الجهر بالدعوة الدعوة الجهرية

الجهر بالدعوة - الدعوة الجهرية


الدعوة الجهرية

:

قال الله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (2). قال ابن جرير: وأنذر عشيرتك من قومك الأقربين إِليك قرابة، وحذّرهم من عذابنا أن ينزل بهم بكفرهم (3).

وأخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} نادى رسول الله في قريش بطنًا بطنا، فقال: أرأيتم لو قلت لكم إِن خيلًا بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقيَّ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا قط. قال: فإِني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبَّا لك، ألهذا جمعتنا؟!.

__________

(1) ابن هشام، السيرة النبوية 1/ 253.

(2) سورة الشعراء، آية 214.

(3) تفسير الطبرى (9/ 481).

فأنزل الله {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} إِلى آخر السورة (1).

وفي رواية للإِمام مسلم أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - صعد الصفا فنادى: "يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت رسول الله، سليني بما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا" (2).

وقد بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النذارة بما كانوا يعلمونه في شخصه الكريم، ولا ينكرونه، بدأ بقضيّة لا يختلفون فيها، وهي صدقه - صلى الله عليه وسلم -، فأجابوه: (ما جرّبنا عليك كذبًا)، وهم يعلمون استحالة أو استبعاد الخبر، فمكة آمنة، وكل العرب تدين لحرمة مكة وقدسيتها، فأنّى أن تغير عليها خيلًا، ومع ذلك كان لديهم استعداد لقبول هذا الخبر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنّهم لم يجربوا عليه كذبًا. فأعلن إِنذاره لهم بقضيّة كبرى وحقيقة عظمى، أنذرهم يوم البعث والجزاء، أنذرهم عذاب الله الجبّار لمن كذّب به واستكبر.

وانطلق النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بعدها يدعو إِلى الله تعالى ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهارًا، لا يصرفه عن ذلك صارف، ولا يردّه عن ذلك رادّ، ولا يصدّه صادّ.

وكفارُ قريش في أول أمرهم غير منكرين لما يقول، بحيث كان إِذا مرّ بهم في مجالسهم يشيرون إِليه: إِن غلام بني عبد المطلب ليُكلَّم من السماء، إِلى أن عاب آلهتهم، وذكر آباءهم الذين ماتوا على الكفر، فانتصبوا لعداوته وعداوة من آمن معه، يعذبون من لا منعة عنده أشد العذاب، ويؤذون من لا يقدرون على عذابه.

__________

(1) أخرجه البخاري في التفسير، باب {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ح (4770)، ومسلم في الإِيمان ح (208). والآيات من سورة المسد 1 - 5.

(2) أخرجه مسلم في كتاب الإِيمان ح (206).

واشتد الأمر، وتنابذ القوم، ونادى بعضهم بعضًا، وتآمرت قريش على من أسلم منهم، يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، وحدب على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عمُّه أبو طالب، ومنع الله عن رسول به وببني هاشم وبني المطلب دون أبي لهب (1).

لقد طُبِع أبو طالب بحبّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان يحنو عليه، ويُحسن إِليه، ويُدافع عنه ويحامي، ويخالف قومَه في ذلك، مع أنّه على دينهم وخُلّتهم، ولم يختره الله للإسلام لتبقى هيبته في نفوس قريش، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} (2)، فهذا أبو طالب وأبو لهب، كلاهما من أعمام النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، كافران لم يؤمنا به - صلى الله عليه وسلم -، أحدهما في ضحضاح من نار (3)، والآخر في الدرك الأسفل من النار. قال اين القيّم: وكان من حكمة أحكم الحاكميِن بقاؤه على دين قومه، لما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأمّلها) (4). ومنها بقاء احترامهم له وهيبتهم منه ومجاملته لأنه سيد مطاع في أهله، وأهل مكة لا يتجاسرون على مكاشفته بشيء يؤذيه ما دام على دينهم وملتهم.

ما لقيه النبيّ (صلى الله عليه وسلم) من أذى المشركين:

عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "لقَدْ أُخِفْتُ في اللهِ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ في اللهِ، ومَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَت عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بينِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذو كَبِدٍ، إلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ" (5).

__________

(1) ابن هشام، السيرة النبوية 1/ 269.

(2) سورة القصص، الآية 68.

(3) أخرج البخاري في المناقب، باب قصة أبي طالب ح (3882) عن العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه -، قال للنبي: - صلى الله عليه وسلم - ما أغنيت عن عمّك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: "هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار". وهذه بسبب نصرته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحياطته له.

(4) زاد المعاد (3/ 22).

(5) أخرجه أحمد في المسند (3/ 120)، والترمذي في صفة القيامة والرقائق ح (2472)، وابن ماجه في المقدمة، باب في فضل سلمان وأبي ذر والمقداد ح (151)، وقال الترمذيّ: (هذا حديث حسن صحيح).

وعن عروة بن الزبير، قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. قال: بينا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يصلي في حجر الكعبة؛ إِذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ الله ... الآية} (1).

وغضب أبو جهل من صلاة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عند الكعبة علنًا، فقال: هل يُعفِّر محمَّد وجهه بين أظهركم؟ قيل: نعم. فقال: واللات والعزّى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفِّرنّ وجهَه. فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -وهو يصلي ليطأ على رقبته، فما فجأهم منه إِلا وهو ينكص على عقبيه ويتّقي بيديه، فقيل له: مالك؟ قال: إِنّ بيني وبينه لخندقًا من نار. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا" (2).

لقد كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم -وهو يعيش في هذه الأجواء التي تتصاعد منها أبخرة الكراهية والحقد والغلّ، يشعرنا أنّ الذي كان يهيمن عليه أثناءها إنما هو التفكير في دعوته وبذل كل الطاقة لنشرها، محاولًا الوصول إِلى قلوب الناس، وبذلك كان - صلى الله عليه وسلم - أنموذجًا لأصحابه رضوان الله عليهم في الصبر والتحمّل في ذات الله تعالى.

 



كلمات دليلية: