المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار


ثالثا: المؤاخاة:

وخطا الرسول صلى الله عليه وسلم خطوته الآخرى التي أراد أن يحل بها الأزمة المعاشية التي اجتاحت المهاجرين بعد مغادرتهم مكة، وينظم علاقاتهم الاجتماعية بإخوانهم الأنصار، ريثما يستعيد المهاجرون مقدرتهم المالية ويتمكنوا

__________

(1) أحمد إبراهيم الشريف: مكة والمدينة في الجاهلية والإسلام ص 395 وانظر شرح الصحيفة وتحليلها: المصدر نفسه ص 394- 399 وفلهوزن: الدولة العربية ص 11- 15 وفتحي عثمان: دولة الفكرة ص 59- 63.

(2) أنور الجندي: الإسلام وحركة التاريخ ص 33- 34.

من بلوغ مستوى الكفاية الاجتماعية، فاعتمد أسلوب المؤاخاة والمشاركة بين الطرفين وقال (تاخوا في الله أخوين أخوين) فكان ممن تاخوا- على سبيل المثال- وثبتت لنا المصادر أسماءهم: أبو بكر الصديق مع خارجة بن زهير، عمر بن الخطاب مع عتبة بن مالك، أبو عبيدة بن الجراح مع سعد بن معاذ، عبد الرحمن ابن عوف مع سعد بن الربيع، الزبير بن العوام مع مسلمة بن سلامة، عثمان بن عفان مع أوس بن ثابت، طلحة بن عبيد الله مع كعب ن مالك، سعيد بن زيد مع أبي بن كعب، مصعب بن عمير مع أبي أيوب خالد بن زيد، أبو حذيفة بن عتبة مع عباد بن بشر، عمار بن ياسر مع حذيفة بن اليمان، أبو ذر الغفاري مع المنذر ابن عمرو، حاطب بن أبي بلتعة مع عويم بن ساعدة، سلمان الفارسي مع أبي الدرداء، بلال مع أبي رويحة «1» .

بلغ من تأكيد الرسول صلى الله عليه وسلم على المؤاخاة أن ميراث الأنصاري كان يؤول بعد وفاته إلى أخيه المهاجر بدلا من ذوي رحمه من الأخوة أو الأبناء أو النساء..

واستمر ذلك حتى موقعة بدر التي حظي فيها المسلمون بمقادير لا بأس بها من الغنائم والأموال فأنزل الله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ، فعاد التوارث سيرته الأولى «2» .

وقد تلقى الأنصار أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم بفرح عميق وفتحوا قلوبهم ودورهم لرفاقهم في العقيدة حتى أن الواقدي يذكر بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما تحول من بني عمرو بن عوف في قباء إلى المدينة تحول أصحابه من المهاجرين فتنافست فيهم الأنصار أن ينزلوا عليهم حتى اقترعوا فيهم بالسهمان فما نزل أحد منهم على أحد إلا بقرعة سهم «3» كما أعلن الأنصار أنهم يهبون الرسول صلى الله عليه وسلم كل فضل في خطط بلدهم وقالوا له: إن شئت فخذ منا منازلنا فقال لهم خيرا وخط لأصحابه في كل أرض ليست لأحد أو موهوبة من الأنصار «4» .

ولما غنم المسلمون أموال بني النضير دعا الرسول الأنصار وذكرهم بما

__________

(1) ابن هشام ص 138- 139 البلاذري: أنساب 1/ 270- 271 ابن كثير: البداية والنهاية 3/ 226- 229 وانظر السمهودي: وفاء الوفا 1/ 190- 191.

(2) سورة الأنفال: الآية 75. ابن سعد 1/ 2/ 1 البلاذري: أنساب 1/ 270.

(3) الواقدي: مغازي رسل الله 1/ 378.

(4) البلاذري: أنساب 1/ 270.

صنعوا للمهاجرين وإنزالهم إياهم في منازلهم وإثرتهم على أنفسهم ثم قال: (إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين مما أفاء الله عليّ من بني النضير وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم) فأجابه زعماء الأوس والخزرج: يا رسول الله بل تقسمه للمهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا. ونادت الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول الله «1» .

وقابل المهاجرون إيثار إخوانهم وسماحتهم بتقدير كامل وسماحة مماثلة رافضين منذ البدء أن يكونوا إتكاليين على إخوانهم وعالة على أولئك الذين آووهم وقاسموهم.. وليست قصة عبد الرحمن بن عوف مع أخيه الأنصاري سعد بن الربيع سوى مثل واحد من عديد من الأمثلة على هذا التقابل الأخوي العادل في الأخذ والعطاء. روى البخاري أن المهاجرين لما قدموا المدينة آخى رسول الله بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع فقال سعد لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالا فأقسم مالي نصفين ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها فإذا انقضت عدتها فتزوجها. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن ثم تبع الغدو.. وما لبث أن جاء يوما وعليه آثار زينة فقال النبي: مهيم؟ أجاب:

تزوجت. فقال: كم سقت إليها؟ قال عبد الرحمن: نواة من ذهب.

لقد كان (الإخاء) تجربة رائدة في تاريخ العدل الاجتماعي، ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم فيه مثلا على مرونة الإسلام وانفتاحه في الظرف المناسب على أشد (أشكال) العلاقات الاجتماعية مساواة وعدلا، ورد فيه، وفق المنطق الإلهي الذي لا يحابي ولا يداجي، على كل القائلين بأن الإسلام جاء لكي يمثل (إصلاحا) جزئيا للمسألة الاجتماعية لأن (العصر) الذي تصوغه (وسائل الانتاج) لم يتح له أن يتحرك لصياغة عالم جديد من العلاقات لم تسمح المرحلة الانتاجية بعد بصياغته ولم تأمر بها. وسنرى فيما بعد، عبر سني الدعوة الحافلة، المزيد من التجارب الاجتماعية التي تصفع هذا التحليل الخارجي الصارم، تلك التجارب التي لا تقل في خطورتها ودلالتها عن تجربة الإخاء.

__________

(1) الواقدي: 1/ 379.

روى ابن سعد أن عددا من أبناء القبائل قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعقاب فتح خيبر فكلّم الرسول أصحابه فيهم أن يشركوهم في الغنيمة ففعلوا «1» .

وروى الواقدي أن المسلمين لما فتحوا حصون خيبر وجدوا هنالك متاعا وسلاحا وأثاثا كثيرا «فأما الطعام والأدم والعلف فلم يخمس يأخذ منه الناس حاجتهم» «2» .

كما يروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم نادى، خلال حصار الطائف، أن أي عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر. فخرج إليه بضعة عشر رجلا فأعتقهم وسلم كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه ويحمله «3» . ويروى أيضا أن الرسول صلى الله عليه وسلم استقرض في أعقاب فتح مكة مبلغ ثلاثين ألف درهم من عدد من أغنياء قريش وقسمها بين أصحابه من أهل الضعف، فيصيب الرجل خمسين درهما أو أقل أو أكثر «4» . ويروي البلاذري أن يهود فدك صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نصف الأرض فكان يصرف ما يأتيه منها إلى أبناء السبيل «5» . وفي رواية أخرى له عن أبيض بن جمال أنه استقطع رسول الله الملح الذي بمأرب فقال رجل: إنه كالماء العد فأبى أن يقطعه إياه «6» . وفي أنساب الأشراف أن رجلا من بلقين قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى فقلت: يا رسول الله لمن المغنم؟ قال: لله سهم ولهؤلاء أربعة أسهم. قلت: فهل أحد أحق بالمغنم من أحد؟ قال: لا، حتى السهم يأخذه أحدكم من جنبه فليس بأحق به من أحد» «7» . وعن أبي بكر قال: «سمعت رسول الله يقول: إنما هي- أي فدك- طعمة أطعمنيها الله حياتي فإذا مت فهي بين المسلمين» «8» . وكان عمر بن الخطاب يقول: كان للرسول صلى الله عليه وسلم ثلاث صفايا فكانت بنو النضير حبسا لنوائبه وكانت فدك لابن السبيل وكانت خيبر قد جزّأها ثلاثة أجزاء، فجزآن للمهاجرين وجزء كان ينفق منه على أهله فإن فضل رد على فقراء المهاجرين «9» ، وليست مسألة توزيع أموال بني النضير الكثيرة على فقراء المهاجرين وحجبها عن الأنصار، كي لا تكون الأموال دولة بين الأغنياء فحسب، عنا ببعيدة.

__________

(1) طبقات 2/ 1/ 78.

(2) مغازي 2/ 680.

(3) المصدر السابق 3/ 932.

(4) المصدر السابق 3/ 863- 864.

(5) فتوح البلدان 1/ 33.

(6) المصدر السابق 1/ 88.

(7) البلاذري: أنساب 1/ 352- 353.

(8) المصدر السابق 1/ 519.

(9) المصدر السابق 1/ 519 الواقدي 1/ 377- 378.

لقد نجحت التجربة لأن الأرضية التي أقيمت عليها والقيادة التي خططتها ونفذتها استكملتا كل شروط النجاح في مجتمع شاب يحكمه مبدأ العطاء قبل الأخذ، وتشده أواصر العقيدة وحدها ويوجهه الإيمان العميق في كل حركاته وأعماله وفاعلياته، ويقوده الرسول (الأسوة) الذي ضرب بتجرده وإيثاره وانسلاخه عن الأخذ وعطائه الدائم مثلا عاليا ومؤثرا يحرك حتى الحجارة الصم لكي تنبجس فيتدفق منها الماء. وأنى لتجربة كهذه أن تفشل وتتعثر والرسول صلى الله عليه وسلم يخوض مع أصحابه تجربة الفقر والجوع في سني الهجرة الأولى ويعاني كما يعانون بل أكثر مما يعانون، دون أن يفكر يوما بأن يمتطي (منصبه الأعلى) ليسلك طريقا آخر غير الذي يسلكه أتباعه، فيثري ويفتقرون، ويشبع ويجوعون، ويأخذ ويعطون. أولم يشك له أصحابه يوما الجوع ويكشفوا عن بطونهم التي شد كل منهم عليها حجرا لكي يؤكدوا له ما يعانونه، فإذا به يبتسم وقبل أن يتكلم يكشف عن بطنه فإذا بقطعتين من الحجارة قد شدتا عليها؟

روى البخاري أن أنس بن مالك قال: ما أعلم النبي رأى رغيفا مرققا حتى ألحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه قط. وعن عائشة قالت: إنّا كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلّة في شهرين وما أوقدت في بيوت رسول الله نار، فقال لها عروة ابن الزبير: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء. وقالت لقد توفي رسول الله وما في رفّي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رق لي. وعن أبي ذر قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة فاستقبلنا أحد فقال: يا أبا ذر قلت: لبيك يا رسول الله فقال ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا أموت وعندي منه دينار إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله وعن خلفه، ثم مشى فقال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وقليل ما هم!!

وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: «كان لنا جيران من الأنصار نعم الجيران.. كانوا يهدوننا بعض الطعام» ، وصلى عليه السلام مرة جالسا من شدة الجوع. قدموا له عصير اللوز فقال: أخروه عني هذا شراب المترفين. وتوفي ودرعه مرهونة عند يهودي اشترى منه ثلاثين قدحا من الشعير أخذها لطعام أهله.

ولم يكن لديه قط قميصان معا، ولا رداآن، ولا إزاران، ولا نعلان. وأهدي إليه من الشام جبة وخفان فلبسهما حتى تمزقا.. وحج في قطيفة لا تساوي أربعة

دراهم. كان يلبس الصوف- أرخص شيء وأكثره إيلاما للجسد- ويخصف النعل ويرقع القميص ويركب الحمار. وكانت له حصيرة ينام عليها، ويبسطها في النهار فيجلس عليها، ولقد نام عليها حتى أثرت في جنبه. وكانت له مخدة من جلد حشوها ليف. وأحيانا ينام على عباءة تثنى مرتين فطوتها زوجته حفصة أربع مرات، فلما نام عليها كان من لينها أن استغرق في النوم حتى فاتته صلاة الليل فنهى حفصة عن ذلك وأمرها أن تعيد العباءة إلى وضعها الأول. ورأت امرأة من الأنصار ما ينام عليه فأهدته مرتبة من الجلد حشوها صوف فأمر عائشة بأن تردها، أمرها ثلاث مرات وعائشة أم المؤمنين وزوجة رسول الله تقول: فلم أردها حتى أمرني ثلاث مرات لأنني كنت أحب أن يكون في بيتي مثل هذا. ولم يكن يحب الفقر ولا يرضى به وكان في دعائه يستعيذ منه. وكان يستطيع أن يملك ثروة جزيرة العرب كلها. وكان يعطي كما وصفه أعرابي (عطاء من لا يخشى الفقر) .

ولو احتفظ بنصيبه من الغنائم كأي فرد من جيشه لكان من أغنياء العرب.. ولكن ما دامت البشرية قد كتب عليها أن تعيش قرونا عديدة وفيها الفقر والغنى فخير نظام تصل إليه هو ذلك الذي يجعل حكامها في جانب الفقراء، فما أبشع أن تجتمع السلطة والغنى في جانب واحد.. وعشرات غير هذه الوقائع والأمثلة..

عشرات «1» .

إن تجربة المؤاخاة نجحت وكان لا بد لها أن تنجح ما دامت قد استكملت الشروط وتهيأت لها الأسباب في القيادة والقاعدة على السواء، وبغض النظر عن عدد الذين تاخوا عشرات كانوا أم مئات أم ألوفا.

وخلال ذلك أخذت الصلاة شكلها النهائي، وفرضت زكاة الفطر، وكتب الصيام، ورسمت الحدود، وفرض الحلال والحرام وحدد الأذان كنداء يدعى به المسلمون إلى الصلوات الخمس وكانوا يجتمعون لمواقيتها دونما دعوة، أما القبلة فقد كانت لأول أمرها متجهة صوب بيت المقدس ثم تحولت إلى الكعبة بعد سنة ونصف من الهجرة «2» .



كلمات دليلية: