الرسول صلى الله عليه وسلم وقبيلة ثقيف في الطائف

الرسول صلى الله عليه وسلم وقبيلة ثقيف في الطائف


الرسول صلى الله عليه وسلم وقبيلة ثقيف في الطائف

:

خرج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف من أجل الدعوة إلى دين الله وكان هذا الخروج بعد موت عمه أبي طالب وزوجه البرة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وقصد قبيلة (ثقيف) فصدها لعلها تنصره على خصوم الدعوة وتستجيب لدعوة الله فتفوز بالسبق إلى الدين الحنيف، وتنال ما يبقى لها ذكرا جميلا وذخرا طيبا، غير أنها أعرضت عن هذه

الدعوة المحمدية، وأقبلت على دعوة الشيطان، فسخرها إلى أن تكون في خدمة الأوثان أولى لها من أن تكون من جنود الرحمن، وقصد في ثقيف إخوة ثلاثة هم من عائلة مشهورة في القبيلة كان يظن أنهم يستجيبون له وينصرونه على من وقف في طريق تبليغ دعوة الله، ودعوة رسوله وذلك ما يكسبها الكرامة والسعادة في الدنيا والآخرة، ولكن (تجرى الرياح بما لا تشتهي السفن)، كما جاء في المثل العربي القديم وهؤلاء الإخوة الثلاثة هم عبد ياليل ومسعود، وحبيب بنو عمرو بن عمير، وهم سادة ثقيف وأشرافها، ولهم الكلمة المسموعة والنافذة في القبيلة فجلس إليهم وحدثهم عن السبب الذي جعله يقصدهم من أجله غير أنهم ردوا دعوته ردا غير مناسب للداعي ولا لمن أرسله بعد أن بين لهم أنه إنما قصدهم لينصروه على المعارضين له حتى يبلغ دعوة الله، فقال له أحدهم في رده لتلك الدعوة:

1) هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك - يريد هو يزيلها ويرمي بها كما يزال الشعر ويرمى به -

2) وقال الآخر أما وجد الله أحدا أرسله غيرك؟

3) وقال الثالث والله لا أكلمك أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما يتبغي لي أن أكلمك.

ولما لم تستجب إليه هذه القبيلة على لسان أشرافها رجع إلى مكة بدون نتيجة من ثقيف فلم يستجيبوا للدعوة بل أغروا به السفهاء منهم والعبيد والأوباش ومن لا خلاق له من الصبيان وغيرهم فسبوه وصاحوا عليه بأقوال السفهاء، والسفهاء لا يعرفون إلا السفهاء ومن لا خلاق لهم، فاجتمعوا عليه وجعلوا فيما بينهم صفين يرمي عليه بالحجارة كل صف منهما فإذا سلم من هذا الصف وحجارته، أصابته حجارة الصف المقابل فما خرج من بين الصفين إلا وقدماه الشريفتان تسيلان دما، وهما اللتان جعلهما الله لتبليغ الدعوة إلى الخلق، ولخدمة الإسلام والعقيدة والسير بهما في سبيل الله، فكل ما أصابه أو يصيب غيره من الدعاة إلى الحق والخير إنما هو من أجل الدعوة إلى الله والثبات عليها، وإرادة الخير لبني الإنسان.

وعند منصرفه من الطائف عائدا إلى مكة بعد أن رده أهلها ذلك الرد القبيح نزل في مكان وارتاح فيه، ثم توجه إلى ربه بدعاء له مغزاه، وتضرع إليه كي ينصر دينه وأنه لم يفرط فيما أمره به ربه ليبلغه للناس فقال (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر

الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك) (عن ج 1 من سيرة ابن هشام ص 420 - تاريخ الطبري ج 2 ص 345).

هذا هو دعاء الرسول المهموم والمغموم من رد أشراف قبيلة ثقيف دعوة الله ورسوله ردا لا يليق بالأشراف ولكنه الجهل وعبادة الأوثان وأثرهما في النفوس.

وثبت في الصحيحين عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أنها حدثته فقالت قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، هل أتي عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال ما لقيت من قومك كان أشد منه يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد يالليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب - قرن الثعالب، قال القاضي عياض قرن المنازل وهو قرن الثعالب وهو مكان بين مكة والطائف وهو بسكون الراء - فرفعت رأسي فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، ثم ناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد قد بعثني الله إليك، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال قد بعثني إليك ربك لتأمرني بما شئت، إن شئت نطبق عليهم الأخشبين

- الأخشبان هما الجبلان اللذان تحت العقبة بمنى - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرجو أ، يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، لا يشرك به شيئا).

وفي رجوعه من الطائف إلى مكة بعد أن يئس من أهلها نزل بوادي ((نخلة)) فقام من جوف الليل يصلي فمر به نفر من الجن، وهو يصلي، قيل أنهم سبعة، فلما سمعوه يقرأ القرآن في صلاته رجعوا إلى قومهم مؤمنين بما سمعوا من كلام الله، ذلك ما أشارت إليه الآية الكريمة من قولي تعالى في سورة الأحقاف: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن) إلى قوله تعالى: (في ضلال مبين) الآيات من 29 إلى 32 منها على ما ذكره علماء التفسير، إذ تكرر سماع الجن للقرآن من النبي صلى الله عليه وسلم.

(وكل ميسر لما خلق له) فجميع ما نال الدعاة كان من أجل الدعوة إلى الله والثبات عليها، وإرادة الخير لبني الإنسان أينما كانوا.

ومن المحاولات التي قام بها مشركو قريش لصده عن الدعوة وتبليغ الدين إلى الناس تلك المحاولة التي قاموا بها، حين توجهوا إلى عمه أبى طالب طالبين منه أن يكون واسطة بينهم وبين ابن أخيه، بأن يترك الدعوة إلى دينه ويتخلى عن شتم آلهتهم - الباطلة - غير أنهم خابوا في محاولتهم هذه فقد حاول أبو طالب - في حياته بعد مساعي قريش الملحة - أن يصده عنها استجابة لرغبة

قريش، ويتخلى عن الدعوة إلى الله ويترك الإساءة - في زعمهم - إلى أوثانهم وآلهتهم فأبى، وقال لعمه (يا عم ... والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته).

هذا هو السبيل أو الخط الذي سار فيه الرسول صلى الله عليه وسلم بالإسلام ودعوته وعقيدته، فلم يضعف ولم يترك الدعوة وصبر على أذى أعداء الله وأعداء دين الله الحق حتى نصره الله على الخرافيين عباد الأحجار والأشجار، وقد رسم هذا الخط بمواقفه الصلبة في وجه خصوم العقيدة والدين - رسمه لأتباعه ليسلكوا مسلكه، وليقتفوا آثره في مثل مواقفه تلك غير أن هؤلاء الأتباع تحولوا عن خطه ومنهاجه، فحل بهم البوار والضعف.

ومما زاد في قوة الإسلام - بعد ما لحق الرسول ما لحقه - وانتصاره على الخرافيين إسلام بعض الشخصيات القوية في مجتمعها ومحيطها ودخولها في الإسلام شخصيات لها وزنها وقيمتها في وسطها، مثل حمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم ((أسد الله)) وعمر ابن الخطاب رضي الله عنهما، فلما أسلما واتبعا الرسول وشاع خبر إسلامهما وانتشر في الأوساط الوثنية، خاف كفار قريش على شركهم وأوثانهم من الزوال بل وتيقنوا أن عهد الشرك قد ولى مدبرا، وصاروا

يحسبون للإسلام والرسول حسابهما وتبدل ميزان القوة فرجحت كفة الإسلام، وخفت كفة الشرك والأوثان - وأوهنهم ذلك النصر المبين - وعندما خفت كفة الشرك والمشركين، وحق لميزان الكفر والضلال أن يخف، خف آذاهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وصار المسلمون بعد هذين الحدثين الهامين يعلنون إسلامهم جهارا وأمام المشركين، بعد أن كانوا يخفون شعائر دينهم حذرا من عدوان قريش عليهم، وذلك مثل الصلاة وتلاوة القرآن وغيرهما من التجمعات لفائدة الدعوة والتبليغ، فصار كل هذا، يقع أمام المشركين، فيزيدهم هذا غيظا وتحرقا وحنقا على الإسلام والمسلمين، وعجزا عن محاربته، والتعرض لأنصاره، وهذا من عوامل القوة، إذ الناس لا يلتفتون للحق إلا إذا كانت معه قوة تعزز جانبه، وإلا تكن له قوة فلا يخضع له أحد، إلا إذا كان من أهل الفكر والإدراك.



كلمات دليلية: