الحبيب صلى الله عليه وسلم في التوراة _2651

الحبيب صلى الله عليه وسلم في التوراة


بشارات عيسى بمحمد صلى الله عليه وسلم (البشارة الأولى)

...

بشارات عيسى بمحمد صلى الله عليه وسلم:

قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} سورة الصف 6.

لم تزل الأنبياء تبشر برسول الله صلى الله عليه وسلم وتصفه لأممها في الكتب، وتأمرهم باتباعه ونصره ومؤازرته إذا بعث.

قال ابن عباس رضي الله عنهما ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد, لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو حي ليتبعنه، وأخذ عليه أن يأخذ على أمته, لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهم أحياء ليتبعنه وينصرنه. وكان أول ما اشتهر الأمر في أهل الأرض على لسان إبراهيم الخليل والد الأنبياء بعده عليهم الصلاة والسلام حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولا منهم، ثم على لسان عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام.

عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك. قال: "دعوة إبراهيم، وبشرى عيسي عليهما الصلاة والسلام ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصوربصرى من أرض

الشام" رواه ابن إسحاق بسنده، قال ابن كثير: إسناده جيد وله شواهد اهـ وروى أحمد نحوه.

فمن الأغراض التي جاء عيسى ابن مريم لتقريرها البشارة باقتراب ملكوت السماوات والأرض، أي الشريعة الإلهية التي يرسل الله بها النبي الأمي كما سيأتي إن شاء الله ... ولذلك خاطب بني إسرائيل قائلا: إني رسول الله إليكم، وقد بشرت التوراة بي، وأنا مصداق ما أخبرت عنه، وأنا أبشركم بمن بعدي، ألا وهو الرسول النبي الأمي العربي المكي أحمد.."فعيسى خاتم أنبياءء بنى إسرائيل، وقد أقام في ملئهم

مبشرآ بمحمد، وهوأحمد خاتم الأنبياء والمرسلين الذي لا رسالة بعده ولا نبوة. فلما جاء أحمد المبشر به في الأعصار المتقادمة اتهموه بالسحر وغيره.

وكان المسيح عيسى عليه السلام يعبر عن المبشر به بلفظ النبي، وبلفظ مسيا1، وبلفظ أحمد فارقليط كما سنرى ذلك في البشارات التالية:

__________

1 مسيا: كلمة آرامية تعني رسول. والمسيح: كلمة عربية معناها الملك أو النبي، وهو لقب لابن مريم، أما عيسى فاسم العلم له، وبالعبرية يشوع أي المخلص، لتخليصه لكثير من الناس من آثامهم وضلالهم.

انظر قصص الأنبياء للنجار ص 376 و397-398.

البشارة الأولى:

جاء في إنجيل يوحنا الإصحاح الرابع عشر قول المسيح عليه السلام لأتباعه:

15- إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي.

16- وأنا أطلب من الأب أي الله فيعطيكم"فارقليط"آخر، ليثبت معكم إلى الأبد.

26- وأما الفارقليط روح القدس الذي سيرسله الأب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم.

29- والآن قد قلت لكم قبل أن يكون، حتى إذا كان تؤمنون.

وفي الإصحاح الخامس عشر:

26- ومتى جاء الفارقليط الذي أرسله إليكم من الأب، روح الحق الذي ينبثق من الأب، فهو يشهد لي.

27- وأنتم أيضا تشهدون، لأنكم معي من الابتداء.

وفي الإصحاح السادس عشر:

7- لكني أقول لكم الحق، إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق، لا يأتيكم الفارقليط، فأما إن انطلقت، فإني أرسله إليكم.

8- ومتى جاء، فهو يوبخ العالم وفي بعض النسخ

يبكت العالم على خطيئته، وعلى بر وعلى دينونة.

12- وعندي أيضا أشياء كثيرة أقولها لكم، غير أنكم لا تطيقون حملها الآن.

13- ولكن متى جاء هو روح الحق فإنه يعلمكم الحق، لأنه لا يتكلم من عند نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، بركم بأمور آتية.

14- إنه سيمجدني، لأنه يأخذ ممالي بركم.

إن المسيح عليه السلام لفت انتباه السامعين إلى أن ما سيلقيه عليهم ضروري وهام واجب الحفظ والرعاية، فشوقهم إلى ذلك بقوله: إن كنتم (تحبونني) فاحفظوا (وصاياي) . وذلك لما علم بالتجربة وبنور النبوة أن الكثيرين من بني إسرائيل ينكرون النبي المبشر به، فأكد ذلك بتلك الفقرة، ثم أخبر بمجيئه:"وأنا أطلب من الله فيعطيكم فارقليط آخر. ولنبحث الآن عن معنى كلمة"فارقليط"ثم لنحلل النص:

تهرب النصارى من حقيقة هذه الكلمة:

في الأناجيل المترجمة إلى العربية المطبوعة في لندن في السنوات 1821- 1831 1844م ورد لفظ الفارقليط، كما أثبته في الأعلى.

وفي كتاب العهد الجديد الصادر عن جمعيات الكتاب المقدس في الشرق الأدنى عام 1963 م ورد بدلا من فارقليط

لفظ"المعزّي"وهو اسم فاعل مشتق من العزاء بمعنى الصبر وتخفيف المصاب ونحو ذلك.

وفي كتاب العهد الجديد الصادر عن المطبعة البولسية في حريصا بلبنان عام 1964 م والذي يذكرون في مقدمته أنه نقله عن اليونانية وعلق عليه القس جورج فاخوري، وقدمه إلى البطريرك مكسيموس الرابع. وجدتُ فيه كلمة"المحامي"بدلا من الفارقليط، وبدلا من المعزّي. ويعلق القس على ذلك فيقول في الحاشية: وهذا المحامي المعزّي الذي يقيم في الكنيسة إلى الأبد، ويكون شبه روح لها، هو الروح القدس، الأقنوم الثالث من الثالوث الأقدس اهـ.

ولا نريد الآن أن نخوض في معنى الأقانيم وتكونها وتميزها عن بعضها. فإن ابن تيمية رحمه الله يقول في كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح:"سألت أكثر من عشرين قسيسا عن معنى الأقانيم؟ فأجابوني بأكثر من عشرين جوابا"1.

__________

1 مما تعلمه الكنيسة للطلاب النصارى في كتاب الديانة المسيحية الذي يدرس في المرحلة الثانوية في سورية، في السبعينيات من السنوات الميلادية ما يلي: نؤمن بإله واحد رب واحد، مكون من ثلاثة أقانيم، كل أقنوم إله مستقل له إرادة متميزة أهـ وهذا وربي في الحساب بديع.

وسألت بعض من يتحرش بالمسلمين، ويتصدى للتبشير بينهم: كيف يكون المسيح عليه السلام إلها أو ربا، وقد ولدته مريم؟؟ فأين كان قبل أن يولد؟ فأجاب: إنما ولدت الناسوت واتحد باللاهوت، فصار الأقنوتم الثاني. فعرجت على بعض صفات الله سبحانه ولكن من المعروف عند المحققين من المترجمين أن الكلمة قائلا: ألا تقر معي بأن الإله يجب أن يكون متصفا بكل كمال منزها عن كل نقصان؟ فقال: بلى. قلت: إذا كان المسيح إلها أو ربا، فكيف يخرج من مكان ضيق قذر، ونحن نعلم أن الناس تعظ المتكبر فتقول له. انظر مم خلقت، ومن أين خرجت. فالولادة انتقاص ينزه الإله عنها. فكرر قوله: إنما ولدت الناسوت دون اللاهوت. قلت: فهل تعني أن المسيح ولد ميتا بدون روحه"اللاهوت"، ثم جرى الاتحاد بينهما؟ فبهت الذي كفر.

وعلى كل من شاء زيادة في هذا المضمار فليراجع كتاب الله واحد أم ثالوث لمحمد مجدي مرجان.

ولكن من المعروف عند المحققين من المترجمين أن الكلمة في أي لسان من الألسن لها معنى حرفي ولها جو. وعلى المترجم أن ينتبه إلى كليهما عند الترجمة، وإلا وقع في خطأ جسيم. ولا أدري أي المعنيين راعى القس جورج، وهو يترجم أقدس كتاب عندهم، ثم أقره عليه البطريرك. وإذا كانوا يترجمون الأناجيل بلغة العصر، فإن كلمة محامي تعني في لبنان وسورية وسائر البلاد العربية ذلك الرجل الذي درس القانون في كلية الحقوق، ثم تمرن عند محام قديم، بعد أن سجل اسمه لدى النقابة، ثم أصبح يدافع عن أي شخص يدفع له أجرا سواء أكان على حق أم لا، إلا من رحم ربك، فإن تعجب فعجب قولهم إنه محامي.

وعلى كل حال يرى النصارى أن الفارقليط أو المعزي أو المحامي هو الروح القدس، الأقنوم الثالث الذي وعد المسيح ويقيم معهم في الكنيسة إلى الأبد

ويكون شبهَ روح لها. ولنبحث الآن عن أصل الكلمة ومعناها:

يقول العلامة رحمة الله بن خليل الهندي: إن من عادة أهل الكتاب أن يترجموا الأسماء، ولا يبقوها على لفظها. وعيسى عليه السلام كان يتكلم الآرامية المشتقة من العبرية، واللفظ العبري مفقود. إذا لم يبق شك في أن يوحنا ترجم اسم المبشر به إلى اليونانية، حسب عادتهم. ثم إن المترجمين إلى العربية عربوا اللفظ اليوناني بـ"فارقليط".

ثم يذكر رحمه الله أنه قد وجد رسالة صغيرة باللغة الأردية لبعض القسس طبعت في كلكتا، يدعي مؤلفها أنه يحقق في لفظ فارقليط. وملخص كلامه: أن هذا معرب من اليوناني وأن الصحيح فيه"paraclete""باراكليمت"وهو بمعنى المعزي والمعين والوكيل والشافع. ويدعي بأن علماء المسلمين التبس الأمر عليهم، ففهموا أن اللفظ في الأصل،"paraclyte""بيراكلوت"ومعناه قريب من محمد أو أحمد. فقالوا: إن عيسى بشر بمحمد عليهما الصلاة والسلام.

ويرد الشيخ رحمه الله على ذلك فيقول: إن التفاوت بين اللفظين يسير جدا، فإن الحروف اليونانية كانت متشابهة، فتبديل بيراكلوت بباراكليت قريب القياس، ثم رجح أهل

التثليث هذه النسخة أي التي فيها"باراكليت"على النسخ الأخرى أي التي فيها"بيراكلوت"ومثل هذا الأمر منهم ليس ببعيد اهـ. وعلى كل إن كانت الكلمة في الأصل"بيراكلوت"بمعنى محمد أو أحمد أو محمود، فإن عيسى عليه السلام قد بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم صراحة، كما هو الحال في إنجيل برنابا، وكما هو صريح الآية في القرآن {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} وإن سلمنا أنها كانت"باراكليت"بمعنى المعزي والمعين والوكيل والشافع، فإن عيسى عليه السلام قد كنى عن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لأن هذه المعاني كلها تصدق عليه. ذكر الشيخ عبد الوهاب النجار في كتابه قصص الأنبياء

أنه كان في سنة 1894م طالبا في دار العلوم، وكان يجلس بجانبه في درس اللغة العربية العلامة الكبير الدكتور كارلونلينو المستشرق الإيطالي، وكان يحضر اللغة العربية بتوصية من الحكومة الإيطالية، فانعقدت بينهما أواصر الصحبة المتينة. يقول: وفي ليلة السابع والعشرين من شهر رجب سنة 1311هـ خرجنا بعد المحاضرة وسرنا ثم قلت له: ما معنى"بيراكلوتس"؟ فأجابني بقوله: القسس يقولون معناها المعزي. قلت: إني أسأل الدكتور كارلونلينو الحاصل على الدكتوراة في آداب اللغة اليونانية القديمة ولست أسأل قسا. فقال: إن معناها: الذي له حمد كثير. فقلت: هل يوافق ذلك أفعل التفضيل من فعل حمد؟ فقال: نعم. فقلت: إن

رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسمائه أحمد. فقال: يا أخي أنت تحفظ كثيرا. ثم افترقنا. وقد ازددت بذلك تثبتا في معنى قوله تعالى، حكاية عن المسيح عليه السلام: {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} .

وذكر عبد الحميد جودة السحار في كتابه المسيح ابن مريم أن"فارقليط"لفظة يونانية ترجمتها جمعية التوراة الأمريكية بالمعزي، وترجمها المسلمون بأحمد، ثم يقول: ووضح القسيس عبد الواحد داود الآشوري العراقي في كتابه الإنجيل والصلب الكلمات اليونانية التي في التوراة والإنجيل بمعنى أحمد وإسلام هذا.

وذكر الشيخ رحمة الله الهندي في"إظهار الحق"أن بعض النصارى ادعوا قبل ظهور محمد أنهم مصاديق لفظ"فارقليط"مثل"منتس"الذي ادعى أنه الفارقليط الذي وعد عيسى بمجيئه. وتبعه أناس كثيرون. فعُلم أن انتظار الفارقليط كان في القرون الأولى للنصارى، وكان بعضهم يدعي أنهم مصاديق ذلك، وكان بعض النصارى يقبلون دعاوهم اهـ.

ولاشك أن أهل الكتاب من يهود ونصارى كانوا ينتظرون خروج نبي قبل ظهور محمد صلى الله عليه وسلم وسأذكر شواهد على ذلك في آخر الكتاب إن شاء الله. أما الآن فلنحلل النص لنرى انطباقه

التام على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم

(أ) جاء في الجملة السادسة عشرة: وأنا أطلب من الأب أي الله فيعطيكم فارقليط آخر.

يدعي النصارى أنه روح القدس كما سلف. ولا صحة لادعائهم، لأن هذا الروح كما يعتقدون متحد بالأب مطلقا، وبالابن من ناحية لاهوته، لا من ناحية ناسوته، اتحادا حقيقيا، فلا يصدق في حقه أنه فارقليط آخر، بخلاف النبي المبشر به. ثم إن كان معناه المعزي والوكيل والشفيع كما يقولون، فإن هذه الأمور من خواص النبوة، لا من خواص هذا الروح المتحد.

كما ورد في الجملة نفسها أنه يقيم إلى الأبد. وقد حفظ الله سبحانه القرآن صحيحا سليما دون غيره من الكتب. قال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} . سورة الحجر 9.

(ب) جاء في الجملة السادسة والعشرين: فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بجميع ما قلته لكم.

وبالفعل، فإن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم تشمل جميع نواحي الحياة من علاقة الفرد بالفرد إلى علاقة الأمة بغيرها من الأمم سلما وحربا. قال سبحانه: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} . سورة الأنعام 38. وعن سلمان رضي الله عنه وقال له

المشركون: إنه علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة قال: أجل،"لقد نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، أو يستقبل القبلة بغائط أو بول، ونهى عن الروثة والعظام، وقال لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار", أخرجه الخمسة إلا البخاري واللفظ لمسلم.

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم النصارى بكل ما قاله عيسى بن مريم وما جاء به من التوحيد الخالص، ونهاهم عن التثليث والغلو في الدين. قال سبحانه: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} , المائدة 119.

وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا والآخرة ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء إخوة، أبناء علات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد". رواه البخاري ومسلم وأبو داود.

ولم يثبت من رسائل العهد الجديد أن الحواريين كانوا قد نسوا ما قاله عيسى، ثم أتى هذا الروح النازل فذكرهم به.

(ج) جاء في الجملة التاسعة والعشرين: والآن قد قلت لكم قبل أن يكون، حتى إذا كان تؤمنون. وهذا يدل على أن المراد به غير الروح القدس كما يزعمون. كما أن عدم الإيمان ما

كان مظنونا منهم وقت نزوله. أما إذا حملنا النص على النبي المبشر به، فإن الكلام يكون حسنا، وفي محله.

(د) جاء في الإصحاح الخامس عشر في الجملة السادسة والعشرين: فهو يشهد لي. وفي السابعة والعشرين: وأنتم تشهدون، لأنكم معي من الابتداء.

وبالفعل فقد شهد محمد صلى الله عليه وسلم لعيسى بالنبوة، وأمر المسلمين بالإيمان به، وبرأه مما نسب إليه من الألوهية، وبرأ أمه من تهمة الزنى التي ألصقها بها يهود. قال سبحانه: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} المائدة 72.

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ،73.

{أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ،74.

{مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} , 75

أما ما يزعمون أنه الروح، فلم يشهد بشيء بين يدي أحد، لأن تلاميذ المسيح الذين نزل عليهم الروح كما يدعون كانوا يعرفون المسيح، وما كانوا محتاجين إلى هذه الشهادة. بل هم يشهدون أن عيسى عليه السلام ما أخبر عن نفسه إلا أنه رسول يبشر بنبي يأتي من بعده اسمه أحمد. أما من بعدهم فقد التبس عليهم الأمر.

(هـ) جاء في الإصحاح السادس عشر الفقرة السابعة:

إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم انطلق لا يأتيكم الفارقليط ...

فعلق مجيء الفارقليط بذهابه، وهذا الروح بزعمهم نزل على الحواريين في حضوره لما أرسلهم إلى البلاد. وهو خلاف ما دل عليه النص من أن مجيء الفارقليط مشروط بذهاب عيسى. فلا يكون المراد بالفارقليط هذا الروح الذي عنه يتكلمون. بل إنما المراد به شخص لم يره أحد من الحواريين، ومجيئه يكون بعد ذهاب عيسى ورفعه إلى السماء، فهو محمد صلى الله عليه وسلم بلا شك.

(و) وجاء في الفقرة الثامنة من الإصحاح نفسه: ومتى جاء، فهو يوبخ الحالم على خطيئته ...

وهذا القول بمنزلة النص الواضح الصريح في محمد صلى الله عليه وسلم لأنه هو الذي وبخ العالم على خطيئته، فقد وبخ اليهود

لعدم إيمانهم بعيسى عليه السلام واتهامهم أمه بالزنى. وبكت النصارى على تثليثهم وقولهم إن الله هو المسيح ابن مريم كما سلف. بعكس الروح، فإن توبيخه لا يصح. وما كان التوبيخ هدف التلاميذ بعد نزوله، لأنهم كانوا يدعون إلى المسيحية بالوعظ والترغيب.

(ز) جاء في الفقرة الثانية عشرة من الإصحاح السادس عشر: وعندي أيضا أشياء كثيرة أقولها لكم، غير أنكم لا تطيقون حملها الآن.

وبنو إسرائيل لا يحتملون تلقي الشريعة الأبدية من عيسى عليه السلام لأن التطور البشري لا يسمح لهم أن يتلقوها، فإنهم يحتاجون إلى إعداد وتربية تمتد زمنا ليكونوا متهيئين لتلقي آخر الشرائع. أما عندما تصل البشرية إلى النضوج العقلي، والتفتح الديني المناسب، فإن الله سبحانه يرسل لهم خاتم الرسل بخاتمة الشرائع إلى جميع الناس. وهذا ما كان.

أما الروح النازل كما يقولون فلم يزد أي حكم من الأحكام على ما جاء به عيسى عليه السلام.

(ح) جاء في الفقرة الثالثة عشرة: ومتى جاء روح الحق، فإنه يعلمكم جميع الحق لأنه لا يتكلم من عند نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به.

ومحمد صلى الله عليه وسلم ما كان يتكلم من عند نفسه، بل يجعل الله كلامه فما فمه، ويكلم الناس بما يوحيه الله إليه من أمر أو نهي كما سلف في البشارة الأولى من بشارات العهد القديم. قال سبحانه: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ} سورة الأحقاف 9.

وقال سبحانه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} 1 سورة النجم 4.

(ط) وجاء في الفقرة نفسها: ويخبركم بأمور آتية:

وما الذي أخبر به الروح للحواريين أو لغيرهم من الأمور الغيبية الآتية؟ لم يحدث هذا. أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد أخبر عن أمور كثيرة ستقع في المستقبل، منها ما وقع، فأتت كما قال. ومنها ما لم يقع حتى الآن، والمسلمون ينتظرون وقوعها، والأحاديث التالية فيها مصداقية ذلك:

1- عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما، فما ترك شيئا يكون من مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هولاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته،

__________

1 إظهار الحق 278-297، محمد رسول الله لبشرى ص 86-106، محمد في الكتب المقدسة ص13-20، قصص الأنبياء للنجار ص 397-398، المسيح ابن مريم لعبد الحميد جودة السحار.

فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه", أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود.

2- وعن عمرو بن أخطب رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما الفجر وصعد على المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن إلى يوم القيامة". قال: فأعلمنا أحفظنا, أخرجه مسلم.

3 عن جابر بن سمرة وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده، لتنفقن كنوزهما في سبيل الله" , رواه البخاري ومسلم.

وقد أنفقت كنوزهما في سبيل الله بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ووزعت على أصحابه رضي الله عنهم فاجتمدت أكوام من المال أمام عمر رضي الله عنه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقلبها ويبكي، ثم وزعها.

4 وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل. فقال: "يا عدي هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها. قال: إن طالت بك حياة

لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا الله تعالى قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيء الذين سعروا البلاد؟ ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى. قلت: كسرى ابن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له، فيقولن: ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول: ألم أعطك مالا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم. قال عدي: فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شق تمرة، فبكلمة طيبة. قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى ابن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم يخرج ملء كفه" , أخرجه البخاري.

وقد حدث هذا، فكان الرجل في عهد عثمان رضي الله عنه وفي عهد عمر بن عبد العزيز يخرج زكاة ماله، فلا يجد من يقبلها منه، لغناهم عن ذلك وورعهم الذي يمنعهم من الطمع.

5- وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمي فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما" أخرجه مسلم.

6- وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم يكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت" أخرجه أحمد في المسند وصححه العراقي من طريقه، وأخرجه البزار والطيالسي بأتم منه، وروى الطبراني في الأوسط بعضه، قال الهيثمي: ورجاله ثقات.

7-وعن أبى قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وسئل أي المدينتين تفتح أولا، القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتابا. قال؟ فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم, أي المدينتين تفتح أولا، أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول صلى الله عليه وسلم: "مدينة هرقل تفتح أولا. يعنى قسطنطينية" , أخرجه أحمد في المسند وابن أبي

شيبة والدا رمى والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، والمقدسي وحسنه.

ولقد فتحت القسطنطينية على يد السلطان العثماني محمد الثاني المعروف بالفاتح، ولنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش جيشها، وسماها"إسلام بول"أي مدينة الإسلام. أما رومية، فهي روما عاصمة إيطاليا اليوم مقر بابا النصارى الكبير"الفاتيكان"فلتفتحن بإذن الله، كما أن الشمس تشرق كل يوم، بيد أنه لا يعلم ذلك الوقت إلا الله.

8- وعن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبيء اليهودي وراء الحجر والشجر. فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي، تعال فاقتله. إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود" ,رواه البخاري ومسلم.

9- وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لتقاتلن اليهود، فلتقتلنهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي، فتعال فاقتله" ,أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.

ومن تقدير الله سبحانه أن الأوربيين عرضوا على اليهود أن يقيموا دولتهم في استراليا، فرضي بعضهم وأبى أكثرهم، ثم

عرضوا عليهم أن يقيموا دولة في إفريقية، فرضي بعضهم وأبى أكثرهم. وأصروا على فلسطين، فاجتمعوا من شتى بقاع الدنيا فيها، ولا يزالون يتوافدون ويجتمعون. ولا يعلم إلا الله متى يُخلص المسلمون في جهادهم حتى يكون لله وبأمره خالصا من أية شائبة ليتحقق وعد الله. وإن ذلك لكائن بإذن الله كما أن الشمس تشرق كل يوم، ولن تقف دونه قوة.

ومن الطريف ما حدثني به فلسطيني أنهم يكثرون من زراعة شجر الغرقد للزينة. والله غالب على أمره.

,

البشارة الثانية

:

جاء في إنجيل متى الإصحاح الثالث:

1- وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان أي يحي يكرز في برية اليهودية.

2- قائلا: توبوا إلى الله، لأنه قد اقترب ملكوت السماوات.

وفي الإصحاح الرابع:

12- ولما علم يسوع أن يوحنا أسلم انصرف إلى الجليل.

17- ومن ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا إلى الله، لأنه قد اقترب ملكوت السماوات.

23- وكان يسوع يطوف كل الجليل، ويعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت.

وفي الإصحاح السادس في بيان الصلاة التي علمها المسيح لتلاميذه وفيها:"ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك".

وفي الإصحاح العاشر: ولما أرسل الحواريين إلى البلاد الإسرائيلية للدعوة والوعظ وصاهم بوصايا، منها هذه الوصية: وفيما أنتم ذاهبون أكرزوا قائلين: إنه قد اقترب ملكوت السماوات.

وجاء في إنجيل لوقا الإصحاح التاسع:

2- وأرسلهم أي التلاميذ ليكرزوا بملكوت الله.

وفي الإصحاح العاشر:

8- وأية مدينة دخلتموها وقبلوكم، فكلوا مما يقدم لكم.

9- واشفوا المرضى الذين فيها، وقولوا لهم: قد اقترب منكم ملكوت الله.

فظهر أن كلا من يحي وعيسى والحواريين بشر باقتراب ملكوت الله أو ملكوت السماوات.

والنصارى يحملون ذلك على أنه طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة عيسى، وشيوع الديانة النصرانية في جميع أنحاء العالم.

وهذا غير صحيح لأنه خلاف الظاهر من نصوصهم:

أ- فعيسى بشر بالألفاظ التي بشربها يحي. فعلم أن الملكوت كما لم يظهر في عهد يحي، كذلك لم يظهر في عهد عيسى عليه السلام ولا في عهد الحواريين. بل كل منهم فبشربه مخبر عن فضله مترج لمجيئه. فلا يكون المراد بملكوت السماوات طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة عيسى، وإلا لما قال عيسى والحواريون وخيرهم. إن ملكوت السماوات قد اقترب. بل كانوا يقولون: قد ظهر وابتدأ. ولما كان علم التلاميذ أن يقولوا في الصلاة: وليأت ملكوتك. ولا يزال النصارى حتى

الآن يرددونها، وبخاصة قبل الطعام. ولو كان الأمر كما يقولون لعدلوا عن ذلك إلى الشكر.

ب- إن لفظ ملكوت السماوات يدل على أن هذا الملكوت يكون في صورة القوة والجهاد والحكم، لا في صورة المسكنة، وأن مبنى قوانينه لابد أن يكون كتابا سماويا، لا حكما علمانيا تبعد عنه الكنيسة.

فالصحيح أن ملكوت السماوات الذي بشربه يحي وعيسى والحواريون هو طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم لأن كل هذه الأمور تصدق على الشريعة المحمدية، ولا تنطبق إلا عليها.

وليس المراد بذلك شيوع الديانة النصرانية في جميع أنحاء العالم كما يدعون، لأن ذلك ترده النصوص والتشبيهات التي وردت في أناجيلهم ومنها ما يلي:

جاء في إنجيل متى الإصحاح الثالث عشر:

- يشبه ملكوت السماوات إنسانا زرع زرعا جيدا في حقله.

31- ثم قدم لهم مثلا آخر قائلا: يشبه ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله.

32- وهي أصغر جميع البذور، ولكن متى نمت، فهي أكبر البقول، وتصير شجرة، حتى إن طيور السماء تأتي وتأوي إلى أغصانها.

فشبه ملكوت السماوات بإنسان زارع زرع زرعا لا بنمو الزراعة وحصادها.

وجاء في الإصحاح الحادي والعشرين بعد بيان التمثيل:

لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تحمل أثماره.

وهذا القول يدل على أن المراد بملكوت السماوات طريقة النجاة نفسها، لا شيوعها وانتشارها في جميع أنحاء العالم، وإلا لما كان هناك معنى لنزع شيوعها من قوم وإعطائها لآخرين. فهذا كله يرد تأويلهم، ويثبت البشارة بطريقة النجاة بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

قال سبحانه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} 1.

وعلى العموم فإن خير من قام بشرح معظم هذه البشارات، والاستدلال على صحة انطباقها على محمد بن

__________

1 إظهار الحق 2/271-273.

عبد الله صحة وخير من قام بالرد على التأويلات التعسفية والاعتراضات التي أثيرت حول انطباقها على مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العلامة الهندي رحمة الله بن خليل في كتابه إظهار الحق1.

وقد ذكر بشرى زخاري ميخائيل في كتابه"محمد رسول الله هكذا بشرت الأناجيل"أنه قد اكتشفت فوق هضبة بجوار البحر الميت منذ عدة سنوات مخطوطات قديمة، تصحح الفكرة السائدة عن ألوهية المسيح. وقد وجدت في أوان فخارية قديمة. وقد اتضح بعد الدراسات والتحاليل أنها جزء من مكتوبات الإبسينيين القدماء.

وقد أثارت هذه المخطوطات ثائرة العلماء ورجال الدين في جميع عواصم العالم.

ومما تقرره هذه المخطوطات أن المسيح عليه السلام كان مسيّا المسيحيين، وأن هناك مسيّا آخر.

وقد يكون المقصود بالمسيّا الثاني هو نفسه أي المسيح عند عودته بالروح، أو أن يكون المقصود به ظهور محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان يتكلم للحق منصفا روح المسيح ومدافعا عنه وعن العقيدة الأصلية التي جاء بها اهـ

__________

1 انظر إظهار الحق مطبعة الرسالة 2/ 239-297، وانظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لابن تيمية.

هذا, وعلى فرض أن هناك فقرات ليس المقصود بها البشارة برسول الله صلى اله عليه وسلم فإنه مما لا يحتمل الشك أن هناك فقرات كثيرة واضحة لا تحتاج إلى تأويل في أن القادم من نسل إسماعيل هو النبي المنتظر الذي بشر به موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام بل لا تحتمل غير ذلك.

,

بقايا أهل الكتاب ينتظرون النبي

:

عن عياض رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب" , أخرجه مسلم.

وذلك لابتعادهم عن الحق وإمعانهم في الضلال، أما بعض أهل الكتاب فقد كانوا ينتظرون خاتم النبيين. ومنهم:

الراهب بحيرا:

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن أباه حدثه قال: خرجنا إلى الشام في أشياخ من قريش، وكان معي محمد صلى الله عليه وسلم فأشرفنا على راهب في الطريق، فنزلنا وحللنا رواحلنا، فخرج إلينا الراهب، وكان قبل ذلك لا يخرج إلينا، فجعل يتخللنا، حتى جاء فأخذ بيد محمد صلى الله عليه وسلم وقال: هذا سيد العالمين. قال: فقال له أشياخ من قريش: وما علمك بما تقول؟ قال: أجد صفته ونعته في الكتاب المنزل، وإنكم حين أشرفتم يبق شجر ولا حجر إلا خر له ساجدا، ولا تسجد الجمادات إلا لنبي، وأعرفه بخاتم النبوة، أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة.

ثم رجع فصنع طعاما فأتانا به، وكان محمد صلى الله عليه وسلم في رعية الإبل، فجاء وعليه غمامة تظله، فلما دنا وجد القوم قد

سبقوه إلى شجرة، فجلس في الشمس، فمال فيء الشجرة عليه، وضحوا في الشمس ... وجعل يناشدهم الله أن لا يذهبوا به إلى الروم، ويقول: إن رأوه عرفوه بالصفة وآذوه. ثم قال: أنشدكم أيكم وليه؟ قالوا: هذا يعنوني فما زال يناشدني حتى رددته مع رجال، وزوده الراهب كعكا وزيتا أخرجه رزين"، وأخرجه الترمذي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وقال: هذا حديث حسن غريب. وليس بين الألفاظ كبير اختلاف.

وعند ابن أبي شيبة: ولما بلغ رسول الله اثنتي عشرة سنة خرج مع عمه أبي طالب حتى بلغ بُصرى فرآه بحيرا الراهب واسمه جرجس فعرفه بصفته، فقال: وهو آخذ بيده: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال: وما علمك بذلك فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا وخر ساجدا، ولا تسجد إلا لنبي، وأقبل وعليه غمامة تظله. وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة، وإنا نجده في كتبنا. وسأل أبا طالب أن يرده خوفا عليه من اليهود", ورواه ابن اسحاق.

خاتم النبوة:

عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه قال: درت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند

ناغض كتفه اليسرى جُمعا عليه خيلان كأمثال الثآليل"1 أخرجه مسلم.

وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال:"ورأيت الخاتم عند كتفيه مثل بيضة الحمام، يشبه جسده", رواه مسلم.

وعند الترمذي عنه رضي الله عنه:"كان خاتم رسول الله الذي بين كتفيه غدة حمراء مثل بيضة الحمام". وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

ورقة بن نوفل وبدء الوحي:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: أول ما بديء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراءء، فيتحنث فيه وهو التعبد2 الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى

__________

1 ناغض الكتف: طرف العظم العريض، الذي في أعلى طرفه. الخيلان: جمع خال، وهو الشامة.

2 التحنث: التعبد، وهو أن يفعل فعلا يخرج من الحنث، وهو الإثم. غطه: إذا حطه بشدة كما يغطه في الماء، إذا بالغ في حطه فيه. الجهد: بفتح الجيم المشقة، وبضمها الطاقة. وقيل هما لغتان. الكل: الأثقال والحوائج المهمة. الناموس: المراد به الوحي وهو جبريل عليه السلام وأصل اللفظ: صاحب سر الملك الذي لا يحضر إلا بخير، بعكس الجاسوس. ل الجذع: الشاب.

خديجة رضي الله عنها فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وفي رواية: حتى فجاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ قال: قلت: ما أنا بقاريء. قال: فأخذني فغطني، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقاريء. قال: فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقاريء؟ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ, الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ, عَلَّمَ الأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة رضي الله عنها وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهو ابن عم خديجة أخي أبيها وكان امرءا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له

ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله لصلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا. ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟ قال: نعم لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي", رواه البخاري ومسلم.

سلمان الفارسي:

قال ابن اسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن محمد بن لبيد عن عبد الله بن العباس قال: حدثني سلمان الفارسي من فيه قال: كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من أهل قرية يقال لها"جي"وكان أبي دهقان أهل قريته، وكنت أحب خلق الله إليه. واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة. قال: وكان لأبي ضيعة عظيمة، فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم وهم يصلون، فدخلت عليهم أنظر ما يصنعون. فلما رأيتهم أعجبتني صفتهم في صلاتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه. ثم قلت لهم: من أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام. فرجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله. فلما جئته قال: أين كنت؟ قال: قلت

له: يا أبت مررت بنصارى يصلون بكنيسة فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله مازلت عندهم حتى غربت الشمس. قال: أي بنى ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه. قال: قلت له: كلا والله إنه لخير من ديننا. فخافني فجعل في رجلي قيدا، ثم احتبسني في بيته. قال: وبعثت إلى النصارى وقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم. قال: فقدم ركب من الشام تجا رمن النصارى فأخبروني بهم، فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة. قال: فجئت فقلت له: إني قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك وأخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك. قال: ادخل، فدخلت معه. ثم مات. وجاءوا برجل فجعلوه مكانه، فما رأيت رجلا أفضل ولا أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ونهارا منه. قال فأحببته خبآ شديدا، فأقمت معه زمانا، ثم حضرته الوفاة. فقلت له: إني قد كنت معك فأحببتك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصي بي وتأمرني؟ قال: أي بني والله ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه، لقد هلك الناس، وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلا بالموصل وهو فلان، وهو على ما كنت عليه فالحق به. فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل،

فأقمت عنده، فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن حضرته الوفاة، فسألته إلى من توصي بي وبم تأمرني؟ قال: يا بني والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين وهو فلان. فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فأخبرته خبري. فقال: أقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضر قلت له: إلى من توصي بي وبم تأمرني؟ قال: يا بني والله ما أعلم بقي أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجل بعمورية من أرض الروم، فإنه على مثل ما نحن عليه، فلما مات غيب لحقت بصاحب عمورية فأخبرته خبري فقال: أقم عندي. فأقمت عند خير رجل على هدي أصحابه وأمرهم. قال: فاكتسبت حتى صار لي بقرات وغنيمة. قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حضر قلت له: يا فلان إلى من توصي بي وبم تأمرني؟ قال: أي بني والله ما أعلم أصبح اليوم أحد من الناس على مثل ما كان عليه هولاء آمرك أن تأتيه. ولكنه قد أظل زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفي، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة. فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. ثم مات وغيب، قال: ومكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مر بي نفر من

"كلب"تجار، فقلت لهم: احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه. قالوا: نعم. حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني، فباعوني على رجل يهودي عبدا. فكنت عنده ورأيت النخل، فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي. فبينما أنا عنده، إذ قدم عليه ابن عم له من قريظة فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مما أنا فيه من شغل الرق. ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي أعمل له بعض العمل، وسيدي جالس، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال: يا فلان قاتل الله بني قيلة أي الأوس والخزرج وهم أهل المدينة والله إنهم لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعم أنه نبي. فلما سمعتها أخذتني العُرَواء أي الحمى فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه: ماذا تقول؟ فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة ثم قال: مالك ولهذا؟ أقبل على عملك. وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته وذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء. فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا كان عندي للصدقة، فقربته إليه. فقال عظيم كلوا وأمسك يده، فلم يأكل. فقلت

في نفسي: هذه واحدة. ثم انصرفت عنه فجمعت شيئآ، وتحول رسول الله عباله إلى المدينة، فجئته، فقلت: إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، فأكل وأمر أصحابه فأكلوا معه منها. فقلت في نفسي: هاتان ثنتان. ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد، قد تبع جنازة أحد أصحابه، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه، ثم استدرت أنظر إلى ظهره، هل أرى الذي وصف لي صاحبي. فلما رآني استدبرته، عرف أني أتتثبت في شيء وصف لي، فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فأكببت عليه أقبل، فبكى وأبكى. فقال لي لصلى الله عليه وسلم تحول، فتحولت فجلست بين يديه، فقصصت عليه حديثي.

أبو سفيان وهرقل:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني أبو سفيان بن حرب من فيه إلى فيّ. قال: انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فبينا أنا بالشام، إذ جيء بكتاب من النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل. قال: وكان دحية الكلبي جاء به فدفعه إلى عظيم بُصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل. فقال هرقل: هل ها هنا أحد من قوم هذا الرجل

الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا، فأجلسوني بين يديه، وأجلسوا أصحابي خلفي، ثم دعا بترجمانه وقال: قل لهولاء: إني سائل عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني فكذبوه. قال أبو سفيان: وأيم الله، لولا أن يؤثر علي الكذب لكذبته. ثم قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم؟ قال قلت: هـ وفينا ذو حسب، قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل يتبعه أشراف الناس أو ضعفاوهم؟ قال: قلت: لا بل ضعفاوهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: لا بل يزيدون. قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قال: قلت: لا. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: يكون الحرب بيننا وبينه سجالا، يصيب منا ونصيب منه، قال: فهل يغدر؟ قال: قلت: لا، ونحن منه في هذه المدة، لا ندري ما هو صانع فيها قال: والله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟ قلت: لا. ثم قال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه فيكم فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها. وسألتك: هل كان من آبائه ملك؟ فزعمت أن لا, فقلت: لو كان من آبائه ملك، قلت: رجل يطلب ملك آبائه، وسألتك عن أتباعه:

أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله. وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب، وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون؟ فزعمت: أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أنكم قاتلتموه، فتكون الحرب بينكم وبينه سجالا، ينال منكم وتنالون منه، وكذلك الرسل، تبتلى ثم تكون العاقبة لها. وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أنه لا يغدر، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان قال هذا القول أحد قبله، قلت رجل ائتم بقول قيل قبله. قال: ثم قال: بم يأمركم؟ قلنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف. قال: إن يك ما تقول حقا فإنه نبي. وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أك أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي، ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين،

فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين. {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللغط، وأمر بنا فأخرجنا. قال: فقلت لأصحابى حين خرجنا لقد أمِر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر، فما زلت موقنا بأمر سول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيظهر، حتى أدخل الله علي الإسلام", رواه البخاري ومسلم.

وزاد مسلم في رواية: وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء، شكرا لما أبلاه الله ... فأدخلنا عليه، فإذا هو جالس في مجلس ملكه عليه التاج، وإذا حوله عظماء الروم.

وفي رواية للبخاري: ثم كتب هرقل إلى صاحب به برومية وكان نظيره في العلم وسار هرقل إلى حمص، فلم يِرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي وأنه نبي. فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له قصر بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم قال. يامعشر الروم هل لكم في الصلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت.

فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان قال: ردوهم علي. وقال: إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت منكم الذي أحببت، فسجدوا له ورضوا عنه.

عبد الله بن سلام:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأتاه وقال:"إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خبرني بهن آنفا جبريل، أما أول أشراط الساعة: فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام يأكله أهل الجنة: فزيادة كبد حوت. وأما الشبه في الولد: فإن الرجل إذا غشي المرأة، فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبقت كان الشبه لها". قال: أشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بُهت، فإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك. فجاءت اليهود، ودخل عبد الله البيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعلمنا وابن أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك زاد في رواية: فأعاد عليهم، فقالوا مثل ذلك قال: فخرج عبد الله إليهم

فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا. ووقعوا فيه زاد في رواية: قال ابن سلام: هذا الذي كنت أخافه يا رسول الله", أخرجه البخاري.

قال تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ} .

وهذا غيض من فيض، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} والحمد لله رب العالمين.

,

البشارة الثانية

:

جاء في سفر التثنية في الإصحاح الثاني والثلاثين ما يلي:

21- هم أي بنو إسرائيل أغارونى بغير إله، وأغضبوني بمعبوداتهم الباطلة. وأنا أيضا أغيرهم بغير شعب، وبشعب جاهل أغضبهم.

فبنوا إسرائيل أغضبوا الله وأغاروه، بعبادتهم للمعبودات الباطلة، ومنها العجل، ولذلك فإن الله سبحانه سوف يعاقبهم ويغيرهم، وذلك باصطفاء واختيار الشعب الآخر الذي هو عندهم جاهل محتقر.

ولاشك أن المقصود بالشعب الجاهل العرب، لأنهم كانوا في غاية الجهل والضلال، ولم يكن عندهم اتجاه إلى العلم، سواء كان من العلوم الشرعية أو العلوم العقلية أو التجريبية، وكان معظمهم أميا لا يقرأ ولا يكتب، وكانوا يعبدون الأصنام ويئدون البنات، ويغير بعضهم على بعض ... كما كانوا محتقرين لدى اليهود، لكونهم من أولاد جارية إبراهيم عليه السلام"هاجر".

وأوفي الله بما وعد، فبعد أن كان بنو إسرائيل أفضل العالمين في زمانهم، استبدل بهم قوما غيرهم، وهم العرب

الأميون، فبعث فيهم رسولا منهم، أميا مثلهم، فهداهم من الضلال وجمعهم من الشتات، وألف بين قلوبهم على الحق والخير. قال سبحانه: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} الجمعة: 2.

كما فضل أمته على سائر الأمم. قال سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} سورة اهـ عمران: 110.

هذا. ويؤيد ذلك ما جاء في المزامير: الحجر الذي رفضه البناؤون صار حجر الزاوية. لذلك أقول لكم: إن ملك الله ينزع منكم، ويعطى لأمة تحمل ثماره.

وقد نزع منهم، وحملت ثماره أمة محمد صلى الله عليه وسلم, فأخرجت الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام وسماحته.

عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه. فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه

اللبنة؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين" رواه البخاري ومسلم بالسند المتصل1.

أي فكنت أنا اللبنة وختمت الأنبياء.

__________

1 وروى البخاري ومسلم والترمذي عن جابر رضي الله عنه نحوه، ومسلم عن أبي صعيد، والترمذي عن أبي بن كعب وقال: حديث حسن صحيح أهـ..

انظر إظهار الحق 2/249-250، محمد رسول الله لبشرى.



كلمات دليلية: