المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

الإخاء بين المهاجرين والأنصار

ولما استقر المسلمون بالمدينة ألهم الله سبحانه نبيه محمدا بعمل يعتبر غاية في حسن السياسة وأصالة الرأي وبعد النظر، فقد عقد بين المهاجرين والأنصار أخوّة بها يتعاونون ويترافقون، ويتناصرون ويتوارثون. وقد اختلف العلماء في وقت هذه المؤاخاة، فقيل بعد الهجرة بخمسة أشهر، وقيل بتسعة أشهر، وقيل وهو يا بني المسجد، وقيل قبل بنائه، والذي نرجحه أن ذلك كان بعد الهجرة بقليل، فإن الحال كانت تدعو إلى الإسراع بهذا الإخاء جمعا للشمل، وتوثيقا للعرى، وقطعا لدسائس الأعداء ولا سيما اليهود.

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب أخوين، وأبو بكر وخارجة بن زيد أخوين، وعمر وعتبان بن مالك أخوين، وحمزة وزيد بن حارثة أخوين، وحاطب بن أبي بلتعة وعويم بن ساعدة أخوين، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين، وابن مسعود ومعاذ بن جبل أخوين، ومصعب بن عمير وأبو أيوب الأنصاري أخوين، وأبو حذيفة بن عتبة وعبّاد بن بشر أخوين، وبلال وأبو رويحة «1» أخوين، وأبو عبيدة بن الجراح وأبو طلحة الأنصاري أخوين، والزبير بن العوام وسلمة بن سلامة بن وقش أخوين، وطلحة بن

__________

(1) اسمه عبد الله بن عبد الرحمن، روي أنه لما دوّن عمر الدواوين بالشام، وكان بلال قد خرج إلى الشام، فأقام بها مجاهدا، فقال عمر لبلال: إلى من تجعل ديوانك يا بلال؟ قال: مع أبي رويحة لا أفارقه أبدا، للأخوة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقدها بينه وبيني، فضم إليه.

عبيد الله وكعب بن مالك أخوين، وسعيد بن زيد وأبيّ بن كعب أخوين، وعمار وحذيفة بن اليمان حليف بني عبد الأشهل أخوين. وهكذا.

قال ابن سعد: اخى بين مائة، خمسين من المهاجرين وخمسين من الأنصار، وليس معنى هذا أنه لم يكن التاخي إلا بين هذا العدد، وإنما كان هذا أول ما اخى، وصار يجددها بحسب من يأتي إلى المدينة مهاجرا، ومن دخل في الإسلام بعد ذلك.

ومما ينبغي أن يتنبه إليه أن الإمام محمد بن إسحاق وهم في بعض من ذكرهما أخوين، وذلك مثل عدّه جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أخوين، والمعروف الثابت أن جعفرا كان بالحبشة وقتها، ولم يقدم المدينة إلا عام خيبر سنة سبع، وعدّه أبا عبيدة وسعد بن معاذ أخوين، والصحيح ما ذكرته وهو ما رواه الإمامان أحمد ومسلم. وقد أجاب بعض العلماء عن بعض هذه الماخذ «1» .

وقد أنكر الإمام ابن تيمية المؤاخاة بين مهاجري ومهاجري، وقال إنها كانت بين مهاجري وأنصاري، وردّ عليه الحافظ ابن حجر في الفتح، قال الحافظ:

(وأنكر ابن تيمية في كتاب الردّ على ابن المطهّر الرافضي- يعني كتاب منهاج السنة- المؤاخاة بين المهاجرين، وخصوصا مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم لعلي، قال: لأن المؤاخاة شرعت لإرفاق بعضهم بعضا، ولتأليف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي لأحد منهم، ولا لمؤاخاة مهاجري لمهاجري.

وهذا رد للنص بالقياس، وإغفال عن حكمة المؤاخاة، لأن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة والقوى، فاخى بين الأعلى والأدنى ليرتفق الأدنى بالأعلى، ويستعين الأعلى بالأدنى، وبهذا نظر إلى مؤاخاته صلى الله عليه وسلم لعلي، لأنه هو الذي كان يقوم به من عهد الصبا من قبل البعثة، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة لأن زيدا مولاهم، فقد ثبتت أخواتهما وهما من المهاجرين) «2» .

__________

(1) البداية والنهاية، ج 3 ص 227.

(2) فتح الباري، ج 7 ص 217.

ولم تكن هذه الأخوة أخوة إسلام وارتفاق فحسب، وإنما كانت أخوة بها يتوارثون، قال عز شأنه:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ «1» ...

وقد استمر الأمر على ذلك حتى عزّ الإسلام، واجتمع الشمل، وذهبت اثار الغربة من وحشة وحاجة، فنسخ الله حكم التوارث بهذه الأخوة بالحكم الثابت المستقر، وهو التوارث بالقرابة والرحم قال عز شأنه:

وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً «2» .

وقال:

وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ «3» .

وقد كان لهذه الأخوة اثارها البعيدة في الحب والارتفاق، والتعاون والتناصر، وقاموا بحقوقها خير قيام، وضرب الأنصار في هذا مثلا عليا لم تعرف لغير هؤلاء السادة الأبرار، واعترافا بالفضل لأهله أرى لزاما علي أن أقول كلمة في فضائل الأنصار بعد قليل.

__________

(1) سورة الأنفال: الاية 72.

(2) سورة الأحزاب: الاية 6.

(3) سورة الأنفال: الاية 75.

,

المؤاخاة بين المسلمين بمكة

ومما ينبغي أن يعلم أنه كانت هناك مؤاخاة قبل هذه المؤاخاة حدثت بين المسلمين بمكة، وهي تعتبر أول مؤاخاة في الإسلام، كان الغرض منها تقوية الأواصر والروابط بين المسلمين، وارتفاق الضعيف بالشريف، والفقير بالغني، ومن ليس من قريش بمن هو منهم، فالحكمة منها ظاهرة والغرض منها شريف.

قال الحافظ ابن حجر في: «فتح الباري شرح صحيح البخاري» : (قال ابن عبد البر: كانت المؤاخاة مرتين: مرة بين المسلمين وذلك بمكة، ومرة بين المهاجرين والأنصار ... ) وهي التي كانت بالمدينة، وعني بذكرها كتّاب السير والمؤرخون.

ثم قال: (وقعت المؤاخاة الأولى كما أخرجها الحاكم من طريق جميع بن عمير عن ابن عمر قال: واخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عبد الرحمن بن عوف وعثمان) وذكر جماعة قال: (فقال علي: يا رسول الله، إنك اخيت بين أصحابك فمن أخي؟ قال: أنا أخوك) .

وقد ذكر الحافظ في الإصابة في ترجمة سيدنا بلال رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اخى بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، فلعل مراد من قال ذلك المؤاخاة الأولى التي كانت بمكة، وإلا فالمعروف الثابت أن النبي اخى بين بلال وبين أبي رويحة الخثعمي رضي الله عنهما.

,

ماثر الأنصار الخالدة

إن المتأمل فيما قام الأنصار رضي الله عنهم تجاه النبي صلى الله عليه وسلم وإخوانه المهاجرين ليتعجب مما فعله هؤلاء القوم، ولو ذهب يتلمّس الأسباب، فلن يجد إلا سبب الأسباب، وهو أن ذلك كان بفضل الله ورحمته لا بصنع بشر وحكمته وسياسته، وصدق الله حيث يقول:

وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ «1» .

فلم يلتق النبي صلى الله عليه وسلم بالأنصار إلا في سويعات تحت جنح الليل، واكتفى فيها بعرض الإسلام، وأخذ العهود والمواثيق، ولم يطل لقاؤه معهم قبل الهجرة حتى يكون هذا الذي فعلوه بسبب تربية النبي صلى الله عليه وسلم إياهم، وطول تعهده لهم كما فعل تجاه المهاجرين حتى كون منهم رجالا، ولم يكن بين دخولهم في الإسلام وقيامهم بهذه الماثر إلا أقل من عام!! وقد سمعت فيما مضى طرفا من لقائهم للرسول وإكرام وفادته.

ولم يكن شعورهم تجاه إخوانهم المهاجرين بأقل من هذا، فقد فتحوا لهم قلوبهم قبل أن يفتحوا لهم بيوتهم، ووسعوهم بصدورهم قبل أن يسعوهم بأموالهم، وتسابقوا إلى لقائهم وإكرامهم حتى لم يجدوا بدا في بعض الأحيان من تحكيم القرعة بينهم، وضربوا في باب الإيثار، وسخاء النفس، وكرم الطبع مثلا عليا لا تزال تذكرها لهم الأجيال المتعاقبة بالإكبار والإعظام.

__________

(1) سورة الأنفال: الاية 63.

روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اخى بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فجاء سعد فعرض عليه أن يقاسمه ماله، وقال له: انظر أيّ زوجتيّ أحب إليك أتنازل لك عنها حتى إذا ما انتهت عدتها تزوجتها. فأبى عبد الرحمن وقال له: بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلّني على السوق، فدلّه على السوق، فباع وابتاع حتى صار له مال، وتزوج امرأة من الأنصار بوزن نواة من ذهب، فقال له النبي: «أولم ولو بشاة» » .

وهكذا ضرب سعد بن الربيع مثلا فريدا في الإيثار، وضرب عبد الرحمن بن عوف مثلا عاليا لعزة النفس والرغبة في العمل والاكتساب، وقد فتحت عليه الدنيا بعد، فما توفي إلا وهو أثرى الأثرياء.

وما سعد بن الربيع إلا صورة مشرقة ومثلا من أمثلة الأنصار الكرام.

ويبالغ الأنصار في الإيثار والعمل على مقتضى هذه الأخوة، فيأتون إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه فيقولون: (اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل) .

فيقول لهم النبي: «لا» ، فقالوا لإخوانهم المهاجرين: تكفونا المؤونة- يعني السقي والعمل- ونشرككم في الثمرة، فقالوا: (سمعنا وأطعنا) رواه البخاري في صحيحه. وروى أيضا عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين. فقالوا: إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها) قال: «إما لا «2» ، فاصبروا حتى تلقوني، إنه سيصيبكم بعدي أثرة» «3» .

__________

(1) صحيح البخاري باب: «كيف اخى النبي بين أصحابه» .

(2) إمالا: هي إن الشرطية المدغمة في (ما) الزائدة، ولا نافية، وفعل الشرط محذوف تقديره: تقبلوا.

(3) أثرة: على وزن قصبة أي استئثار بالأموال دونهم.

وكأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يكافئهم على ما قدّموا له وللمهاجرين من برّ ومواساة وإيواء، ولكن القوم سموا وأبوا إلا أن يكون عملهم لوجه الله، لا يريدون من أحد عليه جزاء ولا شكورا.

وإن شئت في باب الإيثار أروع من ذلك وأعجب، فإليك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النضير للأنصار: «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم أموالكم ودياركم ولم نقسم لكم شيئا من الغنيمة» فقالت الأنصار: «بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها» !! ذكره البغوي في تفسيره.

يا لله لهذه النفوس الكريمة الأبيّة، المؤثرة السخية!! لقد كان جزاؤهم من ربهم أن أنزل فيهم قرانا يتلى إلى يوم الدين، وصدق الله:

وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «1» .

وأن قال فيهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه مشيدا بمناقبهم وفضلهم «لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار» وأن جعل حبهم علامة الإيمان، وبغضهم علامة النفاق فقال: «اية الإيمان حب الأنصار، واية النفاق بغض الأنصار» وقال: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» . وأن أوصى بهم المسلمين بعده خيرا، فقد حدّث أنس بن مالك رضي الله عنه فقال:

«مرّ أبو بكر والعباس رضي الله عنهما بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون،

__________

(1) سورة الحشر: الاية 9.

فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم منا، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، قال: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد عصب على رأسه حاشية برد، قال: فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي «1» ، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» رواها البخاري «2» .

__________

(1) بطانتي وخاصتي، وموضع سري.

(2) صحيح البخاري باب حب الأنصار من الإيمان وباب قول النبي فاقبلوا من محسنهم.


ملف pdf

كلمات دليلية: