العنصر الأول: أسباب هذه الغزوة وموقف المنافقين

العنصر الأول: أسباب هذه الغزوة وموقف المنافقين


الخطبة الثالثة والأربعون: غزوة خيبر

أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة خيبر.

عباد الله! خيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع، تقع على بعد ستين أو ثمانين ميلاً من المدينة من جهة الشمال، وسكانها من اليهود.

عباد الله! ومدينة خيبر كانت حين غزاها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه آخر معقل من معاقل اليهود في أرض الجزيرة.

عباد الله! وفتح خيبر وعداً وعده الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين عند عَوْدَتِهم مِنْ صلح الحديبية، قال تعالى: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} [الفتح: 20].

يعني صلح الحديبية، وبالمغانم الكثيرة خيبر.

عباد الله! وحديثنا عن غزوة خيبر سيكون حول العناصر التالية:

,

العنصر الأول: أسباب هذه الغزوة وموقف المنافقين

.

العنصر الثاني: الجيش الإِسلامي في طريقه إلى خيبر.

العنصر الثالث: أحداث الغزوة.

العنصرالرابع: معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة خيبر.

العنصر الأول: أسباب هذه الغزوة وموقف المنافقين:

ومن أسباب هذه الغزوة: أن اليهود في خيبر نقضوا المعاهدة التي بينهم

وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعقدوا حلفاً مع قريش ضد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، يهدف إلى تطويقه من الشمال إلى الجنوب (1).

واليهود في خيبر هم الذين حزَّبوا الأحزاب ضد المسلمين في غزوة الأحزاب، وأثاروا بني قريظة على الغدر والخيانة، ويهود خيبر هم الذين وضعوا خطة لاغتيال النبي- صلى الله عليه وسلم -.

فكان لا بد من التخلص من يهود خيبر، الذين هم سبب لكل شر وبلاء في أرض الجزيرة.

عباد الله! وموقف المنافقين واحد لا يتغير إلا في أسلوبه وشكله فقط، وعندما خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم - والمسلمون إلى خيبر، أرسل رأس المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول إلى يهود خيبر: "أن محمداً قصدكم وتوجه إليكم فخذوا حذركم، ولا تخافوا منه، فإن عددكم وعدتكم كثيرة، وقوم محمَّد شرذمة قليلون، عُزَّلٌ لا سلاح معهم إلا قليل".

فلما علم ذلك يهود خيبر، أرسلوا إلى غطفان يستمدونهم -لأنهم كانوا حلفاء يهود خيبر، ومظاهرين لهم على المسلمين- وشرطوا لهم نصف ثمار خيبر إن هم غلبوا المسلمين (2).

وصدق الله العظيم حيث قال في وصف المنافقين: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139)} [النساء: 138 - 139]، وقال

__________

(1) "مختصر السيرة لابن هشام".

(2) "الرحيق المختوم".

{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68)} [التوبة: 67 - 68]

العنصر الثاني: الجيش الإِسلامي في طريقه إلى خيبر.

عباد الله! رجع النبي- صلى الله عليه وسلم - من الحديبية في ذي الحجة من السنة السادسة للهجرة، وبعد شهر واحد خرج بجيش المسلمين إلى خيبر، وهو على يقين من النصر والفتح، لما وعده الله تعالى أثناء عودته من صلح الحديبية.

قال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19)} [الفتح: 18 - 19].

عباد الله! وبينما يسير الجيش المسلم إلى خيبر ذات ليلة إذ قال رجل من الصحابة لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك -وكان عامر بن الأكوع رجلاً شاعراً- فنزل يحدو بهم وهو يقول:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا

فاغفر فداءً لك ما اتقينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا

وأنزلن سكينةً علينا ... إنا إذا صيح بنا أتينا

وبالصياح عولوا علينا ... وإن أردوا فتنةً أبينا

فقال - صلى الله عليه وسلم -: "من هذا السائق" فقالوا: عامر بن الأكوع.

فقال - صلى الله عليه وسلم -: "يرحمه الله" فقال رجل من القوم: يا رسول الله وجبت -أي:

أنه يرزق الشهادة بدعائك له ووجبت له الجنة- لولا أمتعتنا به" (1).

وكان الصحابة - رضي الله عنه - يعرفون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استغفر لرجل منهم يخصه؛ استشهد، فعلموا أن عامر بن الأكوع سيستشهد في غزوة خيبر.

عباد الله! وكان الصحابة - رضي الله عنهم - إذا صعدوا كبروا، وإذا نزلوا سبحوا (2). فأشرفوا على واد فرفعوا صوتهم بالتكبير: الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله.

فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: "أربعوا على أنفسكم، أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً قريباً وهو معكم" (3).

عباد الله! ولما أشرف الجيش المسلم على خيبر، قال لهم - صلى الله عليه وسلم - "قفوا"، ثم تضرع - صلى الله عليه وسلم - إلى ريه بهذا الدعاء "اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وخير ما فيها. ونعوذ بك من شر هذه القرية، وشر أهلها، وشر ما فيها" (4).

لتعلموا يا أمة الإِسلام أن جيش الإِسلام ذاكراً لله دائماً في سفره وحضره.

عباد الله! وصل جيش الإِسلام إلى أسوار خيبر، وبات- صلى الله عليه وسلم - والمسلمون خارج خيبر، واليهود لا يشعرون، فلما أصبح النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون صلوا

__________

(1) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 4196)، ومسلم (رقم 2477).

(2) رواه البخاري (رقم 2993).

(3) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 4205)، ومسلم (رقم 2704).

(4) حسنه الألباني في "فقه السيرة" (ص 340)

الفجر في أول وقته، ثم دخلوا خيبر واليهود خارجون إلى مزارعهم بآلات الزراعة.

فلما رأوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - والجيش قالوا: محمَّد والله، محمَّد والخميس: -أي الجيش- ثم فروا هاربين، ودخلوا حصونهم كما وصفهم الله في كتابه، فقال تعالى: {لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (13) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} [الحشر: 13 - 14].

عباد الله! فلما رأى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما بهم من الرعب قال: "الله أكبر خربت خيبر، الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين" (1).

الرعب يدب في قلوب الكفار إذا كنا على ديننا، أمَّا إذا تركنا ديننا فقد أخبر النبي- صلى الله عليه وسلم - "ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن".

قالوا: يا رسول الله! وما الوهن؟

قال - صلى الله عليه وسلم -: "حب الدنيا، وكراهية الموت" (2).

عباد الله! وتحصنت يهود خيبر في ثمانية حصون أشدها تحصناً هو (حصن ناعم) وكان هذا الحصن هو خط الدفاع الأول لليهود لمكانه (الاستراتيجي).

وكان هذا الحصين هو حصن مرحب اليهودي: ملك اليهود- الذي كان يعد بالألف -أي: كان عندهم بألف رجل-

__________

(1) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 371)، ومسلم (رقم 1365).

(2) صحيح: مضى تخريجه.

,

العنصر الثالث: أحداث الغزوة.

عباد الله! في ليلة الهجوم على خيبر، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه مبشراً لهم بالفتح: "لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه".

فبات الناس يدكُّون -أي: يتهامسون -أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم - كلهم يرجو أن يعطاها.

فقال - صلى الله عليه وسلم -: "أين علي بن أبي طالب؟ ".

فقالوا: يا رسول الله! هو يشتكي عينيه -أي: به رمد-

فقال - صلى الله عليه وسلم -: "أرسلوا إليه" فأتي به.

فبصق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عينيه، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية.

فقال علي - رضي الله عنه -: يا رسول الله! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإِسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من أن يكون لك حمر النعم" (1).

يوجه النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة إلى أن يحرصوا على دعوة الناس إلى الإِسلام، ولا يتطلعوا إلى الغنائم التي بعد الفتح.

عباد الله! أخذ علي - رضي الله عنه - الراية، وتحرك بجيش المسلمين إلى أول حصن من حصون اليهود، ألا وهو حصن ناعم وهو من أشد حصون اليهود تحصناً،

__________

(1) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 2942)، ومسلم (رقم 2406).

ويوجد فيه مرحب ملك اليهود الذي يعد بالألف.

فدعاهم علي - رضي الله عنه - للإسلام فرفضوا هذه الدعوة.

وخرج ملكهم مرحب إلى ميدان القتال ودعا إلى المبارزة وهو يقول:

أنا الذي سمتني أمي "مرحب" ... شاكِي السلاح (1) بطل مجرب

إذا الحروب أقبلت تلهب

فبرز إليه علي - رضي الله عنه - وهو يقول:

أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره

أوفيهم بالصاع كيل السندره

-أي: اقتل الأعداء قتلاً واسعاً- فتقدم علي - رضي الله عنه - إلى مرحب فعلاه بالسيف فقطع رقبته، ثم تقدم نحو حصون اليهود ففتحها حصناً حصناً، وكان الفتح على يد عليّ - رضي الله عنه -.

عباد الله! ولما اطمأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر بعد فتحها، أهديت إليه شاه فيها سم من امرأة يهودية، لتعلموا أن اليهود أهل غدر وخيانة ومكر، تعالوا بنا لنستمع إلى أبي هريرة - رضي الله عنه - وهو يخبرنا الخبر:

يقول أبو هريرة - رضي الله عنه - "لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاة فيها سم فعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال لأصحابه: أمسكوا إنها مسمومة بعد أن مضغ النبي - صلى الله عليه وسلم - منها مضغة.

__________

(1) أي تام السلاح.

ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: "اجمعوا من كان ها هنا من اليهود".

فجمعوا له: فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقوني عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم.

فقال لهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: من أبوكم؟

قالوا: أبونا فلان.

فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: كذبتم بل أبوكم فلان- لتعلموا أن اليهود أهل الكذب-

فقالوا: صدقت وبررت.

فقال لهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: من أهل النار؟

فقالوا: نكون فيها يسيراً ثم تخلفوننا فيها.

فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: كذبتم، اخسئوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبداً.

ثم قال لهم: هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه؟

قالوا: نعم.

فقال - صلى الله عليه وسلم -: هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟

قالوا: نعم.

فقال - صلى الله عليه وسلم -: "ما حملكم على ذلك؟ "

قالوا: أردنا إن كنت كاذباً نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك" (1)

__________

(1) رواه البخاري (رقم 3169).

عباد الله! ثم جيء بالمرأة التي وضعت السم في الشاة فسألها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لم وضعت السم في الشاة"؟

قالت اليهودية: أردت أن أقتلك؟

فقال - صلى الله عليه وسلم -: "ما كان الله ليسلطك علي".

قال الصحابة - رضي الله عنهم - يا رسول الله؟ أفلا نقتلها؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا" (1).

الله أكبر، إنها والله أخلاق النبوة، العفو عند المقدرة.

عباد الله! ثم عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وقد فتح الله له فتحاً مبيناً، ونصره نصراً عزيزاً، وحقق للمسلمين ما ودعهم به: {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ}.

عباد الله! وقسّم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - هذه المغانم الكثيرة التي غنمها من يهود خيبر كما أمره الله تعالى، وأثناء القسمة أدركه مهاجره الحبشة، جعفر بن أبي طالب وأصحابه، فضرب لهم بسهم، ولم يسهم لمن غاب عن خيبر إلا لمهاجرة الحبشة، وكان في السبي صفية بنت حيي بن أخطب فاصطفاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه، ثم دعاها إلى الإِسلام فأسلمت فأعتقها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعل عتقها صداقها، وبنى بها، وأولم عليها بالتمر والسمن، ولم يكن في وليمتها لحم قط.

__________

(1) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 2617)، ومسلم (رقم 2190).

عباد الله! ولما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صفية وجد في وجهها خضرةً فقال لها - صلى الله عليه وسلم -: "ما هذا"؟

قالت: رأيت كأن القمر زال من مكانه فوقع في حجري، فذكرت ذلك لزوجي ابن أبي الحقيق اليهودي، فلطمني على وجهي؛ وقال: تمنين هذا الملك الذي بالمدينة- يقصد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا والله يا رسول الله لا أذكر من أمرك شيئاً (1).

ولكن هذه الرؤيا التي رأتها هي زواجها من النبي - صلى الله عليه وسلم -.

عباد الله! وهكذا فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر، واستراح المسلمون من غدر وخيانة اليهود، وليعلم الجميع أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.

,

العنصر الرابع: معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة خيير

:

أولاً: إخباره- صلى الله عليه وسلم - باستشهاد عامر بن الأكوع وهم في طريقهم إلى خيبر، وقد حدث ذلك.

ثانياً: إخباره- صلى الله عليه وسلم - بأن من يأخذ الراية غداً سيفتح الله على يديه، ففتح الله خيبر على يديه.

ثالثاً: بصق - صلى الله عليه وسلم - في عين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، ودعا له فشفي من ألم عينيه كأنما لم يكن بها وجع.

رابعاً: إخباره - صلى الله عليه وسلم - بأن الشاة التي قدمت له مسمومة، عندما قال- صلى الله عليه وسلم -

__________

(1) "البدايهّ والنهاية" (196، 197)، و"زاد المعاد" (3/ 327).

لأصحابه "أمسكوا فإنها مسمومة".

خامساً: إخباره - صلى الله عليه وسلم - بأن رجلاً ممن معه من الذين خرجوا إلى خيبر من أهل النار.

يقول أبو هريرة - رضي الله عنه -: خرجنا إلى خيبر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجل ممن معه ممن يدعي الإِسلام: هذا من أهل النار.

فلما كان القتال، قاتل الرجل أشد ما يكون القتال، وكثرت به الجراحات حتى كاد بعض الناس أن يرتاب، فوجد الرجل ألم الجراحة، فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها أسهماً فنحر بها نفسه، فاشتد رجال إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: صدق الله حديثك، انتحر فلان فقتل نفسه.

فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: "قم يا فلان فأذن في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن".

ثم قال الرسول- صلى الله عليه وسلم -: "إن الله ليؤيد الدين بالرجل الفاجر" (1).

اللهم انصر الإِسلام وأعز المسلمين.

__________

(1) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 3062)، ومسلم (رقم 111).

الخطبة الرابعة والأربعون: كُتُبُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الملوك والرؤساء يدعوهم فيها إلى الإسلام

أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم- إن شاء الله- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الملوك والرؤساء يدعوهم فيها إلى الإسلام.

عباد الله! عندما قال الله -عز وجل- لرسوله - صلى الله عليه وسلم - {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ}، وقال له: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}، وقال له: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)}

قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدعوة الناس إلى هذا الدين العظيم، بالليل والنهار، سراً وعلانية، في السلم والحرب.

ففي صلح الحديبية قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما وصله الخبر أن قريشاً اجتمعت لمنعه من دخول مكة: "إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشاً نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا -أي قريش- ماددتهم مدة - أي: جعلت بيني وبينهم مدة يترك الحرب بيننا وبينهم فيها- ويخلّوا بيني وبين الناس" - أي: يتركوني أدعو الناس إلى الإسلام، وهذا هو الشاهد على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان حريصاً على دعوة الناس إلى الإِسلام في السلم.

وفي غزوة خيبر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي - رضي الله عنه -؛ عندما أعطاه الراية

وأرسله إلى خيبر: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم أدعوهم إلى الإِسلام" وهذا هو الشاهد على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان حريصا على دعوة الناس إلى الإِسلام حتى في أيام الحرب.

عباد الله! وبصلح الحديبية أمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شر أقوى أعدائه، شر قريش، وبفتح خيبر قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على شر اليهود في الجزيرة العربية - من الشمال-، وبذلك استقرت الأوضاع في المدينة، وأمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون على المدينة عاصمة الدولة الإِسلامية.

عباد الله! عند ذلك كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ملوك ورؤساء الدول الكبرى، كفارس، والروم يدعوهم إلى الإسلام.

عن أنس - رضي الله عنه - "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى كسرى، وإلى قيصر وإلى النجاشي، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" (1).

عباد الله! وكسرى هو لقب لكل مَن ملك الفرس، وقيصر هو لقب لكل مَنْ ملك الروم، والنجاشي هو لقب لكل مَنْ ملك الحبشة.

عباد الله! وعندما عزم الرسول - صلى الله عليه وسلم - على إرسال الكتب إلى الملوك والرؤساء قيل له: "إن العجم لا يقبلون إلا كتاباً مختوماً، فاتخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاتماً ونقشه محمَّد رسول الله" (2).

"فكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمَّد سطر، ورسول سطر،

__________

(1) رواه مسلم (رقم 1774).

(2) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 65)، ومسلم (رقم 2092).

والله سطر" (1).

"وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: يجعل هذا الخاتم في الخنصر من يده اليسرى" (2).

عباد الله! وأول من كتب إليه من الملوك هو هرقل عظيم الروم. وهذا هو نص الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمَّد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإِسلام -أي بدعوة الإِسلام وهي كلمة التوحيد- أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين -الفلاحين- {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)} [آل عمران: 64] (3).

عباد الله! وختم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الكتاب، وبعث به دحية الكلبي، فدفعه دحية إلى عظيم بصرى، فسلمه هرقل.

ماذا فعل هرقل عندما وصله الكتاب؟ وماذا كان رده؟

عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى ابن عباس -رضي الله عنهما -وهو يخبرنا الخبر من فيِّ أبي سفيان بن حرب.

يقول ابن عباس -رضي الله عنهما- حدثني أبو سفيان بن حرب من فيه إلى فيَّ، قال -أي أبو سفيان- انطلقت في المدة التي كانت بيننا وبين رسول الله

__________

(1) رواه البخاري (رقم 5878).

(2) رواه مسلم (رقم 2095).

(3) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 7)، ومسلم (رقم 1773).

(صلى الله عليه وسلم) -يعني صلح الحديبية- فبينما أنا بالشام إذا جئ بكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل -يعني عظيم الروم- جاء به دحية الكلبي، فدفعه إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل.

فقال هرقل: هل ها هنا أحدٌ من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟

قالوا: نعم.

قال: -أي: أبو سفيان - فدُعيت في نفر من قريش، فدخلنا على هرقل فأجلسنا بين يديه.

فقال: -أي هرقل- أيكم أقرب نسباً من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟

قال: أبو سفيان: أنا -يقول أبو سفيان- فأجلسوني بين يديه، وأجلسوا أصحابي خلفي ثم دعا ترجمانه؟

فقال قل لهم: إني سائل هذا الرجل -يقصد أبا سفيان- عن هذا الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني، فكذبوه ..

قال أبو سفيان: والله لولا مخافة أن يؤثر عني الكذب، لكذبته -أي: لولا خفت أن رفقتي ينقلون عني الكذب إلى قومي، ويتحدثون به في بلادي، لكذبت عليه، لبغضي إياه-

ثم قال لترجمانه: سلة كيف حسبه فيكم؟

قال أبو سفيان: هو فينا ذو حسب.

قال هرقل: فهل كان مِن آبائه ملك؟

قال أبو سفيان: لا.

قال هرقل: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟

قال أبو سفيان: لا

قال هرقل: ومن يتبعه؟ أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟

قال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم.

قال هرقل: أيزيدون أم ينقصون؟

قال أبو سفيان: بل يزيدون.

قال هرقل: هل يرتد أحد منهم عن دينه، بعد أن يدخل فيه سخطه له؟

قال أبو سفيان: لا

قال هرقل: فهل قاتلتموه؟

قال أبو سفيان: نعم

قال هرقل: كيف كان قتالكم إياه؟

قال أبو سفيان: تكون الحرب بيننا وبينه سجالاً -يصيب منا ونصيب منه-.

قال هرقل: فهل يغدر؟

قال أبو سفيان: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها، -يقصد بها صلح الحدييية- قال أبو سفيان: ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه-.

قال هرقل: فهل قال هذا القول أحد قبله؟

قال أبو سفيان: لا.

ثم قال هرقل لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه فيكم، فزعمت أنه فيكم ذو حسب، فكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها، وسألتك: هل كان في آبائه ملك، فزعمت أن لا، فقلت: لو كان في آبائه ملك، قلت: رجل

يطلب ملك آبائه، وسألتك عن أتباعه: أضعفاء الناس أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم: وهم أتباع الرسل. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، وقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله. وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطةً له، فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.

وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهيم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم.

وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أن الحرب بينكم وبينه سجال، تنالون منه وينال منكم، وكذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لهم العاقبة، وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أن لا يغدر وكذلك الرسل لا تغدر.

وسألتك: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أن لا.

فقلت: لو كان قال هذا القول أحد قبله، قلت: رجل يأتم بقول قيل قبله.

ثم قال هرقل: بم يأمركم؟

قال أبو سفيان: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف.

قال هرقل: إن يكن ما تقول فيه حقاً؛ فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه، لأحببت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي ثم دعا بكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأه، فإذا فيه "بسم الله الرحمن الرحيم من محمَّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل عظيم الروم".

سلام على ما تبع الهدى .. أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإِسلام، أسلم

تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)}. فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللغط -وهي الأصوات المختلطة- وأمر بنا فأخرجنا.

فقال أبو سفيان: فقلت لأصحابي حين خرجنا: لقد أمِرَ أمرُ ابن أبي كبشة -أي: عظم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. إنه ليخافه ملك بني الأصفر- يعني الروم.

قال أبو سفيان: فما زلت موقناً بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإِسلام" (1).

عباد الله! وكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى كسرى ملك الفرس يدعوه إلى الإِسلام، وهذا هو نص الكتاب:

"بسم الله الرحمن الرحيم من محمَّد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من أَتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. أدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ًويحق القول على الكافرين. فأسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس" (2).

عباد الله! عندما وصل الكتاب إلى كسرى مزقه.

__________

(1) تقدم قريباً.

(2) قال الشيخ الألباني: حديث حسن انظر "فقه السيرة" (ص 368).

فلما وصل الخبر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مزق الله ملكه" (1).

فاستجاب الله لدعاء رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومزق ملك كسرى، وذلك عندما قام ابنه بقتل إخوته ثم قتل والده ليرث الملك وحده ثم بعد ذلك بقليل مات هذا الابن فتمزق ملك كسرى جزاءً وفاقاً ولا يظلم ربك أحداً.

عباد الله! أما الفوائد والدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الملوك والرؤساء فهي كثيرة جداً منها:

أولاً: محمَّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بُعث بالإِسلام إلى الناس كافة، والدليل على ذلك في كتاب الله قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28]، وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)} [الأنبياء: 107]، وقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158].

والدليل على ذلك من السنة:

قوله - صلى الله عليه وسلم - "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون" (2).

الشاهد أرسلت للناس كافة.

ويؤخذ أيضاً من رسائله - صلى الله عليه وسلم - إلى الملوك والرؤساء والقادة، في داخل الجزيرة وخارجها يدعوهم فيها إلى الإِسلام، ويقول: "فإني أنا رسول الله إلى

__________

(1) رواه البخاري (رقم 64).

(2) رواه مسلم (رقم 523).

الناس كافة؛ لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين".

ثانياً: الكذب خلقٌ قبيح في الجاهلية، وقبيح وحرام في الإِسلام. ويؤخذ هذا من قول أبي سفيان عندما سأله هرقل فقال: "فوالله لولا الحياء مِنْ أن يأثروا على كذباً لكذبت عليه".

فيا أمة الإِسلام! الكذب قبيح في الجاهلية وقبيح عند الكفار، أما يستحي المسلم الذي يصلي ويصوم أن يكذب على الله، وعلى رسول الله، وعلى الناس.

وقد جاء الإِسلام يأمر بالصدق ويحذر من الكذب، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)}، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ} إلى قوله تعالى: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)}.

وقال - صلى الله عليه وسلم -: " عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر .. " (1).

ثالثاً: المؤمن الصادق إذا تمكن الإيمان من قلبه لا يرتد عن دينه أبداً، وإن نشر بالمناشير ومشط بأمشاط الحديد، وهذا يؤخذ من قول هرقل: "سألتك هل يرتد أحدٌ منهم سخطة عن دينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، أما المنافقون والذين في قلوبهم مرض، والذين دخلوا في الإِسلام طمعاً في الدنيا الفانية، فهم الذين يرتدون عن دينهم، وفيهم قال تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ

__________

(1) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 6094)، ومسلم (رقم 2607).

يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} [المائدة: 41]، وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} [العنكبوت: 10]، وقال تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11)} [الحج: 11].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا" (1).

أما المؤمنون الصادقون؛ فقد قال الله تعالى في وصفهم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)} [الحجرات: 15].

وقال - صلى الله عليه وسلم - لخباب بن الأرت - رضي الله عنه -: "قد كان قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها ثم يؤتي بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (2).

رابعاً: الإِسلام دين الله، ومن وقف في وجه دعوة الإِسلام دمره الله،

__________

(1) رواه مسلم (رقم 118).

(2) رواه البخاري (رقم 3612).

وهذا يؤخذ من رسالته - صلى الله عليه وسلم - إلى كسرى عظيم فارس عندما مزقها فدعا عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فمزق الله ملكه.

وهذا الذي فعله الله في جميع الأمم السابقة عندما وقفت في وجه دعوة الإسلام.

قوم نوح عندما وقفوا في وجه الإِسلام الذي جاء به نوح عليه السلام أبادهم الله.

عاد عندما وقفوا في وجه الإِسلام الذي جاء به هود عليه السلام أبادهم الله.

ثمود عندما وقفوا في وجه الإِسلام الذي جاء به صالح عليه السلام أبادهم الله.

فرعون عندما وقف في وجه الإِسلام دمره الله.

قريش عندما وقفت في وجه الإِسلام ودعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دمرهم الله.

فليحذر الذين يكيدون للإسلام فإن الله -عز وجل- يقول في كتابه، {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)} [الطارق: 15 - 17].

اللهم دمر كلَّ من وقف في وجه الإِسلام.



كلمات دليلية: