الحبيب صلى الله عليه وسلم في الصلاة_13209

الحبيب صلى الله عليه وسلم في الصلاة


النوع الثاني: في ذكر صلاته صلى الله عليه وسلم

أي: ذكر ما يتعلق بها من بيان مواقيتها وفرضها وغير ذلك. "اعلم أن الصلاة تحصل تحقيق العبودية،" أي: كون المصلي عبدا بانقياده لله تعالى في أوامره، كالسجود الذي حقيقته وضع أشرف الأعضاء بالأرض ولو ترابية بلا حائل، "وأداء حق الربوبية"، "بضم الراء" أي الحق الذي وجب للرب تعالى مما أمر به أو نهى عنه، أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، "وسائر" أي باقي "العبادات وسائل إلى تحقيق سر الصلاة" وهو كمال الانقياد إلى الله، "وقد جمع الله تعالى للمصلين في ركعة ما فرق على أهل السموات" من أنواع العبادات، "فلله ملائكة في الركوع منذ خلقهم الله تعالى لا يرفعون من الركوع إلى يوم القيامة، وهكذا السجود والقيام والقعود" كما جاءت به الأخبار، "واجتمع فيها أيضا من العبادات" كذا في نسخ وهي ظاهرة، وفي أخرى من العبوديات، وكأنه سماها بذلك باعتبار القيام بها وانقياد الشخص لها، وإلا فالمذكور من قوله من الطهارة ... إلخ، كله عبادات، وقد صرح به في قوله:

واجتمع فيها أيضا من العبادات ما لم يجتمع في غيرها، من الطهارة والصمت واستقبال القبلة، والاستفتاح بالتكبير، والقراءة والقيام والركوع والسجود، والتسبيح في الركوع، والدعاء في السجود إلى غير ذلك.

فهي مجموع عبادات عديدة، لأن الذكر بمجرده عبادة، والقراءة بمجردها عبادة، وكذا كل فرد فرد.

وقد أمر نبيه بالصلاة في قوله سبحانه: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ} [العنكبوت: 45] وقال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132] .

وفي ذلك -كما نبه عليه صاحب كتاب التنوير أمدنا الله بمدده- إشارة إلى

__________

فهي مجموع عبادات، "ما لم يجتمع في غيرها من الطهارة والصمت" عن الكلام الأجنبي "واستقبال القبلة والاستفتاح بالتكبير والقراءة والقيام والركوع والسجود والتسبيح في الركوع والدعاء في السجود إلى غير ذلك، فهي مجموع عبادات عديدة، لأن الذكر بمجرده عبادة" فاضلة على غيرها، {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} "والقراءة بمجردها عبادة، وكذا كل فرد فرد" مما عده كله عبادة، "وقد أمر نبيه بالصلاة في قوله سبحانه: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ} " القرآن تقربا إلى الله بقراءته وتحفظا لألفاظه واستكشافا لمعانيه، فإن القارئ المتأمل قد ينكشف له بالكرار ما لا ينشكف له أول ما قرع سمعه، {وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} ؛ بأن تكون سببا للانتهاء عن المعاصي حال الاشتغال بها وغيرها من حيث أنها تذكر الله وتورث النفس خشية منه.

وقد روى أحمد وغيره عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن فلانا يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق، قال: "إنه سينهاه ما تقول". ووقع في الكشاف والبيضاوي: روي أن فتى من الأنصار كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات، ولا يدع شيئا من الفواحش إلا ارتكبه، فوصف له عليه السلام، فقال: "إن صلاته ستنهاه". فلم يلبث أن تاب، لكن قال الحافظ ولي الدين العراقي: لم أقف عليه وتبعه السيوطي.

"وقال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ} اصبر {عَلَيْهَا} وداوم، روى ابن مردويه عن أبي هريرة، قال: حين نزلت هذه الآية كان صلى الله عليه وسلم يأتي باب علي، فيقول: "الصلاة رحمكم الله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا". "وفي ذلك -كما نبه عليه صاحب كتاب التنوير" في إسقاط التدبير التاج ابن عطاء الله, مر بعض ترجمته

أن في الصلاة تكليفا للنفوس شاقا عليها، لأنها تأتي في أوقات ملاذ العباد وأشغالهم، فتطالبهم بالخروج عن ذلك كله إلى القيام بين يديه، والفراغ عما سوى الله، فلذلك قال: {وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} .

قال: ومما يدل على أن في القيام بالصلاة تكاليف العبودية وأن القيام بها على خلاف ما تقتضيه البشرية، قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45] فجعل الصبر والصلاة مقترنين إشارة إلى أنه يحتاج في الصلاة إلى الصبر، صبر على ملازمة أوقاتها، وصبر على القيام بمسنوناتها وواجباتها، وصبر يمنع القلوب فيها عن غفلاتها، ولذلك قال تعالى بعد ذلك: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} فأفرد الصلاة بالذكر ولم يفرد الصبر به، إذ لو كان كذلك لقال: وإنه لكبير. فقد يدل على ما قلناه، أو لأن الصبر والصلاة مقترنان متلازمان، فكان أحدهما هو عين الآخر، كما قال تعالى في الآية الآخرى:

{وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: 62] . انتهى ملخصا.

ثم إن الكلام فيها ينقسم إلى خمسة أقسام:

__________

"أمدنا الله بمدده- إشارة إلى أن في الصلاة تكليفا للنفوس شاقا عليها، لأنها تأتي في أوقات ملاذّ العباد وأشغالهم، فتطالبهم بالخروج عن ذلك كله" أي تكون سببا لخروجهم عن ملاذهم وأشغالهم "إلى القيام بين يديه والفراغ عما سوى الله" بفعل الصلاة قبل خروج وقتها، "فلذلك قال {وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} ، قال: ومما يدل على أن في القيام بالصلاة تكاليف العبودية وأن القيام بها على خلاف ما تقتضيه البشرية قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا} " اطلبوا المعونة على أموركم {بِالصَّبْرِ} : الحبس للنفس على ما يكره {وَالصَّلَاةِ} أفردها بالذكر تعظيما لشأنها، وفي الحديث: كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، وقيل: الخطاب لليهود لما عاقهم عن الإيمان الشره وحب الرياسة أمروا بالصبر وهو الصوم، لأنه يكسر الشهوة، والصلاة لأنها تورث الخشوع وتنفي الكبر، {وَإِنَّهَا} أي: الصلاة {لَكَبِيرَةٌ} ثقيلة {إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} الساكنين إلى الطاعة، "فجعل الصبر والصلاة مقترنين إشارة إلى أنه يحتاج في الصلاة إلى الصبر" الكامل، وهو أنواع أشار إليها بقوله: "صبر" بالجر بدل نكرة من معرفة، لكون النكرة موصوفة لفظا بقوله: كائن "على ملازمة أوقاتها", أو موصوفة في المعنى، "وصبر على القيام بمسنوناتها وواجباتها" ومستحباتها، "وصبر يمنع القلوب فيها عن غفلاتها" لاشتغالها بالصلاة وإعراضها عن الدنيا، "ولذلك قال تعالى بعد ذلك: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} فأفرد الصلاة بالذكر" بقوله: {وَإِنَّهَا} تعظيما لشأنها، "ولم يفرد الصبر به إذ لو كان كذلك لقال: وإنه لكبير"؛ لأن الصبر مذكر، "فقد يدل على ما قلناه" قد للتحقيق، "أو لأن الصبر والصلاة مقترنان متلازمان، فكان أحدهما هو عين الآخر" فوصف الصلاة بالكبر بمنزلة وصف الصبر به لتلازمهما، "كما قال تعالى في الآية الأخرى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} بالطاعة، فتوحيد الضمير لتلازم الرضاءين، وقيل: خبر الله أو رسوله محذوف. "انتهى ملخصا".

القسم الأول: في الفرائض وما يتعلق بها, وفيه أبواب:

الباب الأول: في الصلوات الخمس

وفيه فصول:

الفصل الأول: في فرضها

عن أنس قال: فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به خمسون صلاة، ثم نقصت حتى جعلت خمسا، ثم نادى: يا محمد إنه لا يبدل القول لديّ، وإن لك بهذه الخمس خمسين. رواه الترمذي هكذا مختصرا، ورواه البخاري ومسلم من حديث طويل تقدم في مقصد الإسراء مع ما فيه من المباحث.

__________

"ثم إن الكلام فيها ينقسم إلى خمسة أقسام: القسم الأول في الفرائض وما يتعلق بها، وفيه أبواب: الباب الأول في الصلوات الخمس وفيه فصول":

"الأول: في فرضها" أي: إيجابها أصلا وقدرا "عن أنس قال: فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به خمسون صلاة، ثم نقصت" بأن حط منها بمراجعته صلى الله عليه وسلم بإشارة موسى عليه الصلاة والسلام خمسا خمسا، "حتى جعلت خمسا ثم نادى" الله تعالى "يا محمد إنه لا يبدل" لا يغير "القول لديّ" في ذلك، "وإن لك بهذه الخمس خمسين".

قال الحافظ: هذا من أقوى ما استدل به على أنه تعالى كلم نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بلا واسطة، "رواه الترمذي هكذا مختصرا، ورواه البخاري ومسلم من" جملة "حديث طويل" عن أنس، عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم، "تقدم في مقصد الإسراء مع ما فيه من المباحث" المنيفة.

وعن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. رواه مسلم وأبو داود والنسائي.

وقوله: "وفي الخوف ركعة" محمول على أن المراد ركعة مع الإمام وينفرد بالأخرى.

وعن عائشة: فرض الله الصلاة -حين فرضها- ركعتين ركعتين، ثم أتمها في الحضر, وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى. رواه البخاري.

وعنده -في كتاب الهجرة- من طريق معمر عن الزهري، عن عروة عن عائشة: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعا.

فعين في هذه الرواية أن الزيادة في قوله في الحديث الذي قبله "وزيد في صلاة الحضر" وقعت بالمدينة.

وقد أخذ بظاهر هذا الحديث الحنفية، وبنوا عليه: أن القصر في السفر

__________

"وعن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم" بأن أنزله عليه وأمره أن يتكلم به "في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين" في الرباعية "وفي الخوف ركعة".

"رواه مسلم وأبو داود والنسائي، وقوله: وفي الخوف ركعة محمول على أن المراد ركعة مع الإمام" يقتدى به فيها، "وينفرد بالأخرى" بعدما يفارقه فيصليها وحده، فليس المراد ظاهره وإن ذهب إليه قوم.

"وعن عائشة قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين" بالتكرار لإفادة عموم التثنية لكل صلاة في الحضر والسفر، هكذا في رواية كريمة للبخاري بالتكرار، فلا إشكال فيها بخلاف ما وقع في رواية غيرها ركعتين بدون تكرار، ويوافق روايتها سائر الروايات في الصحيحين، وغيرهما، زاد في رواية لأحمد إلا المغرب، فإنها كانت ثلاثا "ثم أتمها" أربعا "في الحضر وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى"، "بضم الهمزة".

"رواه البخاري" ومسلم وغيرهما، "وعنده في كتاب الهجرة من طريق معمر عن الزهري، عن عروة عن عائشة: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعا، فعين في هذه الرواية أن الزيادة في قوله في الحديث الذي قبله، وزيد في صلاة الحضر وقعت بالمدينة" لم يتقدم له بهذا اللفظ، نعم هو لفظ البخاري في أول كتاب الصلاة، فقال الحافظ في شرحه هذا الكلام "وقد أخذ بظاهر هذا الحديث الحنفية وبنوا عليه أن القصر في السفر عزيمة"؛ لأنه

عزيمة لا رخصة.

واحتج مخالفوهم بقوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: 101] لأن نفي الجناح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه، ويدل على أنه رخصة أيضا قوله عليه الصلاة والسلام: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته". رواه مسلم. وأما خبر: "فرضت الصلاة

__________

أمر بها في السفر كذلك ولم تغير "لا رخصة" لأنها الحكم المتغير إلى سهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأول، قال المصنف: وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أتم المسافر يكون الشفع الثاني عندنا فرضا وعندهم نفلا لنا أن الوقت سبب للأربع، والسفر سبب للقصر، فيختار أيهما شاء، ولهم قول ابن عباس المتقدم.

"واحتج مخالفوهم بقوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} ، لأن نفي الجناح لا يدل على العزيمة، بل على الإباحة لكن بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ترقت إلى السنة، "والقصر إنما يكون في شيء أطول منه،" وأجاب الحنفية بأنه ليس المراد بالآية قصر الذات، بل قصر الصفة كترك الاستقبال عند الخوف بدليل بقية الآية، ورده ابن جرير بأن الآية من المتصل لفظا المنفصل معنى، فقد ورد أن قوله: {إِنْ خِفْتُمْ} نزل بعد قوله: {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} بسنة، فهو متعلق بما بعده، أي: بقوله: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} .

"ويدل على أنه رخصة أيضا قوله عليه الصلاة والسلام" كما في مسلم عن يعلى بن أمية، قلت لعمر: إنما قال الله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 101] وقد أمن الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم" والصدقة لا يجب قبولها، فالقصر ليس بواجب، وأجاب الحنفية، بأن ذلك في غير صدقة الله تعالى، كيف وقد أمر بقبولها؟ بقوله: "فاقبلوا صدقته" والأصل في الأمر الوجوب.

"رواه مسلم" عن عمر كما رأيت، فأفاد صلى الله عليه وسلم، أن الشرط في الآية لبيان الواقع وقت النزول، فلا مفهوم له، وهذا جاء به المصنف من فتح الباري، وفيه أيضا بعده الذي يظهر لي، وبه تجتمع الأدلة، أن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين إلا المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة إلا الصبح، كما روى ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن عائشة: فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة واطمأن، زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان وتركت صلاة الفجر لطول القراءة وصلاة المغرب لأنها وتر النهار. انتهى. ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف عنا في السفر عند نزول قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} ويؤيده ما ذكره

ركعتين، أي في السفر، فمعناه: لمن أراد الاقتصار عليهما جمعا بين الأخبار. قاله في الجموع.

الفصل الثاني: في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس

عن جابر: أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه مواقيت الصلاة، فتقدم جبريل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر حين زالت الشمس، وأتاه حين كان الظل مثل شخصه، فصنع كما صنع، فتقدم جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم

__________

ابن الأثير في شرح المسند أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة وهو مأخوذ من قول غيره: إن نزول آية الخوف كان فيها.

وقيل: كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية، ذكره الدولابي وأورده السهيلي، بلفظ: بعد الهجرة بعام أو نحوه، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يوما، فعلى هذا المراد بقول عائشة: فأقرت صلاة السفر، أي: باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف لا أنها استمرت منذ فرضت، فلا يلزم من ذلك أن القصر عزيمة.

فائدة: ذهب جماعة إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة إلا ما وقع الأمر به من صلاة الليل بلا تحديد، وذهب الحربي إلى أن الصلاة كانت مفروضة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، ورده جماعة من أهل العلم. انتهى.

"وأما خبر: "فرضت الصلاة ركعتين، أي: في السفر، فمعناه لمن أراد الاقتصار عليهما جمعا بين الأخبار" فليس فيه أنه عزيمة، "قاله في المجموع" هو شرح المهذب للنووي وأوله، وأما خبر وما قبله من الفتح كما علم.

الفصل الثاني: في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس

مرتين "عن جابر" بن عبد الله "أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه مواقيت الصلاة" صبيحة ليلة فرضها في الإسراء كما يأتي، وجابر لم يدرك ذلك، فهو مرسل صحابي، فإما أنه تلقاه عنه صلى الله عليه وسلم أو عن صحابي أدرك ذلك، "فتقدم جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر حين زالت الشمس" أي: مالت من جانب الشمال إلى اليمي إذا استقبلت القبلة، "وأتاه حين كان الظل مثل ظل شخصه" أي: الشيء المشخص وهو جسم مشخص له شخوص وارتفاع "فصنع كما صنع" في الظهر، وبينه بقوله: "فتقدم جبريل

خلفه، والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس، فتقدم جبريل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق، فتقدم جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى العشاء، ثم أتاه حين انشق الفجر، فتقدم جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى الصبح.

ثم أتاه جبريل في اليوم الثاني حين كان ظل الرجل مثل شخصه، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى الظهر، ثم أتاه حين كان الظل مثلي شخصه فصنع كما

__________

ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى العصر" في أول وقته، "ثم أتاه حين وجبت الشمس" أي: غابت، وأصل الوجوب السقوط، والمراد سقوط قرص الشمس، وفاعل وجبت هنا مذكور، وهو الشمس، وسقط في رواية البخاري عن جابر: "كان صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة والعصر والشمس نقية والمغرب إذا وجبت" الحديث، فقال الحافظ: فاعل وجبت مستتر وهو الشمس، ولأبي داود: والمغرب إذا غربت الشمس، ولأبي عوانة: والمغرب حين تجب الشمس، أي تسقط، وفيه أن سقوط قرصها يدخل به المغرب، ومحله ما إذا لم يحل بين رؤيتها عارية وبين الرائي حائل، "فتقدم جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى المغرب" لأول وقتها، "ثم أتاه حين غاب الشفق" أي الحمرة التي ترى في أفق المغرب، كما في الموطأ، وعليه أكثر العلماء، وقال أبو حنيفة إنه البياض الذي يليها، وتعقب بأنه مختص في اللغة والاستعمال بالحمرة، لقول أعرابي: وقد رأى ثوبا أحمر كأنه شفق.

وقال المفسرون في قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ} [الانشقاق: 16] إنه الحمرة، وقال الخليل بن أحمد: رقبت البياض فوجدته يبقى إلى ثلث الليل، وقال غيره: إلى نصفه، فلو رتب الحكم عليه لزم أن لا يدخل وقت العشاء حتى يمضي ثلث الليل أو نصفه ولا قائل به، والأحاديث ناطقة بخلافه "فتقدم جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى العشاء" أول وقتها، "ثم أتاه حين انشق الفجر", أي: ظهر والشق بالفتح انفراج في الشيء، فوصف الفجر به مجاز من إطلاق اسم المحل على الحال، "فتقدم جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الصبح" أول وقته، "ثم أتاه جبريل في اليوم الثاني حين كان ظل الرجل مثل شخصه" لم يقل مثله، لأن الرجل مسماه الماهية، وهي إنما توجد في ضمن الإفراد وليست مرئية ولا ظل لها، والظل إنما هو للصورة الخارجية المعبر عنها بالشخص وهو سواد الإنسان يرى من بعد، ثم استعمل في ذاته، قال الخطابي: ولا يسمى شخصا إلا جسم مؤلف له شخوص وارتفاع، "فصنع كما صنع بالأمس"

صنع بالأمس فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس فصنع كما صنع بالأمس فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق فصنع كما صنع بالأمس فصلى العشاء، ثم أتاه حين امتد الفجر وأصبح والنجوم بادية مشتبكة وصنع كما صنع بالأمس فصلى الغداة. ثم قال: "ما بين هاتين الصلاتين للصلاة وقت". رواه النسائي.

وفي رواية قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر حين زالت الشمس، وكان الفيء قدر الشراك، ثم صلى العصر حين كان الفيء قدر الشراك، وكان ظل الرجل مثله، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء حين غاب

__________

من تقدمه والنبي خلفه والناس خلف النبي صلى الله عليه وسلم "فصلى الظهر" في الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس، "ثم أتاه حين كان الظل مثلي"، "بالتثنية"، "شخصه، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى العصر" في آخر مختارها، "ثم أتاه حين وجبت الشمس، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى المغرب" في أول وقتها كما صلاها أمس، ففيه دلالة قوية على أن وقتها مضيق، لأن جبريل صلاها بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليومين في وقت واحد، "ثم أتاه حين غاب الشفق، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى العشاء" صرح في هذه الرواية بأنه صلاها في اليومين بوقت واحد، وفي التالية لها، ثم صلى العشاء إلى ثلث الليل أو نصف الليل، فيجمع بينهما بأنه أتاه حين غاب الشفق في اليومين، لكن بقي عنده في الثاني بدون صلاة العشاء إلى ثلث الليل، وهذا الجمع متعين، لأن المخرج واحد وهو جابر، ويشهد له حديث ابن عباس بعده: ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، "ثم أتاه حين امتد الفجر" في أفق السماء، "وأصبح" أي: دخل في الصباح "والنجوم بادية" أي: ظاهرة "مشتبكة" مختلط بعضها ببعض لكثرة ما ظهر منها.

وروى أحمد: "لا تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا المغرب انتظارا للظلام مضاهاة لليهود، وما لم يؤخروا الفجر لمحاق النجوم مضاهاة للنصارى". "وصنع كما صنع بالأمس فصلى الغداة"، أي: الصبح, ثم قال: "ما بين هاتين الصلاتين" في اليومين "للصلاة وقت"، ويأتي في حديث ابن عباس والوقت فيما بين هاتين الوقتين، "رواه النسائي" والترمذي وغيرهما.

"وفي رواية" له أيضا، عن جابر "قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر حين زالت الشمس" أي: مالت إلى جهة الغروب "وكان الفيء قدر الشراك"، "بكسر المعجمة" أحد سيور النعل التي على وجهها، وقدره هنا ليس على معنى التحديد، "ثم صلى العصر حين كان الفيء قدر الشراك، وكان ظل الرجل مثله" بالإفراد، "ثم صلى المغرب حين غابت الشمس ثم صلى العشاء حين غاب الشفق" الحمرة، "ثم صلى الفجر" أي: الصبح "حين طلع الفجر، ثم

الشفق، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، ثم صلى الغداة -أي الظهر- حين كان الظل طول الرجل، ثم صلى العصر حين كان ظل الرجل مثليه، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء إلى ثلث الليل أو نصف الليل -شك أحد رواته- ثم صلى الفجر فأسفر.

وعن ابن عباس: قال صلى الله عليه وسلم: "أمَّني جبريل عند البيت مرتين، فصلى الظهر بي في الأولى حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين

__________

صلى الغداة، أي الظهر" تفسيرها بهذا يخالف قوله في الحديث السابق: فصلى الغداة، أي: الصبح، وفي المصباح الغداة: الضحوة مؤنثة، وجوز ابن الأنباري تذكيرها على معنى أول النهار، وعلى هذا فإطلاق الغداة على كل من صلاتي الصبح والظهر مجاز علاقته المجاورة لقرب كل من الصلاتين لوقت الضحوة، كذا مشاه شيخنا، والذي يظهر لي أن الغداة اسم لليوم، فإنها تطلق كالغد على اليوم بتمامه تسمية للكل باسم البعض، ونصبها على الظرفية، أو بنزع الخافض، أي: في الغداة، أي: اليوم الثاني بعد اليوم الذي صلى فيه أولا، وقول المصنف، أي: الظهر بيان لمفعول صلى لا تفسير للغداة "حين كان الظل طول الرجل" وقت صلاته العصر في اليوم الأول، "ثم صلى العصر حين كان ظل الرجل مثليه" بالتثنية "ثم صلى المغرب حين غابت الشمس, ثم صلى العشاء إلى ثلث الليل، أو نصف الليل شك أحد رواته ثم صلى الفجر", أي: الصبح "فأسفر" وفي أبي داود وغيره، وصححه ابن خزيمة وغيره عن أبي مسعود الأنصاري: وصلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر.

"وعن ابن عباس" قال: "قال صلى الله عليه وسلم": "أمَّني" بفتح الهمزة والميم الثقيلة صلى بي إماما "جبريل عند البيت" كذا رواه الأكثر، ورواه الشافعي والطحاوي والبيهقي عند باب البيت، وهي مبينة للمراد من الأولى "مرتين، فصلى الظهر في الأولى حين كان الفيء مثل الشراك" وقت الزوال في ذلك اليوم لا أنه أخره عن الزوال إلى أن صار كذلك كما يأتي، وقد جاء في رواية أبي داود وغيره بيان المراد، ولفظه عن ابن عباس: "فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك". فقوله: "وكانت ... " إلخ, إخبار عن صفتها وقت الزوال يومئذ، "ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثله" بالإفرد وفي رواية: "حين كان ظله مثله". "ثم صلى المغرب حين وجبت" أي: غابت "الشمس وأفطر الصائم" أي: جاز له الفطر، "ثم صلى

غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم. وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله كوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقت الأولى، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفر، ثم التفت إليّ جبريل فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين". رواه الترمذي وغيره.

__________

العشاء حين غاب الشفق" الحمرة، "ثم صلى الفجر حين برق الفجر" بموحدة وراء بلا نقط مفتوحتين، أي: لمع، وأما برق بكسر الراء، فمعناه تحير حتى صار لا يطرف، أو دهش حتى لا يبصر كما في القاموس وغيره، ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ} [القيامة: 7] وقرأ نافع بالفتح، أي: لمع من شدة شخوصه. "وحرم الطعام على الصائم، وصلى المرة الثانية الظهر حين كان" أي: صار "ظل كل شيء مثله" بالإفراد، "كوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه"، "بالثتينة"، "ثم صلى المغرب لوقت الأولى" أي: في الوقت الذي صلاها فيه في المرة الأولى، "ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفر، ثم التفت إليّ"، "بشد ياء المتكلم"، "جبريل" فاعل التفت، "فقال: يا محمد هذا" زاد في رواية: "وقتك و". "وقت الأنبياء من قبلك" أي: مثل وقت من فرض عليه منهم صلاة مخصوصة بوقت، لا أنه وقت لكل الأنبياء، فلا ينافي أن الخمس من خصائص هذه الأمة، ولم تجتمع لأحد غيرهم كما مر في الخصائص، "والوقت فيما بين هذين الوقتين" موسع، ففي أي جزء أوقعها فيه لا يأثم.

قال ابن عبد البر: لم أجد قوله: "هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك" إلا في هذا الحديث، يعني حديث ابن عباس، وقال ابن العربي: ظاهره يوهم أن هذه الصلوات في هذه الأوقات مشروعة للأنبياء قبله وليس كذلك، وإنما معناه هذا وقتك المشروع لك يعني الوقت الموسع المحدود بطرفين الأول والآخر، ووقت الأنبياء قبلك أي صلاتهم كانت واسعة الوقت وذات طرفين، مثل هذا، وإلا فلم تكن هذه الصلوات على هذا الميقات إلا لهذه الأمة، خاصة وإن كان غيرهم قد شاركهم في بعضها.

وقد روى أبو داود في حديث العشاء: "أعتموا بهذه الصلاة، فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها أمة قبلكم". ولا يرد عليه ما ورد أن العشاء ليونس، لأنه أجيب بأنها كانت له نافلة ولم تكتب على أمته، كالتهجد وجب على نبينا دوننا، وبغير ذلك كما مر في الخصائص. "رواه الترمذي وغيره" كأبي داود وأحمد والشافعي، وصححه الحاكم وضعفه ابن بطال، بحديث

وقوله: "صلى بي الظهر حين كان ظله مثله" أي فرغ منها حينئذ، كما شرع في العصر في اليوم الأول، وحينئذ فلا اشتراك بينهما في وقت، ويدل له حديث مسلم: "وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم تحضر العصر".

وقوله في حديث جابر: "فصلى الظهر حين زالت الشمس". يقتضي جواز فعل الظهر إذا زالت الشمس، ولا ينتظر بها وجوبا ولا ندبا مصير الفيء مثل الشراك، كما اتفق عليه أئمتنا ودلت عليه الأخبار الصحيحة، وأما حديث ابن عباس فالمراد

__________

الصحيحين أن عمر بن عبد العزيز أخر العصر، فأنكر عليه عروة بن الزبير، وروى له حديث صلاة جبريل بالمصطفى مرة واحدة، قال: فلو كان هذا الحديث صحيحا لم ينكر عروة على عمر صلاته آخر الوقت محتجا بصلاة جبريل مع أنه قد صلى في اليوم الثاني في آخر الوقت، وقال: "الوقت ما بين هذين". وأجبت باحتمال أن صلاة عمر خرجت عن وقت الاختيار وهو مصير ظل كل شيء مثليه، لا عن وقت الجواز وهو مغيب الشمس، فصحة إنكار عروة لا يلزم منها ضعف الحديث، وبأن عروة أنكر مخالفة ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الصلاة في أول الوقت، ورأى أن الصلاة بعد ذلك إنما هي لبيان الجواز، فلا يلزم منه ضعف الحديث أيضا.

وقد روى سعيد بن منصور عن طلق بن حبيب مرسلا، أن الرجل ليصلي الصلاة وما فاتته، ولما فاته من وقتها خبر له من أهله وماله، "وقوله": "صلى بي الظهر حين كان ظله مثله". "أي: فرغ منها حينئذ" أي: حين فراغه منها، "وقوله: كما شرع في العصر في اليوم الأول", وهذا تأويل "وحينئذ فلا اشتراك بينهما في وقت" بقدر إحداهما كما تقول المالكية، ثم اختلفوا هل في آخر وقت الظهر، أو في أول وقت العصر، مبناه: هل معنى صلى فرغ أو شرع؟ وهو ظاهر الحديث.

وقال ابن العربي: بالله ما بينهما اشتراك، ولقد زلت فيه أقدام العلماء، "ويدل له حديث مسلم" عن عبد الله بن عمرو، مرفوعا: "وقت الظهر إذا زالت الشمس" زاد في رواية لمسلم: "عن بطن السماء". "ما لم تحضر العصر". "وقوله في حديث جابر: فصلى الظهر حين زالت الشمس يقتضي جواز فعل الظهر" أي: صلاتها "إذا زالت الشمس، ولا ينتظر بها وجوبا ولا ندبا مصير الفيء مثل الشراك"، "بالكسر سير النعل"، "كما اتفق عليه أئمتنا ودلت عليه الأخبار الصحيحة" وكذا اتفق عليه أئمة غيرهم إلا الكوفيين، فقالوا: لا تجب بأول الوقت.

ونقل ابن بطال أن الفقهاء بأسرهم على خلاف ما نقل الكرخي عن أبي حنيفة، أن الصلاة في أول الوقت تقع نفلا.

قال الحافظ: والمعروف عند الحنفية تضعيف هذا القول، قال: والحديث يقتضي أيضا أن

به أنه حين زالت الشمس كان الفيء حينئذ مثل الشراك، لأنه أخر إلى أن صار مثل الشراك. ذكره في المجموع.

وقد بين ابن إسحاق في المغازي أن صلاة جبريل به صلى الله عليه وسلم كانت صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء. ولفظه:

قال نافع بن جبير وغيره: لما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليلة التي أسري به لم يرعه إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس، ولذلك سميت "الأولى" -أي صلاة الظهر- فأمر فصيح بأصحابه: "الصلاة جامعة" فاجتمعوا فصلى به جبريل وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه. فذكر الحديث وفيه رد على من زعم أن بيان الأوقات إنما

__________

الزوال أول وقت الظهر إذ لم ينقل أنه صلى قبله، وهذا هو الذي استقر عليه الإجماع وكان فيه خلاف قديم عن بعض الصحابة أنه جوز صلاة الظهر قبل الزوال، ومثله عن أحمد وإسحاق في الجمعة. انتهى.

"وأما حديث ابن عباس، فالمراد به أنه حين زالت الشمس كان الفيء حينئذ مثل الشراك، لأنه أخر إلى أن صار مثل الشراك" وإن كان ذلك ظاهره لمخالفة غيره من الأحاديث، وهي يفسر بعضها بعضا، "ذكره في المجموع" شرح المهذب للنووي، "وقد بين" محمد "بن إسحاق" بن يسار "في المغازي أن صلاة جبريل به صلى الله عليه وسلم كانت صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء، ولفظه" كما في الفتح: حدثني عتبة بن مسلم عن نافع بن جبير.

وقال عبد الرزاق: عن ابن جريج، قال: "قال نافع بن جبير"، "بضم الجيم" ابن مطعم بن عدي النوفلي "وغيره" فسقط من قلم المصنف أو نساخه بعض الكلام: "لما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليلة التي أسري به" فيها "لم يرعه"، "بفتح الياء وضم الراء وإسكان العين" لم يفزعه "إلا جبريل نزل حين زاغت" بغين معجمة" أي: مالت "الشمس ولذلك سميت الأولى، أي صلاة الظهر" لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم صبيحة الإسراء على المشهور في الأحاديث، ولابن أبي خيثمة والدارقطني وابن حبان في الضعفاء بإسناد ضعيف عن ابن عباس: لما فرضت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل، فصلى به الصبح حين طلع الفجر.

وفي حديث أبي هريرة عند النسائي، قال صلى الله عليه وسلم: "هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم". فصلى الصبح حين طلع الفجر "فأمر" صلى الله عليه وسلم، "فصيح بأصحابه: الصلاة جامعة" برفعهما ونصبهما، ورفع الأول ونصب الثاني وعكسه، "فاجتمعوا وصلى به جبريل، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، فذكر

وقع بعد الهجرة، والحق أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل، وبعدها ببيان النبي صلى الله عليه وسلم.

وإنما دعاهم بقوله: "الصلاة جامعة" لأن الأذان لم يكن شرع حينئذ.

واستدل بهذا الحديث على جواز الائتمام بمن يأتم بغيره.

ويجاب عنه بما يجاب عن قصة أبي بكر في صلاته خلف النبي صلى الله عليه وسلم وصلاة الناس خلفه، فإنه محمول على أنه كان مبلغا فقط، كما يأتي تقريره إن شاء الله تعالى.

وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم العصر والشمس في حجرة عائشة لم يظهر الفيء من

__________

الحديث، وفيه رد على من زعم أن بيان الأوقات إنما وقع بعد الهجرة، والحق أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل" صبيحة المعراج "وبعدها بيان النبي صلى الله عليه وسلم" كما دلت عليه الأحاديث، "وإنما دعاهم بقوله: "الصلاة جامعة"؛ لأن الأذان لم يكن شرع حينئذ" وإنما شرع بالمدينة.

"واستدل بهذا الحديث على جواز الائتمام بمن يأتم بغيره، ويجاب عنه بما يجاب عن قصة أبي بكر في صلاته خلف النبي صلى الله عليه وسلم وصلاة الناس خلفه", أي: أبي بكر، "فإنه محمول على أنه" أي: أبا بكر "كان مبلغا فقط" والإمام النبي صلى الله عليه وسلم "كما يأتي تقريره إن شاء الله تعالى" في الإمامة هكذا قال الحافظ وتعقبه السيوطي بأنه واضح في قصة أبي بكر، وأما هنا ففيه نظر، لأنه يقتضي أن الناس اقتدوا بجبريل لا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو خلاف الظاهر والمعهود مع ما في رواية نافع بن جبير من التصريح بخلافه، أي بقوله وصلى به جبريل وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، قال: والأولى أن يجاب بأن ذلك كان خاصا بهذه الواقعة؛ لأنها كانت للبيان المعلق عليه الوجوب، زاد الحافظ: واستدل به أيضا على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل من جهة أن الملائكة ليسوا مكلفين بمثل ما كلف به الإنس، قاله ابن العربي وغيره، وأجاب عياض باحتمال أن لا تكون تلك الصلاة واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ، وتعقبه بما تقدم من أنها كانت صبيحة ليلة فرض الصلاة وأجاب باحتمال أن الوجوب كان معلقا بالبيان، فلم يتحقق الوجوب إلا بعد تلك الصلاة، قال: وأيضا لا نسلم أن جبريل كان متنفلا، بل كانت تلك الصلاة واجبة عليه، لأنه مكلف بتبليغها، فهي صلاة مفترض خلف مفترض، وقال ابن المنير: قد يتعلق به من يجوز صلاة مفترض بمفترض آخر، كذا قال: وهو مسلم له في صورة المؤداة مثلا. خلف المؤداة لا في صورة الظهر خلف العصر مثلا. انتهى رحمه الله.

"وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم العصر والشمس" أي ضوءها "في حجرة"، "بضم المهملة وسكون الجيم"، "بيت" عائشة لم يظهر الفيء" أي: الظل في الموضع الذي كانت الشمس فيه

حجرتها. رواه البخاري ومسلم.

وقال أنس: كان صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة، وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال. رواه البخاري ومسلم.

__________

"من حجرتها" ولا يعارضه رواية الصحيحين أيضا: والشمس في حجرتها قبل أن تظهر، أي: ترتفع، لأن المراد بظهور الشمس خروجها من الحجرة، وبظهور الفيء انبساطه في الحجرة، وذلك لا يكون إلا بعد خروج الشمس، فلا خلف بين الروايتين، "رواه البخاري ومسلم" بطرق عديدة عن عائشة، "وقال أنس: كان صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس مرتفعة حية" هو من باب الاستعارة، والمراد بقاء حرها وعدم تغير لونها، والواو للحال، "فيذهب الذاهب إلى العوالي" جمع عالية ما حول المدينة من القرى جهة نجدها، أما من جهة تهامتها فيقال: السافلة. "فيأتيهم والشمس مرتفعة" دون ذلك الارتفاع لكن لم تصل إلى الحد الذي توصف فيه بأنها منخفضة، وكأن أنسا أراد بالذاهب نفسه كما يشعر بذلك رواية النسائي والطحاوي، واللفظ له عن أبي الأبيض، عن أنس، قال: كان صلى الله عليه وسلم يصلي بنا العصر والشمس بيضاء محلفة، ثم أرجع إلى قومي في ناحية المدينة، فأقول لهم: قوموا فصلوا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى.

قال الطحاوي: نحن نعلم أن قوم أنس لم يكونوا يصلونها إلا قبل اصفرار الشمس، فدل ذلك على أنه صلى اله عليه وسلم كان يعجلها، وقال السيوطي: بل أراد أعم من ذلك، رواه الدارقطني والطبراني عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: كان أبعد رجلين من الأنصار من رسول الله صلى الله عليه وسلم دار أبو لبانة وأهله بقباء، وأبو عيسى ومسكنه في بني حارثة، فكانا يصليان معه صلى الله عليه وسلم ثم يأتيان قومهما وما صلوا لتعجيله صلى الله عليه وسلم بها، "وبعض العوالي" هذا مدرج من الزهري، كما بينه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في هذا الحديث، فقال: قال الزهري وبعض العوالي "من المدينة على أربعة أميال" كذا وقع هنا، أي: بين بعض العوالي والمدينة هذه المسافة، وللبيهقي موصولا، والبخاري تعليقا، وبعد العوالي، "بضم الموحدة ودال مهملة"، وللبيهقي أيضا أربعة أميال أو ثلاثة، ولأبي عوانة وأبي العباس السراج عن الزهري العوالي من المدينة على ثلاثة أميال، ووقع عند المحاملي على ستة أميال، ولعبد الرزاق عن معمر عن الزهري على ميلين أو ثلاثة، فتحصل أن أقرب العوالي مسافة ميلين، وأبعدها ستة إن كانت رواية المحاملي محفوظة، وفي المدونة عن مالك أبعد العوالي مسافة ثلاثة أميال، كأنه أراد معظم عمارتها، وإلا فأبعدها ثمانية أميال، قاله عياض، وبه جزم ابن عبد البر وخلق آخرهم صاحب النهاية، ويحتمل أنه أراد أنه أبعد الأمكنة التي كان يذهب إليها الذاهب في هذه الواقعة، قاله الحافظ ملخصا، "رواه البخاري ومسلم" من

وفي ذلك دليل على تعجيله صلى الله عليه وسلم بصلاة العصر، لوصف الشمس بالارتفاع بعد أن تمضي مسافة أميال، والمراد بالشمس ضوءها.

وعن سلمة بن الأكوع أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب. رواه البخاري ومسلم والترمذي.

وعن رافع بن خديج: كنا نصلي المغرب معه صلى الله عليه وسلم فينصرف أحدنا، وإنه ليبصر مواقع نبله. رواه البخاري ومسلم. والنبل -بفتح النون: السهام العربية.

__________

طرق مدارها على ابن شهاب عن أنس، "وفي ذلك دليل على تعجيله صلى الله عليه وسلم بصلاة العصر لوصف الشمس بالارتفاع" العلو "بعد أن تمضي مسافة أربعة أميال" إذ لا يمكن أن يذهب الذاهب أربعة أميال، والشمس لم تتغير إلا إذا صلى حين صار ظل كل شيء مثله، "والمراد بالشمس ضوءها" لا عينها، إذ لا يتصور دخولها في الحجرة حتى يخرج، فهو من باب المجاز، وكذا المراد في حديث أنس، إذ الذي يوصف بالارتفاع والحياة إنما هو الضوء، أما عينها فلا تزال بيضاء نقية إلى أن تغرب.

"وعن سلمة بن الأكوع" الصحابي الشهير "أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت" أي: استترت "بالحجاب" شبه غروبها بتواري المخبأة بحجابها "رواه البخاري" من ثلاثياته، فقال: حدثنا المكي بن إبراهيم، قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة "ومسلم" واللفظ له، فأما لفظ البخاري، فقال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب إذا توارت بالحجاب.

قال الحافظ: المراد الشمس، ولم يذكرها اعتمادا على إفهام السامعين، كقوله في القرآن حتى توارت بالحجاب، قاله الخطابي، وقد رواه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بلفظ: إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب، فدل على أن الاختصار في المتن من شيخ البخاري، وبه صرح الإسماعيلي، ورواه عبد بن حميد عن صفوان بن عيسى، وأبو عوانة والإسماعيلي من طريق صفوان أيضا، عن يزيد، عن سلمة بلفظ: كان يصلي المغرب ساعة تغرب الشمس حين يغيب حاجبها، والمراد حاجبها الذي يبقى بعد أن يغيب أكثرها، ورواية توارت أصرح في المراد، "والترمذي" وأبو داود وابن ماجه، "وعن رافع"، "بالراء"، "ابن خديج"، "بفتح المعجمة وكسر المهملة وإسكان التحتية وجيم"، قال: "كنا نصلي المغرب معه" اختصارا لقوله مع النبي "صلى الله عليه وسلم فينصرف أحدنا" من المسجد، "وإنه ليبصر" بضم التحتية واللام" للتأكيد "مواقع" محل وقع "نبله" لبقاء الضوء، أي: المواضع التي تصل إليها سهامه إذا رمى بها، وروى أحمد بإسناد حسن عن ناس من الأنصار، قالوا: كنا نصلي مع

أي يبصر مواقع سهامه إذا رمى بها، ومقتضاه المبادرة بالمغرب في أول وقتها، بحيث إن الفراغ منها يقع والضوء باق.

وكان صلى الله عليه وسلم إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجل، رواه النسائي من حديث أنس.

ويؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية. رواه أبو داود من حديث علي بن شيبان.

وقال عليه السلام: "إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا

__________

النبي صلى الله عليه وسلم المغرب، ثم نرجع فنترامى حتى نأتي ديارنا، فما يخفى علينا مواقع سهامنا.

"رواه البخاري ومسلم" وابن ماجه "والنبل بفتح النون" وسكون الموحدة "السهام العربية" وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، قاله ابن سيده، وقيل: واحدها نبلة مثل تمر وتمرة، "أي: يبصر مواقع سهامه إذا رمى بها" لأنهم كانوا يترامون بها في رجوعهم كما علم، "ومقتضاه المبادرة بالمغرب في أول وقتها، بحيث أن الفراغ منها,

تابع النوع الثاني: في ذكر صلاته صلى الله عليه وسلم

...

بسم الله الرحمن الرحيم

الباب الرابع: في صلاته صلى الله عليه وسلم الوتر

قد صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهن. لكن أحاديث الفصل أثبت وأكثر طرقًا.

واحتج بعض الحنفية لما ذهبوا إليه -من تعيين الوصل، والاقتصار على ثلاث- بأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاث موصولة حسن جائز، واختلفوا فيما زاد أو نقص، قال: فأخذنا بما أجمعوا عليه وتركنا ما اختلفوا فيه.

وتعقبه محمد بن نصر المروزي، بما رواه من طريق عراك بن مالك عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا "لا توتروا بثلاث تشبهوا بصلاة المغرب" وقد صححه

__________

الباب الرابع: في صلاته -صلى الله عليه وسلم- الوتر

أي فيما يتعلق به من عدد وغيره.

قال ابن التين: اختلف فيه في سبعة أشياء في وجوبه، وعدده، واشتراط النية فيه واختصاصه بقراءة، واشتراط شفع قبله، وفي آخر وقته وصلاته في السفر على الدابة.

زاد غيره: وفي أول وقته، وفي قضائه، والقنوت فيه، ومحل القنوت منه، وفيما يقال فيه، وفي فصله ووصله وهل يسن ركعتان بعده، وفي صلاته من قعود لكن هذا على أنه سنة، وفي أنه أفضل صلاة التطوع، أو الرواتب أفضل منه، أو خصوص ركعتي الفجر.

"قد صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهن" أي: صلاهن بتشهد واحد "لكن أحاديث الفصل أثبت وأكثر طرقا" إذ هو الذي رواه أكثر الحفاظ عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وتلك الرواية انفرد بها بعض أهل العراق عن هشام، وقد أنكرها مالك وقال: منذ صار هشام بالعراق أتانا عنه ما لم نعرف، وقال ابن عبد البر: ما حدث به هشام قبل خروجه إلى العراق أصح عند أهل الحديث.

"واحتج بعض الحنفية لما ذهبوا إليه من تعيين الوصل والاقتصار على ثلاث، بأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاث موصولة حسن جائز، واختلفوا فيما زاد" عليها "أو نقص" عنها "قال: فأخذنا بما أجمعوا عليه وتركنا ما اختلفوا فيه" لأن الأول أقوى.

"وتعقبه محمد بن نصر المروزي بما رواه من طريق عراك بن مالك" الغفاري الكناني المدني الثقة "عن أبي هريرة مرفوعا" إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- من طريق "وموقوفا" على أبي هريرة من

الحاكم، وعن سليمان بن يسار أنه كره الثلاث في الوتر وقال: لا يشبه التطوع بالفريضة. انتهى.

لكن قد روى الحاكم من حديث عائشة أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن، وروى النسائي من حديث أبي بن كعب نحوه، ولفظه: يوتر بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} و {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ولا يسلم إلا في آخرهن وبين في عدة طرق أن السور الثلاث بثلاث ركعات.

والجمع بين هذا وبين ما تقدم من النهي عن التشبيه بصلاة المغرب، أن

__________

طريق أخرى: "لا توتروا بثلاث تشبهوا" في فعلها "بصلاة المغرب" وهو بدل من لا توتروا المجزوم بلا الناهية، فلذا حذف النون فلم يقل: تشبهون، وقد صححه الحاكم، وبما رواه ابن نصر من طريق عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة، والأعرج عن أبي هريرة، مرفوعا نحوه وإسناده على شرط الشيخين، وقد صححه ابن حبان والحاكم، ورواه الدارقطني، برواة ثقات، بلفظ: "لا توتروا بثلاث ولا تشبهوا الوتر بصلاة المغرب"، وتعقبه ابن نصر أيضا بما رواه من طريق مقسم عن ابن عباس وعائشة كراهة الوتر بثلاث، وأخرجه النسائي أيضا "وعن سليمان بن يسار" أحد الفقهاء "أنه كره الثلاث في الوتر وقال: لا يشبه التطوع الفريضة، انتهى".

فهذا كله يقدح في الإجماع الذي زعمه "لكن" قول محمد بن نصر لم نجد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- خبرا ثابتا صريحا أنه أوتر بثلاث موصولة، نعم ثبت عنه أنه أوتر بثلاث لكن لم يبين الراوي هل هي موصولة أو مفصولة. انتهى.

يرد عليه أنه "قد روى الحاكم من حديث عائشة أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن" فيصليهن بتشهد واحد، وقد علم موقع الاستدراك الذي لم يعلم من اختصار المصنف لما في فتح الباري، ثم ظهر لي أن المصنف جعله استداركًا على ما فهم من النهي عن الوتر بثلاث من المنع، فأفاد بالاستدراك أن النهي للتنزيه لفعله -صلى الله عليه وسلم- خلافه وليس استدراكًا على كراهة سليمان الوتر بثلاث؛ لأن دليله الحديث إذ الكراهة أقل مراتب النهي والمصطفى يفعل المكروه لغيره لبيان الجواز.

"وروى النسائي من حديث أبي بن كعب نحوه، ولفظه: يوتر بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] في الأولى "و {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} " [الكافرون: 1] الآية في الثانية "و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} " [الإخلاص: 1] ، في الثالثة "ولا يسلم إلا في آخرهن، وبين في عدة طرق أن السور الثلاث بثلاث ركعات".

قال الحافظ: ويجاب عنه، أي ابن نصر، باحتمال أنهما لم يثبتا عنده "والجمع بين هذا

يحمل النهي على صلاة الثلاث بتشهدين، وقد فعله السلف أيضًا.

فروى محمد بن نصر من طريق الحسن أن عمر كان ينهص في الثالثة من الوتر بالتكبير، ومن طريق المسور بن مخرمة: أن عمر أوتر بثلاث لم يسلم إلا في آخرهن، ومن طريق ابن طاووس عن أبيه أنه كان يوتر بثلاث لا يقعد بينهن.

وكان ابن عمر يسلم من الركعة والركعتين في الوتر. حتى يأمر ببعض حاجته، وهذا ظاهر أنه كان يصلي الوتر موصولًا، فإن عرضت له حاجة فصل ثم بني على ما مضى. وفي هذا رد على من قال: لا يصح الوتر إلا مفصولًا.

وأصرح من ذلك ما روى الطحاوي من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، أنه كان يفصل بين شفعه ووتره بتسليمة، وأخبر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يفعله،

__________

وبين ما تقدم من النهي عن التشبيه بصلاة المغرب أن يحمل النهي على صلاة الثلاث بتشهدين، وقد فعله السلف أيضا، فروى محمد بن نصر من طريق الحسن: أن عمر" بن الخطاب "كان ينهض في الثالثة من الوتر بالتكبير" يعني إذا قام من سجوده الركعة الثانية قام مكبرا من غير جلوس للتشهد "ومن طريق المسور" بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو "ابن مخرمة" بفتح الميم وإسكان المعجمة وفتح الراء "أن عمر أوتر بثلاث لم يسلم إلا في آخرهن، ومن طريق" عبد الله "بن طاوس عن أبيه: أنه كان يوتر بثلاث لا يقعد بينهن".

زاد في الفتح: ومن طريق قيس بن سعد عن عطاء وحماد بن زيد، عن أيوب مثله.

وروى محمد بن نصر عن ابن مسعود وأنس وأبي العالية: أنهم أوتروا بثلاث كالمغرب، وكأنهم لم يبلغهم النهي المذكور "وكان ابن عمر يسلم من الركعة والركعتين في الوتر حتى يأمر ببعض حاجته" رواه مالك عن نافع عنه، وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك به موقوفا عقب حديثه المرفوع صلاة الليل مثنى مثنى، فأخطأ من ظنه مرفوعا، ونسبه لمالك والبخاري، فالذي في الموطأ والبخاري إنما هو ما ذكرته "وهذا ظاهر أنه" أي: بن عمر "كان يصلي الوتر موصولا، فإن عرضت له حاجة فصل ثم بنى على ما مضى، وفي هذا رد على من قال: لا يصح الوتر إلا مفصولا" كذا قال تبعا للحافظ، ودعوى أن ظاهره ذلك فيها نظر، إذ المتبادر أنه كان عادته فصله؛ لأنه عبر بكان وحرف المضارعة وحتى الغائية. نعم لو عبر "بحين" بدل "حتى" لكان ظاهره ذلك.

"وأصرح من ذلك ما روى الطحاوي من طريق سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، أنه كان يفصل بين شفعه ووتره بتسليمه" لا صراحة في هذا على الوصل، فضلًا عن كونه أصرح

وإسناده قوي.

وقد استدل بعضه على فضل الفصل بأنه -صلى الله عليه وسلم- أمر به وفعله، وأما الوصل فورد من فعله فقط.

وقد حمل المخالف من الحنفية كل ما ورد من الثلاث على الوصل، مع أن كثيرًا من الأحاديث ظاهر في الفصل، كحديث عائشة "يسلم من كل ركعتين" فإنه يدخل فيه الركعتان اللتان قبل الأخيرة، فهو كالنص في موضع النزاع.

__________

من سابقه، لأنه نص في الفصل، ولكن المصنف سقط منه أو من نساخه ما قال في الفتح أنه أصرح، ولفظه: وأصرح من ذلك ما روى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن بكر بن عبد الله المزني، قال: صلى ابن عمر ركعتين، ثم قال: يا غلام ارحل لنا، ثم قام فأوتر بركعة.

وروى الطحاوي من طريق سالم، فذكره مريدًا معارضته لما قبله من الوصل، بأن ابنه سالمًا روى عنه الفصل، ويصرح بذلك قوله: ولم يعتذر الطحاوي إلى آخر ما يأتي عنه.

نعم قد ينازع الحافظ في أن رواية بكر المزني أصرح في الوصل بأنه لا صراحة فيها أيضا، إذ هي محتملة له وللفصل، فبان من رواية نافع أن المراد الثاني على المتبادر منها كما بينا، وصرح به في رواية سالم فيحمل عليه؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضا.

"وأخبر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يفعله وإسناده قوي". زاد الحافظ ولم يعتذر عنه الطحاوي إلا باحتمال أن المراد بقوله تسليمة، أي التسليمة التي في التشهد، ولا يخفى بعد هذا التأويل. انتهى، وصريحه أن الوتر واحدة، فتأويله بأن المعنى كان يفصل بين ما يصليه شفعا من الوتر وبين الركعة الواحدة منه ليوافق مذهب من قال: الثلاثة وتر، خلاف الظاهر المتبادر.

وقد استدل بعضهم على فضل الفصل بأنه -صلى الله عليه وسلم- أمر به في حديث الموطأ والصحيحين: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى".

وفي الصحيحين أيضا: فإذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة "وفعله" كما في حديث ابن عباس وعائشة عند الشيخين "وأما الوصل فورد من فعله فقط" لبيان الجواز "وقد حمل ابن المخالف من الحنفية كل ما ورد من الثلاث على الوصل مع أن كثيرًا من الأحاديث ظاهر في الفصل" فلا يصح هذا الحمل "كحديث عائشة" عند أبي داود ومحمد بن نصر بإسناد على شرط الشيخين: كان -صلى الله عليه وسلم- يصلي ما بين أن يفرغ من العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة

وحمل الطحاوي هذا ومثله على أن الركعة مضمومة إلى الركعتين قبلها، ولم يتمسك في دعوى ذلك إلا بالنهي عن البتيراء، مع احتمال أن يكون المراد بالبتيراء أن توتر بواحدة فردة ليس قبلها شيء، وهو أعم من أن يكون مع الوصل والفصل.

وقد اختلف السلف في أمرين:

أحدهما: في مشروعية ركعتين بعد الوتر عن جلوس.

والثاني: فيمن أوتر ثم أراد أن يتنفل في الليل، هل يكتفي بوتره الأول ويتنفل ما شاء، أو يشفع وتره بركعة ثم يتنفل؟ ثم إذا فعل هل يحتاج إلى وتر آخر أم لا؟

فأما الأول: فوقع عند مسلم من طريق أبي سلمة عن عائشة أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس. وقد ذهب إليه بعض أهل العلم، وجعلوا الأمر

__________

"يسلم من كل ركعتين، فإنه يدخل فيه الركعتان اللتان قبل الأخيرة، فهو كالنص في موضع النزاع" فيقطعه.

"وحمل الطحاوي هذا" الحديث "ومثله على أن الركعة مضمومة إلى الركعتين قبلها، ولم يتمسك في دعوى ذلك إلا بالنهي عن البتيراء" بضم الموحدة ففوقية مصغر، وهو حديث ضعيف "مع احتمال أن يكون المراد بالبتيراء أن توتر بواحدة فردة ليس قبلها شيء، وهو أعم من أن يكون مع الوصل والفصل" فلا دلالة فيه لما ادعاه، وهذا الاحتمال ورد في نفس حديث البتيراء.

أخرج ابن عبد البر عن أبي سعيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن البتيراء أن يصلي الرجل واحدة يوتر بها، وللبيهقي في المعرفة عن أبي منصور مولى سعد بن أبي وقاص، قال: سألت ابن عمر عن وتر الليل، فقال: يا بني هل تعرف وتر النهار؟ قلت: هو المغرب، قال: صدقت، ووتر الليل واحدة، بذلك أمر -صلى الله عليه وسلم- قلت: إن الناس يقولون هي البتيراء، قال: يا بني ليست تلك البتيراء، إنما البتيراء أن يصلي الرجل ركعة يتم ركوعها وسجودها وقيامها، ثم يقوم إلى الأخرى فلا يتم لها ركوعًا ولا سجودًا ولا قيامًا، فتلك البتيراء.

"وقد اختلف السلف في أمرين، أحدهما في مشروعية ركعتين بعد الوتر" كائنتين "عن جلوس" اتباعا للوارد "والثاني فيمن أوتر، ثم أراد أن ينتفل في الليل هل يكتفي بوتره الأول، ويتنفل ما شاء أو يشفع وتره بركعة ثم يتنفل" وهذه المسألة تعرف عند العلماء بمسألة نقض

في قوله -صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا" مختصا بمن أوتر آخر الليل.

وأجاب من لم يقل بذلك بأن بالركعتين المذكورتين هما ركعتا الفجر، وحمله النووي على أنه -صلى الله عليه وسلم- فعله لبيان جواز التنفل بعد الوتر، وجواز التنفل جالسا.

وأما الثاني: فذهب الأكثر إلى أنه يصلي شفعا ما أراد ولا ينقض وتره، عملا بقوله عليه الصلاة والسلام: "لا وتران في ليلة" وهو حديث حسن أخرجه النسائي وابن خزيمة من حديث طلق بن علي، وإنما يصح نقض الوتر عند من يقول بمشروعية التنفل بركعة واحدة غير الوتر.

__________

الوتر "ثم إذا فعل هل يحتاج إلى وتر آخر أم لا؟، فأما الأول فوقع عند مسلم من طريق أبي سلمة" بن عبد الرحمن بن عوف "عن عائشة: "أنه صلى الله عليه وسلم- كان يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس" وقد أنكر مالك.

وقال أحمد: لا أفعلهما ولا أمنعهما "وقد ذهب إليه بعض أهل العلم وجعلوا الأمر في قوله -صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا".

رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر "مختصا بمن أوتر آخر الليل" حتى لا يعارض حديث عائشة.

"وأجاب: من لم يقل بذلك" وهم الجمهور "بأن الركعتين المذكورتين هما ركعتا الفجر" صلاهما قاعدا لبيان الجواز أو لعذر "وحمله النووي على أنه -صلى الله عليه وسلم- فعله لبيان جواز التنفل بعد الوتر" مع الكراهة في حق غيره، وأن الأمر في اجعلوا ليس للوجوب "وجواز التنفل جالسا" وكل أولى من حملهما على ركعتي الفجر؛ لأنه خلاف الظاهر.

"وأما الثاني" وهو نقض الوتر بركعة ثم يتنفل ما شاء، أو يتنفل بلا نقض لا قوله: ثم إذا فعل، إذ هو مرتب على القول بالنقض "فذهب الأكثر إلى أه يصلي شفعا ما أراد ولا ينقض وتره" بركعة، كما قاله الأقل: ثم يتنفل "عملا بقوله عليه الصلاة والسلام: "لا وتران في ليلة"، وهو حديث حسن أخرجه النسائي وابن خزيمة" وغيرهما "من حديث طلق" بفتح فسكون "ابن علي" بن المنذر الحنفي صحابي له وفادة "وإنما يصح نقض الوتر عند من يقول بمشروعية التنفل بركعة واحدة غير الوتر" تمسكا بعموم قوله -صلى الله عليه وسلم: "الصلاة خير موضوع، فمن شاء استكثر ومن شاء استقل"، صححه ابن حبان، ولكن رد عليهم بقوله -صلى الله عليه وسلم: "صلاة الليل مثنى مثنى"، وبخبر: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ولم يتنفل بركعة إلا الوتر، ولا شاهد فيما تمسكوا به؛ لأن "أل" في الصلاة للعهد والمعهود شرعا أنها لا تنقص عن ركعتين في النافلة ما عدا الوتر، فقوله:

واختلف السلف أيضا في مشروعية قضاء الوتر، فنفاه الأكثر، وفي مسلم وغيره عن عائشة أنه -صلى الله عليه وسلم- كان إذا نام من الليل من وجع أو غيره فلم يقم من الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة.

وقال محمد بن نصر: لم نجد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في شيء من الأخبار أنه قضى الوتر، ولا أمر بقضائه.

وعن عطاء والأوزاعي: يقضي ولو طلعت الشمس إلى الغروب، وهو وجه عند الشافعية حكاه النووي في شرح مسلم، وعن سعيد بن جبير: يقضي من القابلة، وعن الشافعية: يقضي مطلقا.

وقالت عائشة: أوتر رسول الله -صلى الله عليه وسلم: من كل الليل، من أوله وأوسطه وآخره وانتهى وتره إلى السحر. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.

__________

فمن شاء استكثر، أي: زاد على الركعتين فركعتين، وهكذا ومن شاء اقتصر على ركعتين أو أربع أو نحوهما.

"واختلف السلف أيضا في مشروعية قضاء الوتر" إذا فات بصلاة الصبح "فنفاه الأكثر" ومنهم مالك "و" دليله "في مسلم وغيره عن عائشة؛ أنه -صلى الله عليه وسلم- كان إذا نام من الليل من وجع أو غيره فلم يقم من الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة" فلم يقض الوتر، إذا لو قضاه لصلى ثلاث عشرة.

"وقال محمد بن نصر: لم نجد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في شيء من الأخبار أنه قضى الوتر ولا أمر بقضائه" ومن زعم أنه في ليلة نومهم عن الصبح في الوادي قضى الوتر فلم يصب هكذا في كلام ابن نصر، كما في الفتح.

"وعن عطاء والأوزاعي: يقضي ولو طلعت الشمس إلى الغروب، وهو وجه عند الشافعية، حكاه النووي في شرح مسلم".

"وعن سعيد بن جبير: يقضي من" الليلة "القابلة، وعن الشافعية: يقضي مطلقا" وهو المعتمد عندهم تمسكا بعموم ما رواه أبو داود عن أبي سعيد مرفوعًا: "من نسي الوتر أو نام عنه فليصله إذا ذكره"، وخصه مالك والأكثر بما إذا لم يصل الصبح لأدلة أخرى "وقالت عائشة: أوتر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من كل الليل، من أوله" بعد صلاة العشاء "وأوسطه وآخره" بحسب ما تيسر له من القيام.

قال الطيبي: يجوز أن "من" في قوله: من كل الليل، تبعيضية منصوبة بأوتر، ومن الثانية بدل منها؛ لأن الليل إذا قسم ثلاثة أقسام يكون لكل قسم منها أجزاء، ويجو أن "من" الثانية بيان

والمراد بأوله: بعد صلاة العشاء.

ويحتمل أن يكون اختلاف وقت الوتر باختلاف الأحوال، فحيث أوتر أوله لعله كان وجعا، وحيث أوتر في وسطه لعله كان مسافرًا، وأما وتره في آخره فكان غالب أحواله لما عرف من مواظبته عليه الصلاة والسلام على الصلاة آخر الليل والسحر قبيل الصبح. وحكى الماوردي أنه السدس الأخير، وقيل: أوله الفجر الأول.

وفي رواية طلحة بن نافع عن ابن عباس، عند ابن خزيمة: فلما انفجر الفجر قام -صلى الله عليه وسلم- فأوتر بركعة. قال ابن خزيمة: والمراد به: الفجر الأول.

وروى أحمد من حديث معاذ مرفوعا: "زادني ربي صلاة وهي الوتر، وقتها من العشاء إلى طلوع الفجر". وفي إسناده ضعف، وكذا في حديث خارجة بن

__________

لمعنى البعضية، ويجوز أن الأولى ابتدائية والثانية بيان لكل، وهذا أوجه، ويعتبر في الكل الإفراد بمنزلة لام الاستغراق، والثانية بدل أو بيان "وانتهى وتره إلى السحر".

زاد أبو داود والترمذي حتى مات "رواه البخاري ومسلم" واللفظ له، فأما البخاري فلفظه: قالت كل الليل أوتر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وانتهى وتره إلى السحر. وهو في مسلم أيضا، إلا أنه قال: إلى آخر الليل بدل قوله: إلى السحر.

قال الحافظ: بنصب "كل" على الظرفية، وبالرفع على أنه مبتدأ والجملة خبره والتقدير أوتر فيه "وأبو داود والترمذي والنسائي، والمراد بأوله بعد صلاة العشاء" عند الجمهور سواء صلى بينه وبين العشاء نافلة أم لا، فلو أوتر قبل صلاة العشاء لم يصح سواء تعمد أو نسي، وقيل: يدخل وقته بدخول وقت العشاء، فله أن يصليه قبلها أو بعدها سواء تعمد أو سها.

"ويحتمل أن يكون اخلتلاف وقت الوتر باختلاف الأحوال، فحيث أوتر أوله لعله كان وجعا" بكسر الجيم "وحيث أوتر في وسطه لعله كان مسافرًا، وأما وتره في آخره فكان" لفظ الفتح، فكأنه كان "غالب أحواله لما عرف من مواظبته عليه الصلاة والسلام على الصلاة آخر الليل" قد أمر بجعل الوتر آخرها "والسحر قبيل الصبح" بضم القاف.

"وحكى الماوردي أنه السدس الأخير" من الليل "وقيل: أوله" أي: السحر "الفجر الأول".

"وفي رواية طلحة بن نافع" الواسطي نزيل مكة "عن ابن عباس" عند بن خزيمة: "فلما انفجر" انشق "الفجر قام صلى الله عليه وسلم فأوتر بركعة. قال ابن خزيمة: والمراد به الفجر الأول" فهو أداء

حذافة في السنن، وهو الذي احتج به من قال بوجوب الوتر، وليس صريحا في الوجوب.

وأما حديث بريدة: "الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا"، وأعاد ذلك ثلاثا. ففي سنده أبو المنيب، وفيه ضعف، وعلى تقدير قبوله فيحتاج من احتج به إلى أن يثبت أن لفظة "حق" بمعنى واجب في عرف الشارع، وأن لفظ "واجب" بمعنى ما ثبت من طريق الأحاد.

وقد كان عليه الصلاة والسلام يصلي وعائشة راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظها فتوتر، كما في البخاري.

وهذا يدل على استحباب جعل الوتر آخر الليل، سواء المتهجد وغيره، ومحله إذا وثق أن يستيقظ بنفسه أو بإيقاظ غيره.

__________

لوقوعه في وقته.

"وروى أحمد من حديث معاذ مرفوعا: "زادني ربي صلاة وهي الوتر، وقتها من العشاء إلى طلوع الفجر"، وفي إسناده ضعف، وكذا في حديث خارجة بن حذافة" بن غانم القرشي، السهمي، الصحابي "في السنن وهو الذي احتج به من قال بوجوب الوتر" كالحنفية "وليس صريحا في الوجوب" إذ لا يلزم كون المزيد من جنس الواحب، فيحتمل أنه زيادة في النفل:

"وأما حديث بريدة: الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا" أي: على طريقتنا وسنتنا "وأعاد ذلك" المذكور كله على المتبادر "ثلاثا" للتأكيد "ففي سنده أبو المنيب" بضم الميم وكسر النن فتحتية فموحدة اسمه عبيد الله -بضم العين- ابن عبد الله -بفتحها- العتكي بفتح المهملة والفوقية "وفيه ضعف؛" لأنه يخطئ وإن كان صدوقا كما في التقريب في الأسماء والشارح قصر اطلاعه على الكنى فتحير "وعلى تقدير قبوله" لكونه صدوقا وإن كان يخطئ "فيحتاج من احتج به إلى أن يثبت أن لفظه "حق" بمعنى واجب في عرف الشارع، وأن لفظ "واجب" بمعنى ما ثبت من طريق الآحاد" وأتى له بالأمرين "وقد كان عليه الصلاة والسلام يصلي وعائشة راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظها" فتقوم فتوضأ "فتوتر كما في البخاري" ومسلم وغيرهما "وهذا يدل على استحباب جعل الوتر آخر الليل سواء المتهجد وغيره، ومحله إذا وثق أن يستيقظ بنفسه أو بإيقاظ غيره" له، وإلا فالأفضل تعجيله، وعليه حمل وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي هريرة وأبي ذر وأبي الدرداء؛ أن لا ينام أحد منهم حتى يوتر،

واستدل به على وجوب الوتر، لكونه عليه الصلاة والسلام سلك به مسلك الواجب، حيث لم يدعها نائمة للوتر، وأبقاها للتهجد.

وتعقب: بأنه لا يلزم من ذلك الوجوب، نعم يدل على تأكيد الوتر، وأنه فوق غيره من النوافل الليلية.

وفيه: استحباب إيقاظ النائم لإدراك الصلاة، ولا يختص ذلك بالمفروضة ولا بخشية خروج الوقت، بل يشرع إيقاظه لإدراك الجماعة، وإدراك أول الوقت وغير ذلك من المندوبات. قال القرطبي: ولا يبعد أن يقال: إنه واجب في الواجب، مندوب في المندوب؛ لأن النائم وإن لم يكن مكلفا لكن مانعه سريع الزوال فهو كالغافل، وتنبيه الغافل واجب، والله أعلم.

__________

قاله أبو عمر، فلا معارضة بين وصيته لهؤلاء وبين قول عائشة: وانتهى وتره إلى السحر؛ لأن الأول للاحتياط والآخر لمن علم من نفسه قوة بالانتباه، كما جاء عن عمر وعلي وغيرهما أنه الأفضل، وإليه ذهب الجمهور لما في مسلم عن جابر، مرفوعا: "من طمع منكم أن يوتر آخر الليل فليوتر من آخره، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل، ومن خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر من أوله".

"واستدل به على وجوب الوتر لكونه عليه الصلاة والسلام سلك به مسلك الواجب حيث لم يدعها نائمة للوتر وأبقاها للتهجد" أي: لانقضائه نائمة "وتعقب بأنه لا يلزم من ذلك الوجوب".

"نعم يدل على تأكيد أمر الوتر وأنه فوق غيره من النوافل الليلية" بل قال مالك: إنه أفضلها مطلقا "وفيه استحباب إيقاظ النائم لإدراك الصلاة ولا يختص ذلك بالمفروضة"؛ لأنه أيقظها للوتر وليس بفرض "ولا بخشية خروج الوقت، بل يشرع إيقاظه لإدراك الجماعة وإدراك أول الوقت وغير ذلك من المندوبات" صلوات كالتهجد، أو غيرها كالتسحر، أو نام وقت الوقوف بعرفة؛ لأنه وقت طلب وتضرع، أو نام أمام المصلين، أو في الصف الأول، أو محراب المسجد، أو على سطح لا حاجز له، أو بعد طلع الفجر قبل طلوع الشمس؛ لأن الأرض تعج إلى الله من نومه حينئذ، أو بعد صلاة العصر، أو خاليا في بيت وحده فإنه مكروه، أو نامت امرأة مستلقية ووجها إلى السماء، أو رجل منبطحا على وجهه، فإنها ضجعة يبغضها الله.

"قال القرطبي: ولا يبعد أن يقال: إنه" أي: الإيقاظ "واجب في الواجب" كما إذا علم بأنه تام بعد دخول الوقت ولم يوكل من يوقظه، وأنه يخرج الوقت وهو نائم "مندوب في المندوب؛ لأن النائم وإن لم يكن مكلفا لكن مانعه سريع الزوال؛" لأنه إذا نبه انتبه "فهو كالغافل وتنبيه الغافل واجب، والله أعلم" بالحكم.

وعن علي: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوتر بثلاث يقرأ فيهن بتسع سور من المفصل، يقرأ في كل ركعة بثلاث سور آخرهن {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} . رواه الترمذي.

وعن ابن عباس: كان يقرأ في الوتر بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} في كل ركعة.

وعن عائشة: كان يقرأ في الأولى بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} وفي الثانية بـ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وفي الثالثة بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و"المعوذتين". رواه أبو داود والترمذي ولأبي داود: وكان إذا سلم قال: سبحان الملك القدوس.

وعند النسائي، ثلاثًا يطيل في آخرهن وفي رواية: ويرفع صوته بالثالثة وعن

__________

"وعن علي" كرم الله وجهه: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوتر بثلاث يقرأ فيهن بتسع سور من المفصل، يقرأ في كل ركعة بثلاث سور آخرهن {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ، "رواه الترمذي".

قال سود بن سعيد الكوفي التابعي: يقرأ في الركعة الأولى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} [التكاثر: 1] و {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} [القدر: 1] ، و {إِذَا زُلْزِلَتِ} [الزلزلة: 1] ، وفي الثانية: {وَالْعَصْرِ} [العصر: 1] ، و {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1] ، و {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 11] ، وفي الركعة الثالثة: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] ، و {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1] ، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ، ولعله لبيان الجواز وإلا فالأفضل خلافه.

"وعن ابن عباس: كان يقرأ في الوتر بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ، {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} في كل ركعة" لبيان الجواز، وإن كان المستحب خلافه "و" هو ما جاء "عن عائشة: كان يقرأ في الأولى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} أي: السورة كلها "وفي الثانية: بـ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} " كلها "وفي الثالثة بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمعوذتين" الفلق والناس "رواه أبو داود والترمذي" وعليه الجمهور ولو لمن له حزب فلا يقرأ منه خلافا لابن العربي ومن تبعه "ولأبي داود: وكان إذا سلم قال: سبحان الملك القدوس" المنزه، المطهر عما لا يليق به سبحانه.

"وعند النسائي" قال: سبحان الملك القدوس "ثلاثا" من المرات "يطيل في آخرهن" أي:

علي: كان عليه الصلاة والسلام يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.

قال ابن تيمية: سنة الفجر تجري مجرى بداية العمل، والوتر خاتمته، وقد كان عليه الصلاة والسلام يقرأ في سنة الفجر والوتر بسورتي الإخلاص، وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد، فسورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} متضمنة لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للرب تعالى من الأحدية والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال الذي لا يلحقه نقص، ونفي

__________

يمد صوته بالثالثة؛ "وفي رواية: ويرفع صوته بالثالثة" مع مده على مفاد الروايتين.

"وعن علي: كان عليه الصلاة والسلام يقول في آخر وتره" قبل السلام على ظاهره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك" أي: بما يرضيك عما يسخطك، فخرج عن حظ نفسه بإقامة حرمة محبوبه، فهذا لله تعالى، ثم الذي لنفسه قوله: "وبمعافاتك من عقوبتك" عقبها لاستعاذته برضاه، لاحتمال أنه يرضى من جهة حقه ويعاقب على حق غيره "وأعوذ بك منك" ترق من الأفعال إلى منشئها مشاهدة للحق وغيبة عن الخلق الذي هو محض المعرفة، لا يعبر عنه قول ولا يضبطه وصف، فهو محض التوحيد وقطع الالتفات إلى غيره وإفراده بالاستعاذة وغيرها "لا أحصي" لا أحصل "ثناء" بمثلثة ومد، وصفا بجميل "عليك" لعجزي عنه، إذ هو نعمة تستدعي شكرا إلى غير نهاية.

قال الإمام مالك: معناه وإن اجتهدت في الثناء عليك فلن أحصي نعمك ومننك وإحسانك "أنت" مبتدأ خبره "كما أثنيت" أي: الثناء عليك هو المماثل لثنائك "على نفسك" ولا قدرة لأحد عليه، ويحتمل أن أنت تأكيد للكاف من عليك باستعارة الضمير المنفصل للمتصل "رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه" وفيه أنه لا يبلغ وصفه، وإنما يوصف بما وصف به نفسه.

"قال ابن تيمية: سنة الفجر تجري مجرى بداية العمل" لكونه أول النهار "والوتر خاتمته"؛ لأنه آخر الليل "وقد كان عليه الصلاة والسلام يقرأ في سنة الفجر والوتر بسورتي الإخلاص" هما: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] الآية و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] "وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل وتوحيد المعرفة والإرادة وتوحيد الاعتقاد، فسورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ، "متضمنة لتوحيد الاعتقاد والمعرفة وما يجب إثباته للرب

الولد والوالد والكفؤ، المتضمن لنفي الشبيه والمثيل والنظير، فتضمنت إثبات كل كمال ونفي كل نقص عنه، ونفي كل شبيه، وهذه هي مجامع التوحيد العملي والاعتقادي، فلذلك كانت تعدل ثلث القرآن، فإن القرآن مداره على الخبر والإنشاء، والإنشاء ثلاثة: أمر ونهي وإباحة، والخبر نوعان: خبر عن الخالق تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه، وخبر عن خلقه، فأخلصت سورة الإخلاص للخبر عنه وعن أسمائه وصفاته، فعدلت ثلث القرآن، وخلصت قارئها المؤمن بها ن الشرك العلمي، كما خلصت سورة {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} من الشرك العملي. قاله ابن القيم.

وأما القنوت في الركعة الأخيرة من الوتر، في النصف الأخير من شهر رمضان، فقال النووي في "الأذكار" باستحبابه، ولم يذكر لذلك دليلا. وقد أخرج أبو داود بإسنادين رجالهما ثقات، لكن أحدهما منقطع، وفي الآخر راو لم يسم:

__________

تعالى من الأحدية والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال" نعت للصمدية "الذي لا يلحقه نقص" نعت للكمال، وإنما كانت مثبتة لذلك؛ لأن الصمد السيد المصمود إليه في الحوائج من صمد إذا قصد، وهو المقصود على الإطلاق لاستغنائه عن غيره مطلقا، وكل ما عداه محتاج إليه في جميع جهاته "ونفي" بالنصب عطف على جميع، أي المثبتة له نفي "الولد والوالد والكفء المتضمن لنفي الشبيه والمثيل والنظير، فتضمنت إثبات كل كمال ونفي كل نقص عنه ونفي كل شبيه، وهذه هي مجامع التوحيد العملي" بتقديم الميم على اللام "والاعتقادي، فلذلك كانت" سورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ، "تعدل ثلث القرآن" كما صح في الأحاديث "فإن القرآن مداره على الخبر والإنشاء، والإنشاء ثلاثة أمر ونهي وإباحة، والخبر نوعان: خبر عن الخالق تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه وخبر عن خلقه، فأخلصت سورة الإخلاص للخبر" اللام زائدة أو متعلقة بمفعول أخلصت المحذوف، أي: أحكاما ثابتة للخبر "عنه وعن أسمائه وصفاته، فعدلت ثلث القرآن وخلصت قارئها المؤمن بها من الشرك العلمي" بلام قبل الميم "كما خلصت سورة {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] "من الشرك العلمي" بتقديم الميم على اللام "قاله ابن القيم" في الهدى.

"وأما القنوت في الركعة الأخيرة من الوتر في النصف الأخير من شهر رمضان، فقال النووي في الأذكار باستحبابه ولم يذكر لذلك دليلا" وأنا أذكره إذ لا بد للاستجباب من دليل.

"وقد أخرج أبو داود بإسنادين رجالهما ثقات، لكن أحدهما منقطع، وفي الآخر راو لم

أن عمر لما جمع الناس على أبي بن كعب كان لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان.

وعن الحسن بن علي قال: علمني جدي كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت". وهذا لفظ رواية شريك رواه الطبراني وغيره.

__________

يسم" فكل منهما معلول؛ "أن عمر لما جمع الناس على أبي بن كعب كان لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان" في الوتر.

"وعن الحسن بن علي" خاتم خلافة النبوة "قال: علمني جدي" صلى الله عليه وسلم "كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت" لطاعتك "وعافني فيمن عافيت" من البلايا والفتن والأسقام "وتولني فيمن توليت" نصره وتأديبه "وبارك لي فيما أعطيت" أي في الذي أعطيته لي "وقني شر ما قضيت".

قال العلامة الشهاب القرافي: معناه أن الله تعالى يقدر المكروه بعد دعاء العبد المستجاب، فإذا استجاب دعاءه لم يقع المقضي لفوات شرطه، وليس هو ردا للقضاء المبرم: "إنك تقضي" بما تريد "ولا يقضى عليك؛ وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت" بكسر العين مع فتح الياء، بلا خلاف بين علماء الحديث واللغة والتصريف، قاله الحافظ السيوطي، وله أبيات آخرها:

وقل إذا كنت في ذكر القنوت ولا ... يعز يا رب من عاديت مكسورا

"تباركت ربنا وتعاليت"، وهذا لفظ رواية شريك، رواه الطبراني وغيره" كالبيهقي، ورواه أصحاب السنن كما مر بزيادة.

الباب الخامس: في ذكر صلاته -صلى الله عليه وسلم- الضحى

اختلفت الرواة، هل صلاها النبي -صلى الله عليه وسلم- أم لا؟ فمنهم المثبت ومنهم النافي.

فمن العلماء من رجح رواية المثبت على النافي، جريا على القاعدة المعروفة؛ لأنها تتضمن زيادة علم خفيت على النافين، قالوا: وقد يجوز أن يذهب علم مثل هذا على كثير من الناس. ويوجد عند الأقل، ومنهم من رجح رواية النافي بقرينه، ولم يعتد برواية المثبت إما لضعفها أو صرفها كما سيأتي عن صلاة الضحى.

قال الحاكم: وفي الباب عن أبي سعيد، وأبي ذر، وزيد بن أرقم، وأبي هريرة، وبريدة الأسلمي، وأبي الدرداء، وعبد الله بن أبي أوفى، وعتبان بن مالك، وعتبة بن عبد السلمي، ونعيم بن همار الغطفاني، وأبي أمامة الباهلي، وعائشة بنت أبي بكر، وأم هانئ، وأم سلمة. كلهم شهدوا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى. انتهى.

__________

الباب الخامس: في ذكر صلاته -صلى الله عليه وسلم- الضحى:

أي فيما جاء فيها ثبوتا أو نفيا "اختلفت الرواة هل صلاها النبي -صلى الله عليه وسلم- أم لا؟، فمنهم المثبت" صلاته لها "ومنهم النافي" لها "فمن العلماء من رجح رواية المثبت على النافي جريا على القاعدة المعروفة؛ لأنها تتضمن زيادة علم خفيت على النافين، قالوا" أي: المرجحون للإثبات: "وقد يجوز أن يذهب علم مثل هذا على كثير من الناس" فينفونه لعدم علمهم به "ويوجد عند الأقل" لاطلاعه عليه بسبب اقتضى علمه به كخلوه "ومنهم من رجح رواية النافي بقرينه" اقتضت ترجيحها "ولم يعتد برواية المثبت إما لضعفها أو صرفها كما سيأتي عن صلاة الضحى..

قال الحاكم: وفي الباب" أي: باب صلاة الضحى "عن أبي سعيد" سعد بن مالك "وأبي ذر" جندب بن جنادة "وزيد بن أرقم وأبي هريرة وبريدة الأسلمي وأبي الدرداء" عويمر "وعبد الله بن أبي أوفى" بفتح فسكون "وعتبان" بكسر العين "ابن مالك وعتبة" بضمن فسكون "ابن عبد" بلا إضافة "السلمي ونعيم بن همار" بتشديد الميم آخره راء، أو هبار، أو هدار، أو خمار بالمعجمة أو المهملة "الغطفاني" صحابي، رجح الأكثر أن اسم أبيه همار كما في التقريب. "وأبي أمامة الباهلي" صدي ابن عجلان "وعائشة بنت أبي بكر وأم هانئ" فاختة "وأم سلمة" هند "كلهم" بالرفع محكي مع ما بعده، يعني أن الحاكم بعد أن عدد هؤلاء، قال: كلهم "شهدوا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي الضحى، انتهى".

وفي فتح الباري: بعد أن ذكر في الضحى أقوالا ما نصه: قد جمع الحاكم الأحاديث

فأما حديث أبي سعيد فأخرجه الحاكم والترمذي عن عطية بن سعد العوفي عنه قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول: لا يصليها. وقال الترمذي: حسن غريب، لكن قال النووي: عطية ضعيف، فلعله اعتضد.

وأما حديث أبي ذر الغفاري، فرواه البزار في مسنده.

وأما حديث زيد بن أرقم، فرواه مسلم بلفظ: "إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي من الضحى" الحديث.

وأما حديث أبي هريرة فرواه البزار في مسنده بلفظ: "إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان لا يترك صلاة الضحى في سفر ولا في غيره. وإسناده ضعيف، فيه يوسف بن خالد السمتي ضعيف جدا. وأما حديث بريدة الأسلمي فرواه ... ".

وأما حديث أبي الدرداء فرواه الطبراني.

__________

الواردة في صلاة الضحى في جزء مفرد، وذكر لغالب هذه الأقوال مستندا، وبلغ عدد رواة الحديث في إثباتها نحو العشرين نفسا من الصحابة. انتهى.

"فأما حديث أبي سعيد، فأخرجه الحاكم والترمذي عن عطية بن سعد العوفي" بمهملة وفاء أبي الحسن الكوفي، مات سنة إحدى عشرة ومائة "عنه" أي: أبي سعيد "قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها ويدعها" أي: يتركها "حتى نقول: لا يصليها" وبه تمسك من قال: يستحب فعلها تارة وتركها تارة، بحيث لا يواظب عليها وهو إحدى الروايتين عن أحمد.

"وقال الترمذي: حسن غريب" لكن "قال النووي: عطية ضعيف، فلعله اعتضد" حتى حسنه الترمذي، وأما تصحيح الحاكم فعلى عادته في التساهل، وفي التقريب أن عطية صدوق يخطئ كثيرا وكان شيعيا مدلسا.

"وأما حديث أبي ذر الغفاري فرواه البزار في مسنده، وأما حديث زيد بن أرقم فرواه مسلم بلفظ: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي من الضحى الحديث، وأما حديث أبي هريرة فرواه البزار في مسنده، بلفظ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يترك صلاة الضحى في سفر ولا غيره وإسناده ضعيف، فيه يوسف بن خالد" بن عمير البصري "السمتي" بفتح السين المهملة وسكون الميم بعدها فوقية، سمى به يوسف المذكور لسمته وهيئته، كما في اللب "ضعيف جدا" قال في التقريب: تركوه، وكذا به ابن معين وكان من فقهاء الحنفية، مات سنة تسع وثمانين

وأما حديث ابن أبي أوفى، فرواه ابن عدي والحاكم بلفظ: قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى الضحى ركعتين يوم بشر برأس أبي جهل. قال بعض العلماء النافين لرواية المثبتين: هذا الحديث إن كان صحيحا فهو صلاة شكر وقعت وقت الضحى، كشكره يوم فتح مكة.

وأما حديث عتبان بن مالك، فرواه أحمد من رواية محمود بن الربيع عنه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى في بيته سبحة الضحى.

وأما حديث عتبة بن عبد فرواه ...

وأما حديث نعيم بن همار فرواه ...

وأما حديث أبي أمامة فرواه.

وأما حديث عائشة فرواه مسلم وأحمد وابن ماجه، قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي الضحى أربعا، ويزيد ما شاء الله.

__________

ومائة.

"وأما حديث بريدة الأسلمي فرواه ... " ببض له المصنف "وأما حديث أبي الدرداء فرواه الطبراني، وأما حديث ابن أبي أوفى فرواه ابن عدي والحاكم، بلفظ: قال" عبد الله بن أبي أوفى: "رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى الضحى ركعتين يوم بشر برأس أبي جهل" عمرو بن هشام فرعون هذه الأمة المقتول في غزوة بدر.

"قال بعض العلماء النافين لرواية المثبتين" صلاة الضحى "هذا الحديث إن كان صحيحا فهو صلاة شكر وقعت وقت الضحى كشكره يوم فتح مكة" فلا دلالة فيها على أنه نوى بها الضحى.

"وأما حديث عتبان" بكسر المهملة وإسكان الفوقية فموحدة "ابن مالك، فرواه أحمد من رواية محمود بن الربيع" الخزرجي المدني، صحابي صغير جل روايته عن الصحابة "عنه" أي: عتبان؛ "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى في بيته سبحة" بضم فسكون، أي صلاة "الضحى" وقال النافون لذلك: صلاته في بيت عتبان إجابة لسؤاله أن يصلي في بيته في مكان يتخذه مصلى، فاتفق أنه جاءه وقت الضحى، فاختصره الراوي، فقال: صلى في بيته الضحى، ولذا قال أنس: ما رأيته صلى الضحى إلا يومئذ.

"وأما حديث عتبة بن عبد فرواه" بيض له المصنف "وأما حديث نعيم بن همار فرواه" بيض له المصنف، وقد رواه النسائي "وأما حديث أبي أمامة فرواه" بيض له المصنف، وقد رواه

وعن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة رضي الله عنها هل كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي الضحى قالت: لا إلا أن يجيء من مغيبه.

وأما حديث أم هانئ، فرواه البخاري ومسلم، قالت: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثماني ركعات، فلم أر صلاة قط أخف منها،

__________

ابن جرير الطبري.

"وأما حديث عائشة فرواه مسلم وأحمد وابن ماجه" عنها "قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي الضحى أربعا" لفظ مسلم أربع ركعات "ويزيد ما شاء الله".

وفي رواية لمسلم بإسقاط الجلالة، أي من غير حصر، لكن لم ينقل أنه صلى أكثر من اثنتي عشرة ركعة.

"و" في مسلم وغيره "عن عبد الله بن شقيق" العقيلي البصري "قال: سألت عائشة رضي الل



كلمات دليلية: