الأمر الثالث: من كتاب شمائل الرسول

الأمر الثالث: من كتاب شمائل الرسول

اسم الكتاب:
شمائل الرسول
المؤلف:
للحافظ ابن كثير

الأمر الثالث:

يدل مفهوم الحديث على تحريم تعذيب الحيوان، كمن يتخذه هدفا يصوب عليه، ومن يحبسه بلا طعام ولا شراب، ومن يصطاده ليس بغرض الأكل بل لغرض التسلية، بل وصل بنا الأمر أن نترك الأطفال بل الشباب، يلعبون بهم أحياء ويعذبونهم حتى الموت، ونسينا ما ورد في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

«دخلت امرأة النّار في هرّة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض» [رواه البخاري] «1» .

ومن دلائل الرفق بالحيوان، الحديث الذي يرويه شدّاد بن أوس قال: (ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب الإحسان على كلّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبح، وليحدّ أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته» «2» .

11- زهده صلى الله عليه وسلم في الدنيا:

عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت لعروة: ابن أختي «3» إن كنّا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلّة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. فقلت: ما كان يعيشكم؟

قالت: الأسودان؛ التّمر والماء، إلّا أنّه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار كان لهم

__________

(1) البخاري، كتاب: بدء الخلق، باب: خمس من الدواب فواسق ... ، برقم (3318) ، مسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم تعذيب الهرة ... ، برقم (2242) .

(2) مسلم، كتاب: الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب: الأمر بإحسان الذبح ... ، برقم (1955) .

(3) كلمة «ابن» منصوبة على النداء.

منائح، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبياتهم فيسقيناه) «1» .

الشّاهد في الحديث:

قول عائشة رضي الله عنها: (إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار) .

,

بعض فوائد الوفاة النبوية

,

ثالثا: فوائد عامة من الوفاة النبوية:

,

يوم الوفاة النبوية

هو يوم مشهود في حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم، بل في حياة البشرية، تباينت فيه الأتراح والأفراح تباينا عظيما، لم يعرف لها مثيل من قبل، حزن فيه أهل الأرض- من المسلمين- حزنا شديدا كاد يذهب عقولهم ويقطع نياط قلوبهم، وفرح فيه أهل السماء فرحا شديدا، حزن فيه أهل الأرض لحرمانهم من رؤية وجه أحب وأعز الخلق إليهم، الذي طالما افتدوه بالمال والأهل والنفس، وآثروه على كل غال ونفيس، فهاهم قد حرموا الذي علمهم وهداهم ونصحهم ودلهم على كل خير ونهاهم عن كل شر، حزن أهل الأرض لانقطاع الأمن والأمان الذي كانوا يشعرون به والحبيب صلّى الله عليه وسلّم بين أظهرهم، إذا قالوا خطأ صوّبهم، وإذا رأى منهم اعوجاجا قوّمهم، وإذا وقعوا في المخالفات ذهبوا إليه فاستغفروا الله واستغفر لهم صلّى الله عليه وسلّم، فغفر الله لهم وتاب عليهم، حزن أهل الأرض لأن بموته صلّى الله عليه وسلّم انقطع وحي السماء، فلا وحي بعده أبدا، ولن ينزل جبريل بالكتاب والحكمة، فأي مصيبة أعظم من ذلك.

وعلى النقيض، فرح أهل السماء فرحا شديدا؛ لأن الروح الزكية العطرة الكريمة صعدت في ذلك اليوم إلى بارئها وخالقها، روح الحبيب صلّى الله عليه وسلّم، اليوم سيشم أهل السماء رائحة النفس المباركة، التي ما عصت الله مرة واحدة، وما غفلت عن ذكره طرفة عين ولا أقل من ذلك، نفس بذلت كامل وسعها لله جل في علاه، فإذا كان عرش الرحمن قد اهتز لموت سعد بن معاذ استبشارا وسرورا بقدوم روحه، فكيف سيكون الحال بقدوم روح من علّم سعدا ورباه، هو يوم عظيم ليس في حياة أهل الأرض والسماء فحسب، بل في حياة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، يوم عظيم له لأن الخليل سيلقى فيه خليله، فيسعد برؤياه ويأنس بلقياه ويفرح بعطاياه، يوم مشهود في حياته صلّى الله عليه وسلّم حيث تتوالى عليه المنح بغير محن. فإذا كانت المنح في الدنيا قد أهديت إليه ببعض الألم والحزن وشدة المرض، فاليوم ستكون العطايا خالصة صافية لا يشوبها شائبة، يوم مشهود للنبي صلّى الله عليه وسلّم حيث لا كرب عليه بعده أبدا جزاء على جميل صنيعه وعظيم معروفه المبذول لوجه ربه الكريم الحنان المنان، قال تعالى: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (4) [الضحى: 4] .

وقد وردت أحاديث كثيرة في الصحيحين عن الوفاة النبوية، سأقتصر هنا على ذكر حديث واحد، وأورد ما استطعت من ألفاظ الروايات الآخرى في سياق ذكر الفوائد.

عن أنس بن مالك أنّ أبا بكر كان يصلّي لهم في وجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الّذي توفّي فيه، حتّى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصّلاة كشف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم كأنّ وجهه ورقة مصحف، ثمّ تبسّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ضاحكا قال: فبهتانا ونحن في الصّلاة من فرح بخروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصّفّ، وظنّ أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خارج للصّلاة فأشار إليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيده: أن أتمّوا صلاتكم، قال: ثمّ دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأرخى السّتر قال: فتوفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من يومه «1» .


ملف pdf

كلمات دليلية: