اجتماع قريش في دار الندوة وتآمرهم على قتل النبي صلى الله عليه وسلم

اجتماع قريش في دار الندوة وتآمرهم على قتل النبي صلى الله عليه وسلم


المؤامرة

:

ضاق القوم ذرعا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - ووجدوا أنفسهم قد فشلوا في كل محاولاتهم، فشلت وسائل التعذيب والإرهاب، كما فشلت أساليب الخداع والإغراء، كذلكَ باءت حرب الإشاعات بخيبة الأمل.

ورأى المشركون بأعينهم انتشار الإسلام في كل مكان، وعلموا بما تم بين الرسول - صلى الله عليه وسلم- وأهل المدينة من البيعة على النصرة والإيمان، فأزعجتهم تلك الأخبار، وأقلق نفوسهم ما يتوقعون من انتصار التوحيد على الوثنية التي استماتوا في الدفاع عنها، وحز في نفوسهم أن يتغلب محمد - صلى الله عليه وسلم - عليهم بعد هذا العناد الطويل.

تواعد القوم أن يلتقوا في دار الندوة، وأن يطرحوا هذا الموضوع الذي شغل بالهم على بساط البحث، وعزموا على أن يتخذوا فيه قرارا حاسما مهما كلفهم ذلك.

لقد ماتت خديجة التي كانت تقف دونه بمنزلتها ومن يؤازرها من عشيرتها، ومات أبو طالب الذي كان يفديه ويدافع عنه، لم يعد هناك ما يحول بينهم وبين الإيقاع به فلماذا يترددون؟

وبدأت الجلسة بحماس لم تعرفه دار الندوة من قبل، إن المسألة في نظرهم مسألة كرامة، لقد سفه محمد عقولهم، وعاب آلهتهم، وعرض بآبائهم فماذا بقي لهم؟، إنهم إن لم ينتصروا لآلهتهم المهانة وعقولهم المسفهة وآبائهم المجرحين فلا خير في العيش، ولا فائدة في الحياة.

قال أحدهم في انفعال شديد: "أرى أن تحبسوا محمدا في الحديد، وتغلقوا عليه بابا، ثم تتربصوا به ما أصاب الشعراء من أشباهه".

ورفض الاقتراح من غير مناقشة طويلة حيث لا يستحق المناقشة لأنهم يعتقدون أن أصحاب محمد لا تعجزهم فرصة يختلسونها ثم يطلقون فيها سراحه.

وقال آخر: "خير لكم من ذلك أن تنفوه من بلادكم، فإذا خرج عنا فلن نبالي أين ذهب ولا حيث وقع، وحينئذ نصلح أمرنا، وتعود إلينا ألفتنا كما كانت".

ولم يكن هذا الاقتراح خيرا من سالفه، فقد رفض لأول وهلة، لقد غاب عن صاحب الاقتراح أن خوفهم من خروجه أكثر من خوفهم من بقائه، ولم يفطن إلى أنه لو خرج من بينهم يكون خطره عليهم أشد، وتهديده لعقيدتهم أقوى حيث يستطيع أن يجمع من الاتباع ما يمكنه بهم أن يجتاح عليهم ديارهم، ويغلب عليها دونهم عندئذ قام أبو جهل وقال: "إن لي رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد"، وقال الحاضرون في لفهة: "هاته يا أبا الحكم"، قال أبو جهل: "أرى أن نأخذ من كل قبيلة شابا جليدا نسبيا وسيطا فينا ثم نعطي كل واحد منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فيرضوا منا بالعقل، فنعقله"1.

وفرح القوم برأي أبي جهل، وأيدوه من غير نظر ولا مناقشة، وكيف لا وهم لم يجتمعوا إلا ليتخلصوا من محمد. إن اقتراح أبي جهل هذا قد كشف عن قبح الاقتراحين السابقين وسخفهما بقدر ما كشف عن حمق صاحبيهما، لا شك أن حبس محمد في الحديد سيثير عاطفة بني هاشم إن لم يحرك عاطفة كثير من الناس الذين

__________

1 ابن هشام (2/90ـ91) والعقل الدية.

يرونه مكبلا بالحديد من غير جرم ولا جريرة، فيتعاطف معه كثير ممن لم تربطهم به عاطفة ولا قرابة. لأن تعاطف الناس مع المظلوم حقيقة لا يماري فيها أحد.

كما أن نفيه من البلد سلاح رهيب يستطيع - صلى الله عليه وسلم - أن يستغله ضدهم فيألب عليهم القبائل، وهم جميعا على أتم استعداد ليستمعوا إليه لولا أن قريشا تحول بينهم وببن ذلكَ، فإذا ما خلا له الجو للالتقاء بهم في حرية من غير ضغط ولا تشويش لا شك أنه سيقنعهم فيكونون معه عليهم.

لهذا رأى الجميع في رأي أبى جهل الفرصة التي ينشدونها، فيجب ألا يضيعوها، وغادروا دار الندوة وقد أجمعوا أمرهم على تنفيذ اقتراح أبي جهل.

ومكروا ومكر الله:

أوحى الله إلى نبيه ما بيت القوم له، وأمره بالهجرة، وكان الطريق قد تمهد من قبل ببيعة الأنصار، وهجرة المسلمين إلى المدينة المنورة، وقد وجدوا فيها وطنا بدلا من وطنهم، وألفوا فيها أهلا خيرا من أهلهم، وعاشوا فيها آمنين على أرواحهم وإيمانهم.

وبدأ الرسول - صلى الله عليه وسلم- يواجه الموقف الجديد في ثبات لا يزعزعه التردد، وبحزم لا يوهنه اللين، وكان عليه أن يواجه كيدهم بكيد هو أنكى منه وأشد، وكان عليه أن يقابل تخطيطهم بتخطيط هو أدق منه وأتقن.

لقد خطط القوم وفكروا، وناقشوا الأمر وقلبوه على كل وجوهه ثم أجمعوا أمرهم على ما رأوه يحقق آمالهم، فهل يجوز أن يواجه الرسول - صلى الله عليه وسلم- هذا الاهتمام بالكسل، والتخطيط بالتواكل؟

كلا، لا بد أن يولي الأمر اهتماما أكثر من اهتمامهم، لأنه متعلق بعقيدته أولا، وبشخصه ثانيا، كما لا بد أن يواجه تخطيطهم بتخطيط يفسد عليهم حيلتهم، ويحبط كيدهم.

وإننا لنعجب غاية العجب إذا وقفنا على خطة الرسول - صلى الله عليه وسلم- التي واجه بها خطة القوم، وإن المحققين ليقفون مدهوشين من روعة تلك الخطة وإحكامها، ولن أتعرض لقصة الهجرة هنا إلا بالقدر الذي أستنبط منه العبرة، وأستخلص منه الدروس التي يحتاجها المسلم في طريقه الطويل الشاق إلى غايته السامية الغالية، فالقصة برمتها مسطورة في كتب السيرة والتاريخ.

اجتمع شباب قريش وفتيانها في الليلة التي حددوها لتنفيذ المؤامرة، وأحدقوا ببيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- والسيوف في أيديهم تخطف الأبصار ببريقها، ويترقبون خروج رسول الله لينهشوه بتلك السيوف.

وكان على رسول الله أن يخرج من بين هذه الجموع المحتشدة المترقبة، وكان عليه كذلك أن يضللهم حتى لا يفطنوا لخروجه فيتبعوه، ويفسدوا عليه خطته، عندئذ أمر عليا -رضي الله عنه - أن ينام في مكانه، وأن يتغطى ببردة الحضرمي الأخضر، فامتثل علي لأمره، ونام في مكانه مضحيا بنفسه يفدي بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وضرب علي بذلك أروع أمثلة التضحية والفداء.

نام علي على فراش الرسول، ونظر المشركون من خصاصة الباب فاطمأنوا على سلامة خطتهم، وظلوا يتحينون فرصة خروجه ليضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل.

وهم الرسول - صلى الله عليه وسلم- بالخروج من بيته، وكانت لحظة جد خطره فالمشركون على باب الرسول وسيوفهم مشرعة في أيديهم كأنها الحيات تتلمظ لتنهش فريستها، وحانت لحظة الوداع، فودع الرسول عليا وطمأنه قائلا: "لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم" 1 وأوصاه أن يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس2.

وخرج رسول الله على القوم وهو يعلم مكانهم وما جاءوا من أجله ولكنه خرج وكله ثقة في الله - عز وجل- وفتح باب بيته ليجد فتيان قريش يغطون في نوم عميق، وكأنهم لم يناموا منذ زمن بعيد.

ماذا دهى القوم؟ لقد كانوا منذ لحظات يسمرون، وقد حضر معهم سادة قريش: أبو جهل، والحكم بن أبي العاص، وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وأمية بن خلف، وربيعة بن الأسود، وطعيمة بن عدي، وأبو لهب، وأبي بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج3.

لقد حضر هؤلاء السادة ليشجعوا فتيان قريش على أداء مهمتهم وليتشفوا في رسول الله، ويمتعوا أبصارهم برؤية دمه الشريف وهو يهراق أمامهم، فما بالهم يغطون في هذا النوم العميق؟

ولقد كان أبو جهل - لعنه الله - منذ لحظات يحدث القوم ساخرا من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ويقول: "إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن؛ وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها"4.

يا سبحان الله!! لقد سمع رسول الله ذلكَ من أبي جهل وهو في طريقه إلى الباب ليخرج، فأي مصيبة حلت بهم فصرفتهم عن غايتهم؟؟

إنها إحدى المعجزات، لقد أخذ الله أبصارهم، وضرب على قلوبهم حتى خرج عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يروه، وسخر من أبي جهل كما كان يسخر منه قبل لحظات، وقال: "نعم، قلت ذلك، وأنت أحدهم"، وأخذ حفنة من تراب فجعلها على رؤوسهم، وهو يتلو قوله تعالى: {يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ... فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} 5.

فلم يبق أحد منهم إلا قد وضع على رأسه ترابا6.

أي سخرية هذه؟ وأي احتقار للقوم؟ شباب أقوياء وسيوفهم في أيديهم، يخرج عليهم رسول الله وحيدا، ولكنه في رعاية الله، ويضع التراب على رؤوسهم متحديا تلكَ السيوف التي ذبلت في أيديهم كأنها أغصان فصلت عن شجرتها، فلم تغن عنهم شيئا.

__________

1 ابن هشام (2/91) .

2 نفسه 93.

3 مختصر ص 165.

4 ابن هشام (2/91) .

5 سورة يس الآيات: 1- 9.

6 ابن هشام (2/91) .

ويمر بالقوم رجل فينبههم، فإذا التراب على رؤوسهم، والخزي يجلل وجوههم، وينظرون من خلال الباب فيرون النائم متسجيا بالبرد الحضرمي الأخضر فيقولون: "هذا محمد نائم على فراشه"، وظلوا في حصارهم ينتظرونه، حتى أصبحوا، فقام علي - رضي الله عنه- عن الفراش فقالوا: "قد صدقنا والله من حدثنا"1.

وخاب أمل القوم، وضل سعيهم، ألم يكن في هذا الحدث وحده واعظ لهم ينبههم إلى أن الرسول ممنوع منهم؟ وأنهم مهما دبروا فالله من ورائهم ولكن {رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} 2.

__________

1 نفسه ص 92.

2 المطففين الآية: 14.



كلمات دليلية: