المعاهدة مع اليهود وإسلام عبد الله بن سلام 1هـ

المعاهدة مع اليهود وإسلام عبد الله بن سلام 1هـ

بعد أن أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دعائم المجتمع الإسلامي الجديد، شرع صلى الله عليه وسلم في تنظيم علاقاته بغير المسلمين، فوادع رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن بالمدينة مِن اليهود، وكتب بينه وبينهم كتابًا.

وكان مما كتبه النبي صلى الله عليه وسلم في المعاهدة أن ترك لهم مطلق الحرية في الدين والمال، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وإن النصر للمظلوم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن عليهم النصر على من دَهَم يثرب، وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة[ السيرة النبوية لابن هشام].

وقد اعترف اليهود بموجب بنود هذه الاتفاقية بوجود سلطة قضائية عليا متمثلة في الرسول صلّى الله عليه وسلّم يرجع إليها سائر المواطنين في المدينة بما فيهم اليهود في حالات حصول الشجار والاختلاف بينهم وبين المسلمين،وقد منعت الوثيقة اليهود من إجارة قريش أو نصرها، وكان الهدف من ذلك هو ضمان حرية   المسلمين في التعرض لتجارة قريش التي كانت تمر غربي المدينة في طريقها من الشام وإليها. ويمكن اعتبار هذا البند ضمانة لمنع احتمال حصول خلاف حول ذلك مع اليهود في المدينة.

وقد امتدت المعاهدة لتشمل حلفاء الطرفين؛ إذ اشترطت المعاهدة على كل من الطرفين مصالحة حلفاء الطرف الآخر، باستثناء من حارب في الدين، وذلك لأن المسلمين كانوا في حالة حرب دائمة معهم. ومن الواضح أن المقصود من ذلك هو التأكيد على استثناء قريش من المصالحة .

وفي الختام تضمنت الوثيقة مبدأ عامًا في تحمل المسئولية الكاملة عن الظلم والجريمة لمرتكبيها بغض النظر عن بنود هذه الاتفاقية، وإعلانا عامّا بالأمن والسلام لمن خرج من المدينة ولمن بقي فيها باستثناء المجرمين.

وبإبرام هذه المعاهدة صارت المدينة وضواحيها دولة وفاقية، عاصمتها المدينة ورئيسها- إن صح هذا التعبير- رسول الله صلّى الله عليه وسلم، والكلمة النافذة والسلطان الغالب فيها للمسلمين، وبذلك أصبحت المدينة مركزًا لانطلاق الدعوة الإسلامية،وعاصمة حقيقية للإسلام.

ولتوسيع منطقة الأمن والسلام عاهد النبي صلّى الله عليه وسلم قبائل أخرى في المستقبل بمثل هذه المعاهدة، حسب الظروف.[الرحيق المختوم،نضرة النعيم، بتصرف]

وبادر جد اليهود وعالمهم عبد الله بن سلام، فدخل في الإسلام، وأبى عامتهم إلا الكفر، وذلك أن عبد الله بن سلام لما سمع بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، جاءه وألقى إليه أسئلة لا يعلمها إلا نبي.

يقول عبد الله بن سلام عند رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم: «فلما تبيَّنتُ وجهَه عرفتُ أنه ليس بوجه كذَّاب»، ولما سمع ردوده صلى الله عليه وسلم عليها آمن به ساعته ومكانه، ثم قال له: «إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ بَهَتُونِي عِنْدَكَ. فَجَاءَتْ الْيَهُودُ وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ الْبَيْتَ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟» قَالُوا:«أَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا، وَأَخْبَرُنَا وَابْنُ أَخْيَرِنَا». فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ؟» قَالُوا: «أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ! فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ» فَقَالَ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ». فَقَالُوا: «شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا، وَوَقَعُوا فِيهِ» 

(رواه البخاري). وفي لفظ: «يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، اتَّقُوا اللَّهَ، فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ جَاءَ بِحَقٍّ. فَقَالُوا: كَذَبْتَ!» (رواه البخاري).