المعجزات الحسية للحبيب صلى الله عليه وسلم_13197

المعجزات الحسية للحبيب صلى الله عليه وسلم


الفصل الأول: في طبه صلى الله عليه وسلم لذوي الأمراض والعاهات

اعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يعود من مرض من أصحابه، حتى لقد عاد غلامًا

__________

"الفصل الأول:"

"في طبه صلى الله عليه وسلم لذوي الأمراض والعاهات: اعلم" قبل الشروع في المقصود، "أنه صلى الله عليه وسلم كان يعود من مرض من أصحابه" العظيم منهم وغيره، والمراد بالأصحاب هنا مطلق الاجتماع ولو كفارًا، لئلا يخرج من عادهم وهم كفار، كأبي طالب وابن أبي المنافق والغلام، فإنه كان حين

كان يخدمه من أهل الكتاب، وعاد عمه وهو مشرك، وعرض عليهما الإسلام، فأسلم الأول وكان يهوديًّا، كما روى البخاري وأبو داود من حديث أنس: أن غلامًا من اليهود كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فعاده النبي صلى الله عليه وسلم فقعد عند رأسه، فقال: "أسلم"، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال: أطع أبا القاسم فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه من النار".

__________

عيادته يهوديًّا، كما أفاده بقوله: "حتى لقد عاد غلامًا كان يخدمه من أهل الكتاب، وعاد عمه" أبا طالب، "وهو مشرك، وعرض عليهما الإسلام، فأسلم الأول وكان يهوديًّا" ولم يسلم الثاني، والله يهدي من يشاء، "كما روى البخاري" في الجنائز والجهاد والطب، "وأبو داود" وكذا النسائي "من حديث أنس" بن مالك "أن غلامًا من اليهود".

قال الحافظ: لم أقف في شيء من الطرق الموصولة على تسميته إلا أن ابن بشكوال ذكر أن صاحب العتبية حكى عن زياد شيطون أن اسم هذا الغلام عبد القدوس، وهو غريب ما وجدته عند غيره، ووقع للمصنف في الطب أن اسمه عبدوس، وهو تصحيف، "كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض، فعاده النبي صلى الله عليه وسلم، فقعد عند رأسه، فقال: "أسلم"، فنظر إلى أبيه وهو نده" لفظ البخاري، وفي رواية أبي داود: عند رأسه أخرجه عن سليمان بن حرب شيخ البخاري فيه، وكذا للإسماعيلي عن أبي خليفة عن سليمان "فقال أطع أبا القاسم" لتحققه صدقه وإن كان يهوديًّا، "فأسلم" في رواية النسائي عن إسحاق بن راهويه عن سليمان المذكور، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، "فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه من النار" في رواية أبي داود وأبي خليفة: "أنقذه بي من النار"، وفي الحديث جواز استخدام المشرك وعيادته إذا مرض، وفيه حسن العهد، وفيه استخدام الصغير وعرض الإسلام على الصبي، ولولا صحته منه ما عرضه عليه، وفي قوله: "أنقذه بي من النار" دلالة على صحة إسلامه، وعلى أن الصبي إذا عقل الكفر ومات عليه؛ أنه يعذب. انتهى.

ووجه صحة إسلام الصبي ظاهر من عرضه عليه، كما قال، ولأن الغلام الابن الصغير وإطلاقه على الرجل مجاز، كما في المصباح وغيره، ولا يرده قول القاموس الغلام الطار الشارب، والكهل ضد أو من حين يولد إلى أن يشب لما علم من استعماله المجازات كثيرًا، وتجويز أن المراد بالغلام الصغير لا يقيد كونه صبيًّا، وقد يشعر به قوله: أنقذه من النار ممنوع، فالأصل الحقيقة، وقد فهمها منه البخاري، فترجم عليه في الجنائز باب: إذا أسلم الصبي، فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام؟، وترجم في الجهاد باب، كيف يعرض الإسلام على الصبي؟ نعم دلالته على أن الصبي إذا عقل الكفر ومات عليه أنه يعذب، لعله كان قبل أن

وكان صلى الله عليه وسلم يدنو من المريض، ويجلس عند رأسه، ويسأله عن حاله ويقول: "كيف تجدك"؟.

وفي حديث جابر عند البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود، قال: مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأبو بكر، وهما ماشيان، فواجداني أغمي علي، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم ثم صب وضوءه علي فأفقت، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم، وعند أبي داود: فنفخ في وجهي فأفقت. وفيه: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يا جابر لا أراك ميتًا من وجعك هذا".

وفي حديث أبي موسى عند البخاري مرفوعًا: "أطعموا الجائع، وعودوا المرضى، وفكوا العاني".

__________

يعلم صلى الله عليه وسلم بأنه لا يعذب، وأنه في الجنة، كما في الأصح من عشرة أقوال: "وكان صلى الله عليه وسلم يدنو" يقرب "من المريض ويجلس عند رأسه" تواضعًا وشفقه على خلق الله، "ويسأله عن حاله، ويقول: "كيف تجدك" أي كيف تجد نفسك على أي حالة.

"وفي حديث جابر" بن عبد الله الأنصاري "عند البخاري" في التفسير والطب والفرائض، "ومسلم والترمذي وأبي داود، قال: مرضت، فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأبو بكر" الصديق عام حجة الوداع، "وهما ماشيان، فوجداني أغمي علي" وفي رواية: لا أعقل شيئًا، "فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم" الوضوء الشرعي، "ثم صب وضوءه" أي الماء الذي توضأ به "علي، فأفقت" من ذلك الإغماء، "فإذا النبي صلى الله عليه وسلم" موجود عندي، وبقية الحديث، فقلت: يا رسول الله كيف أصنع في مالي؟، فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية الميراث.

"وعند أبي داود: فنفخ في وجهي فأفقت، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يا جابر لا أراك ميتًا من وجعك هذا" وفيه علم من أعلام النبوة، فإنه مات بالمدينة بعد سنة سبعين من الهجرة، عن أربع وتسعين سنة، وفيه أن وضوء العائد للمريض إذا كان إمامًا في الخير يتبرك به، وإن صبه ماء وضوئه يرجى نفعه، وقيل: كان مرض جابر الحمى المأمور بإبرادها بالماء، وصفه ذلك أن يتوضأ الرجل المرجو خيره وبركته ويصب فضل وضوئه عليه، ولا تتوقف مشروعية العيادة على علم المريض بالعائد؛ لأن وراء ذلك جبر خاطر أهله، وما يرجى من بركة دعاء العائد ووضع يده على المريض، والمسح على جسده والنفث عليه عند التعويذ.

"وفي حديث أبي موسى" عبد الله بن قيس الأشعري، "عند البخاري" في الطب، "مرفوعًا" اختصار لقوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أطعموا الجائع، وعودوا المرضى، وفكوا العاني" "بعين مهملة ونون مكسوة خفيفة، أي خلصوا الأسير بالفداء" وجمع المرضى لكثرة

وعنده من رواية البراء: أمرنا صلى الله عليه وسلم بسبع، وذكر منها عيادة المريض.

وعند مسلم: "خمس تجب للمسلم على المسلم"، فذكرها منها.

قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب، يعني الكفاية، كإطعام الجائع وفك الأسير ويحتمل أن يكون على الندب على التواصل والألفة.

وعند الطبري: يتأكد في حق من ترجى بركته، ويسن في من يراعي حاله، ويباح فيما عدا ذلك.

__________

أنواع المرضى واختلافها وأفراد الجائع والعاني؛ لأن كلا منهما صفة واحدة وإن كثرت أفرادهما، "وعنده" أي البخاري، وكذا عند مسلم "من رواية البراء" بن عازب: "أمرنا" رسول الله "صلى الله عليه وسلم بسبع، وذكر منها عيادة المريض"، أي زيارته، ولفظه، أمرنا بسبع، ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة المريض وإتباع الجنائز وتشميت العاطس ورد السلام وإجابة الداعي وإبرار القسم ونصر المظلوم، ونهانا عن خواتم الذهب وعن الحرير والاستبرق والديباج والميثرة الحمراء والقسي وآنية الفضة والميثرة "بكسر الميم وسكون التحتية وفتح المثلثة بلا همز" وقال النووي: بالهمز، وهي وطاء كانت النساء تصنعه لأزواجهن في السروج، يكون من الحرير والديباج وغيرهما، والنهي واقع على ما هو من الحرير والقسي "بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة" ثياب تنسب إلى القس بساحل بحر مصر، وفي أبي داود؛ أنها ثياب من الشام، أو من مصر مصبغة فيها أمثال الأترج.

"وعند مسلم" في كتاب الأدب من صحيحه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خمس تجب للمسلم على المسلم" أي تطلب طلبًا مؤكدًا يقرب من الواجب، "فذكرها منها" ولفظه خمس تب للمسلم على أخيه المسلم: زاد السلام وتشميت العاطس وإجابة الدعوة وعيادة المريض واتباع الجنائز، وله وجه آخر "حق المسلم على المسلم ست"، فذكر الخمسة، وزاد: "وإذا استنصحك فانصح له"، وليس المراد الحصر، ففي حديث آخر: "للمسلم على المسلم ثلاثون حقًّا".

"قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر" في قوله: وعودوا المرضى محمولًا "على الوجوب، يعني" وجوب "الكفاية، كإطعام الجائع وفك الأسير" المذكورين معه، "ويحتمل أن يكون" محمولًا "على "الندب" حثًّا "على التواصل والألفة" "بضم الهمزة" الأنس والمحبة والاجتماع، "وعن الطبري: يتأكد" فعل العيادة، أو هو بفوقيتين، فلا يقدر فعل "في حق من ترجى بركته" لينال منها المريض، "ويسن في" حق "من يراعي حاله" أي المريض؛ بتعهده فيما يحتاج إليه، كشراء دواء وتهنئة حاجته منه، "ويباح فيما عدا ذلك" المذكور من الحالين،

وهو فرض كفاية عند الحنفية، كما قال أبو الليث في "مقدمته".

واستدل بعموم قوله: "عودوا المرضى" على مشروعية العيادة في كل مرض، لكن استثنى بعضهم: الأرمد، ورد: بأنه قد جاء في عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم، قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجع كان بعيني، رواه أبو داود وصححه الحاكم.

وأما ما أخرجه البهيقي والطبراني مرفوعًا: ثلاثة ليس لهم عيادة، الرمد والدمل والضرس، فصحح البيهقي أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير.

ويؤخذ من إطلاقه أيضًا عدم التقييد بزمان يمضي من ابتداء مرضه. وهو قول

__________

وقد تجب، كأن علم به ضررًا يزول بعيادته، وتحرم إن أدت إلى ضر يلحقه، كتضرره بدخوله عليه، أو رؤية محارمه، وتكره إن ترتب على دخوله أمر يكرهه المريض، "وهو فرض كفاية عند الحنفية، كما قال أبو الليث" أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل النسفي، الفقيه، الواعظ، مات سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة "في مقدمته" المشهورة، "واستدل بعموم قوله: "عودوا المرضى" على مشروعية العيادة في كل مرض، لكن استثنى بعضهم الأرمد" أي وجع العين، "وورد بأنه قد جاء في عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم" بن زيد الأصناري، الخزرجي، مات سنة ست أو ثمان وستين، "قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجع كان بعيني" "بشد الياء على التثنية" قاله ابن رسلان، "رواه أبو داود" سليمان بن الأشعث، "وصححه الحاكم" محمد بن عبد الله النيسابوري.

"وأما ما أخرجه البهيقي" في الشعب، "والطبراني" في الأوسط، وابن عدي من حديث مسلمة بن علي الخشني، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي جعفر، ع أبي هريرة، "مرفوعًا: "ثلاثة ليس لهم عيادة" أي لا تندب عيادتهم، لا إنها لا تجوز في رواية "ثلاث لا يعاد صاحبهن" "الرمد" أي وجع العين، "والدمل" "بضم الدال وفتح الميم مثقلة ومخففة" الخراج الصغير، وإن تعدد، "والضرس" أي الذي به وجع الضرس وغيره من الأسنان، وفي رواية: وصاحب الضرس وصاحب الدمل، "فصحح البيهقي أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير" لأنه أخرجه من طريق هقل، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، وجعله من قوله لم يجاوزوه، قال: أعني البيهقي، وهو الصحيح، فقد قال زيد بن أرقم: رمدت، فعادني النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ثبت النهي أمكن أن يقال: إنها لكونها من الآلام التي لا ينقطع صاحبها غالبًا بسببها، وقال الحافظ: تصحيحه وقفه لا يوجب الحكم بوضعه، إذ مسلمة، وإن كان ضعيفًا لم يخرج بكذب، فجزم ابن الجوزي بوضعه، وهم، "ويؤخذ من إطلاقه" أي قوله: عودوا المرضى

الجمهور، وجزم الغزالي في "الأحياء" بأنه لا يعاد إلا بعد ليال ثلاث، واستند إلى حديث أخرجه ابن ماجه عن أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعود مريضًا إلا بعد ثلاث. وهذا حديث ضعيف تفرد به مسلمة بن علي، وهو متروك، قال أبو حاتم هو حديث باطل.

__________

"أيضًا عدم التقييد بزمان يمضي من ابتداء مرضه، وهو قول الجمهور" من العلماء، زاد الحافظ: وإنها لا تتقيد بوقت دون وقت، لكن جرت العادة بها طرفي النهار، "وجزم الغزالي في الإحياء، بأنه لا يعاد إلا بعد ليال ثلاث، واستند إلى حديث أخرجه ابن ماجه" في الجنائز من سننه، وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات، والبيهقي في الشعب، كلهم من حديث مسلمة بن علي، قال: حدثنا ابن جريج عن حميد الطويل، "عن أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعود مريضًا إلا بعد ثلاث" من الأيام تمضي من ابتداء مرضه، قيل: ومثل العيادة تعهده وتفقد أحواله، قال الزركشي: وهذا يعارضه أنه عاد زيد بن أرقم في رمده قبلها. انتهى.

ويمكن أن ذلك أغلب أحواله، فلا معارضة إن صح الخبر، "و" لكن "هذا حديث ضعيف" جدًَّا "تفرد به مسلمة" بفتح الميمين "ابن علي" بضم العين مصغرًا، وكان يكره تصغير اسمه، وإنما صغر في أيام بني أمية مراغمة من الجهلة، كما في التبصير، وهو الخشني "بضم الخاء وفتح الشين المعجمتين" الدمشقي، مات قبل سنة تسعين ومائة، "وهو متروك" أي تركوا الرواية عنه لضعفه، وما روى له إلا ابن ماجه.

"قال أبو حاتم: هو حديث باطل" موضوع، ونقله الذهبي في الميزان وأقه، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، وتعقبوا بأنه ضعيف فقط لا موضوع؛ فإن مسلمة لم يجرح بكذب، كما قاله الحافظ، فلا التفات لمن غر بزخرف القول، فقال: هو موضوع، كما قال الذهبي وغيره، لكنه إذا راج على البيهقي وابن ماجه، فلا ملام على من راج عليه بعدهما، فهذا كلام فارغ لا يتمشى على القواعد، فإن المدار على الإسناد، فإن تفرد به كذاب أو وضاع، فحديثه موضوع، وإن كان ضعيفًا فالحديث ضعيف فقط، ودعوى رواجه غير مسموعة؛ لأن دأب المحدثين إذا أبرزوا الحديث بسنده، فقد برءوا من عهدته، على أن مسلمة لم يتفرد به، كما زعم المصنف، فقد أخرجه أبو يعلى في مسنده من حديث عباد بن كثير، عن ثابت عن أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه، فإن كان غائبًا عاله، وإن كان شاهدًا أزاره، وإن كان مريضًا عاده، وعباد ضعيف.

وأخرج الديلمي من حديث أبي عصمة عن عبد الرحمن بن الحارث، عن أبيه، عن أنس، رفعه: "المريض لا يعاد حتى يمرض ثلاثة أيام"، وأبو عصمة ضعيف، فقد تابع عباد مسلمة في شيخ شيخه حميد، في روايته عن أنس، وتابعه أيضًا الحارث في روايته عن أنس، فأين التفرد وله

ولا نطيل بإيراد ما ورد في فضل العبادة خوف الملل، ويكفي حديث أبي هريرة، مما حسنه الترمذي مرفوعًا: "من عاد مريضًا ناداه مناد من السماء: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا"، وهذا لفظ ابن ماجه.

وفي سنن أبي داد عن أنس مرفوعًا: "من توضأ فأحسن الوضوء، وعاد أخاه المسلم محتسبًا، بوعد من جهنم مسيرة سبعين خريفًا".

وفي حديث أبي سعيد عن ابن حبان في صحيحه مرفوعًا: "خمس من

__________

شاهد من طريق آخر، رواه الطبراني في الأوسط من طريق نصر بن حماد، وأبو الحارث الوراق عن روح بن جناح، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يعاد المريض إلا بعد ثلاث، ونصر ضعيف.

قال ابن عدي: ومع ذلك، فيكتب حديثه، قال السخاوي: وهذه الطرق يتقوى بعضها ببعض، ولذا أخذ بمضمونها جماعة، فقال النعمان بن أبي عياش الرزقي، أحد التابعين الفضلاء، من أبناء الصحابة، فيما أخرجه في الشعب، وابن أبي الدنيا: عيادة المريض بعد ثلاث.

وقال الأعمش عند البيهقي: كنا نقعد في المجلس، فإذا فقدنا الرجل ثلاثة أيام سألنا عنه، فإن كان مريضًا عدناه، وهذا يشعر باتفاقهم على هذا، وليس في صريح الأحاديث ما يخالفه، وما رواه الطبراني، عن ابن عباس: عيادة المريض أول يوم سنة، فما كان بعد ذلك فتطوع، ورواه البزار بلفظ، ما زاد بعد ذلك فنافلة، فيحتمل أن مراده أول مرة، وقوله سنة يريد سنة النبي صلى الله عليه وسلم على الصحيح، "ولا نطيل بإيراد ما ورد في فضل العبادة خوف الملل، ويكفي حديث أبي هريرة" عند الترمذي واب ماجه، "مما حسنه الترمذي مرفوعًا" أي قال: قال صلى الله عليه وسلم: "من عاد مريضًا" زاد في رواية الترمذي: "أو زار أخا له في الله"، "ناداه مناد من السماء، طبت وطاب ممشاك وتبوأت" أي سكنت "من الجنة منزلًا" نسب السكنى إليه مبالغة؛ لأنه جزاء لفعله، "وهذا لفظ ابن ماجه" وكذا هو لفظ الترمذي، لكن بالزيادة المذكورة، ورواه ابن حبان بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا عاد الرجل أخاه، أو زاره، قال الله: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت منزلًا في الجنة".

"وفي سنن أبي داود عن أنس، مرفوعًا: "من توضأ فأحسن الوضوء" بفعل سننه وفضائله وتجنب مكروهاته، "وعاد أخاه المسلم محتسبًا" أجره على الله، "بوعد من جهنم مسيرة سبعين خريفًا" أي عامًا، ويحتمل أن المراد التكثير.

"وفي حديث أبي سعيد" سعد بن مالك الخدري، "عن ابن حبان في صحيحه" برجال

علمهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريضًا، وشهد جنازة وصام يومًا وراح إلى الجمعة وأعتق رقبة".

وعند أحمد عن كعب مرفوعًا: "من عاد مريضًا، خاض في الرحمة، فإذا جلس عنده استنقع فيها". زاد الطبراني: "وإذا قام من عنده فلا يزال يخوض فيها حتى يرجع من حيث خرج".

ولم يكن صلى الله عليه وسلم يخص يومًا من الأيام بعيادة المريض، ولا وقتًا من الأوقات، وترك العيادة يوم السبت مخالف للسنة، ابتدعه يهودي طبيب لملك قد مرض وألزمه بملازمته، فأراد يوم الجمعة أن يمضي لسبته فمنعه، فخاف على استحلال سبته، ومن سفك دمه، فقال: له إن المريض لا يدخل عليه يوم السبت، فتركه

__________

ثقات، "مرفوعًا: "خمس" من الخصال "من علمهن في يوم" أي يوم جمعة "كتبه الله" أي قدر أوامر الملائكة أن تكتب له أنه "من أهل الجنة" وهذا علامة على حسن الخاتمة، وبشرى له بذلك: "من عاد مريضًا" أي زاره في مرضه، ولو أجنبيًّا، "وشهد جنازة" أي حضرها وصلى عليها، "وصام يومًا" وفي رواية أبي يعلى: وصام يوم الجمعة، أي تطوعًا، "وراح إلى الجمعة" إلى محل صلاتها، "وأعتق رقبة" أي خلصها من الرق لوجه الله، وظاهره أنه لا يكتب له ذلك إلا بفعل الخمس في يوم واحد يكون يوم جمعة، أي جمعة كانت، وعند أحمد عن معاذ مرفوعًا: "خمس من فعل واحدة منهن كان ضامنًا على الله؛ من عاد مريضًا، أو خرج مع جنازة، أو خرج غازيًا، أو دخل على إمامه يريد تعزيزه وتوقيره، أو قعد في بيته وسلم الناس منه وسلم من الناس".

"وعند أحمد عن كعب" بن مالك، "مرفوعًا" عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من عاد مريضًا خاض في الرحمة" حال ذهابه لعيادته، "فإذا جلس عنده استنقع فيها" أي شملته وعمت جميع أجزائه "زاد الطبراني" في روايته لهذا الحديث: "وإذا قام من عنده، فلا يزال يخوض فيها حتى يرجع من حيث خرج" أي حتى يعود إلى مكانه الذي جاء منه للعيادة، فأفاد الحديث خوضه فيها ذاهبًا وراجعًا، والاستنقاع مدة جلوسه عنده، "ولم يكن صلى الله عليه وسلم يخص يومًا من الأيام بعيادة المريض، ولا وقتًا من الأوقات" ولكن جرت العادة بها طرفي النهار، كما مر عن الحافظ، ومن آدابها عدم تطويل الجلوس عنده، فربما شق على المريض أو على أهله، "وترك العيادة يوم السبت مخالف للسنة ابتدعه يهودي طبيب لملك" سلطان "قد مرض، وألزمه بملازمته، فأراد يوم الجمعة أن يمضي لسبته، فمنعه، فخاف على استحلال سبته" إن جاء، "ومن سفك دمه"

الملك، ثم أشيع ذلك، وصار كثير من الناس يعتمده.

ومن الغريب ما نقله ابن الصلاح عن الفراوي: أن العيادة تستحب في الشتاء ليلًا، وفي الصيف نهارًا، ولعل الحكمة في ذلك أن المريض يتضرر بطول الليل في الشتاء، وبطول النهار في الصيف، فيحصل له بالعبادة استرواح.

وينبغي اجتناب التطبب من أعداء الدين، من يهودي ونحوه، فإنه مقطوع بغشه سيما إن كان المريض كبيرًا في دينه أو علمه، خصوصًا إن كان هذا العدو يهوديًّا؛ لأن قاعدة دينهم: أن من نصح مسلمًا فقد خرج عن دينه، وأن من استحل السبت فهو مهدر الدم عندهم، حلال لهم سفك دمه، ولا ريب أن من خاطر بنفسه يخشى عليه أن يدخل في عموم النهي فيمن قتل نفسه بشيء.

وقد كثر الضرر في هذا الزمن بأهل الذمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله تعالى يرحم القائل:

__________

إن لم يجئ، "فقال له: إن المريض لا يدخل عليه يوم السبت فتركه الملك، ثم أشيع ذلك، وصار كثير من الناس يعتمده" ويعتقد أنه يضر المريض.

"ومن الغريب ما نقله ابن الصلاح عن الفراوي" بضم الفاء نسبة إلى فراوة بلدة قرب خوارزم "أن العيادة تستحب في الشتاء ليلًا، وفي الصيف نهارًا، ولعل الحكمة في ذلك" إن صح "أن المريض يتضرر بطول الليل في الشتاء، وبطول النهار في الصيف، فيحصل له بالعيادة استرواح" أي راحة في نفسه بالزيادة "وينبغي اجتناب التطيب من أعداء الدين، من يهودي ونحوه" نصراني، "فإنه مقطوع بغشه" للمسلمين، "سيما إن كان المريض كبيرًا في دينه أو علمه" فإنهم يتقربون بالسعي في فقد المسلمين له، "خصوصًا إن كان هذا العدو يهوديًّا؛ لأن قاعدة دينهم" الباطل؛ "أن من نصح مسلمًا فقد خرج عن دينه" وقد حكي أن الإمام المازري مرض، فكان يطلبه يهودي، فقال له يومًا: يا سيدي مثلي يطب مثلكم، وأي قربة أجدها أتقرب بها في ديني مثل أن أفقدكم للمسلمين، فشفي وقرأ الطب، فكان يفزع إليه فيه، كما يفزع إليه في الفقه رحمه الله، "وإن من استحل السبت، فهو مهدر الدم عندهم، حلال لهم سفك دمه" والمسلمون يستحلونه، فيعملون فيه ما يرى اليهودي تحريمه، "ولا ريب أن من خاطر بنفسه يخشى عليه أن يدخل في عموم النهي فيمن قتل نفسه بشيء، وقد كثر الضرر في هذا الزمن بأهل الذمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله تعالى يرحم القائل:"

لعن النصارى واليهود فإنهم ... بلغوا بمكرهم بنا الآمالا

خرجوا أطباء وحسابًا لكي ... يتقسموا الأرواح والأموالا

ومما كان يفعله عليه الصلاة والسلام ويأمر به تطييب نفوس المرضى وتقوية قلوبهم، ففي حديث أبي سعيد الخدري، قال صلى الله عليه وسلم: إذا دخلتم على مريض فنفسوا له في أجله، فإن ذلك يطيب نفسه، مثل أن يقول له: لا بأس عليك، طهور إن شاء الله، ووجهك الآن أحسن، وما أشبه ذلك.

وقد يكون من هذا أن يذكر له الأجور الداخلة عليه في مرضه، وأن المرض كفارة، فربما أصلح ذلك قلبه، وأمن من خوف زلل ونحوه.

وقال بعضهم: في هذا الحديث نوع شريف جدًّا من أشرف أنواع العلاج، وهو الإرشاد إلى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذي تقوى به الطبيعة، وتنتعش

__________

"لعن النصارى واليهود فإنهم ... بلغوا بمكرهم بنا الآمالا"

"خرجوا أطباء وحسابًا لكي ... يتقسموا الأرواح والأموالا"

"ومما كان يفعله عليه الصلاة والسلام ويأمر به تطييب نفوس المرضى، وتقوية قلوبهم" كما في البخاري عن ابن عباس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل على مريض يعوده، قال: "لا بأس طهور إن شاء الله".

"ففي حديث أبي سعيد اخدري" عند الترمذي وابن ماجه، بإسناد ضعيف، "قال صلى الله عليه وسلم إذا دخلتم على مريض" تعودونه، "فنفسوا له في أجله" أي وسعوا له وأطمعوه في طول الحياة، أو اذهبوا حزنه فيما يتعلق بأجله، قال الطيبي: في أجله متعلق بنفسوا مضمنًا معنى التطميع، أي طمعوه في طول أجله، واللام للتأكيد والتنفيس التفريج، "فإن ذلك يطيب نفسه" فيرتاح، وقد قيل للرشيد وهو عليل: هون عليك وطيب نفسك، فإن الصحة لا تمنع من الفناء، والعلة لا تمنع من البقاء، فارتاح لذلك، ولفظ الحديث عند الترمذي وابن ماجه: فإن ذلك لا يرد شيئا وهو يطيب بنفس المريض "مثل أن يقول له: لا بأس عليك طهور إن شاء الله" "بفتح الطاء، أي مطهر من الذنوب"، "ووجهك الآن حسن، وما أشبه ذلك" مما يدخل السرور عليه، "وقد يكون من هذا أن يذكر له الأجور الداخلة عليه في مرضه، وأن المرض كفارة" للذنوب، "فربما أصلح ذلك قلبه وأمن من خوف زلل ونحوه".

"وقال بعضهم" هو ابن القيم "في هذا الحديث نوع شريف جدًّا من أشرف أنواع العلاج، وهو الإرشاد إلى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذي تقوى به الطبيعة، وتنتعش

به القوة، وينبعث به الحار الغريزي، ويساعد على دفع العلة أو تخفيفها الذي هو غاية تأثير الطب. وفي تفريج نفس المريض، وتطييب قلبه، وإدخال السرور عليه تأثير عجيب في شفاء علته وخفتها، فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك، فتساعد الطبيعة على دفع المؤذي. وقد شاهد الناس كثيرًا من المرضى تنتعش قواهم بعيادة من يحبونه ويعظمونه، ورؤيتهم له، ولطفهم بهم، ومكالمتهم إياهم.

قال في الهدي: وكان صلى الله عليه وسلم يسأل المريض عن شكواه، وكيف يجد، وعما يشتهيه، فإن اشتهى شيئًا وعلم أنه لا يضره أمر له به، ويضع يده على جبهته، وربما وضعها بين ثدييه، ويدعو له، ويصف له ما ينفعه في علته، وربما كان يقول

__________

به القوة، وينبعث به الحار الغريزي، ويساعد على دفع العلة، أو تخفيفها، الذي هو غاية تأثير الطب" بالأدوية، "وفي تفريج نفس المريض وتطييب قلبه وإدخال السرور عليه": بالكلام "تأثير عجيب في شفاء علته وخفتها" "الواو بمعنى"، أو "فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك، فتساعد الطبيعة على دفع المؤذي، وقد شاهد الناس كثيرًا من المرضى تنتعش قواهم بعيادة من يحبونه ويعظمونه، ورؤيتهم له ولطفهم بهم ومكالمتهم إياهم" ولا يعارض ذلك ندب التنبيه على الوصية؛ لأنه يقول مع ذلك: الوصية لا تنقص الأجل، بل العامل بالنسبة ترجى له البركة في عمره، وربما تكون الوصية بقصد امتثال الشرع سببًا لزيادة العمر، ونحو ذلك "قال في الهدي" النبوي لابن القيم: "وكان صلى الله عليه وسلم يسأل المريض عن شكواه وكيف يجد" نفسه.

روى أحمد والترمذي عن أنس، قال: دخل صلى الله عليه وسلم على مريض يعوده وهو في الموت، فسلم عليه، فقال: "كيف تجدك"؟، قال: بخير يا رسول الله، أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال صلى الله عليه وسلم: "لم يجتمعا في قلب رجل عند هذا الموطن إلا أعطاه الله رجاءه وآمنه مما يخاف"، "وعما يشتهيه، فإن اشتهى شيئًا وعلم أنه لا يضره أمر له به، و" كان "يضع يده على جبهته" ففي حديث سعد بن أبي وقاص: ثم وضع يده على جبهته بعد مسح يده على وجهي وبطني، ثم قال: "اللهم اشف سعدًا وأتمم له هجرته"، فما زلت أجد برده على كبدي، "وربما وضعها بين ثدييه ويدعو له".

ففي الصحيحين عن عائشة: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى مريضًا، أو أتي به إليه، قال: "أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك"، "ويصف له ما ينفعه في علته" مرضه، وربما توضأ وصب على المريض من وضوئه، كما في حديث جابر المتقدم قريبًا، "وربما كان يقول للمريض: "لا بأس عليك" هو "طهور" "بفتح الطاء، أي مطهر لك من ذنوبك" "إن

للمريض: "لا بأس عليك، طهور إن شاء الله تعالى"، وربما كان يقول: "كفارة وطهور".

وقالت عائشة رضي الله عنها: كان صلى الله عليه وسلم إذا عاد مريضًا يضع يده على المكان الذي يألم ثم يقول: "بسم الله". رواه أبو يعلى بسند صحيح.

وأخرج الترمذي بسند لين من حديث أبي أمامة رفعه من تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته ويسأله كيف هو، وعند ابن السني بلفظ: كيف أصبحت أو كيف أمسيت؟

وإذا علمت هذا، فاعلم أن المرض نوعان: مرض القلوب ومرض الأبدان.

فأما طب القلوب ومعالجتها فخاص بما جاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن ربه

__________

شاء الله تعالى" دعاء لا خبر، "وربما كان يقول: "كفارة وطهور" وفيه استحباب مخاطبة العائد للعليل بما يسليه من ألمه، وتذكيره بالكفارة لذنوبه والتطهير لآثامه.

"وقالت عائشة رضي الله عنها: كان صلى الله عليه وسلم إذا عاد مريضًا يضع يده على المكان الذي يألم" "بفتح اللام"، أي يتوجع منه، "ثم يقول: "بسم الله" أداويك، "رواه أبو يعلى بسند صحيح" وفي نسخ بسند حسن، "وأخرج الترمذي بسند لين" أي ضعيف، قال الترمذي: إسناده ليس بذاك، وقال في موضع آخر فيه علي بن زيد ضعيف، "من حديث أبي أمامة" صدى بن عجلان، "رفعه من تمام عيادة المريض" أي مكملاتها ومتمماتها "أن يضع أحدكم" يعني العائد "يده على جبهته" حيث لا عذر، "ويسأله كيف هو" أي كيف حاله، وبقية رواية الترمذي، وتمام تحيتكم بينكم المصافحة.

"وعند ابن السني، بلفظ" ويقول له: "كيف أصبحت" إذا عاده في الصباح، "أو كيف أمسيت" إذا عاده في المساء، فإن ذلك ينفس عن المريض، هذا بقية رواية ابن السني.

قال ابن بطال: في وضع اليد على المريض تأنيس له، وتعرف لشدة مرضه ليدعو له بالعافية على حسب ما يبدو له منه، وربما رقاه ومسح على ألمه بما ينتفع به العليل إذا كان العائد صالحًا، وقد يعف العلاج، فيعرف العلة، فيصف له ما يناسبه.

"وإذا علمت هذا فأعلم أن المرض نوعان، مرض القلوب" أي فسادها بنحو الحسد وسوء العقيدة، وهو مجاز، "ومرض الأبدان" خروجها عن الاعتدال، وهو حقيقي، ولكل منهما طب ودواء يعالج به؛ "فأما طب القلوب" هكذا في أكثر النسخ، وهي المناسبة لقوله الآتي، وأما طب الأجساد، ولأن القصد ذكر الطب لا المرض، "ومعالجتها" عطف تفسير.

تعالى، لا سبيل لحصوله إلا من جهته، فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها وفاطرها وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وأن تكون مؤثرة لرضاه ومحابه متجنبة لمناهيه ومساخطه، ولا صحة لها ولا حياة ألبتة إلا بذلك، ولا سبيل إلى تلقي ذلك إلا من جهة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وأما طب الأجساد، فمنه ما جاء في المنقول عنه صلى الله عليه وسلم، ومنه ما جاء به غيره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما بعث هاديًا وداعيًا إلى الله وإلى جنته، ومعرفًا بالله، ومبينًا لأمته

__________

وفي نسخة: فأما مرض القلوب، وهي أنسب بما قبلها، لكن القصد ذكر الطب لا المرض إلا أن يقدر مضاف أي فأما طب مرض القلوب أو أن نفس معرفة مرضها لا يكون إلا من جهته كالرياء والشرك الخفي ونحو ذلك، وعلى هذا، فمعالجتها عطف مغاير، "فخاص بما جاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن ربه تعالى" أي مقصور عليه، لا يعلم إلا من جهته، إما نصًّا كالأحاديث الواردة فيما يصلح القلوب ويمنعها من الاعتقادات الباطلة والجهالات، وإما استنباطًا، كالأحكام التي استنبطها الأئمة من الأحاديث قياسًا عليها، أو استخراجًا من القواعد التي دلت عليها الأحاديث، "لا سبيل لحصوله إلا من جهته" كالصفة اللازمة لما قبله، وعلله بقوله: "فإن صلاح القلوب أن تكون" أي كونها "عارفة بربها وفاطرها" فاتصافها بذلك عين صلاحها، وخص الرب والفاطر إشارة إلى نعمتي الإيجاد والتدبير، فإنه أنعم عليهم بالإيجاد، ثم بتدبير مصالحهم والقيام بها أبدًا ما بقوا، "وبأسمائه وصفاته وأفعاله" أي أنه متى تعلقت إرادته بشيء كان، "وأحكامه" التي شرعها من إيجاب وندب وغيرها "و" صلاح القلوب أيضًا، "أن تكون مؤثرة لرضاه ومحابه" أي أنها تحرص على ذلك وتقدمه على غيره، وإن كان فيه غاية المشقة عليها، "متجنبة لمناهيه ومساخطه" جمع مسخط، كمقعد ضد الرضا، وهو الغضب، وهو ارتكاب ما نهى عنه، فالمراد منهما واحد، أو أنه من عطف المسبب على السبب، "ولا صحة لها ولا حياة ألبتة إلا بذلك" المذكور من كونها عارفة ... إلخ.

"ولا سبيل إلى تلقي ذلك إلا من جهة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم" هذا غير قوله أولًا: لا سبيل إلى حصوله؛ لأنه وجوده نفسه، والثاني قبوله وأخذه عنه، فاختلف السبيلان.

"وأما طب الأجساد، فمنه ما جاء في المنقول عنه صلى الله عليه وسلم" فيجب اعتقاد حقيقته، وأنه إن تخلف حصول الشفاء عنه، فذلك لمانع قام بالمريض أو الدواء، "ومنه ما جاء عن غيره" ولم يكن كل طب الأجساد منه، "لأنه صلى الله عليه وسلم إنما بعث" هاديًا، فالتعليل لمقدر فهم من السياق، "وداعيًا إلى الله وإلى جنته، ومعرفًا بالله" ما يجب له وما يستحيل عليه وغير ذلك من العقائد، "ومبينًا لأمته مواقع رضاه" النافعة لهم، "وآمرًا لهم بها، و" مبينًا لهم، "مواقع سخطه" الضارة

مواقع رضاه وآمرًا لهم بها، ومواقع سخطه وناهيًا لهم عنها، ومخبرهم أخبار الأنبياء والرسل وأحوالهم مع أممهم، وأخبار تخليق العالم، وأمر المبدأ والمعاد، وكيفية شقاوة النفوس وسعادتها وأسباب ذلك.

وأما طب الأجساد فجاء من تكميل شريعته، ومقصودًا لغيره، بحيث إنه إنما يستعمل للحاجة إليه، فإذا قدر الاستغناء عنه كان صرف الهمم إلى علاج القلوب وحفظ صحتها، ودفع أسقامها وحميتها مما يفسدها هو المقصود بإصلاح الجسد، وإصلاح الجسد بدون إصلاح القلب لا ينفع، وفسد البدن مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جدًّا، وهي مضرة زائلة، تعقبها المنفعة الدائمة التامة.

وإذا علمت هذا، فاعلم أن ضرر الذنوب في القلوب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر. وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا

__________

لهم "وناهيا لهم عنها" بوحي الله وأمره له بذلك، "ومخبرهم أخبار الأنبياء والرسل، وأحوالهم مع أممهم" أي مخبرهم بأحوال الأنبياء مع أممهم، أو بأخبار الأنبياء الذين صدرت منهم الأخبار إلى أممهم، كقول صالح: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} [الأعراف: 73] ، "وأخبار تخليق" أي خلق "العالم" كأخباره عن خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، والأرض بعد ذلك دحاها، والجبال أرساها "وأمر المبدأ والمعاد" الرجوع يوم القيامة، "وكيفية شقاوة النفوس وسعادتها، وأسباب ذلك" المذكور من شقاوة وسعادة، ولما نشأ من الحصر؛ بأنه إنما بعث هاديًا ... إلخ سئل هو: فلما تكلم على كثير من أمور الطب، أجاب عنه بقوله: "أما طب الأجساد، فجاء من تكميل شريعته، و" وجاء "مقصودًا لغيره" لا لذاته، "بحيث إنه إنما يستعمل للحاجة إليه" أي عند الحاجة إليه "فإذا قدر الاستغناء عنه كان صرف الهمم إلى علاج القلوب وحفظ صحتها ودفع أسقامها وحميتها" "بكسر الحاء" منعها "مما يفسدها هو المقصود بإصلاح الجسد" ويجوز كما يفهم من هذا الكلام، أنه قسيم لمقدر، أي: فأما طب القلوب وإصلاحها فهو المقصود من شرعه، وأما طب الأجساد ... إلخ.

وبهذا جزم في الشرح، وجوز الأول في تقريره، "وإصلاح الجسد بدون إصلاح القلب لا ينفع" بل قد يضر، "وفساد البدن مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جدًّا" لأنه إنما يترتب عليها وفات غرض دنيوي لا يؤثر خللًا في الدين، "وهي مضرة زائلة" "مصدر ميمي بمعنى الضرر"، "تعقبها المنفعة الدائمة التامة" بالخلود في جنات النعيم؛ "وإذا علمت هذا، فاعلم أن ضرر الذنوب في القلوب، كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها" أي أنواعها

وسببه الذنوب والمعاصي، فللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة والمضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة، ما لا يعلمه إلا الله.

فمنها: حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور، وللإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي

وقال اعلم بأن العلم نور ... ونور الله لا يؤتاه عاصي

ومنها: حرمان الرزق، ففي المسند: "وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه".

__________

"في الضرر، وهل في الدنيا والآخر شر وداء" "بالفتح والمد" مرض، "إلا وسببه الذنوب والمعاصي" بمعنى الذنوب، فحسن العطف اختلاف اللفظ، "فللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة والمضرة" الضرر "بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله".

"فمنها حرمان العلم" أي أن المعاصي سبب في حصول ذلك وقيامه بالعبد، "فإن العلم نور يقذفه الله في القلب" وفائدته امتثال الأوامر واجتناب النواهي، "والمعصية تطفئ ذلك النور" فيكون إما سببًا لحرمانه، بحيث لا يدرك شيئًا منه، وإما سببًا لعدم ترتب فائدته عليه، بل قد يكون علمه الذي حصله ضررًا عليه في الدارين، "وللإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه:

"شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي"

وقال اعلم بأن العلم نور ... ونور الله لا يؤتاه عاصي"

وذكر ابن القيم: لما جلس الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه، أعجبه ما رأى من وقور فطنته وتوقد ذكائه وكمال فهمه، فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تظلمه بالمعصية، "ومنها: حرمان الرزق" الحلال، أو البركة فيه، "ففي المسند" لأحمد، والظاهر أن المراد الحديث المسند، أي المرفوع لقول مغلطاي: إذا كان الحديث في أحد الستة لا يجوز لحديثي نقله من غيرها. انتهى.

وهذا الحديث أخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد وأبو يعلى وابن منيع والطبراني والضياء في المختارة والعسكري عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدعاء يرد القضاء، وأن البر يزيد في العمر" "وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ، وَلَا يَسْتَثْنُونَ} [القلم: 17، 18] .

ويروى عن ابن مسعود رفعه: "إن الرجل ليذنب الذنب، فيحرم به الشيء من الرزق، وقد كان هبيئ، وأنه لينذب فينسى به الباب من العلم قد كان علمه، وأنه ليذنب، فيمنع به قيام الليل" وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، ويعارضها ما أخرجه الطبراني عن أبي سعيد، رفعه: "إن

ومنها: وحشة يجدها العاصي في قلبه، بينه وبين الله تعالى، لا يوازيها ولا يقارنها لذة أصلًا.

ومنها: تعسير أموره عليه، فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقًا دونه، أو متعسرًا عليه.

ومنها: ظلمة يجدها في قلبه حقيقة يحس بها، كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا أدلهم، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر، وتقوى هذه الظلمة حتى تعلو الوجه وتصير سوادًا فيه، يراه كل أحد.

__________

الرزق لا تنقصه المعصية، ولا تزيده الحسنة، وترك الدعاء معصية".

وعند العسكري بسند ضعيف، عن ابن مسعود، رفعه: "ليس أحد بأكسب من أحد قد كتب الله النصيب والأجل، وقد قسم المعيشة والعمل، والرزق مقسوم وهو آت على ابن آدم على أي سيرة سارها، ليس تقوى تقي بزائدة، ولا فجور فاجر يناقصه، وبينه وبينه ستر وهو في طلبه".

وعند ابن أبي الدنيا وغيره مرفوعًا: "إن الرزق ليطلب العبد، كما يطلبه أجله"، وفي ذا المعنى أحاديث، ويمكن الجمع بينها كما أشرت إليه؛ بأن الذي يحرمه الرزق الحلال أو البركة فيه أو صرفه في وجوه الخير ونحو ذلك، فلا معارضة.

وأسلفت في مراتب الوحي شيئًا من ذلك، "ومنها: وحشه يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله تعالى لا يوازيها" أي يقابلها، يقال: وازاه موازاة، أي حاذاه، "ولا يقارنها" "بالنون"، أي لا يجتمع معها "لذة أصلًا" بالعبادات وإن فعلها.

قال وهيب ابن الورد لمن سأله: أيجد طعم العبادة من عصى الله سبحانه؟، قال لا، ولا من هم بالمعصية.

"ومنها: تعسير أموره عليه، فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقًا دونه" بحيث لا يصل إليه بوجه، "أو متعسرًا عليه" بحيث يناله تعب في الوصول إليه.

"ومنها: ظلمة يجدها في قلبه حقيقة، يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم" الأسود "إذا أدلهم" أي اشتد سواده وكثفت ظلمته، "وكلما قويت الظلمة ازدادت حيوته حتى يقع في البدع" الأمور القبيحة المخالفة للشرع، وإن أطلقت البدع على غير القبيح، فليس المراد هنا كما هو بين، "والضلالات والأمور المهلكة، وهو لا يشعر، وتقوى هذه الظلمة حتى تعلو الوجه وتصير سوادًا فيه يراه كل أحد" بحاسة البصر.

ومنها: أن يوهن القلب والبدن.

ومنها: حرمات الطاعة، وتقصير العمر، ومحق البركة، ولا يمتنع زيادة العمر بأسباب، كما ينقص بأسباب، وقيل: تأثير المعاصي في محق العمر إنما هو بأن حقيقة الحياة هي حياة القلب، فليس عمر المرء إلا أوقات حياته بالله، فتلك ساعات عمره، فالبر والتقوى والطاعات تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره، ولا عمر له سواها. وبالجملة: فالعبد إذا أعرض عن الله، واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقة. ومنها: أن المعصية تورث الذل. ومنها: أنها تفسد العقل، فإن للعقل نورًا، والمعصية تطفئ نور العقل.

ومنها: أنها تزيل النعم وتحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ

__________

"ومنها: أنه يوهن القلب والبدن" يضعفهما.

"ومنها حرمات الطاعة وتقصير العمر ومحق البركة" وأجاب عن سؤال: هو أن الأجل مكتوب، فكيف يتأتى نقصه أو زيادته، بقوله: "ولا يمتنع زيادة، العمر بأسباب، كما ينقص بأسباب" باعتبار ما في صحف الملائكة، أما باعتبار علم الله، فلا يزيد ولا ينقص.

"وقيل: تأثير المعاصي في محق العمر، إنما هو بأن" أي بسبب أن "حقيقة الحياة هي حياة القلب، فليس عمر المرء إلا أوقات حياته بالله، فتلك ساعات عمره" النافعة له، "فالبر والتقوى والطاعات تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره، ولا عمر له سواها؛ وبالجملة، فالعبد إذا أعرض عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقة" التي تحصل له نفع الدارين.

"ومنها: أن المعصية تورث الذل" أي كونه يصير ذليلًا محتقرًا بين الناس، وإن لم يطلعوا على ما فعله "ومنها: أنها تفسد العقل,

تابع الفصل الأول: في طبه صلى الله عليه وسلم لذوي الأمراض والعاهات

...

بسم الله الرحمن الرحيم

تابع المقصد الثامن: في طبه صلى الله عليه وسلم لذوي الأمراض والعاهات وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات

تابع الفصل الأول: في طبه صلى الله عليه وسلم لذوي الأمراض والعاهات

النوع الثالث: في طبه عليه الصلاة والسلام بالأدوية المركبة من الإلهية والطبيعية:

"ذكر طبه عليه الصلاة والسلام من القرحة والجرح وكل شكوى":

عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول للمريض: "بسم الله تربة أرضنا، وريقة بعضنا، يشفى سقيمنا".

وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في الرقية: "بسم الله تربة أرضنا، وريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا". رواه البخاري.

وفي رواية مسلم: كان إذا اشتكى الإنسان، أو كانت به قرحة أو جرح قال بإصبعه هكذا، ووضع سفيان سبابته بالأرض، الحديث.

__________

"النوع الثالث":

"في طبه عليه الصلاة والسلام بالأدوية المركبة من الإلهية والطبيعية: ذكر طبه عليه الصلاة والسلام من القرحة والجرح وكل شكوى" أي مرض، "عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول للمريض" بأي مرض كان: "بسم الله" هذه "تربة أرضنا" المدينة خاصة لبركتها، أو كل أرض "وريقة" بالواو, وفي رواية أبي ذر للبخاري ولغيره: بريقة "بالباء متعلقة بمحذوف خبر ثان" "بعضنا يشفى سقيمنا".

زاد في رواية: غير أبي ذر بإذن ربنا، "وفي رواية: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في الرقية" للمريض "بسم الله، تربة أرضنا، وريقة بعضنا".

قال المجد: الريق بالكسر: الرضاب، وماء الفم والريقة أخص جمعه أرياق، "يشفى سقيمنا بإذن ربنا" رواه", أي المذكور من الرواتين "البخاري" في الطب، الأولى عن شيخه ابن المديني، عن ابن عيينة، عن عبد ربه بن سعيد, عن عمر، عن عائشة، والثانية عن شيخه صدقة بن الفضل، عن ابن عيينة بإسناده المذكور.

"وفي رواية مسلم" عن شيخه ابن أبي عمر، عن سفيان عن عبد ربه، عن عمرة، عن عائشة: "كان إذا اشتكى الإنسان" ذكرا أو أنثى، "أو كانت به قرحة" واحدة القروح، "أو جرح، قال: بإصبعه" في موضع الحال من فاعل، قال: "هكذا، ووضع سفيان" بن عيينة راوي الحديث مبينا معنى الإشارة، بقوله: هكذا "سبابته بالأرض ... الحديث" بقيته، ثم رفعها قال: "بسم الله"،

وقوله: "تربة أرضنا" خبر مبتدأ محذوف، أي هذه تربة أرضنا.

وقوله: "يشفى سقيمنا" ضبط بوجهين، بضم أوله على البناء للمجهول، وسقيمنا بالرفع، وبفتح أوله على أن الفاعل مقدر، وسقيمنا بالنصب على المفعولية.

قال النووي: معنى الحديث: أنه أخذ من ريق نفسه، على أصبعه السبابة، ثم وضعها على التراب فعلق بها شيء منه، ثم مسح به الموضع العليل أو الجرح قائلا الكلام المذكور في حالة المسح.

وقال القرطبي: زعم بعض علمائنا أن السر في أن تراب الأرض لبرودته ويبسه يبرئ الموضع الذي فيه الألم، ويمنع انصباب المواد إليه ليبسه، مع منفعته في تجفيف الجراح واندمالها. وقال في الريق: إنه يختص بالتحليل والإنضاج وإبراء الجرح والورم، ولا سيما من الصائم والجائع.

__________

فذكره، إلا أنه ما كان ينبغي للمصنف حذف قوله: ثم رفعها، لأنه من تتمة ما بين سفيان بفعله معنى الإشارة، ولذا أتى الحافظ به، وقوله: "تربة أرضنا" خبر مبتدأ محذوف، أي هذه تربة أرضنا، وقوله: "يشفى سقيمنا ضبط"، "أي روي "بوجهين بضم أوله على البناء للمجهول، وسقيمنا بالرفع" نائب الفاعل، ويقدر فيه: بهما يشفى سقيمنا، "وبفتح أوله" وكسر الفاء، "على أن الفاعل مقدر" أي ضمير مستتر يعود على ما ذكر من التربة والريقة، "وسقيمنا بالنصب على المفعولية" وعزاها المصنف لرواية أبي ذر عن الكشميهني، وصدر بالأولى، فهي رواية الأكثر.

"قال النووي: معنى الحديث أنه أخذ من ريق نفسه على أصبعه السبابة، ثم وضعها على التراب، فعلق" "بكسر اللام" لصق "بها شيء منه" أي التراب، "ثم مسح به الموضع العليل، أو الجرح" حالة كونه، "قائلا الكلام المذكور في حالة المسح"، فجمع بين الطب الإلهي والطبيعي، وفي الفتح قوله: "ريقة بعضنا" يدل على أنه كان يتفل عند الرقية.

"وقال القرطبي" أبو العباس في شرح مسلم: "زعم بعض علمائنا" يعني المازري: "أن السر فيه أن تراب الأرض لبرودته ويبسه يبرئ الموضع الذي فيه الألم، ويمنع انصباب المواد إليه ليبسه مع منفعته في تجفيف الجراح واندمالها" عبارة القرطبي: وإدمالها، واختصاص بعض الأرض بتحليل الأوجاع والأورام، هكذا في كلام المازري.

"وقال في الريق: إنه يختص بالتحليل والإنضاج وإبراء الجرح والورم، ولا سيما من الصائم والجائع", وإن لم يكن صائما لبعد عهده بالأكل والشرب، وذلك بانفراده في الأجسام

وتعقبه القرطبي: بأن ذلك إنما يتم إذا وقعت المعالجة على قوانينها من مراعاة مقدار التراب والريق، وملازمة ذلك في أوقاته، وإلا فالنفث ووضع السبابة على الأرض إنما يعلق بها ما ليس له بال ولا أثر، وإنما هذا من باب التبرك بأسماء الله تعالى وآثار رسوله صلى الله عليه وسلم وأما وضع الأصبع بالأرض فلعله لخاصية في ذلك، أو لحكمة إخفاء آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة.

وقال البيضاوي: قد شهدت المباحث الطبية على أن للريق مدخلا في النضج وتعديل المزاج، وتراب الوطن له تأثير في حفظ المزاج ودفع الضرر، فقد ذكروا أنه ينبغي للمسافر أن يستصحب تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائها، حتى إذا ورد المياه المختلفة جعل شيئا منه في سقائه ليأمن مضرة ذلك، ثم إن الرقى والعزائم لها آثار عجيبة تتقاعد العقول عن الوصول إلى كنهها.

وقال التوربشتي: كأن المراد بالتربة الإشارة إلى النطفة، كأنه تضرع بلسان

__________

الرخصة، وأما في القوية، فقد يضاف إليها في علاج الأورام الحطة الممضوغة وأشباهه من المحللات المنضجات، وخص ذلك بعضهم بأرض المدينة تبركا بتربتها لفضلها، والصواب ما ذكرناه، هذا كله كلام المازري.

"وتعقبه القرطبي: بأن ذلك إنما يتم إذا وقعت المعالجة على قوانينها من مراعاة مقدار التراب والريق وملازمة ذلك في أوقاته، وإلا فالنفث ووضع السبابة على الأرض إنما يعلق" بفتح اللام، أي يلصق "بها ما ليس له بال ولا أثر، وإنما هذا من باب التبرك بأسماء الله تعالى وآثار رسوله صلى الله عليه وسلم, وأما وضع الإصبع بالأرض فلعله لخاصية في ذلك، أو لحكمة إخفاء" إضافة بيانية، أي هي إخفاء "آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة".

"وقال البيضاوي" في شرح المصابيح: "قد شهدت المباحث الطبية على أن للريق مدخلا في النضج وتعديل المزاج، وتراب الوطن له تأثير في حفظ المزاج" الطبع الذي يتألف منه الجسد "ودفع الضرر" عنه، "فقد ذكروا أنه ينبغي للمسافر أن ستصحب تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائها" لبعد المسافة، "حتى إذا ورد المياه المختلفة جعل شيئا منه في سقائه" إنائه الذي يجعل فيه الماء "ليأمن من مضرة ذلك" الماء المختلف، "ثم إن الرقى والعزائم لها آثار عجيبة تتقاعد" أي تقتصر "العقول عن الوصول إلى كنهها، "أي حقيقتها.

"وقال التوربشتي" شارح المصابيح -بضم الفوقية ثم واو ساكنة ثم راء مكسورة ثم

الحال: إنك اخترعت الأصل الأول من التراب ثم أبدعته من ماء مهين، فهين عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته.

وقال النووي: قيل المراد "بأرضنا" أرض المدينة لبركتها، و"بعضنا" ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم لشرف ريقه، فيكون ذلك مخصوصا بريقه وفيه نظر.

وفي حديث عائشة عند أبي داود والنسائي: أنه صلى الله عليه وسلم دخل على ثابت بن قيس بن شماس وهو مريض، فقال: "اكشف الباس رب الناس"، ثم أخذ ترابا من بطحان فجعله في قدح ثم نفث عليه، ثم صبه عليه، قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث تفرد به الشخص المرقي.

__________

موحدة مكسورة ثم شين معجمة ساكنة ثم فوقية- نسبة إلى توربشت من شيراز، ذكره السبكي في الطبقات، قاله في اللب وضبط في السبل الراء بالفتح، ولعله سبق قلم: "كأن المراد بالتربة الإشارة" إلى فطرة آدم، والريقة الإشارة "إلى النطفة" التي خلق منها الإنسان، هذا لفظ التوربشتي، كما في الفتح وشرح المصنف للبخاري، فسقط ذلك من قلم المصنف، "كأنه تضرع بلسان الحال", وتعرض بفحوى المقال، فقال: "إنك اخترعت الأصل الأول" آدم "من التراب ثم أبدعته", لفظه: ثم أبدعت بنيه "من ماء مهين" ضعيف, "فهين عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته" من الأمراض.

"وقال النووي: قيل المراد بأرضنا أرض المدينة لبركتها، وبعضنا ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم لشرف ريقه، فيكون ذلك مخصوصا بريقه" وتربة المدينة، "وفيه نظر" إذ لا دليل على التخصيص وإن نحا إليه الطيبي، فقال في شرح المشكاة إضافة تربة أرضنا، وريقة بعضنا تدل على الاختصاص، وأن تلك التربة والريقة مختصان بمكان شريف يتبرك به، بل بذي نفس شريفة، قدسية، طاهرة، زكية عن أوصاف الذنوب وأوساخ الآثام، فلما تبرك بسم الله الشافي، ونطق بها ضم إليها تلك التربة، ولريقة وسيلة إلى المطلوب، ويعضده أنه صلى الله عليه وسلم بزق في عين علي، فبرئ من الرمد، وفي بئر الحديبية, فامتلأ ماء.

"وفي حديث عائشة عند أبي داود والنسائي أنه صلى الله عليه وسلم دخل على ثابت بن قيس بن شماس" "بفتح الشين المعجمة والميم الثقيلة وسين مهملة" الأنصاري، الخزرجي، خطيب الأنصار، من كبار الصحابة، بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، واستشهد باليمامة، فنفذت وصيته بمنام رآه خالد بن الوليد، قدمته قبل هذا الموضع، وهو مريض، فقال: "اكشف الباس" بغير همز للمواخاة، لقوله: "رب الناس"، "ثم أخذ ترابا من بطحان" بضم الموحدة، وحكي فتحها وسكون الطاء المهملة فيهما، وقيل: بفتح أوله وكسر الطاء" ونسب عياض الأول للمحدثين، والثالث للغويين واد بالمدينة، "فجعله في قدح، ثم نفث" تفل قليلا "عليه" أي الماء، "ثم صبه عليه" أي: على ثابت.

"قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث تفرد به الشخص المرقي" أي أنه اختص بفعله معه على هذه الصفة، وليس المراد تفرد بروايته؛ لأنه لم يروه، إنما روته عائشة كما ترى.

"ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من لدغة العقرب":

عن عبد الله بن مسعود قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إذ سجد فلدغته عقرب في إصبعه، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "لعن الله العقرب، ما تدع نبيا ولا غيره"، ثم دعا بإناء فيه ماء وملح فجعل يضع موضع اللدغة في الماء والملح، ويقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمعوذتين حتى سكنت، رواه ابن أبي شيبة في مسنده.

وقال ابن عبد البر: رقى صلى الله عليه وسلم من العقرب بالمعوذتين، وكان يمسح الموضع

__________

ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من لدغة العقرب:

بدال مهملة فغين معجمة، "عن عبد الله بن مسعود، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، إذ سجد، فلدغته عقرب في إصبعه، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم" بعدما أتم صلاته، إذ هو اللائق بحاله وتحمله المشاق، وهذا الإمام مالك لدغته العقرب ست عشرة مرة في درس حديثه وما قطعه، فكيف بالمصطفى في صلاته، وقد جاء في حديث علي: فلما فرغ، أي من صلاته، قال: "لعن الله العقرب" أي طرده عن الرحمة "ما تدع نبيا ولا غيره" زاد في حديث علي: "إلا لدغتهم" وهذا تعجب منها، لأن كثيرا من الحيوان يخلق فيه قوة تمييز، فمقتضى الأمر أنها لا تلدغ الأنبياء.

وفي حديث عائشة عند ابن ماجه: "لعن الله العقرب ما تدع المصلي وغير المصلي، اقتلوها في الحل والحرم".

وروى أبو يعلى عن عائشة: كان صلى الله عليه وسلم لا يرى بقتلها في الصلاة بأسا، "ثم دعا بإناء فيه ماء وملح، فجعل يضع موضع اللدغة في الماء والملح"، ويقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ، "والمعوذتين حتى سكنت" اللدغة، أي ألمها، "رواه ابن أبي شيبة في مسنده"، ورواه البيهقي والطبراني في الصغير بإسناد حسن عن علي بنحوه، لكنه قال: ثم دعا بماء وملح ومسح عليهما، وقرأ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] والمعوذتين، "و" لذا "قال ابن عبد البر: قى صلى الله عليه وسلم نفسه لما لدغ "من العقرب بالمعوذتين، وكان يمسح الموضع" الذي

بماء فيه ملح.

وهذا طب مركب من الطبيعي والإلهي، فإن سورة الإخلاص قد جمعت الأصول الثلاثة التي هي مجامع التوحيد، وفي المعوذتين الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلا. ولهذا أوصى صلى الله عليه وسلم عقبة بن عامر أن يقرأ بهما عقب كل صلاة. رواه الترمذي.

وفي هذا سر عظيم في استدفاع الشرور من الصلاة إلى الصلاة الأخرى التي تليها. وقال: "ما تعوذ المتعوذون بمثلهما".

وأما الماء والملح فهو الطب الطبيعي، فإن في الملح نفعا كثيرا من السموم ولا سيما لدغة العقرب، وفيه من القوة الجاذبة المحللة ما يجذب السموم ويحللها من البدن، ولما كان في لسعها قوة نارية تحتاج إلى تبريد وجذب استعمل صلى الله عليه وسلم الماء والملح لذلك.

__________

لدغ "بماء فيه ملح" كما في حديث علي، فليست الرقيا لغيره، "وهذا طب مركب من الطبيعي والإلهي، فإن سورة الإخلاص قد جمعت الأصول الثلاثة لتي هي مجامع التوحيد", وهي توحده في ذاته وصفاته، فلا تعدد له بحيث يكون معه إله، ولا رتكب في ذاته، لأنه من عوارض الجسم وهو محال عليه، وصمديته، أي كونه مقصودا لجميع الخلق في حوائجهم، ومستغنيا عما سواه, {إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} ، وقدمه وبقاؤه، فلم يسبق بعدم بحيث يكون متولدا عن غيره، ولا يلحقه الفناء، فلا يحتاج إلى من يخلف عنه، فهو موجود أزلا وأبدا.

"وفي المعوذتين: الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلا"، تقدم بيان ذلك في النوع الأول، "ولهذا أوصى صلى الله عليه وسلم عقبة بن عامر" الجهني، الصحابي، الفقيه، الفاضل، مات قرب الستين "أن يقرأ بهما عقب كل صلاة، رواه الترمذي" عن عقبة، "وفي هذا" أي أمره المذكور "سر عظيم في استدفاع الشرور من الصلاة إلى الصلاة الأخرى التي تليها", وظاهره، ولو حصل له عذر، كنوم منعه من الصلاة أياما، ولا مانع من ذلك، كذا قال شيخنا.

"وقال" صلى الله عليه وسلم: "ما تعوذ" أي: اعتصم "المتعوذون بمثلهما". "وأما الماء والملح، فهو الطب الطبيعي، فإن في الملح نفعا كثيرا من السموم، ولا سيما لدغة العقرب".

قال ابن سينا: يتضمد به مع بزر الكتان للسعة العقرب، "وفيه من القوة الجاذبة المحللة ما يجذب السموم ويحللها من البدن، ولما كان في لسعها" بمهملتين "قوة نارية تحتاج إلى تبريد وجذب استعمل صلى الله عليه وسلم الماء والملح لذلك" تنبيها على أن علاج السميات بالتبريد والجذب.

وفي البخاري عن عائشة: رخص صلى الله عليه وسلم في الرقية من كل ذي حمة "بضم ففتح مخففا"، أي ذي سموم.

وفي السنن عن أبي هريرة: جاء رجل فقال: يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة، فقال صلى الله عليه وسلم: "أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرك إن شاء الله".

وفي التمهيد عن سعيد بن المسيب قال: بلغني أن من قال حين يمسي: سلام على نوح في العالمين لم يلدغه عقرب، وفي تفسير القشيري عن بعض التفاسير: أن الحية والعقرب أتيا نوحا، فقالتا: احملنا، فقال: لا أحملكما، لأنكما سبب الضرر، فقالتا احملنا ونحن نضمن لك أن لا نضر أحدًا ذكرك.

"ذكر الطب من النملة":

وهي بفتح النون وإسكان الميم، قروح تخرج في الجنب، وسمي نملة لأن صاحبه يحس في مكانه كأن نملة تدب عليه وتعضه.

وفي حديث مسلم عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم رخص في الرقية من الحمة والعين والنملة.

__________

ذكر الطب من النملة:

"وهي بفتح النون وإسكان الميم قروح تخرج في الجنب" وقد تكون على غيره، قال ابن قتيبة وغيره: زعمت المجوس أن ولد الرجل من أخته إذا خط على الرمل شفي صاحبها، وفيه قال الشاعر:

ولا عيب فينا غير عرف لمعشر ... كرام وأنا لا نخط على الرمل

والنملة أيضا التميمة، وحكى الهروي: فيها الضم، والنملة بالكسر المشية المتقاربة، قاله عياض. "وسمي" هذا المرض "نملة؛ لأن صاحبه يحس" بضم الياء وكسر الحاء من أحس الشيء علم به، وبفتح الياء وضم الحاء من حس، كنصر لغة "في مكانه، كأن نملة تدب" "بكسر الدال" تسير "عليه وتعضه" "بفتح العين" في الأكثر، وحكى ابن القطاع ضمها.

"وفي حديث مسلم عن أنس: أنه صلى الله عليه وسلم رخص في الرقية من الحمة" بضم المهملة وخفة الميم" أي ذوات السموم، "والعين والنملة" أي أذن فيها بعد النهي عنها، كما أشعر به قوله: رخص لأنه صلى الله عليه وسلم كان نهى عن الرقى لما عسى أن يكون فيها من ألفاظ الجاهلية، ثم

وروى الخلال أن الشفاء بنت عبد الله كانت ترقي في الجاهلية من النملة، فلما هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكانت قد بايعته بمكة قالت: يا رسول الله إني كنت أرقي في الجاهلية من النملة، فأريد أن أعرضها عليك، فعرضتها عليه، فقالت: بسم الله ضلت حتى تعود من أفواهها ولا تضر أحدا، اللهم اكشف الباس رب الناس. قال: ترقي بها على عود سبع مرات، وتقصد مكانا نظيفا وتدلكه على حجر بخل خمر حاذق وتطليه على النملة.

__________

رخص لهم فيها إذا عريت عن ذلك.

"وروى الخلال" "بالخاء المعجمة وشد اللام" "أن الشفاء" "بكسر المعجمة وفاء خفيفة، والمد" عند ابن الأثير في الجامع، والقصر عند ابن نقطة، ورجح "بنت عبد الله" بن عبد شمس، القرشية، العدوية، قيل: اسمها ليلى أسلمت قبل الهجرة وبايعت، وهي من المهاجرات الأول وعقلاء النساء وفضلائهن وكان صلى الله عليه وسلم يزورها ويقيل عندها في بيتها، واتخذت له فراشا وإزارا ينام فيه، فلم يزل ذلك عند ولدها حتى أخذه منهم مروان وهي أم سليمان بن أبي حثمة، ولها أحاديث "كانت ترقي في الجاهلية من النملة، فلما هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم" بعد هجرته بقليل، "وكانت قد بايعته بمكة" على الإسلام، "قالت: يا رسول الله إني كنت أرقي في الجاهلية من النملة، فأريد أن أعرضها عليك".

زاد في رواية ابن منده، قال: "فاعرضيها". "فعرضتها عليه" بسكون التاء لا بضمها لقوله: "فقالت": أهو بضمها، وقولها: فقالت التفات، ويؤيده رواية ابن منده قالت: فعرضتها عليه، فقال: "ارقي بها وعلميها حفصة"، وهذه بضم التاء قطعا "بسم الله ضلت" النملة بضاد معجمة أي تاهت عن طريق قصدها "حتى تعود" ترجع "من أفواهها ولا تضر أحدا، اللهم اكشف الباس رب الناس، قال: ترقي بها" لعل هذا إخبار من الراوي عن صفة فعلها وحذف النون منه ومن تقصد؛ لأنه إخبار عن فعل المؤنثة الغائبة "على عود" زاد في رواية أبي نعيم: كريم ولعل معناه اهر نظيف "سبع مرات، وتقصد مكانا نظيفا وتدلكه على حجر بخل خمر حاذق وتطليه" "بفتح التاء وكسر اللام" "على النملة", وهذا الحديث أخرجه أبو نعيم من حديث الشفاء بتمامه، ومن قبله ابن منده، إلى قوله: ترقي ورويا أيضا عنها، قالت: دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا قاعدة عند حفصة، فقال: "ما عليك أن تعلمي هذه رقية النملة كما علمتها الكتابة".

"ذكر طبه عليه الصلاة والسلام من البثرة":

روى النسائي عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لها: "عندك ذريرة؟ " فقلت: نعم، فدعا بها فوضعها على بثرة بين أصبعين من أصابع رجله، ثم قال: "اللهم مطفئ الكبير، ومكبر الصغير، أطفئها عني". فطفئت.

__________

ذكر طبه عليه الصلاة والسلام من البثرة:

بموحدة ومثلثة، أي الخراج الصغير. "روى النسائي" من طريق عبد الله بن زيد الجرمي "عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم" هي عائشة كما في التقريب: "أنه قال لها": "عندك" بتقدير همزة الاستفهام، أي: أعندك "ذريرة". "بذال معجمة مفتوحة وراء مكسورة، فتحتية ساكنة، فراء، فهاء": نوع من الطيب معروف، كما في مقدمة الفتح.

قال الزمخشري: هي فتات قصب الطيب، وهو قصب يؤتى به من الهند، كقصب النشاب، زاد الصفاني: وأنبوبه محشوه من شيء أبيض مثل نسج العنكبوت، ومسحوقة عطر إلى الصفرة والبياض، "فقلت: نعم" عندي، "فدعا بها"، أي طلبها، "فوضعها على بثرة بين أصبعين من أصابع رجله، ثم قال: "اللهم مطفئ الكبير". "بطاء مهملة، ففاء" أي: مذهبه استعارة من أطفأت النار إذا أخمدتها، "ومكبر الصغير أطفئها" أخمدها وأذهبها "عني". "فطفئت" خمدت وذهبت.

"ذكر طبه عليه الصلاة والسلام من حرق النار":

روى النسائي عن محمد بن حاطب قال: تناولت قدرا، فأصاب كفي من مائها، فاحترق ظهر كفي، فانطلقت بي أمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "أذهب الباس رب الناس"، وأحسبه قال: و "اشف أنت الشافي" ويتفل.

__________

ذكر طبه عليه الصلاة والسلام من حرق النار:

"روى النسائي عن محمد بن حاطب" بن الحارث بن معمرة القرشي، الجمحي, صحابي صغير ولد قبل أن يصلوا إلى الحبشة، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم, وعن أمه، وعن علي، ومات سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة ست وثمانين وأبوه صحابي، مات بالحبشة، فقدمت به أمه المدينة مع أهل السفينة، "قال: تناولت قدرا" "بكسر القاف مؤنثة" وقيل: يذكر ويؤنث، "فأصاب كفي من مائها، فاحترق ظهر كفي، فانطلقت بي أمي" هي أم جميل، بفتح الجيم بنت المجلل "بجيم ولامين" القرشية، العامرية، من السابقات إلى الإسلام، وبايعت وهاجرت إلى الحبشة الهجرة الثانية.

روى الإمام أحمد عن محمد بن حاطب، عن أمه أم جميل بنت المجلل، قالت: أقبلت بك من الحبشة حتى إذا كنت من المدينة على ليلة أو ليلتين طبخت طبيخا، ففني الحطب، فذهبت أطلبه، فتناولت القدر، فانكفأت على ذراعك، فذهبت بك "إلى النبي صلى الله عليه وسلم", فقلت: يا رسول الله هذا محمد بن حاطب، وهو أول من سمي باسمك، وقد أصابه هذا الحرق، قالت: فمسح على رأسك، وتفل في فيك، ودعا لك بالبركة، فقال: "أذهب الباس رب الناس". "وأحسبه" أي أظنه "قال: "واشف أنت الشافي"، ويتفل" على موضع الحرق، والجملة حالية، أي: فقال ذلك، والحال أنه يتفل، وفي نسخة: وتفل، أي فقال, وتفل.

"ذكر طبه صلى الله عليه وسلم بالحمية":

وهي قسمان: حمية عما يجلب المرض، وحمية عما يزيده فيقف على حاله.

فالأولى: حمية الأصحاء.

والثانية: حمية المرضى، فإن المريض إذا احتمى وقف مرضه عن الزائد، وأخذت القوى في دفعه.

والأصل في الحمية قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} إلى قوله: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] فحمى المريض من استعمال الماء

__________

ذكر طبه صلى الله عليه وسلم بالحمية:

بكسر الحاء وسكون الميم، أي المنع من تناول ما يضر، "وهي قسمان: حمية عما يجلب المريض" قبل أن يأتي "وحمية عما يزيده فيقف على حاله، فالأولى حمية الأصحاء، والثانية حمية المرضى، فإن المريض إذا احتمى وقف مرضه عن الزائد" أي زيادته، "وأخذت" "بمعجمتين ففوقية" أي شرعت "القوى في دفعه" وإن قرئ: أحدث "بمهملتين فمثلثة" فمعناه: أحدث القوى شيئا، أي سببا في دفعه، ولم يذكر أن من أنواع الحمية ما يكون سببا لإزالة المرض إلا أن يؤخذ من هذا، لأنه يترتب على الحمية المانعة من زيادة المرض زواله، لكن من نفس القوى لا من خصوص الحمية، على أنه قد يقال: إنهم لا يكتفون في دفع المرض بمجرد الحمية، بل يستعملون معها أدوية لإزالته, فلذا لم يذكره.

"والأصل في الحمية قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} ، إلى قوله: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] ، فحمى المريض، أي: منعه "من استعمال الماء؛ لأنه

لأنه يضره، كما وقعت الإشارة لذلك في أوائل هذا المقصد.

وقد قال بعض فضلاء الأطباء: رأس الطب الحمية.

والحمية للصحيح عندهم في المضرة بمنزلة التخليط للمريض والناقه، وأنفع ما تكون الحمية للناقه من المرض، لأن التخليط يوجب الانتكاس، والانتكاس أصعب من ابتداء المرض.

والفاكهة تضر بالناقه من المرض، لسرعة استحالتها وضعف الطبيعة عن دفعها لعدم القوة، وفي سنن ابن ماجه عن صهيب قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه خبز وتمر، فقال: "ادن وكل". فأخذت تمرا فأكلت، فقال: "أتأكل تمرا وبك رمد"؟. فقلت: يا رسول الله أمضغ من الناحية الأخرى، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ففيه الإشارة إلى الحمية وعدم التخليط، وأن الرمد يضر به التمر.

__________

يضره، كما وقعت الإشارة لذلك في أوائل هذا المقصد"، وأنه تنبيه على الحمية من كل مؤذ له من داخل أو خارج.

"وقد قال بعض فضلاء الأطباء: رأس الطب الحمية، والحمية للصحيح عندهم" أي الأطباء "في المضرة بمنزلة التخليط للمريض والناقه" بالنون والقاف، أي الذي برئ من المرض، لكنه في عقبه، والمراد الحمية المطلقة للصحيح عن كل شيء ولو وافق مزاجه، فلا ينافي قوله أولا "حمية الأصحاء" "وأنفع ما تكون الحمية للناقه من المرض؛ لأن التخليط يوجب الانتكاس" أي معاودة المرض، "والانتكاس أصعب من ابتداء المرض"؛ لأنه يأتي على قوة، والانتكاس يأتي على ضعف، "والفاكهة تضر" "بضم الفوقية وكسر الضاد" "بالناقه من المرض، لسرعة استحالتها وضعف الطبيعة عن دفعها لعدم القوة".

"وفي سنن ابن ماجه، عن صهيب" بن سنان الرومي، "قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه خبز وتمر"، فقال: "ادن وكل"، فأخذت تمرا فأكلت، فقال: "أتأكل تمرا وبك رمد؟ " استفهام وتوبيخ، وأمره بالأكل صادق بالخبز أو علم أنه لا يضره أكل التمر، وإنما قصد المباسطة بالاسفهام، "فقلت: يا رسول لله أمضغ من الناحية الأخرى" أي ناحية العين التي لا رمد فيها، لأنه كان بإحدى عينيه، "فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم" تعجبا؛ لأنه لا يفيده المضغ من تلك الناحية في دفع ضرره إن كان يضره، وهذا الحديث بعزوه قدمه المصنف في النوع الثاني استدلالا على طبه للمرض، وأعاده هنا لقوله: "ففيه الإشارة إلى الحمية وعدم التخليط، وأن الرمد يضر به

وعن أم المنذر بنت قيس الأنصارية قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي، وهو ناقه من مرض، ولنا دوال معلقة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منها، وقام علي يأكل منها، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعلي: "إنك ناقه"، حتى كف. قالت: وصنعت شعيرا وسلقا فجئت به فقال صلى الله عليه وسلم لعلي: "من هذا فأصب فإنه أنفع لك"، رواه ابن ماجه.

وإنما منعه صلى الله عليه وسلم من أكله من الدوالي لأن في الفاكهة نوع ثقل على المعدة، ولم يمنعه من السلق والشعير لأنه من أنفع الأغذية للناقه، ففي ماء الشعير التغذية والتلطيف والتليين وتقوية الطبيعة.

فالحمية من أكبر الأدوية للناقه قبل زوال الداء لكي تمنع تزايده وانتشاره.

وقال ابن القيم: ومما ينبغي أن يعلم أن كثيرا مما يحمى منه العليل والناقه والصحيح إذا اشتدت الشهوة إليه، ومالت إليه الطبيعة، فتناول منه الشيء اليسير الذي لا تعجز الطبيعة عن هضمه لم يضره تناوله، بل ربما انتفع به، فإن الطبيعة والمعدة تتلقيانه بالقبول والمحبة، فيصلحان ما يخشى من ضرره، وقد يكون أنفع

__________

التمر" لحرارته، فيقوى الرمد، "وعن أم المنذر بنت قيس" بن عمرو "الأنصارية" من بني النجار، يقال اسمها سلمى، وضعفه في الإصابة، "قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي" ابن عمه، "وهو ناقه من مرض" كان به، "ولنا دوال" أشجر عنب "معلقة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منها، وقام علي يأكل منها، فطفق"، أي شر "النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعلي: "إنك ناقه" حتى كف" عن الأكل، "قالت" أم المنذر: "وصنعت شعيرا وسلقا" "بكسر السين وإسكان اللام "بقل معروف، فجئت به، فقال صلى الله عليه وسلم لعلي: "من هذا فأصب، فإنه أنفع لك" , وفي رواية أبي داود: فإنه أوفق لك، "رواه ابن ماجه" وأبو داود والترمذي، وقال: حسن غريب، "وإنما منعه صلى الله عليه وسلم من أكله من الدوالي، لأن في الفاكهة نوع ثقل على المعدة" فلا تتحمله معدة الناقه، "ولم يمنعه من السلق والشعير؛ لأنه من أنفع الأغذية للناقة، ففي ماء الشعير التغذية والتلطيف والتليين وتقوية الطبيعة", والسلق يجلو ويحلل ويلين ويفتح السدد ويسر النفس، "فالحمية من أكبر الأدوية للناقه قبل زوال الداء" عنه، "لكي تمنع تزايده وانتشاره" فيه.

"وقال ابن القيم: ومما ينبغي أن يعلم أن كثيرا مما يحمى منه العليل والناقه والصحيح إذا اشتدت الشهوة إليه ومالت إليه الطبيعة، فتناول منه الشيء اليسير الذي لا تعجز الطبيعة عن هضمه،" أي دفعه "لم يضره تناوله، بل ربما انتفع به، فإن الطبيعة والمعدة

من تناول ما تكرهه الطبيعة وتدفعه من الدواء, ولهذا أقر النبي صلى الله عليه وسلم صهيبا وهو أرمد على تناول التمرات اليسيرة وعلم أنها لا تضره. ففي هذا الحديث -يعني حديث صهيب- سر طبي لطيف، فإن المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوع صادق وكان فيه ضرر ما، كان أنفع وأقل ضررا مما لا يشتهيه وإن كان نافعا في نفسه. فإن صدق شهوته ومحبة الطبيعة له تدفع ضرره، وكذلك العكس.

__________

تتلقيانه بالقبول" "بفتح القاف وضمها لغة" "والمحبة، فيصلحان ما يخشى من ضرره، وقد يكون أنفع من تناول ما تكرهه الطبيعة وتدفعه من الدواء" وهذا معلوم بالمشاهدة، "ولهذ أقر النبي صلى الله عليه وسلم صهيبا، وهو أرمد على تناول", أي: أكل "التمرات اليسيرة، وعلم أنها لا تضره" لاشتداد شهوته إليها.

"ففي هذا الحديث يعني حديث صهيب سر طبي لطيف، فإن المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوع صادق، وكان فيه ضرر ما، أي: قليل، "كان أنفع وأقل ضررا مما لا يشتهيه، وإن كان نافعا في نفسه، فإن صدق شهوته ومحبة الطبيعة له تدفع ضرره، وكذلك بالعكس" وبهذا التوجيه الوجيه علم أنه لا حاجة إلى قول من قال: "هذا مبني على التوكل، وأنه تعالى هو الشافي، وقد روى ابن ماجه عن ابن عباس، قال: عاد النبي صلى الله عليه وسلم رجلا، فقال: "ما تشتهي"، قال: خبز بر، فقال: "من كان عنده خبز بر فليبعث إلى أخيه" ثم قال: "إذا اشتهى مريض أحدكم شيئا فليطعمه".

"ذكر حمية المريض من الماء":

عن قتادة بن النعمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أحب الله العبد حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء". قال الترمذي: حديث حسن غريب.

__________

ذكر حمية المريض من الماء:

"عن قتادة بن النعمان" بن زيد بن عامر الأنصاري الظفري "بمعجمة وفاء مفتوحتين"، شهد بدرا ومات سنة ثلاث وعشرين على الصحيح، "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال: "إذا أحب الله العبد" , وفي رواية: "عبدا" بالتنكير "أحماه" وفي رواية: "حماه" بدون ألف، أي منعه "الدنيا" أي حال بينه وبين شهواتها، ووقاه أن يتلوث بزهرتها؛ لئلا يمرض قلبه بداء محبتها وممارستها، ويألفها ويكره الآخرة، "كما يظل" أي يستمر "أحدكم يحمي" يمنع "سقيمه الماء" أي شربه إذا كان يضره، فهو سبحانه يزوي الدنيا عمن أحبه حتى لا يتدنس بها وبقذارتها، ولا يشرق بغصصها، كيف وهي للكبار مؤذية، وللخواص داعية، وللعارفين شاغلة، وللمريدين حائلة، ولعامة

وروى الحميدي مرفوعا: "لو أن الناس أقلوا من شرب الماء لاستقامت أبدانهم".

وللطبراني في الأوسط عن أبي سعيد مرفوعا: "من شرب الماء على الريق انتقصت قوته". وفيه محمد بن مخلد الرعيني، وهو ضعيف.

__________

المؤمنين قاطعة، والله لأوليائه ناصر ولهم منها حافظ، وإن أرادوها.

"قال الترمذي" بعد أن رواه: "حديث حسن غريب"، ورواه الحاكم وصححه، وأقره الذهبي، "وروى الحميدي مرفوعا: "لو أن الناس" حتى الأصحاء "أقلوا من شرب الماء لاستقامت أبدانهم" صلحت وحسنت، وللماء حالة مشهورة في الحماية عند الأطباء، بل هو منهي عنه للصحيح أيضا إلا بأقل ممكن، فإنه يبلد الخاطر ويضعف المعدة، فلذا نبه على التقلل منه.

"وللطبراني في الأوسط عن أبي سعيد" الخدري سعد بن مالك بن سنان، مرفوعا: "من شرب الماء على الريق انتقصت" لغة في نقصت "قوته" أي: ذهب منها شيء، "وفيه محمد بن مخلد الرعيني" بضم الراء وعين مهملة ونون" نسبة إلى ذي رعين من أقيال اليمن، "وهو ضعيف" لكن ليس هذا من أحاديث الأحكام.

"ذكر طبه صلى الله عليه وسلم بالحمية من الماء المشمس خوف البرص":

روى الدارقطني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لا تغتسلوا بالماء المشمس فإنه يورث البرص.

وروى الدارقطني هذا المعنى مرفوعا من حديث عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ضعيف.

__________

ذكر طبه:

وفي نسخة: أمره "صلى الله عليه وسلم بالحمية من الماء المشمس خوف البرص", أي ما سخنته الشمس.

"روى الدارقطني" بإسناد صحيح "عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: لا تغتسلوا بالماء المشمس، فإنه يورث البرص،" لأن الشمس بحدتها تفصل منه زهومة تعلو الماء كالهباء، فإذا لاقت البدن بسخونتها قبضت على مسام الشعر، فيحدث منها البرص، والظاهر أن عمر قاله توقيفا إذ لا مجال للرأي فيه، قاله في الإيعاب.

"وروى الدارقطني هذا المعنى مرفوعا من حديث عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو" أي عامر الذي في سنده "ضعيف", فلا حجة فيه، لكن تأيد بخبر عمر الموقوف عليه، ولفظ

وكذا خرج العقيلي نحوه عن أنس بن مالك، ورواه الشافعي عن عمر.

فعلى هذا يكره استعمال الماء المشمس شرعا خوف البرص، لكنهم اشترطوا شروطا: أن يكون في البلاد الحارة، والأوقات الحارة دون الباردة، وفي الأواني المنطبعة على الأصح دون الحجر والخشب ونحوهما, واستثنى النقدان لصفائهما. وقال الجويني بالتسوية، حكاه ابن الصلاح. ولا يكره المشمس في الحياض والبرك قطعا، وأن يكون الاستعمال في البدن لا في الثوب، وأن يكون مستعملا حال حرارته، فلو برد زالت الكراهة في الأصح في الروضة وصحح في الشرح الصغير عدم الزوال. واشترط صاحب التهذيب -كما قاله الجبلي- أن يكون

__________

الحديث عند الدارقطني وأبي نعيم، عن عائشة أنها سخنت للنبي صلى الله عليه وسلم، ماء في الشمس، فقال: "لا تفعلي يا حميراء، فإنه يورث البرص".

"وكذا خرج العقيلي نحوه عن أنس بن مالك، ورواه الشافعي عن عمر" بن الخطاب موقوفا عليه، كرواية الدارقطني المبدأ بها، "فعلى هذا يكره" تنزيها "استعمال الماء المشمس، شرعا" لا طبا "خوف البرص، لكنهم", أي القائلين بالكراهية "اشترطوا شروطا أن يكون" استعمال ذلك "في البلاد والأوقات الحارة" كالحجاز في الصيف "دون الباردة" كالشام والحجاز في الشتاء "و" أن يكون التشميس "في الأواني المنطبعة" أي التي تقبل الطبع، بأن تتأثر وتمتد تحت المطرقة في يد الصائغ، كحديد ونحاس "على الأصح دون الحجر والخشب، ونحوهما" الخزف والجلود لانتفاء الزهومة المتولد عنها برص، "واستنثى النقدان" أي أخرج المتقدمون، وجرى عليه في أصل الروضة من ذلك الذهب والفضة "لصفائهما" أي صفاء جوهرهما، فلا ينفصل عنهما شيء.

"وقال الجويني بالتسوية" بين النقدين وغيرهما في الكراهة "حكاه ابن الصلاح" وغيره، والمعتمد الأول، "ولا يكره المشمس في الحياض والبرك قطع" لفقد العلة، "وأن يكون الاستعمال في البدن", اغتسالا، أو وضوءا أو شربا "لا في الثوب", فلا يكره لبسه إذا غسل بماء مشمس قال في الإيعاب: إلا إن مس البدن، وهو رطب أخذا من قول الاستقصاء: لا معنى لاختصاصه بالبدن دون الثوب الذي هو لابسه، لأنه يصل أثر للبدن في حال لبسه رطبا، أو مع العرق. انتهى.

"وأن يكون" المشمس "مستعملا حال حرارته، فلو برد" بفتح الراء وضمها" قال المجد: كنصر وكرم، أي زالت حرارته، "زالت الكراهة في الأصح" عند النووي "في الروضة، وصحح" الرافعي "في الشرح الصغير" على وجيز الغزالي "عدم الزوال" لأن العلة انفصال شيء

رأس الإناء منسدا لتنجس الحرارة، وفي شرح المهذب أنها شرعية يثاب تاركها وقال في شرح التنبيه: إن اعتبرنا القصد فشرعية وإلا فإرشادية، وإذا قلنا بالكراهة فكراهة تنزيه لا تمنع صحة الطهارة. وقال الطبري: إن خاف الأذى حرم، وقال ابن عبد السلام: لو لم يجد غيره وجب استعماله، واختار النووي في الروضة عدم الكراهة مطلقا، وحكاه الروياني في البحر عن النص.

__________

من أجزاء الإناء المورثة للبرص باقية، ورد بأن محل كونها تورثه إذا استعمل حارا، فإن زالت فلا قوة لها على الوصول للمسام، فلا يخاف منها تولد برص، كما شهدت بذلك قواعد الطب أنه إذا برد زال ضرره "واشترط صاحب التهذيب، كما قاله الجبلي" "بجيم وتحتية" "أن يكون رأس الإناء" أي أعلاه وفمه "منسدا" أي مغطى "لتنحبس الحرارة" فإن كان مكشوفا لم يكره لعدم انحباسها، والراجح عدم اشتراط ذلك، بل قال في نهاية المحتاج: يكره إذا كان الإناء مغطى حيث أثرت فيه الشمس السخونة، بحيث تنفصل من الإناء أجزاء سمية تؤثر في البدن، لا مجرد انتقاله من حالة إلى أخرى، وإن كان المكشوف أشد كراهة لشدة تأثيرها فيه.

"وفي شرح المهذب" للنووي نقلا عن الأصحاب. ورجحه: "أنها" أي كراهة المشمس "شرعية يثاب تاركها" ولا يعاقب فاعلها، خلافا لما اختاره ابن الصلاح، تبعا للغزالي أنها إرشادية لمصلحة دنيوية، لا يتعلق بتركها الثواب، كالأمر بالإشهاد عند التبايع.

"وقال" النووي "في شرح التنبيه: إن اعتبرنا القصد", أي إن قصد تارك امتثال نهي الشارع "فشرعية، وإلا" يقصد ذلك، بل خاف ضرره، "فإرشادية" لا ثواب فيها، قال السبكي: التحقيق إن فاعل الإرشاد لمجرد غرضه لا يثاب، ولمجرد الامتثال يثاب، ولهما يثاب ثوابا أنقص من ثواب من محض قصد الامتثال، "وإذا قلنا بالكراهة، فكراهة تنزيه لا تمنع صحة الطهارة" بل تصح به اتفاقا، لأن كراهته ليست ذاتية.

"وقال الطبري: إن خاف الأذى" منه بتجربة من نفسه، أو إخبار طبيب عارف "حرم" عليه استعماله.

"وقال" عز الدين "بن عبد السلام: لو لم يجد غيره وجب استعماله"؛ لأنه قادر على طهور بيقين، وضرر استعماله غير محقق ولا مظنون، إلا في جنسه على ندور، فلا يباح له التيمم مع وجوده إلا لخوف ضرر، كالتيمم فيجوز.

"واختار النووي في الروضة" من حيث الدليل لا المذهب "عدم الكراهة مطلقا" وإن وجدت فيه الشروط، وقال في تنقيحه: إنه الأصح، وفي مجموعه: إن الصواب الموافق للدليل، ولنص الأم حيث قال فيها: لا أكرهه إلا أن يكون من جهة الطب.

قال الرافعي: أي أكرهه شرعا حيث يقتضي الطب محذور فيه، "وحكاه الروياني في البحر عن النص", أي نص الإمام الشافعي، وإليه ذهب أكثر العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة، لكن اختار المتأخرون من المالكية، كالقاضي سند كراهته بالشروط، وأنها شرعية, والله أعلم.

"ذكر الحمية من طعام البخلاء":

عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "طعام البخيل داء وطعام الأسخياء شفاء". رواه التنيسي عن مالك في غير الموطأ، كما ذكره عبد الحق في الأحكام.

__________

ذكر الحمية من طعام البخلاء:

جمع بخيل، وهو لغة: منع السائل مما يفضل عنه، وشرعا: منع الواجب، "عند عبد الله بن عمر" بن الخطاب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "طعام البخيل" أعم من اللغوي والشرعي "داء" لأنه يطعم الضيف مع ثقل وتضجر وعدم طيب نفس، ولذا قيل: إنه يظلم القلب، "وطعام الأسخياء" جمع سخي، وهو الجواد الكريم "شفاء" وفي رواية: "دواء" وعبر بالمفرد في البخيل إشارة إلى حقارة البخل وأهله، وأنهم وإن كثروا فهم في الحقارة، وعدم النظر إليهم كالعدم، وفي الثاني بالجمع إشارة إلى أنهم في غاية العزة والشرف، فالواحد منهم يقوم مقام الكثير.

نعم في رواية الخطيب: "طعام السخي دواء" أو قال: "شفاء وطعام الشحيح داء" وفي لفظ: "طعام الكريم"، وفي آخر: "طعام الجواد" "رواه" عبد الله بن يوسف "التنيسي" "بكسر الفوقية والنون المشددة بعدها تحتية ثم مهملة" نسبة إلى تنيس بلد قرب دمياط -بناها تنيس بن حام بن نوح- أبو محمد الكلاعي، أصله من دمشق، ثقة، متقن، من أثبت الناس في الموطأ، ولذا اعتمده البخاري فرواه عنه، مات سنة ثمان عشرة ومائتين، "عن مالك", عن نافع، عن ابن عمر "في غير الموطأ، كما ذكره عبد الحق في" كتاب "الأحكام" ولم ينفرد به التنيسي، بل تابعه روح بن عبادة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر.

أخرجه الدارقطني في غرائب مالك والخطيب في "المؤتلف" وفي كتاب "البخلاء" والديلمي والحاكم، وأبو علي الصدقي في عواليه، وابن عدي في كامله، لكنه قال: إنه بطل عن مالك فيه مجاهيل وضعفاء، ولا يثبت، وقال الذهبي: إنه كذب، لكن قال الحافظ الزين العراقي: رجاله ثقات، أئمة، قال ابن القطان: وإنهم لمشاهير ثقات إلا مقدام بن داود، فإن أهل مصر تكلموا فيه، وحاصل هذا أنه حديث ضعيف، وبه يصرح قول ختام الحفاظ العسقلاني حديث منكر. انتهى، والمنكر من أقسام الضعيف.

"ذكر الحمية من داء الكسل":

روى أبو داود في المراسيل عن يونس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه رآه مضطجعا في الشم



كلمات دليلية: