الخطبة الثالثة والعشرون: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة

الخطبة الثالثة والعشرون: هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة


الخطبة الثالثة والعشرون: هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة

عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاءٍ جديدٍ من سيرة الحبيب محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة.

عباد الله! الهجرة من مكة إلى المدينة كانت بوحي من الله إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -. قال - صلى الله عليه وسلم -: "رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي -أي ظني- إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب" (1).

عباد الله! بعدما تحدد المكان الذي يُهاجر إليه؟ أذن رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه بالهجرة إلى المدينة فخرجوا أفراداً وجماعات، وتغلبوا على جميع الصعوبات التي واجهتهم.

عباد الله! وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة بعد أصحابه ينتظر أن يؤذن له في الهجرة، ولم يتخلف معه بمكة أحد من المهاجرين؛ إلا من حبس أو فتن؛ إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر -رضي الله عنهما-.

وكان أبو بكر كثيراً ما يستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة، فيقول له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "على رسلك يا أبا بكر، فإني أرجو أن يؤذن لي" فقال أبو بكر: أترجو ذلك يا رسول الله بأبي أنت؟ قال: "نعم"، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق السمر أربعة أشهر (2)

__________

(1) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 3622)، ومسلم (رقم 2272).

(2) رواه البخاري (رقم 2297).

إستعداداً للهجرة من مكة إلى المدينة.

عباد الله! رأت قريش أن الديار قد خلت من أهلها، وأن المسلمين قد تركوا مكة مهاجرين إلى المدينة، تاركين ديارهم وأموالهم، وشعرت قريش أيضاً بأن الإِسلام أضحت له دارٌ يأرز إليها، وحِصنٌ يحتمي به، وتوجست خيفةً من عواقب هذه المرحلة الخطيرة في دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وعلمت قريش أيضاً أن محمداً لا بد أن يدرك أصحابه اليوم أو غداً، فاجتمعوا في دار الندوة ليتخذوا قراراً حاسماً في هذا الأمر.

فرأى بعضهم أن توضع القيود في يد محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ويشد وثاقه ويرمى به في السجن لا يصله منهم إلا الطعام، ويترك على ذلك حتى يموت، ورأى آخر أن ينفي من مكة فلا يدخلها وتنفض قريش يديها من أمره، وقد استُبعِدَ هذان الاقتراحان لعدم جدواهما واستقر الرأي على الاقتراح الذي أبداه أبو جهل.

قال أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شاباً نسيباً وسطاً فتياً، ثم نعطي كل فتى سيفاً صارماً، ثم يضربونه جميعاً ضربة رجل واحدٍ، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلِّها، ولا أظن أن بني هاشم يقوون على حرب قريش كافة، فإذا لم يبق أمامهم إلا الدية أديناها.

ورضي كفار مكة بهذا الحل للمشكلة التي حيرتهم، وانصرفوا ليقوموا على تنفيذ هكذا القرار الجائر الغادر.

وقد أخبرنا الله في كتابه عن هذا الاجتماع، قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ

الْمَاكِرِينَ (30)} [الأنفال: 30] (1).

عباد الله! لما أجمع كفار مكة على قتله - صلى الله عليه وسلم -، أوحى الله -تبارك وتعالى- إليه بالإذن في الهجرة، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بيته إلى بيت أبي بكر - رضي الله عنه - ليخبره بذلك.

تعالوا بنا لنستمع إلى عائشة -رضي الله عنها- وهي تخبرنا الخبر، قالت عائشة -رضي الله عنها-: "بينما نحن يوماً جلوس في بيت أبي بكر في نحو الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متقنعاً- في ساعة لم يكن يأتينا فيها- فقال أبو بكر: فداءً له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر: أخْرِجْ مَنْ عِندَك.

فقال أبو بكر: إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله.

قال - صلى الله عليه وسلم -: فإني قد أذن لي في الخروج.

فقال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول الله؟

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نعم". قال أبو بكر: فخذ- بأبي أنت يا رسول الله- إحدى راحلتي هاتين قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بالثمن"، قالت عائشة: فجهزناهما أحسن الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاق" (2).

إخوة الإِسلام! وتواعدا أن يخرجا ليلاً إلى غار ثور، فيمكثا ثلاث ليال

__________

(1) "سيرة ابن هشام" مع "الروض الأنف" (2/ 221 - 223).

(2) رواه البخاري (رقم 3905).

وذلك من تمام إحكام الخطة، ورجاء النجاة والسلامة، ذلك أن قريشاً تعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مهاجر إلى المدينة فإذا فقدته ستطلبه جهة المدينة- في الشمال- فخرج - صلى الله عليه وسلم - أول ما خرج جهة الجنوب، جهة اليمن مخالفاً تماماً الطريق الذي قصده، حتى إذا خرجت قريش من جهة المدينة فلم تدركه علمت أنه قد نجى، فترجع فيخرج بعد آمناً سالماً مطمئناً.

واستأجرا أجيراً يهديهما الطريق، وكان كافراً إلا أنهما أمناه على هذا السر، وأسلما له الراحلتين، وواعداه أن يأتيهما بعد ثلاث في غار ثور.

وفي الليل خرج - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - علياً أن ينام في فراشه تلك الليلة، وأتيا غار ثور فدخلاه، وكان عبد الله بن أبي بكر -رضي الله عنهما- يبيت عندهما إلى الثلث الأخير من الليل، فإذا دخل السحر تدلى إلى مكة فأصبح بينهم كأنه بائت فيهم، فيستمع إليهم بالنهار، وما يكيدونه للنبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا جاء الليل ذهب إليهما، فأخبرهما بما سمع من مكائد قريش، وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى الغنم قريباً من الغار، فإذا كانت العشاء راح عليهما بالغنم في الظلام، فيحلبان ويطعمان ثم ينعق عامر على الغنم فتنزل إليه، صنع ذلك حتى انتهت الثلاث.

عباد الله! وجاء الشباب الذين أجمعوا أمرهم على قتل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وباتوا ليلتهم أمام الدار، فلم يرعهم إلا خروج علي بدلاً من محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، فجن جنونهم وطاروا هنا وهناك في الطرقات، يبحثون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه حتى انتهى بهم أثر الأقدام إلى غار ثور الذي دخله النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأعمى الله أبصارهم، وصرف قلوبهم عن دخول الغار، وهم أمام بابه وأبو بكر يقول: يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا.

فيقول - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، يا أبا بكر لا تحزن إن

الله معنا" قال تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} [التوبة: 40].

عباد الله! وصل المطاردون إلى باب الغار، ولكن الله غالب على أمره، فصرف قلوبهم عن دخول الغار، فرجعوا يجرون أذيال الخيبة، وبعد ثلاث جاء الأجير الكافر في موعده، وكان هادياً خريتاً -أي ماهراً بالطريق- بالراحلتين فارتحل النبي - صلى الله عليه وسلم - إحداهما وأبو بكر الأخرى، وخرج معهم عامر ابن فهيرة، وانطلق بهم الدليل نحو الجنوب، ثم انحاز بهم نحو الساحل ثم أخذ طريق الساحل إلى المدينة.

عباد الله! ولكن قريشاً لم تسكت ولم تهدأ، ساءها خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - من بينهم، وفشلهم في إدراكه.

فذاعوا في الناس: من جاء بمحمد وصاحبه أحياءً وأمواتاً فله ديتهما، والدية مائة من الإبل، والإبل أنفس أموال العرب وأحبها إلى قلوبهم، فسال لعاب الناس، من الذي يأتي بمحمد وصاحبه فيأخذ مائتين من الإبل.

عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى سراقة بن مالك وهو يخبرنا الخبر قال سراقة: "فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي إذ أقبل رجل فيهم حتى قام علينا ونحن جلوس.

فقال: يا سراقة! إني رأيت آنفاً أسودة بالساحل أراها محمداً وأصحابه.

قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً انطلقوا بأعيننا.

ثم لبثت في الجلس ساعة ثم قمت فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره فركبت فرسي- وعصيت الأزلام- تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو لا يلتفت- وأبو بكر يكثر الالتفات- ساخت يد فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة، إذا لأثرِ يديها عُثانٌ ساطعٌ في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان، فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم؛ أن سيظهر أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزءاني، ولم يسألاني إلا أن قال: أخف عنا.

فسألته أن يكتب لي كتاب أمان، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أُدم، ثم مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1).

إخوة الإِسلام! النبي - صلى الله عليه وسلم - في طريقه إلى المدينة، وقد وصلت الأخبار إلى المدينة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج من مكة إلى المدينة فكانوا يغدون كل غداة إلى ظاهر المدينة ينتظرونه، حتى إذا اشتد الحر عليهم عادوا إلى بيوتهم.

حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه انتظروه حتى لم يبق ظل يستظلون به

__________

(1) رواه البخاري (رقم 3906).

فعادوا، وقدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد دخلوا بيوتهم، فبصر به يهودي فناداهم بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جَدُّكم الذي تنتظرون، فخرجوا فاستقبلوه وكان فرحتهم به غامرة فقد حملوا أسلحتهم وتقدموا نحو ظاهر الحرّة فاستقبلوه.

ونزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قباء في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة وأسس مسجد قباء، ولما عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدخل المدينة أرسل إلى زعماء بني النجار، فجاءوا متقلدين سيوفهم وعدد الذين استقبلوه من الأنصار خمس مئة. فأحاطوا بالرسول وبأبي بكر وهما راكبان، ومضى الموكب داخل المدينة.

"وقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله - صلى الله عليه وسلم -" وقد صعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الغلمان في الطرق ينادون: يا محمَّد يا رسول الله، يا محمَّد يا رسول الله.

قال الصحابي البراء بن عازب - رضي الله عنه - وهو شاهد عيان "ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم -" (1).

عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فهي كثيرة جداً منها:

أولاً: الدين أغلى عند المسلم من كل شيء، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه تركوا ديارهم وأموالهم فداء ونصرة لهذا الدين العظيم، وهذا يظهر من قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا

__________

(1) "السيرة النبوية الصحيحة" أكرم ضياء العمري (ص 218 - 219).

مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8)} [الحشر: 8].

ومن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى، والله! لولا أني أخرجت منك، ما خرجت" (1).

عباد الله! كفار مكة أخرجوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لأنهم قالوا: ربنا الله، ولأنهم دخلوا في دين الله، وهذا يظهر من قول ورقة بن نوفل لرسولنا - صلى الله عليه وسلم -: يا ليتني فيها جذعاً حين يخرجك قومك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أو مخرجي هم؟ فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي" (2).

ولذلك على المسلم إذا ضيق عليه في دينه، ولم يتمكن من عبادة ربه، أن يهاجر إلى أي بلد مسلم آخر ليتمكن من عبادة ربه، فليس هناك على وجه الأرض شخص أفضل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليس هناك بلد أفضل من مكة ومع ذلك فقد هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة.

ثانياً: الله -عز وجل- ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة مهما كاد الكفار للمسلمين وخططوا، قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)} [غافر: 51]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)} [الصافات: 171 - 173]، وقال تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)} [المجادلة: 21].

وهذا يظهر من نصر الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في هجرته من مكة إلى المدينة.

__________

(1) "صحيح ابن ماجه" (2523).

(2) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 3)، ومسلم (رقم 160).

فالصحابة الكرام - رضي الله عنهم - هناك في المدينة لا يملكون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئاً، وكفار مكة يطاردون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل مكان ليقتلوه، ومع ذلك نصر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأيده بجنوده التي لا يعلمها إلا الله.

قال تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)} [التوبة: 40].

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

الخطبة الرابعة والعشرون

الباحثون عن الحق عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي - رضي الله عنهما -

عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الباحِثَيْنِ عن الحق وهما: عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي -رضي الله عنهما-.

عباد الله! في الجمعة الماضية تكلمنا عن هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة، وتبين لنا أن المسلمين في المدينة فرحوا بهجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فرحاً شديداً.

يقول البراء بن عازب - رضي الله عنه -: "ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - " (1).

ويقول أنس - رضي الله عنه -: "لما كان اليوم الذي دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه المدينة أضاء منها كلُّ شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلُّ شيء، وما نفضنا أيدينا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا" (2).

الشاهد يا عباد الله! أن المدينة ومن فيها فرحوا بهجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فرحاً شديداً.

عباد الله! دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة راكباً على ناقته، والأنصار يتطلعون إلى استضافته، فكلما مر على أحدهم دعاه للنزول عنده فكان - صلى الله عليه وسلم -

__________

(1) "السيرة النبوية الصحيحة"، (ص 218 - 219) أكرم العمري.

(2) "صحيح سنن الترمذي" (2861).

يقول لهم: دعوا الناقة فإنها مأمورة، فبركت على باب أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -، في مكان المسجد النبوي الذي هو فيه الآن (1).

عباد الله! فتساءل - صلى الله عليه وسلم -: أي بيوت أهلنا أقرب؟ - يقصد بذلك بيوت بني النجار أخواله-.

فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري، وهذا بابي فنزل - صلى الله عليه وسلم - في داره (2). وكانت الدار طابقين، فاختار النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسكن في الطابق الأرضي، فقال أبو أيوب - رضي الله عنه -: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والله إني لأكره أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو، وننزل نحن فنكون في السفل.

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا أيوب: إنه أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت".

قال أبو أيوب: فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفل وكنا فوقه في المسكن، فانكسرت جرة لنا فيها ماء، فقمت أنا وأمُّ أيوب بقطيفة لنا -ليس لنا لحاف غيرها- ننشف بها الماء مخافة أن يقطر منه شيء على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيؤذيه" (3).

عباد الله! أخذت الوفود تتوافد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دار أبي أيوب، وسمع عبد الله بن سلام -وكان رجلاً يهودياً- بنزول النبي - صلى الله عليه وسلم - في دار أبي أيوب، وقد تنادى الناس فيما بينهم: قد قدم رسول الله، قد قدم رسول الله، قد قدم رسول الله، فجاء عبد الله بن سلام مع الناس ليرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

__________

(1) "السيرة النبوية الصحيحة" العمري (219).

(2) "صحيح البخاري" (رقم 3911).

(3) "سيرة ابن هشام" بإسناد صحيح، انظر "السيرة النبوية الصحيحة" العمري (ص 220).

قال عبد الله بن سلام: فلما رأيت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: "يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" (1).

فالإِسلام هو دين السلام، جاء بالسلام والرحمة إلى الناس.

عباد الله! ذهب عبد الله بن سلام إلى أهله ثم عاد ليبحث عن الحق.

قال عبد الله بن سلام: يا محمَّد إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهم إلا نبي، ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أخبرني بهن جبريل آنفاً"

قال ابن سلام: جبريل؟

قال - صلى الله عليه وسلم -: "نعم"

قال ابن سلام: "ذاك عدو اليهود من الملائكة".

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما نزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة؛ نزع الولد (أي: جذبه إليه فكان أشبه بأبيه)، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل؛ نزع إليها.

فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله ثم قال:

__________

(1) أخرجه الترمذي (رقم 2485)، وابن ماجه (رقم 1334، 3251)، والحاكم (3/ 13، 4/ 160) وانظر "صحيح الجامع" (7742).

يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت (أي أهل إفك وكذب) يقولون في الرجل ما ليس فيه، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فابعث إليهم يا رسول الله، واسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، فإنهم إن علموا أني أسلمت قالوا فيّ ما ليس فيَّ.

فأرسل إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءوه، واختبأ عبد الله بن سلام، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا معشر اليهود، ويلكم، اتقوا الله وأسلموا، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد علمتم أني رسول الله حقاً، وأني قد جئتكم بالحق من عنده".

فقالوا: ما نعلمه؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ "

قالوا: ذاك سيدنا، وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا.

فقال - صلى الله عليه وسلم -: "أرأيتم إن أسلم؟ "

قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم.

قال - صلى الله عليه وسلم -: "أرأيتم إن أسلم؟ ".

قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم.

قال - صلى الله عليه وسلم -: "أرأيتم إن أسلم؟ "

قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم.

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا ابن سلام اخرج عليهم".

فخرج ابن سلام وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم قال لليهود: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بالحق.

فقالوا له: كذبت ثم قالوا: شرنا، وابن شرنا وتنقصوه.

فقال ابن سلام: يا رسول الله! ذاك الذي كنت أخاف على نفسي منهم فأخرجهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " (1).

وصدق الله العظيم حيث قال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)} [الأحقاف: 10].

فهذه شهادة مِن رجلٍ مَنَّ الله عليه بالإِسلام من اليهود في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي اليهود، فأخبر في شهادته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حق، وأن اليهود قوم بهت.

عباد الله! إذا كانت اليهود تعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حق بشهادة أعلمهم وهو عبد الله بن سلام، فتعالوا بنا لنرى شهادة النصارى أيضاً في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكيف أن أحبارهم ورهبانهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم كما قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146)} [البقرة: 146].

ويظهر لنا ذلك من قصة إسلام سلمان الفارسي - رضي الله عنه -.

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: حدثني سلمان عن نفسه فقال: كنت رجلاً فارسياً من أهل (أصبهان)، من أهل قرية منها يقال لها: (جيّ)، وكان أبي دهقان قريته (أي رئيسها)، وكنتُ أحبُّ خلقِ اللهِ إليه، فلم يزل به حُبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية، وأجهدت في

__________

(1) رواه البخاري (رقم 3329).

المجوسية حتى كنت قاطن النار؛ الذي يوقدها؛ لا يتركها تخبو ساعة، قال: وكانت لأبي ضيعة عظيمة، قال: فَشُغِلَ في بنيان له يوماً، فقال لي: يا بني! إني قد شُغِلتُ في بنيان هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فأطلعها. وأمرني فيها ببعض ما يريد، فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم وسممعت أصواتهم؛ دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، قال: فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي، ولم آتها، فقلت لهم: أين أَصلُ هذا الدين؟ قالوا: بالشام، قال: ثم رجعت إلى أبي، وقد بعث في طلبي، وشغلتُه عن عمله كلِّه، قال: فلما جئته قال: أي بني أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قال: قلت: يا أبت! مررت بناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس.

قال: أي بني! ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه، قال: قلت: كلا والله؛ إنه خير من ديننا، قال: فخافني، فجعل في رجلي قيداً، ثم حبسني في بيته، قال: وبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم، قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى، قال: فأخبروني بهم، قال: فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم، فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟

قالوا: الأسقف في الكنيسة. قال: فجئته، فقلت: إني قد رغبت في هذا

الدين، وأحببت أن أكون معك؛ أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك وأصلي معك، قال: فادخل فدخلت معه، قال: فكان رجل سوء، يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها؛ فإذا جمعوا إليه منها أشياء؛ اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وَوَرِق، قال: وأبغضته بغضاً شديداً لما رأيته يصنع، ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء؛ يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها؛ فإذا جئتموه بها؛ اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئاً. قالوا: وما علمك بذلك؟ قال: قلت: أنا أدلكم على كنزه. قالوا: فدلنا عليه، قال: فأريتهم موضعه، قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهباً وورقاً.

قال: فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبداً. فصلبوه، ثم رجموه بالحجارة.

ثم جاؤوا برجل آخر فجعلوه بمكانه. قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلاً لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه؛ أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلاً ونهاراً منه، قال: فأحببته حباً لم أحبه مَن قبله، وأقمت معه زماناً، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان! إني كنت معك، وأحببتك حباً لم أحبه أحداً من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى مَنْ توصي بي؟ وما تأمرني؟

قال: أي بني! والله ما أعلم أحداً اليوم على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا، وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلاً بـ (الموصل) وهو فلان، فهو على ما كنت عليه فالحق به.

قال: فلما مات وغُيب؛ لحقت بصاحب (الموصل)، فقلت له: يا فلان إن فلاناً أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره، قال: فقال لي: أقم عندي. فأقمت عنده، فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث

أن مات، فما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان! إن فلاناً أوصي بي إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من الله -عز وجل- ما ترى، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني! والله ما أعلم رجلاً على مثل ما كنا عليه إلا رجلاً بـ (نصيبين)، وهو فلان فالحق به.

قال: فلما مات وغُيب؛ لحقت بصاحب (نصيبين) فجئته فأخبرته بخبري وما أمرني به صاحبي قال: فأقم عندي. فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبثت أن نزل به الموت، فلما حضر؟ قلت له: يا فلان! إن فلاناً كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك؛ فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني! والله ما نعلم أحداً بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلاً بـ (عمورية)؛ فإنه بمثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأته، فإنه على أمرنا.

قال: فلما مات وغيب؛ لحقت بصاحب (عمورية)، وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي. فأقمت مع رجل على هدي أصحابه وأمرهم، قال: واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حضر قلت له: يا فلان! إني كنت مع فلان، فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان بي إليك؛ فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني! ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي، هو مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب مهاجراً إلى أرض بين حرتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة؛ فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.

قال: ثم مات وغُيب، فمكثت بـ (عَمورية) ما شاء الله أن أمكث ثم مر بي

نفر من كلب تجاراً، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟ قالوا: نعم. فأعطيتهموها، وحملوني، حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني، فباعوني من رجل من اليهود عبداً، فكنت عنده، ورأيت النخل، ورجوت أن تكون البلد الذي وصف لىِ صاحبي، ولم يحق لي في نفسي، فبينما أنا عنده قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة، فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاجي، فأقمت بها.

وبعث الله رسوله فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال: فلان! قاتل الله بني قيلة؛ والله إنهم الآن لمجتمعون بـ (قباء) على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي. قال: فلما سمعتها أخذتني العُرُواء (أي: الرِّعدة) حتى ظننت أني سأسقط على سيدي، قال: ونزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال: فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة، ثم قال: مالك ولهذا؟ أقبل على عملك، قال: قلت: لا شيء إنما أردت أن أستثبت عما قال، وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بـ (قباء)، فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، قال: فقربته إليه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: "كلوا". وأمسك يده فلم يأكل، قال: فقلت في نفسي: هذه واحدة، ثم انصرفت عنه، فجمعت شيئاً وتحول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، ثم جئت به فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، قال: فأكل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان، ثم جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ببقيع الغرقد، قال: وقد تبع جنازة من أصحابه، عليه شملتان له، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره؛ هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي، فلما رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استدبرته؛ عرف أني استثبت في شيء وصف لي، قال: فألقي رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببت عليه أقبله وأبكي، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تحول". فتحولت، فقصصت عليه حديثي -كما حدثتك- يا ابن عباس! قال: فأعجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسمع ذلك أصحابه. ثم شَغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدر واحد، قال: ثم قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كاتب يا سلمان". فكاتبت صاحبي على ثلاث مئة نخلة أحييها له بالفقير وبأربعين أوقية، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أعينوا أخاكم".

فأعانوني بالنخل، الرجل بثلاثين ودية (صغار النخل)، والرجل بعشرين، والرجل بخمس عشرة، والرجل بعشر -يعني الرجل بقدر ما عنده- حتى اجتمعت لي ثلاث مئة ودية، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اذهب يا سلمان! ففقر لها، فإذا فرغت فأتني أكون أنا أضعها بيدي". ففقرت لها، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معي إليها، فجعلنا نقرب له الودي، ويضعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده، فوالذي نفس سلمان بيده؛ ما ماتت منها ودية واحدة، فأديت النخل وبقي علي المال، فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي، فقال: "ما فعل الفارسي المكاتب؟ ". قال: فدعيت له. فقال: "خذ هذه فأدِّ بها ما عليك يا سلمان! ". فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي؟ قال: "خذها؛ فإن الله -عز وجل- سيؤدي بها عنك".

قال: فأخذتها، فوزنت لهم منها -والذي نفس سلمان بيده- أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم، وعتقت، فشهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخندق، ثم لم يفتني معه مشهد" (1).

عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة إسلام عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي -رضي الله عنهما- فهي كثيرة جداً نعيش معها في الجمعة القادمة -إن شاء الله تعالى- إن كان في العمر بقية.

اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً.

__________

(1) إسناده صحيح، "السلسلة الصحيحة" (894). "مسند الإِمام أحمد" (23737 - ط المؤسسة).

الخطبة الخامسة والعشرون

الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من إسلام عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي - رضي الله عنهما -

أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة إسلام عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي -رضي الله عنهما-.

عباد الله! في الجمعة الماضية تبين لنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما وصل إلى المدينة نزل في دار أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - وكانت الدار من طابقين فنزل - صلى الله عليه وسلم - في الطابق الأرضي، فلما طَلبَ منه أبو أيوب أن يصعد إلى الطابق العلوي قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا أيوب إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت"، وبدأت الوفود تتوافد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دار أبي أيوب، وكان ممن جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبحث عن الحق، عبد الله بن سلام وكان رجلاً يهودياً فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أشياء فلما أجابه الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله" ثم قال ابن سلام: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت .. الخ.

عباد الله! وتكلمنا في الجمعة الماضية أيضاً عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - وكيف انتقل من بلد إلى بلد، ومن رجل إلى رجل يبحث عن الحق فعندما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وعلم به سلمان الفارسي ذهب إليه، فلما وجد منه الصفات التي أخبروه عنها؛ وهي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يأكل الصدقة، ويأكل

الهدية، وبين كتفيه خاتم النبوة، أسلم ودخل في دين الله، وكان سلمان الفارسي - رضي الله عنه - عبداً عند يهودي فأعانه النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة حتى تحرر من الرق وحضر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة الخندق وما بعدها من الغزوات.

أمة الإِسلام! وفي قصة إسلام عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي -رضي الله عنهما- دروس وعظات وعبر منها:

أولاً: تواضعه - صلى الله عليه وسلم - ورأفته ورحمته بأصحابه وبضيوفه، وهذا يظهر من نزوله في الطابق السفلي من دار أبي أيوب الأنصاري، ومن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا أيوب! إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت".

عباد الله! من اللحظة الأولى وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه في مكان يسهل على جميع الناس أن يصلوا إليه، ولم يجعل على بيته بوابين يمنعون الناس من الدخول عليه - صلى الله عليه وسلم -، فهذا عبد الله بن سلام من اليهود، ومع ذلك دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسأله وتكلم معه ثم أسلم، والشاهد على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس على بابه بوابين:

مرّ النبي - صلى الله عليه وسلم - على امرأة تبكي عند قبر فقال لها: "اتقي الله واصبري" فقالت: إليك عني؛ فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتت باب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك.

فقال - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" (1).

الشاهد يا عباد الله! أنها لم تجد على بابه بوابين يمنعونها من الدخول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

__________

(1) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 1283)، ومسلم (رقم 926).

ومن تواضعه - صلى الله عليه وسلم -.

يقول أنس - رضي الله عنه -: إن كانت الأمة -أي العبدة المملوكة- من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي - صلى الله عليه وسلم - فتنطلق به حيث شاءت" (1) وذلك ليقضي لها حاجتها، إنها أخلاق النبوة.

- وسئلت عائشة - رضي الله عنها - ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله- يعني: خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة، خرج إلى الصلاة (2). وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا مرَّ على الصبيان سلم عليهم (3).

ومن تواضعه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" (4).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله أوحى إلى؛ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد" (5).

والله -عز وجل- يثني عليه في كتابه فيقول: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)}، وقال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)} [التوبة: 128].

عباد الله! وبهذا التواضع، وبهذه الرحمة، وبهذا الرفق من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

__________

(1) "رياض الصالحين" (رقم 610) تحقيق الألباني.

(2) رواه البخاري (رقم 676).

(3) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 6247)، ومسلم (رقم 2168).

(4) رواه البخاري (رقم 3445).

(5) رواه مسلم (رقم 2865 بعد 64).

بأصحابه، وبالناس أقبل الناس عليه، والتفوا حوله، {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)} [آل عمران: 159].

ثانياً: اليهود قوم بهت -أي أهل إفك وكذب يقولون في الإنسان ما ليس فيه-

وهذا يؤخذ من قول أحد علمائهم وهو عبد الله بن سلام بعد أن شرح الله صدره للإسلام فقال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت.

والبهتان يا عباد الله! هو: أن ترمي الرجل بما ليس فيه

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أتدرون ما الغيبة"

قالوا: الله ورسوله أعلم

قال - صلى الله عليه وسلم -: "ذكرك أخاك بما يكره"

قيل: يا رسول الله أفرأيت إن كان في أخي ما أقول

قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" (1).

فهذا تاريخ اليهود الأسود يشهد لهم بذلك؛ يقلبون الحقائق فنراهم في واقعنا المعاصر يقتلون المسلمين في أرض فلسطين ثم بعد ذلك باستخدامهم لوسائل الإعلام يقلبون الحقائق ويظهرون للناس أنهم هم الذين يُقْتَلونَ.

__________

(1) رواه مسلم (رقم 2589).

فاليهود قوم بهت:

1 - ومن بهتانهم: أنهم كذبوا على الله فوصفوه بما لا يليق وقد فضحهم الله في كتابه، قال تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181)} [آل عمران: 181]. وقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64]، وقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)} [التوبة: 30].

2 - ومن بهتانهم: أنهم اتهموا مريم بالزنا، قال تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156)} [النساء: 156].

3 - ومن بهتانهم: أنهم زعموا أن جبريل عليه السلام عدوٌّ لهم وهذا يظهر من قول ابن سلام قبل أن يسلم عندما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "أخبرني بهن جبريل آنفا" فقال ابن سلام: جبريل، قال - صلى الله عليه وسلم -: "نعم"، قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فالله -عز وجل- كذبهم ورد عليهم فقال تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)} [البقرة: 97 - 98].

عباد الله! اليهود أهل حقد وحسد على المسلمين، وقد فضحهم الله في

كتابه؛ فقال تعالى: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَ



كلمات دليلية: