إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه_2996

إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه


الباب السابع عشر في إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه

قال ابن إسحاق: وكان إسلام عمر عقب الهجرة الأولى إلى الحبشة.

قال في «الزهر» : وكان إسلامه في ذي الحجة سنة ست من المبعث وله ست وعشرون سنة فيما ذكره ابن سعد عن ابن المسيب.

قال ابن الجوزي: سنة خمس. قال أبو نعيم: بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام.

قال ابن إسحاق: وكانوا- أي المسلمون- قريبا من أربعين من رجال ونساء وتقدم ذكرهم في الباب الثالث من أبواب المبعث.

وقال ابن المسيّب فيما رواه ابن سعد: كانوا أربعين رجلا وعشر نسوة.

وروى إسحاق بن بشر عن ابن عباس أنهم كانوا يومئذ تسعة وتسعين رجلا وثلاثا وعشرين امرأة ثم إن عمر أسلم.

قال في الزهر: ولعل هذا هو الصواب، فقد كان في الحبشة ثلاثة وثمانون كما ذكر ابن إسحاق.

قلت: ابن إسحاق إنما ذكر ذلك في الذين هاجروا ثانيا وإسلام عمر كان بين الهجرتين كما تقدم عن ابن عباس، فالزيادة على الأربعين حصلت بعد إسلام عمر وإسحاق كذّاب يضع، لا يصادم ما رواه ما ذكره الثقات. واللَّه أعلم.

واختلف في سبب إسلامه كما سأبينه.

واختلف في سبب إسلامه كما سأبينه.

وقد روى قصة إسلامه ابن إسحاق، وابن سعد، وأبو يعلى، والحاكم عن أنس، والبزار والطبراني عن أسلم مولاه عنه، وأبو نعيم عن ابن عمر.

قال أسلم مولاه عنه: أتحبون أن أعلمكم بإسلامي؟ قلنا: نعم قال: كنت أشد الناس على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم، فجلست يوما مع أبي جهل بن هشام أو شيبة بن ربيعة، فقال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمدا قد شتم آلهتكم وسفّه أحلامكم وزعم أن من مضى من آبائكم يتهافتون في النار، إلا ومن قتل محمدا فله عليّ مائة ناقة حمراء وسوداء وألف أوقية من فضة.

قال عمر: فخرجت متقلدا السيف متنكّبا كنانتي أريد النبي صلى الله عليه وسلّم، فمررت على عجل وهم يريدون ذبحه فقمت أنظر إليهم فإذا صائح يصيح من جوف العجل: يا لذريح، رجل يصيح، بلسان فصيح، يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه. قال عمر:

فقلت في نفسي إن هذا لأمر ما يراد به إلا أنا. قال: ثم مررت بغنم فإذا هاتف يهتف ويقول:

يا أيها الناس ذوو الأجسام ... ما أنتم وطائش الأحلام

ومسند الحكم إلى الأصنام ... فكلّكم أوره كالكهام

أما ترون ما أرى أمامي ... من ساطع يجلو دجى الظلام

قد لاح للنّاظر من تهام ... أكرمه الرّحمن من إمام

قد جاء بعد الكفر بالإسلام ... والبرّ والصّلات للأرحام

ويزجر النّاس عن الآثام ... فبادروا سبقا إلى الإسلام

بلا فتور وبلا إحجام

قال عمر: فقلت واللَّه ما أراه إلا أرادني. ثم مررت بالضّمار فإذا هاتف يهتف من جوفه:

ترك الضمار وكان يعبد مرّة ... قبل الصّلاة مع النبي محمد

إن الذي ورث النبوة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهتدي

سيقول من عبد الضّمار ومثله ... ليت الضّمار ومثله لم يعبد

فاصبر أبا حفص فإنّك امرؤ ... يأتيك عزّ غير عزّ بني عدي

لا تعجلنّ فأنت ناصر دينه ... حقّا يقينا بالّلسان وباليد.

قال عمر: فو اللَّه لقد علمت أنه أرادني. فلقيني رجل من قريش.

قال ابن إسحاق: هو نعيم بن عبد الله النحّام وكان قد أسلم وكان يخفي ذلك فرقا من قومه. فقال: أين تذهب يا ابن الخطاب؟ قلت: أريد هذا الصابئ الذي فرّق أمر قريش وسفّه أحلامها وعاب دينها وسبّ آلهتها فأقتله. فقال له نعيم: واللَّه لقد غرّتك نفسك من نفسك يا عمر أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على وجه الأرض وقد قتلت محمدا؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأيّ أهل بيتي؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمر وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد واللَّه أسلما وتابعا محمدا على دينه فعليك بهما. وإنما فعل ذلك نعيم ليصرف عمر عن أذى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه.

وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم إذا أسلم بعض من لا شيء له ضمّ الرجل والرجلين إلى الرجل ينفق عليه، وكان ضمّ رجلين من أصحابه إلى زوج أخت عمر فقرع عمر عليهم الباب وعندهم خبّاب بن الأرت معه صحيفة فيها طه يقرئهما إياها فلما سمعوا حسّ عمر تغيّب خبّاب في مخدع لهم أبو في بعض البيت وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها وقد سمع حين دنا من البيت قراءة خبّاب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئا. قال: بلى واللَّه لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه.

وبطش بختنه سعيد بن زيد فقامت إليه أخته بنت الخطاب لتكفّه عن زوجها، فضربها فشجّها فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم قد أسلمنا وآمنا باللَّه ورسوله فاصنع ما بدا لك.

فلما رأى عمر مات بأخته من الدم ندم على ما صنع فارعوى وقال لأخته أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرأون آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد. وكان عمر كاتبا فلما قال ذلك قالت له أخته: إنا نخشاك عليها. قال: لا تخافي. وحلف لها بآلهته ليردّنها إذا قرأها إليها.

فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت: يا أخي أنت نجس على شركك وإنه لا يمسّه إلا الطاهر. فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها فلما قرأ صدرا منها فقال ما أحسن هذا الكلام وأكرمه.

وفي رواية أنه وجد في الصحيفة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فذكر من أين اشتق.

ثم رجع إلى نفسه فقرأ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ حتى بلغ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدا رسول اللَّه. انتهى.

فلما سمع ذلك خبّاب خرج إليه فقال له يا عمر واللَّه إني لأرجو أن يكون اللَّه تعالى قد خصّك بدعوة نبيه فإني سمعته أمس وهو يقول: اللهم أيّد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب فاللَّه اللَّه يا عمر. فذكر الحديث [ (1) ] .

وفي رواية مجاهد عمن روى أن عمر قال: كنت للإسلام مباعدا وكنت صاحب خمر في الجاهلية أصبها وأشربها وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزوّرة عند دور آل عمر بن عبد عمران المخزومي، فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك في مجلسهم ذلك فجئتهم فلم أجد فيه منهم أحدا فقلت في نفسي: فلو أني جئت فلانا الخمّار وكان بمكة يبيع الخمر، لعلي أجد عنده خمرا فأشرب منها فخرجت فلم أجده. فقلت في نفسي: فلو أني جئت الكعبة فطفت بها سبعا أو سبعين فجئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة فإذا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قائم يصلي وكان إذا صلى استقبل الشام وجعل الكعبة بينه وبين الشام، فكان مصلّاه بين الركنين الركن الأسود والركن اليماني فقلت حين رأيته: واللَّه لو سمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول. فقلت لئن دنوت منه أستمع لأروّعنه فجئت من قبل الحجر فدخلت تحت ثيابه فجعلت أمشي رويدا رويدا ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قائم يصلّي يقرأ القرآن حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة، فلما سمعت القرآن رقّ له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام، فلم أزل

__________

[ (1) ] أخرجه ابن عدي في الكامل 7/ 2487 وانظر البداية والنهاية 3/ 80.

قائما في مكاني حتى قضى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم صلاته وانصرف، فتبعته حتى دخل بين دار عباس ودار ابن أزهر أدركته، فلما سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم حسّي عرفني فظن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنما تبعته لأوذيه فنهمني ثم قال: ما جاء بك يا بن الخطاب هذه الساعة؟ قلت: جئت لأومن باللَّه ورسوله وبما جاء من عند اللَّه. قال: فحمد اللَّه تعالى ثم قال: قد هداك اللَّه يا بن الخطاب. ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات. ثم انصرفت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم.

ودخل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيته

[ (1) ] .

وفي رواية إن خبّابا لمّا قال لعمر: فاللَّه اللَّه يا عمر. قال له عمر عند ذلك: دلّني يا خبّاب على محمد حتى آتيه فأسلم. فقال خبّاب: هو في بيته عند الصفا معه نفر من أصحابه.

فأخذ عمر سيفه متوشحة ثم عمد إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فنظر من خلل الباب فرجع وهو فزع فقال:

يا رسول اللَّه هذا عمر بن الخطاب متوشّحا السيف، فقال حمزة بن عبد المطلب: فأذن له فإن كان يريد خيرا بذلناه له وإن كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم: ائذن له فإن يرد اللَّه به خيرا يهده فأذن له الرجل وفتحوا له، وأخذ رجلان بعضديه حتى دنا من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: أرسلوه. فأرسلوه، فنهض إليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم حتى لقيه في الحجرة فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ثم جبذه جبذة شديدة وقال: ما جاء بك يا بن الخطاب؟ فو اللَّه ما أراك أن تنتهي حتى ينزل اللَّه بك قارعة. فقال: رسول اللَّه جئت لأومن باللَّه وبرسوله وبما جاء من عند اللَّه. فكبّر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إن عمر قد أسلم، فكبّروا تكبيرة سمعت بطرق مكة وتفرّقوا من مكانهم وقد عزّوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة وعرفوا أنهما سيمنعان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وينتصفون بهما من عدوّهم.

وقال عمر حين أسلم.

الحمد للَّه ذي المنّ الّذي وجبت ... له علينا أياد كلّها عبر

وقد بدأنا فكذّبنا فقال لنا ... صدق الحديث نبيّ عنده الخبر

وقد ظلمت ابنة الخطّاب ثمّ هدى ... ربيّ وقالوا جميعا قد صبا عمر

وقد ندمت على ما كان من زللي ... بظلمها حين تتلى عندها السّور

لمّا دعت ربّها ذا العرش خالقها ... وأنّ أحمد فينا اليوم مشتهر

نبيّ صدق أتى بالحقّ من ثقة ... وافي الأمانة ما في وعده خور

[ (1) ]

__________

[ (1) ] انظر البداية والنهاية 3/ 81.

وروى ابن إسحاق عن بعض آل عمر قال: قال عمر لمّا أسلمت تلك الليلة تذكّرت أي أهل مكة أشد لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عداوة حتى آتيه فأخبره أني قد أسلمت. قال: فقلت: أبو جهل.

فأقبلت حين أصبحت حتى ضربت عليه بابه فخرج أبو جهل فقال: مرحبا وأهلا يا بن أختي ما جاء بك؟ قلت: جئت لأخبرك أني قد آمنت باللَّه ورسوله وصدّقت بما جاء به. فضرب الباب في وجهي وقال: قبحّك اللَّه وقبح ما جئت به.

وروى أيضاً بسند صحيح عن ابن عمر قال: لما أسلم عمر قال: أيّ قريش أنقل للحديث؟ قيل له: جميل بن معمر الجمحي. قال: فغدا عليه. قال عبد الله: وغدوت معه أتبع أثره وأنظر ماذا يفعل حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل أني أسلمت ودخلت في دين محمد؟ قال: فو اللَّه ما راجعه حتى قام يجرّ رداءه وتبعه عمر، واتبعت أبي حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش- وهم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إن ابن الخطاب قد صبأ. قال: يقول عمر من خلفه: كذب ولكني أسلمت وشهدت أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا عبده ورسوله. وثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم وطلع فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم فأحلف باللَّه أن لو كنا ثلاثمائة لقد تركناها أو تتركونها لنا.

فبينا هو على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشّى حتى وقف عليهم فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر. قال: فمه، رجل اختار لنفسه أمرا فما تريدون منه؟

أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبكم؟ هكذا خلّوا عن الرجل. قال: فو اللَّه فكأنما كانوا ثوبا كشط عنه. فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبي من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك؟ قال: ذاك أي بنيّ العاصي بن وائل السهمي. ومات مشركا.

وروى البخاري عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: بينا عمر في الدار خائفا إذ جاءه العاصي بن وائل السهمي وعليه حلة حبرة وقميص مكفوف بحرير فقال: ما بك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلونني لأنني أسلمت. قال: لا سبيل إليك أمنت. فخرج العاصي فلقي الناس قد سال بهم الوادي فقال: أين تريدون؟ فقالوا: نريد ابن الخطاب الذي صبأ. قال: لا سبيل إليه. فكرّ الناس وتصدّعوا عنه. [ (1) ]

وروى البخاري عن ابن مسعود قال: ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر.

__________

[ (1) ] انظر الروض الأنف 2/ 100.

وروى عنه قال: واللَّه ما استطعنا أن نصلي عند الكعبة ظاهرين حتى أسلم عمر.

وروى ابن ماجة عن ابن عباس قال: لما أسلم عمر نزل جبريل فقال: يا محمد لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر.

وروى الإمام أحمد والترمذي وقال حسن صحيح وابن حبان عن ابن عمر إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم أعز الإسلام بأحبّ هذين الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب. وكان أحبّهما إليه عمر

[ (1) ] .



كلمات دليلية: