكم رسول الله؟ قالوا: نعم، فسلم عليه، ثم قال: إِنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه؟ قال له سلامة بن وقش: لا تسأل رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقْبَلَ عليّ فأنا أخبرك عن ذلك؟ نزوت عليها ففي بطنها سخلة- الصغيرة من الشأن- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «معه، أفحشت على الرجل، ثم أعرض عن سلمة» .

ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم سجسح، وهي بئر الروحاء. ثم ارتحل منها، حتى إذا كان بالمنصرف ترك طريق مكة بيسار، وسلك ذات اليمين على النازية يريد بدرا، فسلك في ناحية منها حتى جزع واديا يقال له:

رحقان، بين النازية وبين مضيق الصفراء، ثم على المضيق، ثم أنصب منه، حتى إذا كان قريبا من الصفراء، بعث بسبس بن الجهني حليف بن ساعدة، وعدي بن أبي الزعباء الجهني حليف بني النجار إلى بدر يتحسسان له الأخبار عن أبي سفيان بن حرب وغيره ... (انظر سيرة ابن هشام 2/ 266) .

[ (2) ] مكان من نواحي اليمن.

[ (3) ] وفي سيرة ابن هشام: فإذا وصلت إلينا.

عَدُوِّهِ، وَأَنَّ لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إِلَى عَدُوٍّ مِنْ بِلادِهِمْ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: لَعَلَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «أَجَلْ»

قَالَ: فَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ فَنَحْنُ مَعَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوّنَا غَدًا، إِنَّا لصبر فِي الْحَرْبِ، صدق فِي اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقِرُّ بِهِ عَيْنَكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَّ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. كَذَلِكَ رَوَاهُ ابن إسحق وَابْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ عَائِذٍ وَغَيْرُهُمْ. وَاخْتُلِفَ فِي شُهُودِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ بَدْرًا، لم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحق فِي الْبَدْرِيِّينَ، وَذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ وَالْمَدَائِنِيُّ وَابْنُ الْكَلْبِيِّ فِيهِمْ.

وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ كَانَ يَتَهَيَّأُ لِلْخُرُوجِ إِلَى بَدْرٍ وَيَأْتِي دُورُ الأَنْصَارِ يَحُضَّهُمْ عَلَى الْخَزْرَجِ، فَنُهِشَ [1] قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ فَأَقَامَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَئِنْ كَانَ سَعْدٌ لَمْ يَشْهَدْهَا لَقَدْ كَانَ عَلَيْهَا حَرِيصًا» .

قَالَ وَرَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لَهُ بِسَهْمِهِ وَأَجَرَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُجْمَعٍ عَلَيْهِ وَلا ثَبَتَ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِمَّنْ يَرْوِي الْمَغَازِي فِي تَسْمِيَةِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا، وَلَكِنَّهُ قَدْ شَهِدَ أُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رجع إِلَى الأَوَّلِ

: قَالَ فَسُرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِ سَعْدٍ وَنَشَّطَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: «سِيرُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاللَّهِ لَكَأَنِّي الآنَ أَنْظُرُ إِلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ»

ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذفرانَ [2] ثُمَّ نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ بَدْرٍ، فَرَكِبَ هُوَ وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: [3] هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ الصديق.

قال ابن إسحق: كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ: حَتَّى وَقَفَ عَلَى شَيْخٍ مِنَ الْعَرَبِ، فَسَأَلَهُ عَنْ قُرَيْشٍ وَعَنْ مُحَمَّد وَأَصْحَابِهِ وَمَا بَلَغَهُ عَنْهُمْ، فَقَالَ الشَّيْخُ: لا أُخْبِرُكُمَا حَتَّى تُخْبِرَانِي ممن أَنْتُمَا؟

فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَخْبَرْتَنَا أَخْبَرْنَاكَ» فَقَال الشَّيْخُ: ذاك بذاك؟ قال: «نعم» ؟

__________

[ (1) ] أي اغتابه ووقع فيه.

[ (2) ] وفي سيرة ابن هشام: فسلك على ثنايا يقال لها: الأصافر، ثم انحط منها إلى بلد يقال له: الدية، وترك الحنان بيمين، وهو كثب عظيم كالجبل العظيم ...

[ (3) ] وفي سيرة ابن هشام: قال ابن هشام: الرجل هو أبو بكر الصديق.

قَالَ: الشَّيْخُ: فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ مُحَمَّدا وَأَصْحَابَهُ خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ صَدَقَ الَّذِي أَخْبَرَنِي فَهُمُ الْيَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، لِلْمَكَانِ الَّذِي بِهِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَلَغَنِي أَنَّ قُرَيْشًا خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْبَرَنِي صَدَقَ [1] فَهُمُ الْيَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، لِلْمَكَانِ الذي [فيه] [2] قُرَيْشٌ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خَبَرِهِ قَالَ: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَحْنُ مِنْ مَاء» ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، قَالَ: يَقُولُ الشَّيْخُ: مَا مِنْ مَاء؟ أَمِنَ [ماء] [3] الْعِرَاقِ؟

ثُمَّ رَجَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا أَمْسَى بَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى مَاءِ بَدْرٍ يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَأَصَابُوا رَاوِيَةً [4] لِقُرَيْشٍ فِيهَا أَسْلَمُ، غُلامُ بني الحجاج، وعريض أَبُو يَسَارٍ غُلامُ بَنِي الْعَاصِ بْنِ سَعِيدٍ، فَأَتَوْهُمَا فَسَأَلُوهُمَا، ورَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَقَالا: نَحْنُ سُقَاةُ قُرَيْشٍ، بَعَثُونَا نَسْقِيهِمْ مِنَ الْمَاءِ، فَكَرِهَ الْقَوْمُ خَبَرَهُمَا، وَرَجَوْا أَنْ يَكُونَا لأَبِي سُفْيَانَ، فَضَرَبُوهُمَا، فَلَمَّا أَذْلَقُوهُمَا [5] قَالا: نَحْنُ لأَبِي سُفْيَانَ، فَتَرَكُوهُمَا،

وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَجَدَ سجدتيه ثم سلم وقال: «إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذبا كم تَرَكْتُمُوهُمَا، صَدَقَا، وَاللَّهِ إِنَّهُمَا لِقُرَيْشٍ، أَخْبِرَانِي عَنْ قُرَيْشٍ» ؟ قَالا: هُمْ وَرَاء هَذَا الْكَثِيبِ الَّذِي ترى بالعدوة الْقُصْوَى- وَالْكَثِيب الْعقنقلِ [6] ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَمِ الْقَوْمُ» قَالا: كَثِيرٌ قَالَ: «مَا عِدَّتُهُمْ» قَالا: مَا نَدْرِي [7] قال: «كم ينحرون كل يوم» قال: يومًا تِسْعًا وَيَوْمًا عَشْرًا، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْقَوْمُ مَا بَيْنَ [8] التِّسْعِمِائَةِ وَالأَلْفِ» ، ثُّمَ قَالَ لَهُمَا: «فَمَنْ فِيهِمْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ» قَالا: عُقْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حزام، ونوفل بن خويلد، والحرث بن عامر بن نوفل،

__________

[ (1) ] وعند ابن هشام: صدقني.

[ (2) ] وردت في الأصل: به، وما أثبتناه من سيرة ابن هشام.

[ (3) ] زيدت على الأصل من سيرة ابن هشام.

[ (4) ] الإبل التي يستقي عليها.

[ (5) ] أي فلما ازدادوا في ضربهما وأتعبوهما من الضرب.

[ (6) ] أي الكثيب العظيم من الرمل.

[ (7) ] وعند ابن هشام: لا ندري.

[ (8) ] وعند ابن هشام: فيما بين.

وَطُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلٍ، وَالنَّضْرُ بْنُ الحرث، وَزَمْعَةُ بْنُ الأَسْوَدِ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَنبيهٌ وَمُنَبّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «هَذِهِ مَكَّةُ قَدْ أَلْقَتْ [إليكم] [1] أَفْلاذَ كَبِدِهَا» [2] ،

قَالَ ابْنُ عُقْبَةَ: وَزَعَمُوا أَنَّ أَوَّلَ مَنْ نَحَرَ لَهُمْ حِينَ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ عَشْرَ جَزَائِرَ، ثُمَّ نَحَرَ لَهُمْ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بِعُسْفَانَ تِسْعَ جَزَائِرَ، وَنَحَر لَهُمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو بِقَدِيدٍ عَشْرَ جَزَائِرَ، وَمَالُوا مِنْ قَدِيدٍ إِلَى مَنَاةَ مِنْ نَحْوِ الْبَحْرِ فَظَلُّوا فِيهَا، فَأَقَامُوا فِيهَا يَوْمًا فَنَحَرَ لَهُمْ شَيْبَة بْنُ رَبِيعَةَ تِسْعَ جَزَائِرَ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِالْجُحْفَةِ [3] ، فَنَحَرَ لَهُمْ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ عَشْرَ جَزَائِرَ، ثُمَّ أَصْبَحُوا بِالأَبْوَاءِ، فَنَحَر لَهُمْ مقيسُ بْنُ عَمْرٍو الْجُمَحِيُّ تِسْعَ جَزَائِرَ، وَنَحَرَ لَهُمُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَشْرَ جَزَائِرَ، وَنَحَرَ لَهُمُ الْحَارِثُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ تِسْعًا، وَنَحَرَ لَهُمْ أَبُو البختري على ماء بدر عشر جزائر، ونحر لهم مقيس الجمحي على ماء بدر تس



كلمات دليلية: