السيرة الإجمالية قبل النبوة سنة 39 من مولده

السيرة الإجمالية قبل النبوة سنة 39 من مولده

"إذا تأملنا في السيرة النبوية لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة نجد أنه صلى الله عليه وسلم قد جمع في نشأته من كريم الخصال وشريف الشمائل ما هيأه لأن يحظى بشرف النبوة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن قومه خُلقًا، وأعظمهم حلمًا، وأعفهم نفسًا، وأبعدَهم عن الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل قومه مروءةً، وخيرهم جوارًا، وأكرمهم خيرًا، وأبرّهم عملًا

حتى وصفته زوجته السيدة خديجة -رضي الله عنها- «أنه يصل الرحم، ويحمل الكَلّ [وهو العبء الثقيل مما يُتَكلَّف به]، ويكسب المعدوم، ويُقرى الضيف، ويعين على نوائب الحق»(صحيح البخاري).

كما كان -صلوات ربي وسلامه عليه- أصدق قومه حديثًا، وآمنهم أمانة

حتى شهد له بذلك ألدُّ أعدائه النضر بن الحارث من بني عبد الدار حيث يقول: ""قد كان محمد فيكم غلامًا حَدَثًا، أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثًا وأعظمكم أمانةً، حتى إذا رأيتم في صُدغيه الشَّيب وجاءكم بما جاءكم قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر [السيرة النبوية لابن هشام]. قال ذلك في معرض الاتفاق على ما يقولونه للعرب الذين يحضرون الموسم حتى يكونوا متفقين على قول مقبول يقولونه.

ولما سأل هِرَقْلُ ملك الروم أبا سفيان قائلًا: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا، فقال هرقل: ما كان ليدعَ الكذب على الناس ويكذبَ على الله (صحيح البخاري).

ولا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حظي منذ مولده بقدر كبير من العناية الإلهية والرعاية الربانية، فالأنبياء صناعة إلهية، وقدرة ربانية، يحوطهم بحفظه ويكلؤهم بعنايته ورعايته، ويعصمهم عما يقع فيه سائر البشر من .الرذائل

وذلك كله مما يُحَلِّي الله بها أنبياءه ليكونوا قدوة للناس، ويُهيِّئُهم ليكونوا على أتم استعداد لتلقّي وحيه، فنجد أنه -صلوات ربي وسلامه عليه- حظي بذلك التهيؤ منذ مولده، فقد وُلِد يتيمًا فقيرًا لم يرث من والده شيئًا، ووجود الأنبياء في حال التجرد عن الدنيا ومشاغلها أمر لا بدّ منه؛ لأنهم لو وجدوا أغنياء لألهتهم الدنيا وشغلوا بها عن السعادة الأبدية، وتلك حكمة بالغة أظهرها الله على أنبيائه ليكونوا نموذجًا لمتبعيهم في الامتناع عن التكالب على الدنيا والتهافت عليها.

كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رعى الغنم في صباه، وما من نبي إلا رعاها [السنن الكبرى للنسائي] كما أخبر عن ذلك في حديث للبخاري. وهذه أيضًا من بالغ الحِكَم؛ فإن الإنسان إذا استرعى الغنم -وهي أضعف البهائم- سكن قلبَه الرأفةُ واللطفُ تعطفًا مع ما فيها من الصبر والتصبر، والجلد وقوة التحمل إزاء تفرقها وتشتتها، فإذا انتقل من ذلك إلى رعاية الخَلْق كان لما هُذِّب أولًا من الحدة الطبيعية والظلم الغريزي، فيكون في أعدل الأحوال.

ثم نجده صلى الله عليه وسلم في شبابه انتقل إلى مرحلة أخرى وحال آخر، فقد عمل في التجارة، وقد هيأ له ذلك السفر إلى أماكن مختلفة تعامل فيها مع طوائف وأجناس شتى من الناس.

ولا شك أن عمله أكسبه خبرة في التعامل مع الناس والتعرف على طبائعهم وأخلاقهم، كما أتاح للناس التعرف إليه من خلال البيع والشراء؛ فقد ذاع صيته في التجارة كتاجر ناجح اشتهر بين الناس بالصدق والأمانة، وأتاحت التجارة لرسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة أساليب التجار في البيع .والشراء

وقد تبين ذلك جليا حينما مرّ على أحد التجار يعرض طعامًا ظاهره جيد أمام الناس، فأدخل صلى الله عليه وسلم يده ،في الطعام فنالت أصابعه بللا : فقال «ما هذا يا صاحب الطعام». قال أصابته السماء يا رسول الله. قال «أفلا جعلته فوق الطعام كى يراه الناس، من غشَّ فليس منى». (رواه مسلم).

ونأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه عن كل ما شاع في عصره من الرذائل والموبقات، فكان لا يشرب الخمر مع شيوعه في قومه شيوعًا عظيمًا، وكان لا يأكل مما ذُبِح تقرُّبًا للأصنام، ولا يحضر للأصنام عيدًا، بل نَفَر منذ نشأته من هذه المعبودات الباطلة، حتى لم يكن شيء أبغض إليه منها.

أما قبيل البعثة فنجده صلى الله عليه وسلم حُبِّب إليه الانفراد والخلوة، فكان يخلو بنفسه في أحد جبال مكة يعبد ربه، ويتأمل في ملكوت السماوات والأرض

مما هيأ له سموًّا روحيًّا، وصفاءً قلبيًّا وذهنيًّا لم يبق معه التفات إلى غير الله عز وجل، فكان يستعين بطول صمته على التأمل في الدنيا وشئون الناس وأحوالهم، وما هم عليه من المعتقدات الباطلة، والتفكر خلق السماوات والأرض، ومحاولة استيضاح الحق، إلى أن نزل عليه رُوح القُدس - جبريل عليه السلام- بالوحي.