العنصر الثاني: رسولنا صلى الله عليه وسلم في مهمة تجارية إلى بلاد الشام.

العنصر الثاني: رسولنا - صلى الله عليه وسلم - في مهمة تجارية إلى بلاد الشام.


العنصر الثاني: رسولنا - صلى الله عليه وسلم - في مهمة تجارية إلى بلاد الشام.

عن أبي موسى الأشعري قال: "خرج أبو طالب إلى الشام ومعه رسول

__________

(1) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص 18).

(2) رواه البخاري (رقم 2262).

(3) رواه البخاري (رقم 3406)، ومسلم (2050).

الله - صلى الله عليه وسلم - في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب -يعني: بحيرى- هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج ولا يلتفت إليهم. قال: فنزل وهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: هذا سيد العالمين، وهذا رسول رب العالمين. يبعثه الله رحمةً للعالمين.

فقال له أشياخ من قريش: وما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً، ولا يسجدون إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه، ثم رجع فصنع لهم طعاماً، فلما أتاهم به -وكان هو في رعية الإبل- فقال: أرسلوا إليه. فأقبل وغمامة تظله، فلما دنا من القوم قال: انظروا إليه عليه غمامة! فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، قال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه.

قال: فبينما هو قائم عليهم وهو ينشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم، إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه، فالتفت، فإذا هو بسبعة نفر من الروم قد أقبلوا، قال: فاستقبلهم فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس، وإنا أخبرنا خبره إلى طريقك هذه.

قال: فهل خلفكم أحدٌ هو خير منكم؟ قالوا: لا، إنما أخبرنا خبره إلى طريقك هذه. قال: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقضيه؟ هل يستطيع أحدٌ من الناس رده؟ فقالوا: لا. قال: فبايعوا وأقاموا معه عنده قال: فقال الراهب:

أنشدكم الله أيكم وليه؟

قالوا: أبو طالب. فلم يزله يناشده حتى ردّه.

... وزوّده الراهب من الكعك والزيت" (1)

العنصر الثالث: الله -عز وجل- يحفظ رسوله - صلى الله عليه وسلم - في شبابه من

أقذار الجاهلية.

حادثة شق الصدر هي تطهير لرسولنا - صلى الله عليه وسلم - من حظ الشيطان ولذلك لم يتلوث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شبابه بأقذار الجاهلية.

ومن الأمثلة على ذلك:

أولاً: صانه الله -عز وجل- عن شرك الجاهلية، وعبادة الأصنام.

عن زيد بن حارثة قال: كان صنم من نحاس- يقال له: (إساف) و (نائلة). يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تمسه" قال زيد: فطفنا، فقلت في نفسي: لأمسنه حتى أنظر ما يكون فمسحته، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألم تنه؟! " قال زيد: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلم صنماً قط حتى أكرمه الله- تعالى- بالذي أكرمه وأنزل عليه" (2).

وقال- صلى الله عليه وسلم - لخديجة: أي خديجة، والله لا أعبدُ اللات والعزى" (3).

__________

(1) صحيح، انظر "صحيح الترمذي" (3862)، "فقه السيرة" تحقيق الألباني، "صحيح السيرة النبوية" (ص 29 - 31) الألباني.

(2) قال الألباني: إسناده حسن. انظر "صحيح السيرة النبوية" (ص 32).

(3) رواه أحمد في "مسنده" وقال الهيثمي في "المجمع" (8/ 225): "رجاله رجال الصحيح".

ثاثياً: حفظ الله -تعالى- رسوله - صلى الله عليه وسلم - من أن يأكل الذي ذُبِحَ على النصب -أي: التي يذبحونها لغير الله-.

فكان - صلى الله عليه وسلم - لا يأكل ما ذبح على النصب، ووافقه في ذلك زيد بن عمرو ابن نفيل.

عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي- صلى الله عليه وسلم - لقى زيد بن عمرو ابن نفيل بأسفل (بلدح) -واد قبل مكة أو جبل بطريق جده- قبل أن ينزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - الوحي، فَقُدِّمتْ إلى النبي- صلى الله عليه وسلم - سُفرةٌ، فأبى أن يأكل منها. ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه. وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله، إنكاراً لذلك وإعظاماً له" (1).

ثالثاً: حفظ الله -تعالى- رسوله - صلى الله عليه وسلم - من أن تبدو عورته أو يظهر عرياناً.

عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: لما بُنيت الكعبة ذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - وعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة. ففعل، فخرّ إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق. فقال: إزاري إزاري فشُدَّ عليه إزاره وفي لفظ قال: "فحله فجعله على منكبيه فسقط مغشياً عليه فما رؤي بعد ذلك عرياناً - صلى الله عليه وسلم - (2).

رابعاً: وفق الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - للوقوف بعرفة قبل البعثة، مخالفة لما ابتدع

__________

(1) رواه البخاري (3826).

(2) متفق عليه أخرجه البخاري في "صحيحه" (رقم 364)، ومسلم (رقم 340).

قومه من رأي الحُمس -والأحمسُ الشديد على دينه- وكانت قريش تسمى الحُمُسْ وكان الشيطان قد استهواهم فقال لهم: إنكم إذا عظمتم غير حَرَمِكم استخف الناس بحرمكم، فكانوا لا يقفون بعرفة يوم عرفة، وكان سائر الناس تقف بعرفة، وكانت شريعة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك الوقوف بعرفة، كما قال تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة:199].

وعن محمَّد بن جبير عن أبيه جبير بن مطعم قال: أضللت بعيراً لي، فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - واقفاً بعرفة فقلت: هذا والله من الحمس فما شأنه ها هنا" (1).

فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقف بـ (عرفات) قبل أن يوحى إليه، وهذا توفيق من الله تعالى له.

العنصر الرابع: دروسٌ وعظات وعبر.

أولاً: في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم".

وفي ذلك إشارة على أن الرجال لا يقعدون عالة على الناس بل يعملون ليأكلوا من عمل أيديهم، فالأنبياء يعملون في رعي الغنم ليكتسبوا مالاً يعيشون منه ولم يجلسوا متواكلين عالة على القوم.

وفيه إشارة إلى الإحسان إلى الحيوان.

وفيه إشارة أن الذين يرعون الغنم ويحافظون عليها، ويصبرون عليها ويرحمونها؛ يستطيعون بعد ذلك أن يرعوا الأمم والشعوب، ولذلك ما من

__________

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم 1664)، ومسلم (رقم 1220).

نبي إلا وقد رعى الغنم في بداية حياته؛ لأن من وفق في رعي الغنم وفق في رعاية الأمم والشعوب.

وعليه فإنه عندما بعث رسولنا - صلى الله عليه وسلم - رعى الأمة وحافظ عليها، وأخذ بأيد الأمة ناصحاً أميناً يقودها إلى جنة عرضها السموات والأرض.

ثاتيأ: وفي قول الراهب بحيرى لأبي طالب: إني أخاف على هذا النبي من اليهود والروم؛ دليل على عداوة اليهود والنصارى للنبي- صلى الله عليه وسلم - قبل بعثته وبعد بعثته، وقد أخبرنا الله بعداوتهم في كتابه فقال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]، وقال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة:109]، وقال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217].

فأهل الكتاب عامة واليهود خاصة يبغضون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين ويعملون بالليل والنهار للقضاء على الإِسلام والمسلمين، وكما سيمر معنا في الحديث عن السيرة المحاولات الكثيرة التي حاولتها اليهود ليتخلصوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى سبيل المثال:

يقول أبوهريرة - رضي الله عنه -: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاة فيها سم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اجمعوا إليَّ من كان ها هنا من اليهود"، فجُمعوا له. فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقيَّ عنه؟ " فقالوا: نعم يا أبا القاسم: فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أبوكم" قالوا: أبونا فلان.

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كذبتم، بل أبوكم فلان" فقالوا: صدقت وبررت،

فقال: "هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ ". فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أهل النار؟ ". فقالوا: نكون فيها يسيراً ثم تخلفوننا فيها. فقال - صلى الله عليه وسلم -: "اخسئوا فيها، والله لا نخلفكنم فيها أبداً. ثم قال لهم: "هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ " قالوا: نعم. فقال: "هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟ " فقالوا: نعم فقال: "ما حملكم على ذلك؟ " فقالوا: أردنا إن كنت كاذباً نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك" (1)

قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [لمائد ة: 82].

اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً.

__________

(1) رواه البخاري (رقم 3169، 5777).



كلمات دليلية: