أكل رسول الله من الشاة المسمومة _3579

أكل رسول الله من الشاة المسمومة


ذكر قصة الشاة المسمومة وما وقع في ذلك من الآيات

روى الشيخان عن أنس، والإمام أحمد، وابن سعد، وأبو نعيم عن ابن عباس، والدارمي، والبيهقي عن جابر، والبيهقي بسند صحيح- عن عبد الرحمن بن كعب ابن مالك، والطّبرانيّ

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري 5/ 327 (2730) ، والبيهقي في الدلائل 4/ 234.

[ (2) ] أخرجه البخاري 6/ 170 (3053) (3168، 4431) ومسلم 3/ 1257 (20/ 1637) .

عنه عن أبيه، والبزار والحاكم، وأبو نعيم عن أبي سعيد، والبيهقي عن أبي هريرة- رضي الله عنهم- والبيهقي عن ابن شهاب- رحمه الله تعالى-: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما افتتح خيبر، وقتل من قتل، واطمأن الناس، أهدت زينب ابنة الحارث امرأة سلام بن مشكم، وهي ابنة أخي مرحب- لصفيّة امرأته شاة مصليّة، وقد سألت: أيّ عضو الشّاة أحب إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؟

فقيل لها الذراع، فأكثرت فيها من السّمّ، ثم سمّت سائر الشاة، فدخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على صفية ومعه بشر بن البراء بن معرور- بمهملات- فقدّمت إليه الشّاة المصليّة، فتناول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الكتف، وفي لفظ: الذّراع، وانتهس منها فلاكها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وتناول بشر ابن البراء عظما، فانتهس منه [ (1) ] .

قال ابن إسحاق، فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلفظها، وقال ابن شهاب:

فلما استرط رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لقمته استرط بشر بن البراء ما في فيه

فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ارفعوا ما في أيديكم، فإنّ كتف هذه الشّاة تخبرني أني نعيت فيها.

قال ابن شهاب: فقال بشر بن البراء: والذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت فما منعني أن ألفظها إلا أني أعظمت أن أنغصك طعامك، فلمّا سغت ما في فيك لم أكن لأرغب بنفسي عن نفسك ورجوت ألا تكون استرطّتها، وفيها نعي. فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطّيلسان، وماطله وجعه حتى كان لا يتحول إلا أن حوّل. قال الزهري قال جابر: واحتجم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- على كاهله يومئذ، حجمه أبو هند مولى بني بياضة بالقرن والشفرة، وبقي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيه.

فقال: «ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشّاة يوم خيبر عوادا حتى كان هذا وانقطع أبهري»

فتوفي رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- شهيدا بلفظ ابن شهاب.

وذكر محمد بن عمر: أنه ألقى من لحم تلك الشّاة لكلب فما تبعت يده رجله حتّى مات.

وقال الصحابة السابق ذكرهم- رضي الله عنهم- إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أرسل إلى اليهودية، فقال: «أسممت هذه الشاة؟» فقالت: من أخبرك؟ قال: «أخبرتني هذه الّتي في يديّ وهي الذراع، قالت: نعم، قال: «ما حملك على ما صنعت؟» قالت: بلغت من قومي ما لم

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري 5/ 272 (2617) ومسلم 4/ 1721 (45/ 2190) ، وأحمد 2/ 451، وأخرجه البيهقي في الدلائل 4/ 259، وأخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (3169، 4249، 5777) وأبو داود في الديات (6) ، وابن ماجة في الطبراني (45) والدارمي في المقدمة 11، وانظر المغازي للواقدي 2/ 677 والسيرة لابن هشام 3/ 293 وشرح المواهب 2/ 239 وابن كثير في البداية 4/ 208 والسيرة 3/ 394.

يخف عليك. فقلت: إن كان ملكا استرحنا منه، وإن كان نبيا فسيخبر، فتجاوز- وفي لفظ- فعفا عنها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومات بشر من أكلته الّتي أكل ولم يعاقبها.

وذكر محمد بن عمر: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لها: «ما حملك على هذا؟» قالت:

قتلت أبي وعمّي وزوجي وأخي- فأبوها الحارث وعمها يسار وأخوها رحب وزوجها سلام بن مشكم.

وعن أبي سلمة عن جابر- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما مات بشر بن البراء أمر باليهودية فقتلت. رواه أبو داود، ووقع عند البزار من حديث أبي سعيد الخدري: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد سؤاله للمرأة اليهودية واعترافها- بسط يده إلى الشّاة

وقال لأصحابه:

«كلوا باسم الله» قال: فأكلنا وذكرنا اسم الله، فلم يضرّ أحد منا.

قال الحافظ عماد الدين بن كثير: وفيه نكارة وغرابة شديدة. قلت: وذكر محمد بن عمر: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أمر بلحم الشّاة فأحرق.

ذكر قدوم جعفر بن أبي طالب- رضي الله عنه- ومن معه من الأشعريين من أرض الحبشة

روى الشيخان، والإسماعيلي، وابن سعد، وابن حبان، وابن منده عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- قال: لما بلغنا مخرج النبي- صلى الله عليه وسلم- ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وإخوان لي، أنا أصغرهم، أحدهم أبو رهم- بضم الراء، وسكون الهاء- والآخر أبو بردة، إما قال: في بضع، وإما قال: في ثلاثة أو اثنين وخمسين رجلا من قومي فركبنا سفينة- قال ابن منده: حتى جئنا مكة- ثم خرجنا في برّ حتى أتينا المدينة- فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة: فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده، فقال جعفر: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بعثنا، وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا فوافقنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين فتح خيبر قال: فأسهم لنا، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئا إلا من شهد معه، إلا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معنا، وذكر البيهقي- رحمه الله- إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- سأل الصحابة أن يشركوهم ففعلوا ذلك [ (1) ] ، انتهى.

قال: فكان أناس يقولون لنا: «يعني أصحاب» السفينة: سبقناكم بالهجرة.

ودخلت أسماء- بنت عميس- بعين وسين مهملتين، وبالتصغير- وهي ممّن قدم معنا

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري 7/ 553 (4230) ، أخرجه مسلم 3/ 1946، 1947 حديث (169/ 2502) ، والبيهقي في الدلائل 4/ 244، وانظر السيرة لابن هشام 2/ 359 والمغازي للواقدي 2/ 683، والبداية 4/ 205.

يومئذ- على حفصة زوج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه، فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء- رضي الله عنهم- من هذه؟ فقالت: أسماء بنت عميس فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، نحن أحقّ برسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: فغضبت وقالت: كلّا والله يا عمر، كنتم مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يطعم جياعكم، ويعلّم جاهلكم، وكنا في دار، أو أرض البعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله، وأيم الله لا أطعم طعاما، ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك،

فلما جاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قالت: يا نبي الله!! إن رجالا يفخرون علينا، ويزعمون إنا لسنا من المهاجرين الأولين، فقال: «من يقول ذلك؟» قلت: أن عمر قال كذا وكذا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «ما قلت له؟» قالت: قلت له كذا وكذا، قال: «ليس بأحقّ لي منكم، له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة- هجرتان»

قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحابه يأتوني أرسالا يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم أفرح، ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال أبو بريدة: قالت أسماء: ولقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني، وقال لكم الهجرة مرتين.

وروى البيهقي عن جابر- رضي الله عنه- قال: لما قدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من خيبر، وقدم جعفر من الحبشة، تلقاه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقبّل جبهته، ثم قال: «والله ما أدري بأيّهما أفرح، بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر [ (1) ] » .

وروى البيهقي، بسند فيه من لا يعرف حاله- عن جابر- رضي الله عنه- قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب تلقاه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلما نظر جعفر إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «حجل» قال أحد رواته: يعني مشى على رجل واحدة إعظاما منه لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقبل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بين عينيه [ (2) ] .

ذكر قدوم أبي هريرة وطائفة من أوس على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو بخيبر

روى الإمام أحمد، والبخاري في التاريخ، وفي مجمع الزوائد للهيثمي في أول خيبر عن خزيمة، والطحاويّ، والحاكم، والبيهقي عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قدمنا المدينة، ونحن ثمانون بيتا من أوس، فصلينا الصبح خلف سبّاع بن عرفطة الغفاريّ، فقرأ في الركعة الأولى بسورة: «مريم» ، وفي الآخرة «ويل للمطفّفين» فلمّا قرأ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ

__________

[ (1) ] أخرجه البيهقي في الدلائل 4/ 246 وابن كثير في البدآية 4/ 306.

[ (2) ] انظر المصدرين السابقين.

[المطففين 2] قلت: تركت عميّ بالسّراة له مكيلان، إذا اكتال اكتال بالأوفى، وإذا كال كال بالناقص، فلما فرغنا من صلاتنا، قال قائل: رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بخيبر، وهو قادم عليكم، فقلت: لا أسمع به في مكان أبدا إلا جئته، فزوّدنا سبّاع بن عرفطة، وحملنا حتى جئنا خيبر فنجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد فتح النّطاة، وهو محاصر الكتيبة، فأقمنا حتى فتح الله علينا [ (1) ] .

وفي رواية فقدمنا على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وقد فتح خيبر، وكلّم المسلمين فأشركنا في سهمانهم.

وروى البخاري، وأبو داود عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قدمت المدينة ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- بخيبر حين افتتحها، فسألته أن يسهم لي، قال: فتكلّم بعض ولد سعيد بن العاص فقال: لا تسهم له يا رسول الله، قال: فقلت: هذا والله هو قاتل ابن قوقل، فقال: وأظنه أبان بن سعيد بن العاص سميا عجبا لوبر تدلّى علينا من قدوم ضأن يعيرني بقتل امرئ مسلم أكرمه الله على يديّ. ولم يهنى على يديه [ (2) ] .

وروى البخاري، وأبو داود عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: بعث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أبانا على سريّة من المدينة، قبل نجد، قال أبو هريرة:

فقدم أبان وأصحابه على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بخيبر بعد ما افتتحها، وإنّ حزم خيلهم لليف، فقال: يا رسول الله أرضخ لنا فقال أبو هريرة: يا رسول الله لا تقسم لهم، فقال أبان وأنت بهذا يا وبر تحدّر من رأس خال- وفي لفظ- فإن، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «يا أبان اجلس» فلم يقسم لهم

[ (3) ] .

ذكر قدوم عيينة بن حصن وبني فزارة على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- خيبر بعد فتحها وما وقع في ذلك من الآيات

روى البيهقي عن موسى بن عقبة عن الزّهريّ- رحمهما الله- تعالى-: أنّ بني فزارة ممّن قدم على أهل خيبر ليعينوهم فراسلهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن لا يعينوهم وسألهم أن يخرجوا عنهم ولكم من خيبر كذا وكذا، فأبوا عليه، فلما إن فتح الله خيبر أتاه من كان هناك من بني فزارة، فقالوا: حظنا والذي وعدتنا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «حظكم- أو قال «لكم ذو الرّقيبة» جبل من جبال خيبر- فقالوا: إذا نقاتلك، فقال: «موعدكم جنفا» . فلما أن سمعوا ذلك من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خرجوا هاربين

[ (4) ] .

__________

[ (1) ] أخرجه البيهقي في الدلائل 4/ 247، وذكره الهيثمي في المجمع 6/ 158

[ (2) ] أخرجه البخاري 7/ 561 (4237) ، والبيهقي في الدلائل 4/ 247 وانظر البداية والنهاية 4/ 208.

[ (3) ] البخاري 7/ 561 (4238) .

[ (4) ] أخرجه البيهقي في الدلائل 4/ 248.

وروى البيهقي عن محمد بن عمر عن شيوخه، قالوا: كان أبو شييم المزني- رضي الله عنه قد أسلم فحسن إسلامه يحدّث ويقول: لما نفرنا إلى أهلنا مع عيينة بن حصن فرجع بنا عيينة، فلما كان دون خيبر عرسنا من الليل، ففزعنا، فقال عيينة: أبشروا، إني رأيت الليلة في النوم أني أعطيت ذو الرّقيبة- جبلا بخيبر- قد والله أخذت برقبة محمد- صلى الله عليه وسلم- فلما أن قدمنا خيبر- قدم عيينة، فوجدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد فتح خيبر،

فقال عيينة: يا محمد! أعطني مما غنمت من حلفائي، فإني قد خرجت عنك وعن قتالك، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «كذبت ولكن الصّياح الذي سمعت أنفرك إلى أهلك قال: أحذني يا محمد؟ قال: «لك ذو الرّقيبة» قال عيينة: وما ذو الرّقيبة؟ قال «الجبل الذي رأيت في منامك أنّك أخذته»

فانصرف عيينة، فلما رجع إلى أهله جاءه الحارث بن عوف، وقال: ألم أقل لك توضع في غير شيء، فالله، ليظهرنّ محمد على ما بين المشرق والمغرب، يهود كانوا يخبروننا بهذا أشهد لسمعت أبا رافع سلام بن مشكم يقول: إنّا لنحسد محمدا على النّبوة، حيث خرجت من بني هارون، وهو نبيّ مرسل، ويهود لا تطاوعني على هذا، ولنا منه ذبحان واحد بيثرب وآخر بخيابر [ (1) ] .

ذكر مصالحة أهل فدك رسول الله- صلى الله عليه وسلم-

لما أقبل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى خيبر فدنا منها بعث محيّصة بن مسعود الحارثي إلى فدك يدعوهم إلى الإسلام ويخوفهم أن يغزوهم كما غزا أهل خيبر. ويحل بساحتهم، قال محيّصة فجئتهم فأقمت عندهم يومين، فجعلوا يتربّصون ويقولون بالنّطاة عامر وياسر والحارث، وسيد اليهود مرحب، ما نرى محمدا بقرب حراهم، إن بها عشرة آلاف مقاتل، قال محيّصة:

فلما رأيت خبثهم أردت أن أرجع، فقالوا: نحن نرسل معك رجالا منّا يأخذون لنا الصّلح، ويظنّون أن يهود تمتنع، فلم يزالوا كذلك حتى جاءهم قتل أهل حصن ناعم، وأهل النجدة منهم، ففتّ ذلك أعضادهم، فقدم رجل من رؤسائهم يقال له نون بن يوشع في نفر من يهود، فصالحوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على أن يحقن دماءهم ويجليهم، ويخلّوا بينه وبين الأموال، ففعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ويقال: عرضوا على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أن يخرجوا من بلادهم، ولا يكون للنبي- صلى الله عليه وسلم- عليهم من الأموال شيء، فإذا كان أوان جذاذها جاءوا فجذّوها، فأبى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يقبل ذلك، وقال لهم محيّصة: ما لكم منعة ولا حصون ولا رجال، ولو بعث إليكم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مائة رجل لساقوكم إليه، فوقع الصّلح بينهم بأن لهم نصف الأرضين بتربتها، ولرسول الله- صلى الله عليه وسلم- نصفها، فقبل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذلك، يقول محمد بن عمر:

وهذا أثبت القولين، وأقرهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على ذلك، ولم يأتهم، فلمّا كان عمر بن

__________

[ (1) ] أخرجه البيهقي في الدلائل 4/ 249 والمغازي للواقدي 2/ 675.

الخطاب وأجلى يهود خيبر بعث إليهم من يقوّم أرضهم، فبعث أبا الهيثم مالك بن التّيّهان- بفتح الفوقية وكسر التحتية المشددة، وبالنون، وفروة بن عمرو بن جبّار- بتشديد الموحدة بن صخر، وزيد بن ثابت، فقوّموها لهم، النخل والأرض، فأخذها عمر، ودفع إليهم نصف قيمة النخل بتربتها، فبلغ ذلك خمسين ألف درهم أو يزيد، وكان ذلك المال جاء من العراق، وأجلاهم إلى الشام.

ذكر المراهنة التي كانت بين قريش في أن أهل خيبر يغلبون رسول الله- صلى الله عليه وسلم-

روى البيهقي عن عروة، وعن موسى بن عقبة، وعن محمد بن عمر عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم- رحمهم الله تعالى- قالوا-: واللفظ لمحمد بن عمر-: كان حويطب- بضم الحاء المهملة، وسكون التحتية، وكسر الطاء المهملة- ابن عبد العزى- رضي الله عنه- يقول: انصرفت من صلح الحديبية، وأنا مستيقن أن محمدا- صلى الله عليه وسلم- سيظهر على الخلق، وتأبى حميّة الشيطان إلّا لزوم ديني، فقدم علينا عبّاس- بالموحدة المشددة- ابن مرداس- بكسر الميم- السلمي يخبرنا أن محمدا- صلى الله عليه وسلم- قد سار إلى خيابر، وأن خيابر قد جمعت لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- فمحمّد لا يفلت إلى أن قال عباس بن مرداس: من شاء بايعته إن محمدا لا يفلت قلت: أنا أخاطرك، فقال صفوان بن أمية: أنا معك يا عباس، وقال نوفل بن معاوية الدّيلمي أنا معك يا عبّاس، وضوى إليّ نفر من قريس فتخاطرنا مائة بعير أخماسا إلى مائة بعير، أقول أنا وحزبي: يظهر محمد- صلى الله عليه وسلّم- ويقول عباس وحزبه: تظهر غطفان، وجاء الخبر بظهور رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأخذ حويطب وحزبه الرّهن.

ذكر استئذان الحجاج بن علاط- رضي الله عنه- من رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بعد فتح خيبر أن يذهب إلى مكة لأخذ ماله قبل وصول الخبر إليها

روى الإمام أحمد عن أنس- رضي الله عنه- والبيهقي عن ابن إسحاق، ومحمد ابن عمر عن شيوخه، قالوا: كان الحجاج بن علاط بكسر العين المهملة، وتخفيف اللّام، السلمي بضم السين، خرج يغير في بعض غاراته، فذكر له إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بخيبر، فأسلم، وحضر مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وكانت أمّ شيبة ابنة عمير بن هاشم- أخت مصعب بن عمير العبدريّ- امرأته،

وكان الحجّاج مكثرا، له مال كثير، وله معادن الذهب التي بأرض بني سليم- بضم السين، فقال: يا رسول الله، ائذن لي، فأذهب فآخذ مالي عند امرأتي، فإن علمت بإسلامي لم أخذ منه شيئا، ومال لي متفرق في تجّار أهل مكة، فأذن له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول

الله، أنه لا بد لي من أن أقول، قال «قل»

قال الحجاج: فخرجت فلما انتهيت إلى الحرم، هبطت فوجدتهم بالثنية البيضاء، وإذا بها رجال من قريش يتسمّعون الأخبار قد بلغهم إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قد سار إلى خيبر، وعرفوا أنها قرية الحجاز أنفة ومنعة وريفا ورجالا وسلاحا، فهم يتحسّبون الأخبار، مع ما كان بينهم من الرّهان، فلمّا رأوني قالوا: الحجاج بن علاط عنده- والله- الخبر- ولم يكونوا علموا بإسلامي- يا حجاج، إنّه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر بلد يهود، وريف الحجاز، فقلت: بلغني أنه قد سار إليها وعندي من الخبر ما يسرّكم فالتبطوا بجانبي راحلتي، يقولون: إيه يا حجاج؟! فقلت: لم يلق محمد وأصحابه قوما يحسنون القتال غير أهل خيابر، كانوا قد ساروا في العرب يجمعون له الجموع، وجمعوا له عشرة آلاف فهزم هزيمة لم يسمع بمثلها قط، وأسر محمّد أسرا، فقالوا: لا نقتله حتّى نبعث به إلى مكة فنقتله بين أظهرهم بمن قتل منّا ومنهم، ولهذا فإنهم يرجعون إليكم يطلبون الأمان في عشائرهم، ويرجعون إلى ما كانوا عليه، فلا تقبلوا منهم، وقد صنعوا بكم ما صنعوا، قال: فصاحوا بمكة، وقالوا: قد جاءكم الخبر، هذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم، وقلت: أعينوني على جمع مالي على غرمائي فإني أريد أن أقدم فأصيب من غنائم محمد وأصحابه، قبل أن تسبقني التّجار إلى ما هناك، فقاموا فجمعوا إليّ مالي كأحثّ جمع سمعت به، وجئت صاحبتي فقلت لها: مالي، لعلّي ألحق بخيبر فأصيب من البيع قبل أن يسبقني التّجار.

وفشا ذلك بمكة، وأظهر المشركون الفرح والسرور، وانكسر من كان بمكة من المسلمون، وسمع بذلك العباس بن عبد المطلب، فقعد وجعل لا يستطيع أن يقوم فأشفق أن يدخل داره فيؤذى وعلم أنه يؤذى عند ذلك فأمر بباب داره أن يفتح وهو مستلق فدعا بقثم، فجعل يرتجز ويرفع صوته لئلا يشمت به الأعداء، وحضر باب العباس بين مغيظ ومحزون، وبين شامت، وبين مسلم ومسلمة مقهورين بظهور الكفر، والبغي، فلمّا رأى المسلمون العباس طيّبة نفسه، طابت أنفسهم، واشتدت منتهم [ (1) ] ، فدعا غلاما له يقال له أبو زبيبة، بلفظ واحدة زبيب العنب، ولم أجد له ذكرا في الإصابة، فقال: اذهب إلى الحجاج فقل له: يقول لك العباس: الله أعلى وأجلّ من أن يكون الذي جئت به حقا، فقال له الحجاج: اقرأ على أبي الفضل السلام، وقل له: ليخل لي في بعض بيوته، لآتيه بالخبر على ما يسره، واكتم عنّي، وأقبل أبو زبيبة يبشر العباس، فقال: أبشر يا أبا الفضل، فوثب العباس فرحا كأن لم يمسّه شيء، ودخل عليه أبو زبيبة، واعتنقه العباس، وأعتقه، وأخبره بالذي قاله.

__________

[ (1) ] المنّة: القوة، انظر المعجم الوسيط 2/ 896.

فقال العباس: لله عليّ عتق عشر رقاب، فلما كان ظهرا، جاءه الحجاج، فناشده الله:

لتكتمنّ على ثلاثة أيام، ويقال: يوما وليلة، فوافقه العباس على ذلك، فقال: إني قد أسلمت، ولي مال عند امرأتي، ودين على الناس، ولو علموا بإسلامي لم يدفعوه إليّ وتركت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد فتح خيبر، وجرت سهام الله- تعالى- ورسوله- صلّى الله عليه وسلم- فيها وانتشل ما فيها، وتركته عروسا بابنة مليكهم حيي بن اخطب، وقتل ابن أبي الحقيق فلما أمسى الحجاج من يومه خرج وطالت على العباس تلك الليالي، ويقال: إنما انتظره العباس يوما وليلة، فلما كان بعد ثلاث، والناس يموجون في شأن ما تبايعوا عليه، عمد العباس إلى حلّة فلبسها، وتخلّق بخلوق، وأخذ بيده قضيبا، ثم أقبل يخطر، حتى وقف على باب الحجاج بن علاط فقرعه، فقالت زوجته: ألا تدخل يا أبا الفضل؟ قال: فأين زوجك؟ قالت: ذهب يوم كذا وكذا، وقالت: لا يحزنك الله يا أبا الفضل، لقد شق علينا الذي بلغك، قال: أجل، لا يحزنني الله، لم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا، فتح الله على رسوله خيبر، وجرت فيها سهام الله ورسوله، واصطفى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صفية لنفسه، فإن كانت لك حاجة في زوجك فالحقي به، قالت: أظنك والله صادقا.

ثم ذهب حتى أتى مجلس قريش وهم يقولون إذا مر بهم: لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل!! هذا والله التجلد لحرّ المصيبة، قال: كلّا والله الّذي حلفتم به، لم يصبني إلا خير بحمد الله، أخبرني الحجاج بن علاط أن خيبر فتحها الله على رسوله، وجرى فيها سهام الله وسهام رسوله، فرد الله- تعالى- الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون من كان دخل في بيته مكتئبا حتى أتوا العباس فأخبرهم الخبر، فسر المسلمون.

وقال المشركون [يا لعباد الله] انفلت عدوّ الله، - يعني الحجاج أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن، ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك.

,

شرح غريب قصة الشاة المسمومة

قوله سلام: وزن كلام.

مشكم: بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة.

مصلية- بفتح الميم، وسكون الصاد المهملة، أي المشوية.

انتهس اللحم: أخذه بمقدم الأسنان للأكل.

لاك: مضغ.

ساغ اللقمة: بلعها.

لفظها: طرحها.

استرط: ابتلع.

الأكلة- بضمتين: المأكول.

الطيلسان- بفتح الطاء، واللام، وتكسر.

ماطله وجعه: طالت مدته.

الكاهل: مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق.

لهوات- بثلاث فتحات، جمع لهاة، وهي اللحمة المعلقة في أقصى الفم.

العداد- بعين مكسورة، فدال مهملتين: اهتياج وجع اللديغ، فإنه إذا تم له سنة من حين لدغ عاوده هياج الألم.

يعاودني- بضم أوله، ورابعه، وتشديده، أي يراجعني ألم سمّها.

قال الداودي: الألم الذي حصل له- صلى الله عليه وسلم- من الأكلة هو نقص لذة ذوقه. قال ابن الأثير: وليس بيّن لأن نقص الذّوق ليس بألم.

الأبهر- بفتح الهمزة، وسكون الموحدة: عرق يكتنف الصّلب إذا انقطع مات صاحبه.

تجاوز عنها: عفا.

شرح غريب ذكر قدوم جعفر وأبي هريرة- رضي الله عنهما-

كلا- هنا: حرف ردع وزجر.

الحبيشية والبحرية- بهمزة الاستفهام والتصغير لبعض رواة الصحيح، والباقين بعدمها، فنسبها عمر للحبشة لسكناها بها، وإلى البحر لركوبها إياه.

البعداء عن الدين: البغضاء له، وهما جمع بعيد، وبغيض.

وايم الله: أي يمين الله، قسم، وفيه اثنا عشر لغة.

أهل السفينة- بالنصب على الاختصاص، وعلى النداء بحذف أداته، ويجوز الجر على البدل من الضمير.

أرسالا- بفتح الهمزة: أفواجا، يتبع بعضهم بعضا.

الحجل- بحاء مهملة مفتوحة، فجيم ساكنة، فلام، أي يرفع رجلا ويقفز على الأخرى من الفرح، وقد يكون بالرجلين.

التطفيف: نقص المكيال.

اكتال منه وعليه: أخذ يتولى الكيل بنفسه، ويقال: كال الدافع، واكتال الآخذ.

السّراة- بفتح السين المهملة: أعظم جبال العرب.

السهمان- بالضم، والأسهم، والسهام، جمع سهم: وهو النصيب.

الحزم- بضم الحاء المهملة، والزاي، جمع حزام.

لليف: بلام التأكيد، وهو معروف.

ابن قوقل- بقافين بينهما واو- وزن جعفر، النعمان بن مالك بن ثعلبة بن أصرم- بصاد مهملة، وزن أحمد- ابن فهم بن ثعلبة بن غنم- بفتح الغين المعجمة وسكون النون، بعدها ميم- ابن عمر بن عوف الأنصاري، الأوسي. وقوقل: لقب ثعلبة، وقيل أصرم، قتله أبان في أحد- رضي الله تعالى عنهما-.

أكرمه الله على يدي: أي استشهد بأن قتل فأكرمه الله- تعالى- بالشهادة.

ولم يهنّي على يديه- بتشديد النون- أصله يهينني فأدغمت إحدى النونين في الأخرى.

يا عجبا لوبر: الوبر- بفتح الواو، وسكون الموحدة- دابّة كالسنّور وحشية، ونقل أبو علي القالي- بالقاف- عن أبي حاتم: أن بعض العرب تسمّي كل دابّة من حشرات الجبال وبرا، قال الخطابي: أراد بأن يحقّر أبا هريرة، وأنه ليس في قدر من يشير بعطاء ولا منع، وأنه قليل القدرة على القتال، قال الكرماني- رحمه الله تعالى- وفيه تعريض بكنية أبي هريرة.

تدلى: تحدر- وفي رواية: تدأدأ بدالين مهملتين بينهما همزة ساكنة- قيل: أصله تدهده، فأبدلت الهاء همزة، وقيل: الدأدأة: صوت الحجارة في السيل: أي هجم علينا بغتة.

قدّوم- بقاف مفتوحة للأكثر، فدال مهملة مشدّدة، وضم بعضهم القاف: اسم ثنية ببلاد دوس.

ضأل- باللام المخففة: فسره البخاري في رواية المستملي، بالسدر، وكذا قال أهل اللغة: إنه السّدر البرّي، وتوهيم صاحب المطالع للبخاري ليس بشيء.

ضان: بغير همزة- قيل هو رأس الجبل، إلا أنه في الغالب موضع مرعى الغنم، وقيل: هو جبل الدّوس: قوم أبي هريرة.

ينعى- بفتح التحتية وسكون النون، وفتح العين المهملة: أي يعيب على، وفي رواية يعيّرني.

وأنت بهذا: أي أنت تقول بهذا، أو قائل بهذا، أو أنت بهذا المكان والمنزلة من رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- مع كونك لست من أهله، ولا من قومه ولا من بلاده.

قبل- بكسر القاف، وفتح الموحدة.

نجد- بفتح النون، وسكون الجيم.



كلمات دليلية: