الإذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة من مكة للمدينة سنة 13من البعثة

الإذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة من مكة للمدينة سنة 13من البعثة

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فأُمِر بالهجرة وأُنزل عليه: «وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً» وقال قتادة: أدخلني مدخل صدق: المدينة. وأخرجني مخرج صدق: الهجرة من مكة. واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا: كتاب الله وفرائضه وحدوده [البداية والنهاية].

فأراد الله -عز وجل- مخرجا وحفظًا لنبيه صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل -عليه السلام- بالوحي، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما عزم الكفار عليه قال الله تعالى: «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ» 

[الأنفال: 30].

وأمره جبريل ألا ينام في بيته تلك الليلة، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر ليبشره بالهجرة، تحكي عن ذلك السيدة عائشة رضي الله عنها فتقول: «فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا، فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ -يَعْنِي عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ-، قَالَ: أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ. قَالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: الصُّحْبَةَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ إِحْدَاهُمَا، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ» (رواه البخاري)

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر علي بن أبي طالب أن يبيت في بيته تلك الليلة؛ ليؤدي الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمكة أحد عنده شيء يُخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته صلى الله عليه وسلم 

[السيرة النبوية لابن هشام].

فبات عليّ في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وتغطى بغطائه، وحينما اجتمع أولئك النفر من كفار قريش عند بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ظلوا يتطلعون من ثقب الباب ويرصدونه، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وهم جلوس عند الباب، فأخذ حفنة من التراب فجعل ينثرها على رؤوسهم وهو يتلو: (يسٓ ١ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِيمِ ٢) حتى بلغ: (وَسَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠) [يس: 1-6]،

ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بينهم ولا يشعرون به، قال تعالى في وصف حالهم: (وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ سَدّٗا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدّٗا فَأَغۡشَيۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ٩) [يس: 9].

حتى مرَّ عليهم رجل فقال لهم: ما تنتظرون؟! قالوا محمدًا. قال: «خبتم وخسرتم، قد والله مر بكم وذرَّ على رؤوسكم التراب»! قالوا: «والله ما أبصرناه! وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، فلما أصبحوا قام علي عن الفراش فسألوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا علم لي به. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد صار إلى منزل أبي بكر، فكان فيه إلى الليل، ثم خرج هو وأبو بكر فذهبا إلى غار ثور [الطبقات الكبرى لابن سعد]، ليبدأ بذلك النبي صلى الله عليه وسلم رحلة الهجرة المباركة من مكة إلى المدينة.