المسلمون الأوائل_12977

المسلمون الأوائل


ذكر أول من آمن بالله ورسوله

:

"وكان أول" بالنصب "من آمن بالله وصدق" عطف تفسير، فالإيمان التصديق، "صديقة" بالرفع اسم كان ويجوز عكسه، الأول أولى إذ المجهول الأولية وأضافها لقوله: "النساء" أي: الدائمة الصدق منهن مع اختصاص الصديقة بالنساء دفعًا لتوهم أنها صديقة الأمة فيوهم تميزها على أبي بكر، "خديجة" قاله ابن إسحاق وموسى بن عقبة والواقدي والأموي وغيرهم، قال النووي: عند جماعة من المحققين، وحكى الثعلبي وابن عبد البر والسهيلي عليه الاتفاق.

وقال ابن الأثير؛ لم يتقدمها رجل ولا امرأة بإجماع المسلمين، "فقامت بأعباء" أي: بالمشاق التي يطلب تحملها وفاء بحقوق "الصديقية" والأعباء في الأصل: الثقل، فشبه الأحوال بها مبالغة ودليل قيامها بتلك الحقوق أنه "قال لها عليه الصلاة واللام" لما رجع يرجف فؤاده بعد مجيء جبريل له: "خشيت على نفسي". فقالت له: أبشر. بهمزة قطع "فوالله لا يخزيك الله أبدًا، ثم استدلت" على ذلك "بما فيه من الصفات" الحميدة كقرى الضيف وحمل الكل، "والأخلاق" الزكية المرضية، أي: الملكات الحاملة على الأفعال الحسنة، "والشيم" بمعنى الأخلاق، فالعطف مساوٍ وعطفهما على الصفات عطف سبب على مسبب، "على أن من كان كذلك لا يخزى أبدًا" وهو من بديع علمها وقوة عارضتها.

قال ابن إسحاق: وآزرته على أمره فخفف الله بذلك عنه، فكان لا يسمع شيئًا يكرهه من رد وتكذيب إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها تثبته وتخفف عنه وتصدقه وتهون عليه أمر الناس، ولهذا السبق وحسن المعروف جزاها الله سبحانه فبعث جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بغار حراء كما في رواية الطبراني، وقال له: "اقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب"؛ كما في الصحيح.

وفي الطبراني: فقالت هو السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام. وفي النسائي: وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته، وهذا من وفور رفقها حيث جعلت مكان رد السلام على الله الثناء عليه، ثم غايرت بين ما يليق به وما يليق بغيره. قال ابن هشام: والقصب هنا اللؤلؤ المجوف، وأبدى السهيلي لنفي الصخب والنصب لطيفة هي أنه صلى الله عليه وسلم ما عاد إلى الإيمان أجابت طوعًا ولم تحوجه لرفع صوت ولا منازعة ولا نصب، بل أزالت عنه كل تعب وآنسته من كل وحشة وهونت عليه كل عسير، فناسب أن تكون منزلتها التي بشرها بها وبها بالصفة المقابلة لفعلها وصورة حالها رضي الله عنها، واقرأ السلام من ربها خصوصية لم تكن لسواها ولم تسؤه صلى الله عليه وسلم قط، ولم تغاضبه وجازاها فلم يتزوج عليها مدة حياتها وبلغت منه ما لم تبلغه امرأة قط من زوجاته.

وكان أول ذكر آمن بعدها صديق الأمة، وأسبقها إلى الإسلام أبو بكر، فآزره في الله. وعن ابن عباس أنه أول الناس إسلامًا، واستشهد بقول حسان بن ثابت:

إذا تذكرت شجوى من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

خير البرية أتقاها وأعدلها ... بعد النبي.............

__________

"وكان أول" بالنصب والرفع على ما مر رجل "ذكر آمن بعدها صديق الأمة" لسبقه بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم، وروى الطبراني برجال ثقات: أن عليًا كان يحلف بالله أن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق وحكمه الرفع فلا مدخل فيه للرأي، وقيل: كان ابتداء تسميته بذلك صبيحة الإسراء، "وأسبقها" أي: الأمة بعد خديجة "إلى الإسلام أبو بكر" بدل أو عطف بيان لصديق على أنه اسم كان، وعلى أنه خبرها فهو خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو أبو بكر عبد الله بن عثمان أبي قحافة على المشهور، ويقال: كان اسمه قبل الإسلام عبد الكعبة، قاله الفتح.

وفي جامع الأصول يقال: كان اسمه في الجاهلية عبد رب الكعبة، فغيره صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله، وينافيه ما روى ابن عساكر عن عائشة أن اسمه الذي سماه به أهله عبد الله ولكن غلب عليه اسم عتيق، إلا أن يكون سمي بهما حين الولادة، لكن اشتهر في الجاهلية بذاك وفي الإسلام بعبد الله، فمعنى سماه النبي صلى الله عليه وسلم قصر اسمه على عبد الله.

قال في الفتح: وكان يسمى أيضًا عتيقًا واختلف في أنه اسم أصلي له، أو لأنه ليس في نسبة ما يعاب به أو لقدمه في الخبر ولسبقه إلى الإسلام، أو لحسنه، أو لأن أمه استقبلت به البيت، وقالت: اللهم هذا عتيقك من الموت؛ لأنه كان لا يعيش لها ولد، أو لأن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بأن الله أعتقه من النار؛ كما في حديث عائشة عند الترمذي، وصححه ابن حبان، انتهى. قال الزمخشري: ولعله كني بأبي بكر لابتكاره الخصال الحميدة، انتهى. ولم أقف على من كناه به هل المصطفى أو غيره.

"فآزره" بالهمز، أي: واساه وعاونه، وبالواو شاذ؛ كما في القاموس. "في" نصر دين "الله" بنفسه وماله، "وعن ابن عباس: أنه أول الناس إسلامًا، واستشهد" ابن عباس، وفي لفظ: وتمثل، "يقول حسان بن ثابت" الأنصاري "إذا تذكرت شجوًا" أي: همًا وحزنًا يريد ما كابده أبو بكر، فأطلق عليه شجوًا لاقتضائه ذلك، أو أراد حزنه مما حرى على المصطفى "من أخي ثقة" أي: صديق أو صاحب ائتمان، والمعنى: إذا تذكرت من يقتدي به في تحمل المشاق القلبية والبدنية لأجل صديقه، "فاذكر أخاك أبو بكر بما فعلا" صلة اذكر، وما مصدرية، أي: تذكر بفعله الجميل "خير البرية" بالنصب بدل من "أبا بكر" أو صفة له "أتقاها" صفة بعد صفة والعاطف مقدم، "وأعدلها بعد النبي" تنازعه خير البرية وما عطف عليه وأل للعهد وهو المصطفى، فالمراد بالبرية

........................... ... ......... وأوفاها بما حملا

والثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس قدمًا صدق الرسلا

رواه أبو عمر.

__________

أمته، وبالبعدية في رتبة الفضل لا الزمانية، فإن خيريته وما بعدها كان ثابتًا في حياته صلى الله عليه وسلم، هكذا نبهنا عليه شيخنا العلامة البابلي لما قرأ قول البخاري باب فضل أبي بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم، أو أل للاستغراق فالمراد بها من عدا الأنبياء.

"وأوفاها" اسم تفضيل من وفى بالعهد، أي: أحفظها "بما حملا" أي: بالذي حمله عنه عليه السلام من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بحقوق الله وآدابه، وعطف على خير، قوله: "والثاني" للنبي صلى الله عليه وسلم في الغار و"التالي" التابع له باذلا نفسه مفارقًا أهله وماله ورئاسته في طاعة الله ورسوله وملازمته ومعاديًا للناس فيه جاعلا نفسه وقاية عنه، وغير ذلك من سيره الحميدة التي لا تحصى، بحيث قال صلى الله عليه وسلم: "إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر"، وقال: "ما أحد أعظم عندي يدًا من أبي بكر، واساني بنفسه وماله"، رواه الطبراني. وقال: "إن أعظم الناس علينا منًّا أبو بكر زوني ابنته وواساني بنفسه" رواه ابن عساكر.

وقال الشعبي: عاتب الله أهل الأرض جميعًا في هذه الآية، أي آية: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ} [التوبة: 40] ، غير أبي بكر، وقد جوزي بصحبة الغار الصحبة على الحوض؛ كما في حديث ابن عمر رفعه: "أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار" فيا نعم الجزاء "المحمود مشهده" بفتح الهاء، أي: الممدوح مكان حضوره من الناس؛ لأنه كما قال ابن إسحاق: كان رجلا مؤلفًا لقومه محببًا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش وأعلمهم بها، وبما كان فيها من خير وشر، وكان تاجرًا ذا خلق حسن ومعروف، وكان رجال من قومه يأتونه ويألفونه لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعائه جماعة عدهم كما يأتي.

"وأول الناس قدمًا" بكسر القاف وسكون الدال تخفيفًا، وأصلها الفتح، أي: قديمًا، أو بضم القاف وسكون الدال، أي: تقدمًا، وهو معمول لقوله: "صدق الرسلا" بالجمع؛ لأن تصديقه تصديق لجميعهم؛ كما في نحو: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 105] ، وفي نسخة منهم بذل قدمًا، أي: حال كونه معدودًا منهم لمهماتهم فصرح بأنه أول من بادر لتصديق المرسلين، وهو محل الاستشهاد من الأبيات والألف في آخر كل منها للإطلاق، وهو إشباع حركة الروي فيتولد منها حرف مجانس لها. "رواه أبو عمر" بن عبد البر، وكذا الطبراني في الكبير.

وممن وافق ابن عباس وحسانا على أن الصديق أول الناس إسلامًا، أسماء بنت أبي بكر، والنخعي وابن الماجشون ومحمد بن المنكدر والأخنس.

__________

وروى الترمذي عن أبي سعيد، قال: أبو بكر: ألست أول من أسلم "وممن وافق ابن عباس وحسانًا" بالصرف ومنعه على أنه من الحسن أو الحسن، قال الجوهري، لكن قال ابن مالك: المسموع فيه منع الصرف. "على أن الصديق أول الناس إسلامًا أسماء بنت أبي بكر" ذات النطاقين زوج الزبير المتوفاة بمكة سنة ثلاث وسبعين، وقد بلغت المائة ولم يسقط لها سن، ولم يتغير لها عقل.

"و" إبراهيم بن يزيد بن قيس "النخعي" بفتح النون والخاء المعجمة نسبة إلى النخع قبيلة الكوفي الفقيه الحافظ التابعي الوسط المتوفى وهو مختف من الحجاج سنة ست وتسعين، "وابن الماجشون" بفتح الجيم وكسرها وضم الشين، لفظ: فارسي لقب به؛ لأنه تعلق من الفارسية بكلمة: إذ لقي الرجل يقول: شوني شوني، قاله الإمام أحمد، أو لأنه لما نزل المدينة كان يلقى الناس ويقول: جوني جوني، قاله ابن أبي خيثمة أو لحمرة وجنتيه، سمي بالفارسية المايكون فعربه أهل المدينة بذلك، قاله الحربي.

وقال الغساني: هو بالفارسية الماهكون فعرب، ومعناه: المورود، ويقال: الأبيض الأحمر. وقال الدارقطني: لحمرة وجهه، ويقال: أن سكينة بالتصغير بنت الحسين بن علي لقبته بذلك، وقال البخاري في تاريخه الأوسط: الماجشون هو يعقوب بن أبي سلمة أخو عبد الله، فجرى على بنيه وبني أخيه.

"ومحمد بن المنكدر" بن عبد الله التيمي التابعي الصغير كثير الحديث عن أبيه، وجابر وابن عمر وابن عباس وأبي أيوب وأبي هريرة وعائشة وخلق، وعنه الزهري ومالك وأبو حنيفة وشعبة والسفيانان، قال ابن عيينة: كان من معادن الصدق ويجتمع إليه الصالحون، مات سنة ثلاثين، وقيل: إحدى وثلاثين ومائة.

"والأخنس" بفتح الهمزة وخاء معجمة ساكنة ونون مفتوحة وسين مهملة، ابن شريق بفتح المعجمة وكسر الراء وتحتية وقاف الثقفي، واسم الأخنس أبي حليف بني زهرة صحابي من مسلمة الفتح، وشهد حنينًا وأعطي مع المؤلفة وتوفي أول خلافة عمر، ذكره الطبري وابن شاهين هذا على ما في النسخ.

والذي عند البغوي بدله والشعبي، وكذا رواه عنه في المستدرك ووقوع إسلام الصديق عقب خديجة؛ لأنه كان يتوقع ظهور نبوته عليه السلام لما سمعه من ورقة، وكان يومًا عند حكيم بن حزام إذ جاءت مولاة له، فقالت: إن عمتك خديجة تزعم في هذا اليوم أن زوجها نبي

.............................................

__________

مرسل مثل موسى، فانسل أبو بكر حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم.

وروى ابن إسحاق بلاغًا: ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة ونظر وتردد، إلا ما كان من أبي بكر ما عكم عنه حين ذكرت له، قال ابن هشام قوله: ما عكم، أي: تلبث. قال في الروض: وكان من أسباب توفيق الله له أنه رأى القمر نزل مكة ثم تفرق على جميع منازلها وبيوتها فدخل في كل بيت منه شعبة، ثم كان جمعه في حجرة فقصها على بعض الكتابيين فعبرها له بأن النبي المنتظر الذي قد أطل زمانه يتبعه ويكون أسعد الناس به، فلما دعاه صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام لم يتوقف.

وذكر ابن الأثير في أسد الغابة وابن ظفر في البشر عن ابن مسعود: أن أبا بكر خرج إلى اليمن قبل البعثة، قال: فنزلت على شيخ قد قرأ الكتب وعلم من علم الناس كثيرًا, فقال: أحسبك حرميًا؟ قلت: نعم، وأحسبك قرشيًا؟ قلت: نعم، وأحسبك تيميًا؟ قلت: نعم، قال: بقيت لي فيك واحدة، قلت: وما هي؟ قال: تكشف لي عن بطنك، قلت: لا أفعل، أو تخبرني لم ذاك، قال: أجد في العلم الصحيح الصادق أن نبيًا يبعث في الحرم يعاونه على أمره فتى وكهل، أما الفتى فخواض غمرات ودفاع معضلات، وأما الكهل فأبيض نحيف على بطنه شامة وعلى فخذه اليسرى علامة، وما عليك إلا أن تريني ما سألتك، فقد تكاملت لي فيك الصفة إلا ما خفي علي، فكشفت له بطني فرأى شامة سوداء فوق سرتي، فقال: أنت هو ورب الكعبة! وإني متقدم إليك في أمره، قلت: وما هو؟ قال: إياك والميل عن الهدى وتمسك بالطريق الوسطى، وخف الله فيما خولك وأطاك فقضيت باليمن أربي، ثم أتيت الشيخ لأودعه، فقال: أحامل أنت مني أبياتًا إلى ذلك النبي؟ قلت: نعم، فذكر أبياتًا، فقدمت مكة، وقد بعث صلى الله عليه وسلم فجاءني صناديد قريش، فقلت: نابكم أو ظهر فيكم أمر؟ قالوا: أعظم الخطب يتيم أبي طالب يزعم أنه نبي، ولولا أنت ما انتظرنا به والكفاية فيك، فصرفتهم على أحسن شيء وذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرعت عليه الباب فخرج إلي، فقلت: يا محمد! قدحت منازل أهلك وتركت دين آبائك؟ فقال: "إني رسول الله إليك وإلى الناس كلهم، فآمن بالله"، قلت: وما دليلك؟ قال: "الشيخ الذي لقيته باليمن"، قلت: وكم لقيت من شيخ باليمن، قال: "الذي أفادك الأبيات"، قلت: ومن أخبرك بهذا يا حبيبي؟ قال: "الملك المعظم الذي يأتي الأنبياء قبلي" قلت: مد يدك، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فانصرفت وقد سر صلى الله عليه وسلم بإسلامي. وفي سياقه نكارة، فإن كان محفوظًا أمكن الجمع بأن سفره لليمن قبل البعثة؛ كما صرح به ورجوعه عقب إسلام خديجة، واجتمع بحكيم وسمع الخبر عنده ولقيه الصناديد، وقالوا له ما ذكر، فأتاه صلى الله عليه وسلم وآمن به

وقيل: إن علي بن أبي طالب أسلم بعد خديجة، وكان في حجر النبي صلى الله عليه وسلم. فعلى هذا يكون أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ويكون علي أول صبي أسلم، لأنه كان صبيًا لم يدرك، ولذا قال:

__________

بعد حصول الأمرين.

وأما الجمع بأنه آمن به أولا ثم سافر إلى اليمن ولم يظهر إسلامه لقومه، فلما رجع وأخبروه بذلك أتى المصطفى وأظهر إسلامه بين يديه ثنيًا، ففاسد لتصريحه بأن سفره قبل البعثة، ولأنه لو كان آمن ما خاشنه في الخطاب، بقوله: يا محمد! قدحت ... إلخ، على أنه مما لا يليق التفوه به في هذا المقام، كيف وقد صرح غير واحد، منهم ابن إسحاق بأنه لما أسلم أظهر إسلامه، ودعا إلى الله ورسوله.

"وقيل: إن علي بن أبي طالب" الهاشمي "أسلم بعد خديجة" قبل الصديق، قطع به ابن إسحاق وغيره محتجين بحديث أبي رافع: "صلى النبي صلى الله عليه وسلم أول يوم الاثنين، وصلت خديجة آخره، وصلى علي يوم الثلاثاء"، رواه الطبراني، وبما في المستدرك: نبئ النبي يوم الاثنين، وأسلم علي يوم الثلاثاء، وروى ابن عبد البر: أن محمد بن كعب القرظي سئل عن أولهما إسلامًا، فقال: سبحان الله علي أولهما إسلامًا، وإنما اشتبه على الناس؛ لأن عليًا أخفى إسلامه عن أبيه وأبو بكر أظهره، "وكان" مما أنعم الله به عليه؛ كما قال ابن إسحاق: أنه كان "في حجر" مثلث الحاء، أي: منع "النبي صلى الله عليه وسلم" وكفالته وحفظه مما لا يليق به، وذلك أن قريشًا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال صلى الله عليه وسلم للعباس، وكان من أيسر بني هاشم: "يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه فلنخفف من عياله، آخذ من بنيه رجلا، وتأخذ أنت رجلا، فنكفهما عنه" قال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتياه وأخبراه بما أراد، فقال: إذا تركتماني عقيلا، ويقال: وطالبًا، فاصنعا ما شئتما، فأخذ المصطفى عليًا، فلم يزل معه حتى بعثه الله فاتبعه وآمن به وصدقه، وأخذ العباس جعفرًا فلم يزل عنده حتى أسلم، واستغنى عنه.

"فعلى هذا" المذكور من كونه في حجر النبي لا تنافي بين القولين في أيهما بعد خديجة لإمكان الجمع؛ كما قال السهيلي بأنه "يكون أول من أسلم من الرجال" البالغين "أبو بكر، ويكون عليّ أول صبي أسلم، لأنه كان صبيًا لم يدرك" أي: لم يبلغ، "ولذا قال" علي: ما حكى أن معاوية كتب إليه: يا أبا حسن، إن لي فضائل أنا صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكاتبه، فقال علي: والله ما أكتب إليه إلا شعرًا، فكتب:

محمد النبي أخي وصهري ... وحمزة سيد الشهداء عمي

سبقتكم إلى الإسلام طرًا ... صغيرًا ما بلغت أوان حلمي

وكان سن علي إذ ذاك عشر سنين، فيما حكاه الطبري.

وقال ابن عبد البر: وممن ذهب إلى أن عليًا أول من أسلم من الرجال:

__________

وجعفر الذي يضحى ويمسي ... يطير مع الملائكة ابن أمي

وبنت محمد سكني وعرسي ... مشوب لحمها بدمي ولحمي

وسبطا أحمد ابناي منها ... فمن منكم له سهم كسهمي

"سبقتكم إلى الإسلام طرا ... صغيرًا ما بلغت أوان حلمي"

فلما قرأ معاوية الكتاب، قال: مزقه يا غلام لا يراه أهل الشام، فيميلوا إلى ابن أبي طالب. قال البيهقي: هذا الشعر مما يجب على كل متوان في علي حفظه ليعلم مفاخره في الإسلام. وطرا بضم الطاء المهملة وفتحها، أي: جميعًا وما بلغت بيان للمراد من صغيرًا؛ لأن الصغر يتفاوت. وحلمي بضم المهملة وسكون اللام على إحدى اللغتين والثانية بضمهما، أي: احتلامي، أي: خروج المني. وزعم المازني، وصوبه الزمخشري: أنه لم يقل غير بيتين هما:

تلكم قريش تمناني لتقتلني ... فلا وربك ما بروا ولا ظفروا

فإن هلكت فرهن ذمتي لهم ... بذات ودقين لا يعفو لها أثر

وذات ودقين الداهية كأنها ذات وجهين، ذكره القاموس. وهو مردود بما في مسلم، فقال علي، أي: مجيبًا لمرحب اليهودي:

أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره

أوفيهم بالصاع كيل السندره

وروى الزبير بن بكار في عمارة المسجد النبوي، عن أم سلمة, وقال علي بن أبي طالب:

لا يستوي من يعمر المساجدا ... بدأت فيها قائمًا وقاعدا

ومن يرى عن التراب حائدا

"وكان سن علي إذا ذاك عشر سنين، فيما حكاه الطبري" وهو قول ابن إسحاق: واقتصر المصنف عليه لقول الحافظ أنه أرجح الأقوال، وروى ابن سفيان بإسناد صحيح عن عروة، قال: أسلم علي وهو ابن ثمان سنين، وصدر به في العيون، لكن ابن عبد البر بعد أن حكاه عن أبي الأسود يتيم عروة، قال: لا أعلم أحدًا قال كقوله، وقيل: اثنتي عشرة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: ست، وقيل: خمس، حكاهما العراقي.

"وقال ابن عبد البر: وممن ذهب إلى أن عليًا أول من أسلم من الرجال" أي: الذكور

سلمان وأبو ذر والمقداد وخباب وجابر وأبو سعيد الخدري، وزيد بن الأرقم، وهو قول ابن شهاب وقتادة وغيرهم.

قال: واتفقوا على أن خديجة أول من أسلم مطلقًا.

وقيل: أول رجل أسلم ورقة بن نوفل. ومن يمنع، يدعى أنه أدرك نبوته عليه السلام لا رسالته......................................

__________

وإن كان صبيًا، "سلمان" الفارسي "وأبو ذر" جندب بن جنادة الغفاري الزاهد أحد السابقين، روى الطبراني عنهما، قالا: أخذ صلى الله عليه وسلم بيد علي، فقال: "إن هذا أول من آمن بي"، "وخباب" بفتح المعجمة وشد الموحدة فألف فموحدة ابن الأرت بشد الفوقية التميمي البدري أحد السباق، روى عنه علقمة وقيس بن أبي حازم، توفي سنة سبع وثلاثين. "وجابر" بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما، "وأبو سعيد" سعد بن مالك بن سنان، "الخدري" بدال مهملة، "وزيد بن الأرقم" بن زيد بن قيس الخزرجي أول مشاهده الخندق، وأنزل الله تصديقه في سورة المنافقين، مات سنة ست أو ثمان وستين، والروايات عن هؤلاء بكونه أول من أسلم عند الطبراني بأسانيده، ورواه، أعني الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس موقوفًا، وبسند ضعيف عنه مرفوعًا، ورواه الترمذي من طريق آخر عنه موقوفًا. "وهو قول" محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله "ابن شهاب" نسب إلى جد جده لشهرته، "وقتادة" بن دعامة الأكمه "وغيرهم" بالرفع، أي: غير سلمان، ومن عطف عليه كأبي أيوب ويعلى بن مرة وعفيف الكندي وخزيمة بن ثابت وأنس؛ كما أسنده عنهم الطبراني، "قال" الحافظ في التقريب: ورجحه جمع، وجملة: وهو قول معترضة ويصح جر غير بناء على أن الجمع ما فوق الواحد، ونشد المرزبان لخزيمة في علي:

أليس أول من صلى لقبلتكم ... وأعلم الناس بالقرآن والسنن

وقال كعب بن زهير من قصيدة يمدحه بها:

إن عليًا لميمون نقيبته ... بالصالحات من الأفعال مشهور

صهر النبي وخير الناس مفتخرا ... فكل من رامه بالفخر مفخور

صلى الطهور مع الأمي أولهم ... قبل المعاد ورب الناس مكفور

"واتفقوا على أن خديجة أول من أسلم مطلقًا" من جملة كلام ابن عبد البر، ووافقه على حكاية الاتفاق الثعلبي والسهيلي، "وقيل: أول رجل" خرجت خديجة؛ لأنها آمنت قبل ذهابها بالمصطفى إليه، "أسلم ورقة بن نوفل" قال جماعة ومنعه آخرون، "و" لكن "من يمنع" إنه أول من أسلم "يدعى" تأخر الرسالة عن النبوة و"أنه أدرك نبوته عليه السلام لا رسالته" التي لا يحكم

لكن جاء في السير، وهي رواية أبي نعيم المتقدمة أنه قال: أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل، وأنك ستؤمر بالجهاد، وإن أدرك ذلك لأجاهدن معك, فهذا تصريح منه بتصديقه برسالة محمد صلى الله عليه وسلم.

__________

بالإسلام إلا لمن آمن بعدها "لكن" لا تسلم له هذه الدعوى، فقد "جاء في السير" كما في زيادات المغازي من رواية يونس بن بكير، عن ابن إسحاق عن عمرو بن أبي إسحاق عن أبيه، عن أبي ميسرة التابعي الكبير مرسلا "وهي رواية أبي نعيم المتقدمة" قريبًا قبل مراتب الوحي مسندة عن عائشة: "أنه" أي: ورقة، "قال: ابشر فأنا أشهد" أقر وأذعن "أنك" الرسول "الذي بشر به ابن مريم، وإنك على مثل" أي: صفة مماثلة لصفة "ناموس موسى، وإنك نبي مرسل" تأكيد زيادة في تطمينه، "وإنك ستؤمر بالجهاد" علم ذلك من الكتب القديمة لتبحره في علم النصرانية، "وإن أدرك ذلك لأجاهدن معك" وفي آخر هذا الحديث: فلما توفي، قال صلى الله عليه وسلم: "لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير؛ لأنه آمن بي وصدقني". وأخرجه البيهقي في الدلائل أيضًا، وروى ابن عدي عن جابر مرفوعًا: "رأيت ورقة في بطنان الجنة عليه السندس"، ورواه ابن السكن بلفظ: "رأيت ورقة على نهر من أنهار الجنة".

"فهذا تصريح منه بتصديقه، برسالة محمد صلى الله عليه وسلم" لكن يجوز أنه قاله قبل الرسالة؛ لعلمه بالقرائن الدالة على ذلك، فيكون كبحيرا سيما وقد مر أن ذهاب خديجة لورقة كان عقب نزول {اْرَأْ} [العلق: 1] ، ولم تتأخر وفاته وإلى هذا أشار الحافظ، فقال: حديث الصحيح ظاهر في أنه أقر بنبوته، ولكنه مات قبل أن يدعو الناس إلى الإسلام، فيكون مثل بحيرا، وفي إثبات الصحبة له نظر. وتعقبه تلميذه البرهان البقاعي، فقال: هذا من العجائب، كيف يماثل من آمن بأنه قد بعث بعدما جاءه الوحي فانطبق عليه تعريف الصحابي الذي ذكره في نخبته بمن آمن أنه سيبعث، ومات قبل أن يوحى إليه.

قال العلامة البرماوي: ليس ورقة من هذا النوع؛ لأنه اجتمع به بعد الرسالة لما صح في الأحاديث أنه جاء له بعد مجيء جبريل وإنزال اقرأ، وبعد قوله: أبشر يا محمد، أنا جبريل أرسلت إليك وإنك رسول هذه الأمة، وقول ورقة: أبشر ... وذكر ما ساقه المصنف، وقال بعده: ورؤيته عليه السلام لورقة في الجنة وعليه ثياب خضر، وجاء أنه قال: "لا تسبوه، فإني رأيت له جنة أو جنتين". رواه الحاكم في المستدرك. وأما قول الذهبي في التجريد، قال ابن منده: اختلف في إسلامه والأظهر أنه مات بعد النبوة، وقيل: الرسالة، فبعيد لما ذكرناه فهو صحابي قطعًا بل أول الصحابة كما كان شيخنا شيخ الإسلام يعني البلقيني يقرره، انتهى.

قال البلقيني: بل يكون بذلك أول من أسلم من الرجال. وبه قال العراقي في نكته على ابن الصلاح. وذكره ابن منده في الصحابة.

وحكى العراقي: كون علي أول من أسلم عن أكثر العلماء، وحكى ابن عبد البر الاتفاق عليه.

وادعى الثعلبي..........................................

__________

ونقل كلام البلقيني، بقوله: "قال" شيخ الإسلام علامة الدنيا سراج الدين، أبو حفص عمر بن رسلان بن نصر "البلقيني" الحافظ الفقيه البارع المجتهد المفنن المصنف، المتوفى سنة خمس وثمانمائة بضم الموحدة وسكون اللام والياء وكسر القاف، نسبة إلى قرية بمصر قرب المحلة؛ كما في اللب والمراصد والنسخ المعتمدة من القاموس، خلاف ما في بعضها من أن بلقين كغرنيق، "بل يكون بذلك أول من أسلم من الرجال" وذكره وإن استفيد مما قدمه؛ لأنه على أنه بعد الرسالة ولم يتقدم تصريح به "وبه قال العراقي" الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم "في نكته على" كتاب "ابن الصلاح" في علوم الحديث وبه جزم في نظم السيرة، حيث قال: فهو الذي آمن بعد ثانيًا، وكان برًا صادقًا مواتيًا، "وذكره ابن منده في الصحابة" حاكيًا الخلاف؛ كما مر، وذكره فيهم أيضًا الطبري والبغوي وابن قانع وابن السكن وغيرهم كما في الإصابة، وحسبك بهم حجة، ومر أن الصحيح أن النبوة والرسالة متقارنان.

وروى الزبير بن بكار عن عروة: أن ورقة مر ببلال وهو يعذب برمضاء مكة ليشرك، فيقول: أحد أحد، فقال ورقة: أحد أحد يا بلال، والله لئن قتلتموه لأتخذنه حنانًا، قال في الإصابة: وهذا مرسل جيد، يدل على أن ورقة عاش إلى أن دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، والجمع بينه وبين قوله عائشة: فلم ينشب ورقة أن توفي، أي: قبل أن يشتهر الإسلام ويؤمر المصطفى بالجهاد، قال: وما روي في مغازي ابن عائد، عن ابن عباس: أنه مات على نصرانيته، فضعيف، انتهى باختصار. وقد أرخ الخميس وفاة ورقة في السنة الثالثة من النبوة، قال: وفي المنتقى في السنة الرابعة، قلت: وما وقع في الخميس من قوله، وفي الصحيحين عن عائشة: أن الوحي تتابع في حياة ورقة، فغلط إذ الذي فيهما عنها: فلم ينشب ورقة أن توفي.

"وحكى العراقي كون علي أول من أسلم عن أكثر العلماء" وقال الحاكم: لا أعلم فيه خلافًا بين أصحاب التواريخ، قال: والصحيح عند الجماعة أن أبا بكر أول من أسلم الرجال البالغين؛ لحديث عمرو بن عبسة، يعني: حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم: من معك على هذا؟ قال: "حر وعبد" يعني أبا بكر وبلالا، رواه مسلم ولم يذكر عليًا لصغره. "وحكى ابن عبد البر الاتفاق عليه" فقال: اتفقوا على أن خديجة أول من آمن ثم علي بعدها، "وادعى الثعلبي" أحمد بن

اتفاق العلماء على أن أول من أسلم خديجة، وأن اختلافهم إنما هو فيمن أسلم بعدها.

قال ابن الصلاح: والأورع أن يقال:

أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر.

ومن الصبيان أو الأحداث علي.

ومن النساء خديجة.

ومن الموالي زيد بن حارثة.

__________

محمد بن إبراهيم، أبو إسحاق النيسابوري صاحب التفسير والعرائس في قصص الأنبياء.

قال الذهبي: وكان حافظًا رأسًا في التفسير والعربية متين الديانة والزهادة، مات سنة سبع وعشرين أو سبع وثلاثين وأربعمائة، ويقال له: الثعلبي والثعالبي، "اتفاق العلماء على أن أول من أسلم خديجة، وأن اختلافهم إنما هو فيمن أسلم بعدها" هل الصديق أو علي أو ورقة؛ لأنها آمنت قبل مجيئها بالمصطفى له لما أخبرها عن صفة ما رأى في الغار لما ثبت عندها قبل ذلك عن بحيرا وغيره أنه النبي المنتظر، وقيل: زيد بن حارثة ذكره معمر عن الزهري، وقدمه ابن إسحاق على الصديق، فقال: أول من آمن خديجة، ثم علي، ثم زيد، ثم أبو بكر، انتهى. وقيل: بلال وذكر عمر بن شيبة أن خالد بن سعيد بن العاصي أسلم قبل علي، وذكر ابن حبان أنه أسلم قبل الصديق.

"قال" شيخ الإسلام تقي الدين أبو عمر وعثمان "بن الصلاح" بن عبد الرحمن بن عثمان الكردي الشهروري الإمام الحافظ المتبحر في الأصول والفروع والتفسير والحديث، الزاهد وافر الجلالة المتوفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة.

"والأورع" أي: الأدخل في الورع والأسلم من القول، بما لا يطابق الواقع "أن" لا يطابق القول في تعيين أول المسلمين على الحقيقة؛ لكونه هجومًا على عظيم وتعارض الأدلة فيه وعدم وجود قاطع يستند عليه بل يذكر قول يشمل جمع الأقوال، بأن "يقال أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان أو الأحداث" تنويع في العبارة، "علي، ومن النساء خديجة" وسبق ابن الصلاح لهذا الجمع إلى هنا الخبر، فأخرج ابن عساكر عن ابن عباس، قال: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، فتبعه العسكري وابن الصلاح، وزاد العبيد والموالي، فقال: "ومن الموالي زيد بن حارثة" حب المصطفى ووالد حبه أسر في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بأربعمائة درهم فاستوهبه النبي صلى الله عليه وسلم منها فوهبته

ومن العبيد بلال. والله أعلم، انتهى.

وقال الطبري: الأولى التوفيق بين الروايات كلها وتصديقها فيقال:

أول من أسلم مطلقًا خديجة.

وأول ذكر أسلم علي بن أبي طالب، وهو صبي لم يبلغ، وكان مستخفيًا بإسلامه.

وأول رجل عربي بالغ أسلم وأظهر إسلامه أبو بكر بن أبي قحافة.

وأول من أسلم من الموالي زيد.

قال: هو متفق عليه لا اختلاف فيه، وعليه يحمل قول من قال: أول من أسلم من الرجال البالغين الأحرار، ويؤيد هذا ما روي عن الحسن أن علي بن أبي طالب قال: إن أبا بكر سفيان إلى أربع لم أؤتهن: سبقني إلى إفشاء الإسلام، وقدم الهجرة،

__________

له، وجاء أبوه وعمه كعب مكة وطلبا أن يفدياه، فخيره عليه السلام بين أن يدفعه إليهما أو يثبت عنده، فاختار أن يبقى عنده، فلاماه فما رجع، وقال: لا اختيار عليه أحد، فقام صلى الله عليه وسلم إلى الحجر، وقال: "اشهدوا أن زيدًا ابني، يرثني وأرثه"، فطابت نفسهما وانصرفها، فدعي زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام فصدقه وأسلم في قصة مطولة، ذكرها ابن الكلبي وابن إسحاق هذا حاصلها.

"ومن العبيد بلال" المؤذن "والله أعلم" بحقيقة الأولية المطلقة، "انتهى. وقال" نحوه الحافظ المحب "الطبري" بفتح الطاء والموحدة وراء نسبة إلى طبرستان على غير قياس، "الأولى التوفيق بين الروايات كلها وتصديقها، فيقال: أول من أسلم مطلقًا خديجة" لكنه خالف فيها ابن الصلاح لقوة الأدلة، كيف وقد قال ابن الأثير: لم يتقدمها رجل ولا امرأة بإجماع المسلمين.

"وأول ذكر أسلم علي بن أبي طالب وهو صبي لم يبلغ الحلم، وكان مستخفيًا بإسلامه" من أبيه "وأول رجل عربي بالغ أسلم وأظهر إسلامه أبو بكر بن أبي قحافة" عبد الله بن عثمان، "وأول من أسلم من الموالي زيد" بن حارثة بن شرحبيل بن كعب الكلبي، "قال: وهو متفق عليه لا اختلاف فيه" إطناب للتأكيد، "وعليه يحمل قول من قال: أول من أسلم من الرجال البالغين الأحرار" لا مطلقًا "ويؤيد هذا ما روي عن الحسن: أن علي بن أبي طالب، قال" لما جاءه رجل، فقا: يا أمير المؤمنين، كيف سبق المهاجرون والأنصار إلى بيعة أبي بكر، وأنت أسبق سابقة، وأورى منه منقبة، فقال علي: ويلك "إن أبا بكر سبقني إلى أربع لم أؤتهن" ولم أعتض منهن بشيء؛ كما في الرواية "سبقني إلى إفشاء الإسلام" هذا محل التأييد، وقد يمنع بأن السبق على إفشائه لا يلزم منه السبق على الإسلام نفسه، "وقدم الهجرة" لأنه هاجر

ومصاحبته في الغار، وإقام الصلاة، وأنا يومئذ بالشعب يظهر إسلامه وأخفيه ... الحديث، خرجه صاحب فضائل أبي بكر وخيثمة بمعناه.

وأما ما روي: من صحبة الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وهم يريدون الشام في تجارة، وحديث بحيرى، وأنه وقع في قلب أبي بكر اليقين، وقول ميمون بن مهران: والله لقد آمن أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم زمن بحيرى، فالمراد بهذا الإيمان اليقين بصدقه، وهو ما وقر في قلبه.............................

__________

مع المصطفى وتأخر علي بعده، حتى أدى عنه الودائع التي كانت عنده صلى الله عليه وسلم ثم لحقه بقباء "ومصاحبته في الغار، وأقام الصلاة وأنا يومئذ بالشعب" بالكسر شعب بني هاشم بمكة، "يظهر إسلامه وأخفيه ... الحديث" تتمته: يستحقرني قريش وتستوفيه، والله لو أن أبا بكر زال عن مزيته ما بلغ الدين العبرين -يعني الجانبين- ولكان الناس كرعة ككرعة طاولت، ويلك إن الله ذم الناس ومدح أبا بكر، فقال: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} [التوبة: 40] ، الآية كلها. "خرجه صاحب فضائل أبي بكر وخيثمة" ابن سليمان بن حيدرة الإمام الحافظ أبو الحسن القرشي الطبرابلسي أحد الثقات الرحالة جمع فضائل الصحابة، ولد سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، قال ابن منده: كتبت عنه بطرابلس، ألف جزء "بمعناه" ورواه الدارقطني في الغرائب وضعفه.

قال في الرياض النضرة، بعد سوق الحديث تامًا: وأورى من ورى الزند خرجت ناره وظهرت، أي: أظهر منقبة وأنور. وتستوفيه، أي: توفيه حقه من الإعظام والإكرام. والمزية: الفضيلة، أي: زال عن فضيلته بالتقديم على الناس إمامًا. وكرعة جمع كارع كركبة وراكب من كرع بالفتح يكرع إذا شرب الماء من فيه دون إناء، ولعله أراد: لولا أبو بكر لخالف الناس الدين كما خالفه كرعة طالوت بالشرب من النهر الذي نهوا عنه، انتهى.

"وأما ما روي" عند ابن منده بسند ضعيف عن ابن عباس "من صحبة الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وهم يريدون الشام في تجارة وحديث بحيرا" أي: سؤاله لأبي بكر: من الذي تحت الشجرة؟ وقوله: هو محمد بن عبد الله، فقال: هذا نبي "وأنه وقع في قلب أبي بكر اليقين" من ذلك "وقول ميمون بن مهران" بكسر فسكون الكوفي أبي أيوب الجزري نزيل الرقة الثقة الفقيه التابعي الوسط كثير الحديث والي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز المتوفى سنة سبع عشرة ومائة، وله سبع وسبعون سنة.

"والله لقد آمن أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم زمن بحيرا، فالمراد بهذا الإيمان" اللغوي، وهو "اليقين صدقه، وهو ما وقر" ثبت "في قلبه" فلا ينافي أنه أول المسلمين أو ثانيهم أو ثالثهم بعد النبوة.

وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم تزوج خديجة وسافر إلى الشام قبل المبعث.

ثم أسلم بعد زيد بن حارثة، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله......................

__________

"وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم تزوج خديجة وسافر" مع غلامها ميسرة "إلى الشام قبل المبعث" بعد تلك السفرة التي كان فيها أبو بكر وكان ذلك سبب التزوج بها وسنه صلى الله عليه وسلم خمس وعشرون سنة؛ كما مر فالواو عطفت سابقًا على لاحق على أنه لا يصح إيراد قصة صحبته له في تلك السفرة؛ لأن في بقية خبرها؛ كما مر. ووقع في قلب أبي بكر الصديق، فلما بعث النبي اتبعه.

"ثم أسلم بعد زيد بن حارثة وعثمان بن عفان" أمير المؤمنين ذو النورين؛ لأنه كما قال المهلب: لم يعلم أحد تزوج ابنتي نبي غيره، أو لأنه كان يختم القرآن في الوتر؛ فالقرآن نور وقيام الليل نور، أو لأنه إذا دخل الجنة برقت له برقتين، أخرج أبو سعد في الشرف عنه: كنت بفناء الكعبة، فقيل: أنكح محمد عتبة ابنته رقية، فدخلتني حسرة أن لا أكون سبقت إليها، فانصرفت إلى منزلي فوجدت خالتي سعدى بنت كريز، أي: الصحابية العبشمية فأخبرتني أن الله أرسل محمدًا وذكر حثها له على اتباعه مطولا، قال: وكان لي مجلس من الصديق، فأصبته فيه وحده فسألني عن تفكري، فأخبرته بما سمعت من خالتي فذكر حثه له على الإسلام، قال: فما كان بأسرع من أن مر صلى الله عليه وسلم ومعه علي يحمل له ثوابًا، فقام أبو بكر فساره فقعد صلى الله عليه وسلم، ثم أقبل عليّ، فقال: "أجب الله إلى جنته، فإني رسول الله إليك وإلى جميع خلقه" فوالله ما تمالكت حين سمعته أن أسلمت، ثم لم ألبث أن تزوجت رقية.

"والزبير بن العوام" بن خويلد القرشي الأسدي الحواري وهو ابن اثنتي عشرة سنة عند الأكثر، وقيل: خمس عشرة، وقول عروة وهو ابن ثمان سنين أنكره ابن عبد البر، وكان عمه يعلقه في حصير ويدخن عليه بالنار، ويقول: ارجع، فيقول: لا أكفر أبدًا. "وعبد الرحمن بن عوف" القرشي الزهري أحد العشرة والثمانية والستة، "وسعد بن أبي وقاص" مالك الزهري أحد العشرة وآخرهم موتًا، وأحد الستة والثمانية أسلم بعد ستة هو سابعهم، وهو ابن تسع عشرة سنة؛ كما قاله ابن عبد البر وغيره.

وأما قوله: لقد رأيتني وأنا ثالث الإسلام، أخرجه البخاري فحمل على ما اطلع هو عليه. "وطلحة بن عبيد الله" التيمي أحد العشرة والثمانية السابقين إلى الإسلام والستة أصحاب الشورى، ويقال: إن سبب إسلامه ما أخرجه ابن سعد عنه، قال: حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته يقول: سلوا أهل هذا الموسم أفيهم أحد من أهل الحرم؟ قال طلحة: نعم أنا، فقال: هل ظهر أحمد؟ قلت: من أحمد؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب هذا شهره الذي يخرج فيه

بدعاء أبي بكر الصديق، فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له، فأسلموا وصلوا.

ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بعد تسعة أنفس. والأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وعثمان بن مظعون الجمحي.................

__________

وهو آخر الأنبياء، ومخرجه من الحرم ومهاجره إلى نخيل وحرة وسباخ، فإياك أن تسبق إليه، فوقع في قلبي فخرجت سريعًا حتى قدمت مكة، فقلت: هل كان من حدث؟ قالوا: نعم، محمد الأمين تنبأ وقد تبعه ابن أبي قحافة فخرجت حتى أتيت أبا بكر فخرج بي إليه، فأسلمت فأخبرته بخبر الراهب، "بدعاء أبي بكر الصديق" لأنه كان محببًا في قومه فجعل يدعو من وثق به فأسلموا بدعائه، "فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استجابوا له" أي: أجابوا دعاءه إياهم، "فأسلموا وصلوا" أي أظهروا إسلامهم عند المصطفى على ما أفادته الفاء في قوله فجاء بهم من أنه كان عقب إسلامهم والأظهر أن المراد انقاد والدعائة فأسلموا حين جاء بهم لقصة عثمان وطلحة، "ثم أسلم" أمين هذه الأمة، "أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح" القرشي الفهري اشتهر بجده، "وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد" القرشي المخزومي البدري توفي في حياته صلى الله عليه وسلم فخلفه على زوجه أم سلمة وأولاده منها، وهم أربعة حال كون إسلامهما جميعًا، "بعد تسعة أنفس" فيكون أبو سلمة الحادي عشر؛ كما قال ابن إسحاق وهم خديجة وعلي وزيد والصديق والخمسة المسلمون على يده، وأبو عبيدة وأبو سلمة.

"والأرقم بن أبي الأرقم" عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي "المخزومي" البدري وشهد أحدًا والمشاهد كلها، وأقطعه صلى الله عليه وسلم دارًا بالمدينة، قيل: أسلم بعد عشرة. وفي المستدرك: أسلم سابع سبعة وتوفي سنة خمس أو ثلاث وخمسين وهو ابن خمس وثمانين سنة، وأوصى أن يصلي عليه سعد بن أبي وقاص، فصلى عليه، "وعثمان بن مظعون" بظاء معجمة وغفل من أهملها؛ كما في النورين حبيب بن وهب بن حذافة بن جمع القرشي، "الجمحي" بضم الجيم وفتح الميم وحاء مهملة نسبة إلى جده المذكور، قال ابن إسحاق: أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا، وهاجر إلى الحبشة.

روى ابن شاهين والبيهقي عنه، قلت: يا رسول الله! إني رجل يشق علي العزبة في المغازي، فتأذن لي في الخصي؟ فقال: $"لا، ولكن عليك يابن مظعون بالصوم"، وشهد بدرًا، وتوفي بعدها في السنة الثانية، وأول مهاجري مات بالمدينة، وأول من دفن بالبقيع منهم. روى الترمذي عن عائشة: قبل صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون وهو ميت وهو يبكي وعيناه تذرفان، فلما توفي

وأخواه قدامة وعبد الله، وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وامرأته فاطمة ابنة الخطاب.

وقال ابن سعد: أول امرأة أسلمت بعد خديجة أم الفضل زوج العباس، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة أختها. كذا قاله ابن إسحاق وغيره. وهو وهم، لأنه لم تكن عائشة ولدت بعد فكيف أسلمت. وكان مولدها سنة أربع من النبوة، قاله مغلطاي وغيره.

__________

ابنه إبراهيم، قال: "الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون".

"وأخواه قدامة" يكنى أبا عمر من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين وشهد بدرًا وكانت تحبه صفية بنت الخطاب أخت عمر، واستعمله على البحرين فشرب فأحضره عمر، فلما أراد حده، قال: لو شربت كما قالوا، أي: الذين شهدوا عليه ما كان لكم أن تحدوني، قال الله: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ} [المائدة: 93] الآية، فقال عمر: أخطأت التأويل، إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم ثم حده، فلما حجا وقفلا من الحج، قال عمر: عجلوا بقدامة، فوالله لقد أتاني آت من منامي، فقال لي: سالم قدامة، فإنه أخوك، فأبى قدامة أن يأتي عمر إن أبى فجروه، فأتى إليه فكلمه واستغفر له، رواه عبد الرزاق وغيره مطولا مات سنة ست وثلاثين أو ست وخمسين، وهو ابن ثمان وستين سنة.

"وعبد الله" يكنى أبا محمد هاجر إلى الحبشة وشهد بدرًا، "وعبيدة" بضم العين وفتح الموحدة، "ابن الحارث بن المطلب" أخي هاشم، "ابن عبد مناف" بن قصي المستشهد يوم بدر، "وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل" بضم النون القرشي العدوي أحد العشرة، "وامرأته فاطمة ابنة الخطاب" بن نفيل



كلمات دليلية: